هل فكّرت يومًا ما فائدة بعض المواد التي تعلّمتها خلال سنوات الدراسة بمراحلها المختلفة؟ هل من الضروري أن يعرف الطفل في الصف الرابع الابتدائي، والذي يبلغ من العُمر نحو 10 سنوات فقط، ما هو اقتصاد الدولة؟ وما دور الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؟

تطوير المناهج التعليمية أصبح ضرورة، في ظل التطوّر التكنولوجي والمتغيّرات التي تطرأ على المجتمع كل يومٍ، سواءً كانت تغيّرات أخلاقية، أو تقنية، أو اقتصادية، وغير ذلك، إذا أردنا بناء مجتمع أفضل.

فتحت "الفجر" باب الحديث في اتجاه وزارة التربية والتعليم لتطوير المناهج الدراسية، بشكل كامل، وتدريجي، لجميع الصفوف الدراسية، وتغيير نظام التعليم؛ ليواكب تغييرات المجتمع.

يأتي ذلك بعد اختيار وزير جديد للتربية والتعليم، وهو الدكتور محمد عبداللطيف؛ حيث تتجدد آمال تطوير الملف مع كل وزارة جديدة، وإيجاد حلول لمشكلاته المتراكمة لسنوات.

كما استطلعنا خلال التقرير التالي، آراء أولياء أمور الطلاب، في مراحل تعليمية وفئات مجتمعية مختلفة؛ لنقف على أسباب الأزمة، ونضع لها حلولًا واقعية.

تطوير المناهج بشكل جوهري

تطوير المناهج بشكل جوهري ومستمر، يضمن ألا تكون المواد الدراسية جامدة، ولكن متطوّرة مع الزمن، تواكب العصر، وهو ما يخلق جيلًا جديدًا قادرًا على السير مع التكنولوجيا، التي أثّرت بشكل مباشر على وعي الأطفال والمراهقين، وقدرتهم على الاستيعاب، واختلاف ثقافتهم.

قالت داليا طارق مؤسس "ائتلاف أولياء أمور مصر"، وهي ولي أمر، إن تطوير المناهج أصبح له أهمية كُبرى، فلا بد أن تواكب المناهج التطورات الحديثة، والعالم يتغير بسرعة كبير، كما يجب أن تكون هذه المناهج قادرة على تنمية مهارات الطالب، بما يتناسب مع سوق العمل، والتركيز على الكيف وليس الكم.

وأضافت في تصريح خاص، أن تطوير المناهج مطلب ينادي به جميع فئات المتجمع؛ نظرًا لما له من أهمية كبيرة، ولكن لا بد أن يكون التطوير جوهريًا وليس شكليًا، مع التأكيد على ضرورة وجود اهتمام بالمعلم وإعداده بشكل جيد، بما يتلائم مه هذا التطوير؛ فلا تطوير دون اهتمام بالمعلم وتحسين أوضاعه الاقتصادية.

وأكدت "داليا" ضرورة أن يتم مراجعة وتقييم تطوير المناهج؛ لضمان أن تكون عملية التطوير في الطريق الصحيح، دون حدوث أي مشكلات، وأيضًا الاهتمام بإعداد كتاب مدرسي يطون بديلًا تنافسيًا للكتب الخارجية، من خلال توافر الشرح المُبسّط والمُنظّم، ويحتوي على تدريبات كثيرة، حتى يستطيع الطالب تقييم نفسه.

وطالبت داليا طراق في تصريحها، بوضع منهج متناسب مع المدة الزمنية للعام الدراسي، حتى يستطيع الطالب فهم المنهج والتطبيق عليه بشكل مناسب، وهذا المطلب الذي وصفته بـ "الحيوي"، سوف يقضي على صيحات أولياء الأمور كل عام دراسي، بمطالبة حذف أجزاء من المنهج، ليتمكنوا من إنهاء المناهج قبل الامتحانات.

