ينطق طرحنا للموضوع من فرضيَّة وجود علاقة بَيْنَ المتغيِّرات الاقتصاديَّة والسلوك الإجرامي للفرد، وأنَّ البُعد الاقتصادي يُشكِّل خيوطًا ممتدَّة لممارسة الإجرام بمختلف أنواعه. ففي دراسة أجرتها الباحثة بجامعة السُّلطان قابوس، ابتسام بنت ناصر الخروصيَّة (2019) بعنوان «جرائم المرأة في المُجتمع العُماني: دراسة حالة نزيلات السِّجن المركزي بولاية سمائل»، وهدفت إلى التعرُّف على جرائم المرأة في المُجتمع العُماني من خلال الكشف عن أهمِّ السِّمات الاجتماعيَّة للمرأة المرتكبة للجريمة، وأهم العوامل التي دفعتها لارتكاب الجريمة، فضلًا عن أنواع الجرائم المرتكبة من قِبل المرأة للتوصُّل إلى آليَّات يُمكِن أن تحدَّ من أشكال ومظاهر الجرائم المرتكبة من قِبل المرأة العُمانيَّة، باستخدام أداة الاستبانة لجمع البيانات من مُجتمع البحث البالغ عدده (20) نزيلة عُمانيَّة محكومة في السِّجن المركزي بولاية سمائل، حيث توصَّلت إلى أنَّ غالبيَّة أفراد مُجتمع الدراسة يتمركزن في سِن الشَّباب وسِن النضج، حيث إنَّ نسبة (90%) من مجموع مُجتمع الدراسة أعمارهن بَيْنَ (20ـ49) سنة، وأنَّ نسبة (85%) مِنْهم ممَّن مستواهنَّ العلمي ثانوي أو أقلّ، كما أنَّ غالبيَّة النزيلات من المتزوِّجات واللاتي سبق لهنَّ الزواج (المطلَّقة والأرملة) وغالبيَّة المشارِكات في البحث من الباحثات عن عمل وذوات الدخول المنخفضة؛ وأنَّ الفعل الإجرامي لا يُمكِن أن يحدُثَ بمعزل عن هذه العوامل مُجتمعة كُلِّها أو بعضها.

فالعوامل الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة المحيطة بالمرأة، والمتمثِّلة في انخفاض المستوى التعليمي والحالة الاجتماعيَّة للوالدَيْنِ، وسوء التنشئة الاجتماعيَّة، والتفكُّك الأُسري، وانهيار البناء الاجتماعي للأُسرة، ورفيقات السوء، وانخفاض مستوى دخل الأُسرة، وغيرها كُلُّها عوامل رئيسة تساعد على ارتكاب المرأة للجريمة.
وتأسيسًا على نتائج هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي أظهرت وجود علاقة وخيوط التقاء وترابط بَيْنَ التغيُّرات الاقتصاديَّة وتداعياتها على السلوك الإجرامي للمرأة والرجُل على حدٍّ سواء، وإسقاط ذلك على ما طرحه تقرير المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حَوْلَ الجرائم والجناة لعام 2021م، وبشكلٍ خاصٍّ ما يتعلَّق مِنْه بحصول الجرائم الواقعة على الأموال على المرتبة الأولى في تصنيف الجرائم في سلطنة عُمان للعامَيْنِ 2020 و2021م والأعوام التي قَبلها، يعطي إجابة مُقْنعة حَوْلَ الفرضيَّة التي انطلقنا مِنْها في هذا المقال بأنَّ الظروف والمتغيِّرات الاقتصاديَّة لها حضورها الواسع في الفعل الإجرامي مهما اختلف نَوْعه وحجْمُه وشكْلُه، وسواء تعلَّق ذلك بالمال أو العِرض أو غيرها من السلوكيَّات الشَّائنة والظواهر المُريبة، حيث تشير الإحصائيَّات إلى أنَّ عدد الجرائم المُسجَّلة في عام 2021م بلغ (12812) بارتفاع بلغ (13%) عن عدد الجرائم المُسجَّلة في عام 2020م والذي بلغ (11.312). ومن حيث تصنيف الجرائم، فإنَّ الجرائم الواقعة على الأموال هي أكثر الجرائم ارتكابًا في عام 2021م بـ(4121) بنسبة 32.2% بما يزيد على عددها في عام 2020م، حيث بلغ عددها (3.422) جريمة وبنسبة (30%) لِتُشكِّلَ الجرائم الواقعة على الأموال المرتبة الأولى في تصنيف الجرائم في سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة؛ وأنَّ 98% من هذه الجرائم الواقعة على الأموال تتركز في السرقة والشروع فيها، والاحتيال، وإساءة الأمانة، والإضرار بالأموال الخاصَّة، مع وجود جرائم أخرى تتفاوت في حجم ممارستها وتقع تحت هذا التصنيف، مِثل: الإضرار بالأموال العامَّة، والحريق قصدًا والشروع فيه، والقرصنة الإلكترونيَّة، واستعمال بطاقة الغير دُونَ عِلمه، والتعدِّي على البطاقات الماليَّة، أو غيرها ممَّا يتحدث عَنْه الواقع كالغشِّ والابتزاز الإلكتروني والمحافظ الوهميَّة والنَّصب على المواطن في الحسابات البنكيَّة، وممارسات أخرى تتعلق بالقروض الشخصيَّة بَيْنَ الأفراد، والحلف والحنث باليمين والإنكار، والشيكات المرتجعة من غير رصيد، وعدم دفع الإيجارات السكنيَّة والتجاريَّة، واستغلال المناصب الوظيفيَّة، واختلاس المال العامِّ، والابتذال الخُلقي والاستعراض الجسدي بهدف الحصول على المكاسب الربحيَّة السريعة عَبْرَ الدعاية والإعلانات التجاريَّة، والشهرة والظهور الجريء غير اللائق للمرأة في المنصَّات الاجتماعيَّة مقابل الحصول على المال على حساب الدِّين والشَّرف والعِرض والقِيَم، والحالات المتعلقة بالتسوُّل وغيرها من الظواهر الاقتصاديَّة السلبيَّة التي