الكثافة الطلابية

أزمة الكثافة الطلابية ما دام كانت أزمة كبيرة في وجه أي تطوير يمكن أن يطرأ على قطاع التعليم في مصر، حتى ولو وضعت الدولة استراتيجية لبناء المزيد من المدارس، وزيادة عدد الفصول، إلا أن الكثافة مازالت عائقًا كبيرًا أمامها.

واستنكرت شيماء التهامي، وهي ولي أمر، وجود أزمة في الكثافة الطلابية بالمدارس، والذي اعتبرته عائقًا أمام أي تطوير قد يطرأ على منظومة التعليم، خاصة وأن المناهج المتطوّرة تتطلب التفكير والتركيز الجيد من الطالب.

وتساءلت في تصريح خاص، عن كيفية أن يستطيع الطالب التركيز، في ظل وجود أكثر من 100 تلميذ داخل الفصل، بالإضافة إلى أن المعلم أيضًا لا يستطيع التركيز مع هذا الكم الهائل من الطلاب؛ لذا تتزايد كل يوم مطالب أولياء الأمور بحل مشكلة الكثافة أولًا، ثم نبدأ بتطوير المناهج.

أكدت "شيماء" ضرورة أن يتم تهيئة الطلاب نفسيًا وصحيًا، ليصبحوا قادرين على استيعاب تطوير المناهج، واتلاستفادة منه قدر المُستطاع.

وتابعت: "لدينا علم بأن جهود الدولة كبيرة، وأن تسعى الدولة وتخطط لأن يصبح أبناؤنا قادرون على مواكبة سوق العمل والتطوّر، كيف سيتم دراسة المنهج الجديد لهؤلاء الطلاب؟ لذا لا بد من الدولة احتوائهم، ووضع مناهج تناسب الفروق الفردية بينهم، واختلاف الأعمار".

ناشدت ولي الأمر، الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، بالاهتمام أولًا بملف التعليم في مصر، قبل أي شيء، وتطوير المدارس قبل تطوير المناهج، بالإضافة إلى تطوير المعلمين قبل البدء في وضع مناهج متطوّرة جديدة.

الكتب الخارجية

وعلى صعيدٍ آخر، أشارت ماهي محمود، وهي ولي أمر، إلى فكرة عدم عقد امتحانات لطلاب الصفوف الأولى، وهو ما جفع أولاء الأمور إلى عدم الاهتمام بالدراسة بتلك المرحلة.

وقالت في تصريح خاص، إن المناهج الجديدة المتطوّرة، تتطلّب الفهم، والتركيز، والمذاكرة باستمرار، ولكن كتب الوزارة لا تساعدهم على ذلك؛ وذلك لأنها غير مفهومة، وغير كافية، وتؤدي بهم في النهاية إلى شراء الكتب الخارجية، وذلك بأسعار كبيرة جدًا، ما يُحمّل الأسرة أعباءً مادية طائلة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

وأضافت أن المناهج كبيرة، ولا تتناسب مع المدة القصيرة للفصل الدراسي، وأدّى ذلك إلى استغلال بعض معلمين الدروس الخصوصية للأمر، وذلك عن طريق الضغط على أولياء الأمور في مضاعفة عدد الحصص، وارتفاع أسعار الدروس، مطالبةً بمناهج تتناسب مع أعمار الطلاب، وضرورة أن تناسب مدة الدراسة أيضًا.

خبير مناهج وطُرق تدريس

وفي ذات السياق، قالت الدكتورة إيلاريه عاطف زكي، خبير مناهج وطرق التدريس، ورئيس قسم الدراسات الاجتماعية بمدارس النيل، إن تطوير المناهج عملية مستمرّة، بدأت منذ عام 2018ـ ومستمرة لحين الانتهاء من المرحلة الثانوية.

وأضافت أن تطوير مناهج المرحلة الإعدادية تم وفق رؤية 2030، وتم وضع إطار عام للمناهج، يساهم في إعداد جيل قادر على مواجهة العصر بشكل كبير، وتحتاج تلك المناهج معلمين مُدرَبين بشكل كبير، على تحقيق نواتج التعلم المُستهدفة.