باتَتْ تُمارس بآليَّات وطُرق وأوصاف احترافيَّة، ومن فئات مختلفة في المُجتمع، وتُمثِّل في مجملها ظواهر سلبيَّة وممارسات تتجافى مع الذَّوق العامِّ والمشاعر المُجتمعيَّة. أمَّا من حيث التوزيع النسبي للجناة بحسب الجرائم في عام 2021، فقَدْ شكَّل العُمانيون نسبة (49%) من إجمالي الجناة، وأنَّ 30% من الجناة العُمانيين ارتكبوا الجرائم الواقعة على الأموال، وفي المقابل شكَّل الأحداث ممَّن هم دُونَ سنِّ الثامنة عشرة رقمًا صعبًا في السلوك الإجرامي بواقع (3.8%) من نسبة الجناة.
وعلى الرغم من أنَّ بيانات الجريمة والجناة ما زال يشوبها بعض الغموض في تفاصيلها الدقيقة التي جاءت الحاجة إلى أن تظهرَ بشكلٍ أوضح وأوسع في التقارير الرسميَّة القادمة، فعلى سبيل المثال: مَن هي الفئة الأكثر ممارسة لهذه الجرائم وفق تصنيف الجرائم؟ وكم يُشكِّل الشَّباب فوق 18 عامًا؟ وكم يُشكِّل الأحداث فيها؟ وهل المُبرِّر الاقتصادي والحصول على المال (حجم الاحتياج الشخصي للمال) يُشكِّل رقمًا صعبًا في ممارسة هذه الجرائم أو انتشار هذه الظواهر؟ وما مدى الحاجة إلى وجود متغيِّرات أكثر وأعمق في تناول الظاهرة أو السلوك الإجرامي؟ وما هي الظروف العامَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والنَّفسيَّة والفكريَّة والتعليميَّة للجناة؟ وغيرها كثير، بحيث تظهر في الإحصائيات بشكلٍ أكثر وضوحًا حتَّى يتسنَّى فهْمُ العلاقة بَيْنَ هذه المتغيِّرات ومستوى حضورها في السلوك الإجرامي، بما يُلقي على عاتق المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ـ المرجعيَّة الوطنيَّة لتلبية احتياجات ومتطلبات سلطنة عُمان من الإحصاءات الرسميَّة والمعلومات الموثَّقــة ـ في إعادة إنتاج مسار المعلومات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وتعظيم دَوْر المؤشِّرات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة في إنتاج حلول نوعيَّة وخيارات أوسع تساعد الجهات المعنيَّة في الوصول إلى قرارات أكثر احترافيَّة في التعامل مع البُعد الاقتصادي وعلاقته بالإجرام، ويضع الأُسرة والمُجتمع ومؤسَّسات المُجتمع المَدني والتعليم والإعلام والمؤسَّسات الدينيَّة والتشريع والقانون أمام مسؤوليَّة بناء سياسات وطنيَّة وشراكات عمليَّة في مواجهة التداعيات الأمنيَّة والجرميَّة على المتغيِّرات والظروف الاقتصاديَّة، والتعامل مع تفاصيلها بمهنيَّة واستشعار الجميع لمسؤوليَّته ونطاق عمله في هذا الجانب.
عَلَيْه، فإنَّ قراءة هذه المؤشِّرات المرتبطة بالظروف الاقتصاديَّة للجاني على سلوكه الإجرامي من جهة أو علاقة التحَوُّلات الاقتصاديَّة بالظواهر السلبيَّة التي باتَتْ تحدُث في المُجتمع وتتجانب مع الهُوِيَّة والقِيَم والأخلاق العُمانيَّة، أو لها نتائج عكسيَّة على النسيج الاجتماعي؛ يستدعي البحث عن معالجات جادَّة وشراكات عمليَّة في الحدِّ من مخاطر السلوك الجرمي وتأثيره على النسيج الاجتماعي والهُوِيَّة العُمانيَّة والقِيَم الأخلاقيَّة، ويؤسِّس لمرحلة متقدِّمة من العمل الوطني الموَجَّه الذي يقرأ الحالة الاقتصاديَّة في إطار المنظومة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والأمنيَّة؛ كونها ليست حالة منفصلة عن الواقع، لذلك فإنَّ أيَّ سياسات أو توجُّهات أو إجراءات اقتصاديَّة يجِبُ أن تأخذَ في الحسبان الحيلولة دُونَ الإضرار بقِيَم المُجتمع والهُوِيَّة العُمانيَّة، وأن لا تُشكِّلَ الظروف الاقتصاديَّة والحالة المعيشيَّة للمواطن وحجم الدخل، مُبرِّرًا ودافعًا له في الإجرام؛ ذلك أنَّ مخاطر هذا الاتساع الجرمي يتجاوز الحالة الفرديَّة إلى المُجتمع، ثمَّ المصالح الوطنيَّة العُليا، إذ إنَّ اتِّساع الجريمة الاقتصاديَّة يُهدِّد الاقتصاد الوطني والأمن الاجتماعي والاستقرار النَّفْسي والاستثمار والإنتاج، حيث تُعدُّ الجريمة الاقتصاديَّة من أهمِّ العوامل السلبيَّة التي تعوق جهود التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وتُقلِّل من فرص الاستثمار نظرًا لِمَا تحتاجه نظريَّة الاستثمار من بيئة آمنة وقوانين تجمع بَيْنَ الإنتاجيَّة والمُرونة والكفاءة والقوَّة التي تضع حدًّا لهذه الثغرات والمقلقات، وتقف في وَجْه المحافظ الوهميَّة والاحتيال وغيرها. لذلك تنفق الدوَل اليوم الكثير من الأموال في سبيل تأمين منظومتها الاقتصاديَّة عَبْرَ تعزيز الأمن المعلوماتي والأمن السيبراني وموثوقيَّة الخدمات الإلكترونيَّة، بما من شأنه الحدُّ من التأثير على استقرار الاستثمار، وطمأنينة أصحاب الأموال. ولعلَّ ما يدعو للقلق المستمر هو أنَّ الجريمة الاقتصاديَّة والواقعة على الأموال تُسجِّل كُلَّ يوم تطوُّرًا جديدًا في أنماطها، واستحداثًا في أساليبها، ومضاعفات في الخسائر الناجمة عَنْها، وذلك ما تؤكِّده الإحصاءات التي أشرنا إلى بعضها، بل وظهرت لها أشكالها المعقَّدة ممَّا تُحذِّر مِنْه شُرطة عُمان السُّلطانية عَبْرَ موقعها الإلكتروني وصفحاتها في المنصَّات الاجتماعيَّة ممَّا باتَتْ تستخدمه العصابات الإجراميَّة مِثل اختراق بطاقات السَّحب الآلي وسحب أموال وودائع عملاء بنوك تجاريَّة دُونَ عِلْم أصحابها.
أخيرًا، يبقى التساؤل مطروحًا: إذا كانت الظروف والمتغيِّرات الاقتصاديَّة في مستوياتها المتدنِّية تُشكِّل خطرًا على أمن المُجتمعات في توقُّع اتِّساع السلوك الجرمي وانتشار الظواهر السلبيَّة؛ ومن منطلق أنَّ ما يحصل من ممارسة بعض الإجرام الاقتصادي كالسرقة والغشِّ والابتزاز قَدْ لا يكُونُ سببُه الحاجة للمال، بل يحصل السلوك الإجرامي ممَّن هو في وضع اقتصادي جيِّد، بما يعنيه ذلك أيضًا من أنَّ تعميم الفرضيَّة التي أشرنا إليها قَدْ لا ينطبق على حالات أخرى يكُونُ فيها السلوك الإجرامي كردَّة فِعل له علاقة بظروف واعتبارات شخصيَّة واجتماعيَّة ونَفْسيَّة واختلالات لا إراديَّة وشغف ذاتي في الإجرام، لإرضاء غرور النَّفْس، أو تأتي نتاج إرهاصات وتفاعلات وهواجس أخرى لدى الجاني غير مفهومة في ظاهرها العامِّ؛ وقياسًا إلى ما أشرنا إليه، إلى أيِّ مدى يُمكِن أن يُسهمَ الإسراع في تطبيق المنافع النقديَّة والبرامج التأمينيَّة التي أقرَّتها منظومة الحماية الاجتماعيَّة في دَرْء هذه المخاطر وتقليل دافع السلوك الإجرامي؟