وطالبت "إيلاريه" بسد عجز المعلمين في جميع التخصصات وجميع المحافظات، حتى يجنى التطوير ثماره؛ فالمنهج يحتاج إلى معلم قادر على تنفيذه بشكل إبداعي، ولكن في ظل العجز الكبير المعلمين داخل المدارس، سيكون التحدي كبير، والنتائج غير مُرضية.

أكدت الخبيرة، أن زيادة الكثافة الطلابية في الكثير من المدارس، من أهم المعوقات التي تواجه تطوير المناهج، بالإضافة إلى نقص المعامل، والأدوات، والبنية التحتية التكنولوجية في أكثر من محافظة.

وأوضحت أن الحل هو زيادة عدد المدارس؛ لتقليل الكثافة الطلابية في بعض المحافظات، مثل الجيزة والقاهرة، وتفعيل الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني؛ للمساهمة في العملية التعليمية، وبناء مدارس جديدة.

إعداد مقررات مستقلة للتفكير النقدي

ومن جانبه، أكد الدكتور عاصم حجازي الخبير التربوي، وأستاذ علم النفس والتقويم التربوي بكلية الدراسات العليا جامعة القاهرة، إن الدولة بذلت جهودًا كبيرةً في تطوير المحتوى المعرفي للمناهج، وتضمينه قضايا ومشكلات جديدة، كما أنها أجرت بعض التعديلات في طريقة عرض المحتوى وتناوله، إلا أن التطوير فيما يتعلّق بالمناهج، يجب أن يأخذ حظًا أوفر من الاهتمام؛ حيث لا ينبغي أن يكون التطوير منصبًا فقط على إدخال معلومات ومعارف جديدة، وإلا لكنا مضطرين بذلك إلى تطوير المناهج، ليس بشكل سنوي، وإنما بشكل يومي، وذلك نظرًا للتطوّر المذهل والمتسارع في المعرفة.

وأكد في تصريح خاص، ضرورة أن تولي اهتمامًا أكبر أثناء تطوير المناهج، بتنمية مهارات البحث العلمي، والاستكشاف، ومهارات التعلّم المستمر، وما يرتبط بها من مهاراتظن كالتفكير النقدي والابتكاري؛ حيث أن هذه المهارات تضمن استمرار تدفق المعرفة، ونموها، وتطورها، وتزويد الطالب بمهارات لا بد منها؛ لمواكبة التطورات المستقبلية، لذلك ينبغي العمل على إعداد مقررات مستقلّة، للتفكير النقدي في بداية المرحلة الإعدادية والتفكير الابتكاري في بداية المرحلة الثانوية، بالإضافة إلى مقرر ريادة الأعمال.

وأشار "حجازي" إلى أن طريقة تدريس المقرر تُعتبر جزءًا أصيلًا من المنهج، ولذلك فإن جانب تطوير المحتوى يجب الاهتمام بتطوير طرق تدريسه، وسوف يعمل ذلك على الخروج بالمناهج، من دائرة الحفظ والتلقين، إلى دائرة البحث والاكتشاف والإبداع.

وأكد ضرورة أن تتعاون الجامعات مع وزارة التربية والتعليم في وضع المناهج، وذلك من خلال قيام كل تخصص من التخصصات الجامعية الأساسية، بتحديد الحد الأدنى من المعلومات والمهارات، التي يجب أن تتوافر في خريج التعليم قبل الجامعي، المتقدّم للالتحاق بالجامعة حتى تؤخذ هذه المهارات والمعارف في الاعتبار، عند تصميم وإعداد المناهج، بالإضافة إلى مقترحات سوق العمل المرتبط بكل تخصص، وسوف يعمل ذلك على مزيد من الربط بين التعليم وسوق العمل، وبينه وبين قضايا ومشكلات واهتمامات المجتمع.