د.رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

المصدر: جريدة الوطن

كلمات دلالية: ات الاجتماعی الجرائم الم ة الاجتماعی فی الم جتمع ة الع مانی سلطنة ع على الم فی الس ع مانی فی عام م جتمع ة التی

إقرأ أيضاً:

المقاطعة تعني الامتناع الطوعي عن التعاطي مع العدو في أي مجال من المجالات وأولها وأهمها المجال الاقتصادي 

شرعية المقاطعة:

ليست المقاطعة الاقتصادية وليدة العصر الحاضر بل هي قديمة قدم الإنسان قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة] ومنذ ذلك الوقت اعتبرت المقاطعة بأشكالها ترجمة فعلية للعداوة، فعبر سليمان عليه السلام عن غضبه على قوم سبأ برفض هديتهم، كما عبر يوسف عليه السلام عن غضبه على إخوته بمقاطعتهم اقتصاديا قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}.

وقد أمر الله المؤمنين بمقاطعة المخلفين قال تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَيهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَومِ الْفَسِقِينَ}.

كما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله بمقاطعة المنافقين قال تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ}.

وكذلك أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بمقاطعة كلمة واحدة كان يستخدمها اليهود كتعبير عن حقدهم وبغضهم لرسول الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

وفي هذا دليل وشهادة فيما يتعلق بشرعية المقاطعة بكافة أشكالها وفي مقدمتها المقاطعة الاقتصادية. ألم يحصل هنا مقاطعة لكلمة راعنا؟ لأن استخدامها يمثل دعماً لليهود، إذاً فنحن يجب أن نقاطع منتجاتهم لأنها تشكل دعماً مادياً كبيراً لهم، وتفتح علينا مجالا لأن نتقبل كل ما يريدون أن يوصلوه إلينا من سموم مميته ومواد معقمة، حتى لا نعد ننجب وحتى يكون عندنا أمراض مستعصية وأشياء كثيرة جداً، فهم مع تقدمهم العلمي يعتبرون خطيرين جداً.

المقاطعة دليل وعي

ومقاطعتنا اليوم لأعداء الله من الأمريكيين والإسرائيليين وغيرهم دليل على وعينا، وتعبير عن مصداقية إيماننا بما فرضه الله علينا من ضرورة المواجهة لأعداء الله، وقد ركّز الشهيد القائد (رضوان الله عليه) بشكل كبير في مشروعه القرآني الجهادي على تحريض الأمة على مقاطعة البضائع الأَمريكية والإسْرَائيْلية، لما تمثله من أَهَميّة كبيرة جداً في مواجهة أَمريكا وإسْرَائيْل، اللتين تعتمدان بشكل مباشر في قوتهما الاقتصادية على ثروات الأمة الإسلامية وأسواقها.

ونظرا للفارق الكبير الخارج عن نطاق المقارنة بين طرفي الصراع من حيث الإمكانات المادية والتسلح في المجال العسكري، وما وصل إليه أعداء الأمة من السبق في إعداد القوة وامتلاك الخبرات وابتكار الوسائل والأساليب المتطورة والغير مألوفة لدى الكثير من أبناء الأمة، ونظرا أيضا لعمق الخيانة والفشل الذي تميزت به أنظمة العمالة وحكام الجور الذين سيطروا على واقع الأمة فزادوها ضعفا فوق ضعفها وفشلا على فشلها، صارت المقاطعة الشاملة لأعداء الله هي أهم سلاح يمكننا من خلاله التأثير الفعلي والمباشر عليهم، وإلحاق الضرر والنكاية بهم إلى عقر ديارهم، وعلى هذا الأساس باتت المقاطعة ضرورة حتمية تقتضيها الظروف ويفرضها الواقع.

حيث تعد المقاطعة الاقتصادية سلاحا فعالا ذا جدوائية كبيرة يصل تأثيرها إلى عمق العدو، مع سهولة تطبيقها بشكل سلس ومستمر من قبل الجميع تحت أي ظرف ومن دون تدريب أو خبرة مسبقة، بل أقصى ما تحتاج له هي الإرادة الصادقة والالتزام العملي، كما تمتاز بسرعة التأثير على نفسية العدو ومقدراته واستدامة أضرارها النفسية والمادية، فتشل حركته، وتلحق به خسائرا فادحة وكبيرة على كل المستويات من دون أن تخسر أنت شيئا، وهي في نفس الوقت عمل حضاري تطبيقي واقعي تحقق تأثيرا فعليا وملموسا، كما أنها عمل مجدٍ ونافع لتفريغ سخطك على عدوك بدلا من الشتائم والأعمال التي لا نفع منها.

جدوائية سلاح المقاطعة

أما عن تأثيرها فيقول الشهيد القائد (رضوان الله عليه): (الإنسان الذي يعتبر مجاهداً يجب أن يبذل جهده في سبيل الله، ويعرف ماذا ينبغي أن يعمل، وأعتقد فعلا رفع الشعار، وتفعيل المقاطعة الاقتصادية، تعتبر من الجهاد في سبيل الله، ولها أثرها المهم فعلاً، بل قد يكون هذا الجهاد أشد على الأمريكيين مما لو كنا عصابات نتلقى لهم ونقتلهم، فهو يؤثر عليهم بشكل كبير من الناحية المعنوية والنفسية بالشكل الذي لا يستطيعون أن يواجهوه بأي مقولة من مقولاتهم، وفي نفس الوقت يعرفون أنه يضربهم ضربات نفسية ومعنوية رهيبة).

ومن هنا فإن المقاطعة الفعلية لها تأثيرها الحقيقي على العدو ولها نتائجها الملموسة على كافة المستويات، ومن ذلك المستوى السياسي، حيث تعتبر عملية ردع للعدو تقلص من سياسته ضدك، وتدفعه إلى التخلي عنها ولو بشكل تدريجي، كما أنها تدفع بالعدو إلى مراجعة حساباته مع أي قرار يتبناه ضدك، فتساهم في تلاشي سياسة الهيمنة والاستعلاء، وترفع من شأنك وقيمتك في نظر عدوك، بحيث تصبح عنده محترم العرض والأرض، لأن العدو لا يؤمن إلا بلغة القوة، أما تأثيراتها على الجانب الاقتصادي فهي أعظم بكثير حيث تستطيع من قريتك أو مدينتك -بالتزامك بالمقاطعة المستمرة والشاملة- أن تضرب عدوك اقتصاديا، وتكبده خسائر فادحة يدخل بسببها في أزمات ومشاكل اقتصادية، تسبب له تدهورا اقتصاديا قد يصل إلى حد الإفلاس، ولأن أعداءنا من الأمريكيين والإسرائيليين يعتمدون بشكل أساسي على مواردنا وثرواتنا وعلينا كسوق استهلاكية لإنعاش صناعتهم وتجارتهم وزراعتهم، فإن تفعيلنا للمقاطعة الاقتصادية بشقيها الاستيرادي والتصديري ضدهم، ولو لم يكن إلا في مجال النفط، كفيل بأن نضربهم ونؤثر عليهم، لأنهم لن يستطيعوا أن يتحركوا من دون المال، كما أن للمقاطعة تأثيرها على الجانب الاجتماعي أيضا، فالفقر والأزمات الاقتصادية وتدني المعيشة يثير المجتمعات، ويشعل الثورات، وينشر الكراهية والحقد ما بين الحاكم والمحكوم، وهذا يؤدي إلى تفكك تلك القوى وانهيار تلك الإمبراطوريات وتفتتها، خاصة مجتمعات اعتادت الرفاهية ورغد العيش كالمجتمع الأمريكي والإسرائيلي.

تفعيل هذا السلاح مهم؛ لأن من أسوأ ما يتحاشاه المنافقون هي المقاطعة لهم، وأن يتحولوا إلى منبوذين مكروهين مرفوضين، لا قابلية لهم، ولا تأثير لهم في واقع المجتمع أبداً، هذه مسألة كبيرة عليهم وتمثل عذابا لهم، عندما يشعرون أن المجتمع قد نبذهم وقاطعهم وتركهم وأصبحوا لا قيمة لهم ولا أهمية لهم ولا تأثير لهم، يعذبون عذاباً نفسياً، ويشعرون بالخزي، وهذا من أسوأ ما يحرصون على تحاشيه، ولذلك يسعون إلى استرضاء المجتمع بكل الوسائل والأساليب؛ من ذلك الحلف بالأيمان الفاجرة، والخداع والأكاذيب، ويطلقون الكثير من الدعايات لهذا الغرض.

فوائد المقاطعة الاقتصادية

للمقاطعة فوائدها الكبيرة والكثيرة، ليس على مستوى ضرب العدو فحسب، بل وعلى مستوى واقع الأمة، يمكن إيجازها فيما يلي:

تساعد على إصلاح الوضع الداخلي للأمة بتوجيه عدائها وغضبها نحو عدوها الحقيقي، فتقل في داخلها المشاكل والمماحكات ويتعزز التآخي والتعاون.

تثير السخط ضد العدو بما يوفر حالة من المنعة الداخلية التي تحمي الأمة من العمالة والارتزاق.

تعمل على ترشيد الاستهلاك الزائد للمواطنين، خاصة فيما يتعلق بالكماليات.

تحمينا من الاستهداف بالأوبئة والأمراض والسموم والعقم.

تشجع الصناعات والمنتجات المحلية بما يحقق الاكتفاء الذاتي، بحيث نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع.

تحد من استنزاف العملات الصعبة وتحد من تراكم الديون الخارجية.