مناهج تتضمّن معلومات قديمة

بينما قال الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس والتقويم التربوي بكلية التربية جامعة عين شمس، والخبير التربوي، إن المناهج التعليمية من أهم مكونات العملية التعليمية، والتي من خلالها يكتسب الطلاب المعلومات، والمعارف، والمهارات المختلفة، وبالتالي تحقيق نواتج التعلّم المستهدفة، ومن خلالها يتم إكساب الطالب مهارات التفكير بمختلف أشكاله.

وأضاف في تصريح خاص، أن الدولة المصرية قد تنبّهت إلى وجود مشكلات حقيقية في مناهج التعليم؛ حيث تضمّنت تلك الاشكاليات تضمين المناهج معلومات قديمة، غير متماسكة، منفصلة عن الواقع وعن تطورات الحياة، من الصعب تطبيقها على الواقع، ومتكررة، تشجع فقط على تنمية العمليات العقلية الدنيا مثل الحفظ والاستظهار.

وأكد "شوقي" أن وزارة التربية والتعليم بدأت بشكل علمي، ومدروس، ومخطط تطوير المناهج التعليمية، بدءًا من مناهج رياض الأطفال في عام 2018، ووصل قطار التطوير حاليًا حتى الصف السادس الابتدائي، ومن المتوقع خلال السنوات القليلة القادمة استكمال تطوير المناهج في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وقد تجنّبت المناهج المطوّرة الكثير من مشكلات المناهج القديمة؛ حيث تضمّنت معلومات جديدة، حديثة ومتصلة بالواقع، ومتكاملة، تُنمّي لدى التلميذ، العمليات العقلية العُليا، مثل الاستنتاج، والتفكير، والإبداع، والنقد، وقابلة للتطبيق على الواقع، وحل مشكلاته، مع ذلك خلال السنوات السابقة، ظهرت بعض المشكلات المتصلة بتلك المناهج، يمكن تلخيص أهمها وتقديم مقترحات لحلها كما يلي:

عدم استيعاب المعلمين لفلسفة المناهج الجديدة، ما يحتاج تأهيلهم لتدريسها بكفاءة، الأمر الذي يتطلّب تعيين معلمين جدد، لديهم تدريب وإعداد جيد لتدريس تلك المناهج.تقوم هذه المناهج على أُسس علمية ممتازة، وهي فكرة الأنشطة، والتساؤل ووصول التلميذ للمعلومات، واستكشافها بنفسه داخل الفصل، ولكن مع أخذ التلميذ دروس خصوصية خارج المدرسة، والتي تسبق المدرسة في الشرح، يتم تدمير هذه القاعدة؛ حيث يتم إعطاء الطالب المعلومات المطلوب منه استكشافها بشكل جاهز، في الدرس، مما يعوق تنمية قدراته العقلية، من خلال تلك المناهج، ومن ثم لا بد من بذل الجهود لاستعادة المدرسة دورها التربوي والتعليمي، وتجريم الدروس الخصوصية.طول المناهج الدراسية مُقارنة بزمن الفصول الدراسية، الأمر الذي يتطلّب إعادة النظر في المدة الزمنية للعام الدراسي، أو تكييف المناهج مع زمن العام الدراسي، بما لا يُخل بنوائج التعلم المستهدفة.وجود معلومات متكررة أحيانًا، ومعلومات متناقضة بشكل ظاهري في بعض المناهج، الأمر الذي يقتضي إزالة أي تكرارات، وتوضيح أسباب التناقض الظاهري بين المعلومات.

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: الکثافة الطلابیة تطویر المناهج مناهج التعلیم بالإضافة إلى فی تصریح خاص تلک المناهج المناهج م ضرورة أن من خلال

إقرأ أيضاً:

عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!

مصر ليست أرضا فقط، بل حكاية تتشكل بدم الأجيال وصخب الأفكار. في كتابه "الانعزاليون في مصر"، يغوص الناقد الكبير رجاء النقاش في أعماق تلك الحكاية، مسلطا الضوء على معركة ثقافية هزت جوهر الهوية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الكتاب  وثيقة تاريخية و رحلة في عقول تصارعت مع سؤال ملح: من نحن؟ وأين مكاننا بين أمم العالم؟  
السؤال الملح الآن هو: هل كانت الانعزالية في مصر هروبا من الحياة، أم رد فعل على زمن مضطرب؟. يفكك  رجاء النقاش شفرة هذا التيار بما يحمله من تناقضات: هل هي رغبة في الحفاظ على نقاء الثقافة المصرية من تداخلات العالم العربي؟ أم خوف من اندثار الذات في محيط أكبر؟ ببراعة محلل قدير، يربط الكاتب بين جذور التيار الانعزالي وسياقه التاريخي، حيث كانت مصر تحاول أن تجد مسارها بين انتماءين: انتماء إلى أمة عربية تتشكل، وانتماء إلى حضارة فرعونية تتنفس من خلال رمالها.  
معارك السبعينيات:  
تحت سماء السبعينيات المحملة بأسئلة الهزيمة والانتصار، اشتعلت معارك الكتاب والقلم. يقدم  رجاء النقاش في كتابه مشهدا حيا لصراع بين عمالقة الفكر: لويس عوض الذي رأى في العربية قيدا، وتوفيق الحكيم الذي حاور الهوية بسخرية الفيلسوف، وحسين فوزي الذي تشبث بجذور مصرية خالصة. لم تكن هذه المعارك نزاعا على كلمات، بل حفر في أعماق الذاكرة الجماعية؛ فكل فكرة كانت مفتاحا لعالم محتمل.  
الرقى في الخصام...   
أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بزمن كان الخصام فيه فنا. فالاختلافات بين الأدباء لم تتحول إلى حروب شخصية، إنما بقيت في مسارها الفكري: "يختلفون بشدة، ولكن كأنهم يعزفون على وتر واحد". هذا الرقى هو ما تفقده ساحاتنا الثقافية اليوم، حيث يغيب الحوار وتسطو اللغة الخشنة.  
ذاكرة الكتابة... نور للغد  
بإصدار هذا الكتاب، تحاول سلسلة "ذاكرة  الكتابة" بقصور الثقافة،   التي  يرأس  تحريرها  الدكتور  المؤرخ زكريا الشلق،  أن ترسخ حقيقة: أن الفكر ليس ترفا، بل سلاح لخلق الوعي. فهوية مصر لم تختزل قط في نهر واحد، بل هي نسيج متلون من أنهار الحضارات. وما أشبه مناظرات السبعينيات بما نعيشه اليوم: صراع بين الانكفاء على الذات وانفتاح يهدد بذوبانها.  
ففي زمن تتصاعد فيه أصوات العزلة والعنصرية، يظل كتاب رجاء النقاش مرآة نرى فيها أسئلة الأمس... وأجوبة الغد. لأن مصر، كما قال شاعرها، "لن تموت... ولن تنام".  
أسئلة الزمن المتصدع..  
مصر لا تتكسر على صخرة التاريخ، كلما ارتطمت بها أمواج الأسئلة الحائرة : هل نحن أبناء النيل أم أحفاد العرب؟ أم نحن كل ذلك وأكثر؟ في كتابه، يقتبس رجاء النقاش شعلة من معركة السبعينيات، ليضيء بها طريق الحاضر المعتم. ليست الانعزالية هنا انطواء على الذات، بل ردة فعل على خيانة الزمن: زمن الهزائم السياسية، والانتصارات الثقافية الزائفة.  
جروح الهوية!... 