توظف أسواقنا في خدمة شعوبنا ودولنا.

التزامك بها يكسبك رضى الله ومعيته والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، لأنها من الجهاد في سبيل الله.

المقاطعة تساهم في توجهنا نحو بناء واقعنا وتصحيحه وترميمه.

أمثلة وشواهد من الواقع على جدوى المقاطعة الاقتصادية:

لم نكن نحن أول من يستخدم المقاطعة كسلاح ضد عدوه، بل لقد استخدمها البشر منذ القدم، وذلك لما لمسوه من تأثيراتها المادية والنفسية الكبيرة على العدو، ومن تلك المقاطعات.

مقاطعة الهند لبريطانيا: وذلك بقيادة [غاندي] إبان احتلالها لبلدهم عندما احتكرت شراء القطن الهندي الطبيعي بثمن بخس، لتعيده ملابساً وقطعاً قطنيةً، وتبيعه للهنود بأغلى الأثمان، فقرروا مقاطعة الملابس البريطانية، وغزلوا ملابسهم بأيديهم، ومرة أخرى عندما كانت بريطانيا تمنع الشعب الهندي من استخراج الملح، لتبيعه إياهم بأثمان باهظة، فاستخرجوا ملحهم بأنفسهم، وأخيرا قرروا مقاطعة كل ما هو بريطاني، فواجهت بريطانيا خسائر مادية فادحة كانت سببا مهما في انسحابها من الهند.

مقاطعة الأمريكيين السود للمواصلات: لم يكن يسمح للأمريكيين السود، أن يركبوا في الحافلات، وإنما كان يجب عليهم الوقوف طوال فترة الرحلة، أو الجلوس في مؤخرة الباص إمعاناً في إذلالهم. رغم محاولاتهم لتغيير هذا الواقع، إلا أنه ظل قائماً حتى واتتهم فكرة المقاطعة. قرروا عدم استخدام الحافلات والسير على أقدامهم أو استخدام الدراجات الهوائية أو أي وسيلة مواصلات أخرى، وكانت النتيجة خسائر فادحة في قطاع المواصلات تم بسببها إلغاء النظام الجائر بحقهم.

مقاطعة اليابانيين لأمريكا: وذلك عندما رفضوا شراء السلع والبضائع الأمريكية، وأعلنوا رفضهم القاطع للاحتلال والسيطرة الأمريكية على مقدراتهم الاقتصادية والعلمية، وشجعوا صناعتهم الوطنية وإنتاجهم الزراعي والخدماتي، وبهذه الإجراءات التي بدؤوها بالمقاطعة استطاعوا التقدم بخطوات ثابتة في جميع المجالات، وفرضوا سيطرتهم الاقتصادية حتى على السوق الأمريكية نفسها، واستطاع الاقتصاد الياباني أن يسجل لصالحه فائضا كبيرا في الميزان التجاري وصل إلى حد وقوع نزاعات تجارية عديدة بين البلدين.

مقالات مشابهة

  • وزير دفاع الحوثيين: لدينا ترسانة عسكرية كبيرة قادرة على صناعة التحولات
  • سلطنة عمان تُفشل تهريب طائرات مسيرة إلى اليمن.. تابعة لأي طرف؟
  • مع السلطنة.. دول تحتفل بعيد الفطر المبارك يوم الإثنين
  • مع السلطنة.. دول تحتفل بعيد الفطر المبارك. الإثنين
  • مع السلطنة.. هذه الدول تحتفل بأول أيام عيد الفطر الاثنين
  • FT: إدارة ترامب في وضع لا تحسد عليه نتيجة التدهور الاقتصادي
  • سلطنة عمان تُعلن الإثنين أول أيام العيد
  • أوروبا في مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية .. تحديات جديدة وأفق من التعاون
  • ناميبيا تشهد انتعاشًا طفيفًا في النمو الاقتصادي على مدار العامين المقبلين
  • المقاطعة تعني الامتناع الطوعي عن التعاطي مع العدو في أي مجال من المجالات وأولها وأهمها المجال الاقتصادي