يحاور النقاش أسطورة "التميز المصري" التي تتجدد كالفينيق كل قرن. فالانعزاليون لم يكفروا بالعربية لذاتها، لكنهم خافوا أن تذوب "الروح المصرية" في بحر القومية العربية الواسع. هل كان حسين فوزي محقا حين نادى بـ"مصر الفرعونية" ككيان منفصل؟ أم أن لويس عوض كان أقرب إلى الحقيقة حين رأى في العربية جسرا للخلاص من سجن التخلف؟ الكتاب يدعونا لنرى في هذه الجدليات لعبة مرآة: كل فكرة تكشف جانبا من أساساتنا الهشة.  
حين يخون الفكر الأمة !  
لم تكن معارك السبعينيات بريئة. فوراء جدل "الهوية" كانت  السلطة تحرك خيوط الدمى. يلقي النقاش بظل على هذا التواطؤ الخفي: كيف استخدمت السلطة الانعزالية كستار لتجذير شعور بالانفراد، بينما هي تحاول فتح الأبواب لسياسات الانفتاح الاقتصادي. هل كان الصراع الفكري مسرحية كبرى، أم أن الأدباء كانوا ضحايا لعقد أعمق؟  
الوله بالذات... أين الحد بين الفخر والنرجسية؟  
يتجاوز النقاش في تحليله حد الوصف إلى التشريح النفسي للانعزاليين: هل هم من يخشون على مصر من "الآخر"، أم أنهم يخشون أن تكشف عورات الذات؟ يقدم الكتاب مقاربة جريئة: الانعزال ليس إلا وهما لإحياء مجد ماض لم يكن بهذا البهاء. فمصر التي يتغنى بها الانعزاليون – بحضارتها العتيقة – لم تكن قط جزيرة منعزلة، بل ملتقى لشعوب الشرق والغرب.  
اليوم.. هل انتهت المعركة أم اتسعت؟  
الغطاء الأكثر إثارة في الكتاب هو حيوية الأسئلة. فما زلنا نجادل أنفسنا: هل نحن أفريقيون أم عرب؟ هل نلتفت إلى الشرق أم نندفع نحو الغرب؟ يشير النقاش إلى أن جذور الأزمة لم تذبُل؛ فكلما اشتدت أزمات الواقع، عادت الانعزالية كـ"رحم آمن" نلجئ إليها. لكن الخطر الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تجزئة الهوية إلى قطع متضاربة: فرعونية هنا، عربية هناك، إسلامية في الوسط. 
الكتاب يصفعنا بحقيقة: لن تكتمل هوية مصر إلا إذا توقفنا عن تقطيعها إلى شظايا. فمصر ليست فرعونية ولا عربية فقط، بل هي وعاء يحتضن تناقضات التاريخ كله. وربما كان "الانعزاليون" – برغم انكفائهم – قد ساهموا في صنع هذه الهوية المركبة، لأنهم أثاروا السؤال الأصعب: كيف نكون نحن، بكل تعقيداتنا؟  
في زمن تتحول فيه الهويات إلى سلاح لقتل الآخر، يبقى كتاب رجاء النقاش دعوة لفهم الذات قبل حملها على الأكتاف. لأن مصر، كما علمتنا السبعينيات، لن تكون إلا بمثل هذه الحروب الفكرية: حروب تبني، لا تدمر.

مقالات مشابهة

  • الخلاوي أعرق نظم التعليم في السودان
  • الإمارات.. تطوير آليات ترخيص مؤسسات التعليم العالي لتصفير البيروقراطية
  • تطوير آليات ترخيص مؤسسات التعليم العالي لتصفير البيروقراطية
  • بدء عودة التيار الكهرباء في سوريا بشكل تدريجي
  • عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!
  • التربية تنشر «الروزنامة الدراسية» في شهر أبريل الجاري
  • واحدة منها كانت في رمضان.. 8 أمور أخفاها الله عن عباده
  • عودة الكهرباء تدريجيًا إلى المحافظات السورية بعد انقطاع عام
  • التعليم العالي: السجل الأكاديمي للطالب يساعد أصحاب الأعمال في التعرف على مدى جاهزيته لسوق العمل
  • التعليم العالي: لوائح الجامعات المصرية تتوافق مع المعايير الدولية