مع بدء العدِّ التنازلي لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة العاشرة، واستمرار حملات الدعاية الانتخابيَّة للمترشِّحين بالولايات بالدعوة لحضور لقاء الناخبين والتي تستهدف تعرُّف مُجتمع الولايات على المترشِّحين عن قرب حيث يتمُّ فيها استعراض تفاصيل البرنامج الانتخابي ومحدِّداته ومجالاته ورؤية المترشِّح في التعامل مع الموضوعات ذات الصِّلة في برنامجه، وفتح باب النقاش والتحاور والإجابة عن التساؤلات والنقاشات المطروحة من قِبل الجمهور، لتُشكِّلَ محطَّة مُهمَّة في سبيل بناء الثقة، وتعزيز لغة تواصليَّة أكبر مع المترشِّح والمدركات الفكريَّة لدَيْه، والممكنات والقَدْرات والمهارات التي يُتقنها، والاستعدادات النَّفْسيَّة والقناعات التي يحملها في ظلِّ معطيات الموقف التنفيذي واستراتيجيَّة التعامل مع التعدُّديَّة في الآراء، لضمان كفاءة تقديم الرؤى والمبادرات التي يُمكِن خلالها إبقاء خيوط الترابط وجسور التواصل مع المواطن ممتدَّة حتَّى بعد ترشُّحه لعضويَّة المجلس ـ في ظلِّ الهاجس المُجتمعي من انقِطاعه بعد حصوله على موقع له في مجلس الشورى ـ فإنَّ ما يُمكِن أن تثمرَ عَنْه هذه اللقاءات من فرص سوف يُعزِّز من مفهوم وحدة الهدف، والمسؤوليَّة المشتركة، ويؤطِّر التكامل الوطني الذي يتَّجه نَحْوَ الأولويَّات الوطنيَّة العُليا، في ظلِّ إدراك تامٍّ للمُجتمع حَوْلَ الصلاحيَّات الممنوحة لمجلس الشورى ومساحة الصلاحيَّات التي يُمكِنه الانطلاقة في ضوئها، والخيارات المتاحة له في ترجمة أجندة الحملة الانتخابيَّة وأهدافها إلى واقع عملي وإجراءات ونماذج وليس مجرَّد وعود وظواهر صوتية، الأمْرُ الذي من شأنه أن يُسهمَ في بناء لغة خِطابيَّة تواصليَّة متكافئة ومتوازنة في الطرح وتحليل الموقف، والتمكُّن من الإجابة عن ما يطرحه المُجتمع وقدرته على تغيير القناعات السلبيَّة التي تولَّدت لدى المُجتمع حَوْلَ تصرُّفات المترشِّحين التي ظلَّت حاضرة بعد كُلِّ فترة انتخابيَّة.


وعَلَيْه، يأتي التساؤل: ما المردود المتوقَّع من الحملات الانتخابيَّة؟ وهل سيفصح عن رحلة جديدة تُعِيد النظر في آليَّة الاختيار؟ وهل ستوفِّر الدعاية الانتخابيَّة وما حمَلته في رصيدها من مؤشِّرات وأعطته من وعود فرص نجاح مضمونة يُمكِن أن يقيسَ عَلَيْها قَبول هذا المترشِّح، وأن تكُونَ له أسبقيَّة الحصول على الاعتراف المُجتمعي؟ وهل يعوَّل على هذه المساحات الحواريَّة التي عبَّرت عَنْها اللقاءات وركَّزت عليها الدعايات؛ في نُموِّ الوعي المُجتمعي حَوْلَ معايير اختيار عضو مجلس الشورى؛ باعتباره الحلقة الأقوى في معادلة اختيار عضو مجلس الشورى، والذي يتناسب اختياره مع طبيعة المرحلة وتطلُّعات المواطنين والشَّباب وفئات المُجتمع الأخرى، ويعطي صورة أخرى غير الصورة المتكررة التي اعتاد عَلَيْها المُجتمع في عمليَّات الترشيح، القائمة على فرض لغة الوصاية الشخصيَّة المدعومة بالتراكمات القبليَّة وسُلطة العادات والتراكمات الفكريَّة التي ما زالت تقرأ عمليَّات اختيار في موازين ضيِّقة ومقاييس المال والوجاهة والعائلة؟ وبالتَّالي ما إذا كانت هذه اللقاءات تقَدِّم محطَّات للتأمل والمراجعة والتفكير وإعادة هندسة الذَّات وحشد الجهود المُجتمعيَّة في الوقوف على الطرح المقدَّم من المترشِّح لتمثيل الولاية في مجلس الشورى، ويعطي فرصًا أكبر للموازنة بَيْنَ ما يطرح من المترشِّحين من قضايا ويتداول من أجندة في دعايتهم الانتخابيَّة؟ وما إذا كانت ستحظى بالتطبيق بعد فوز المترشِّح، أم ستظلُّ مجرَّد نُسخ متكررة ووعود غير منتجة، وممارسات فارغة تستهدف الوصول إلى الفوز بِدُونِ أيِّ دلالات تعكسها أو مؤشِّرات تعبِّر عَنْها؟
من هنا، فإنَّ الرهان اليوم في قدرة المُجتمع على التخلِّي عن فرض سُلطة العادات وثقافة التراكمات الشخصيَّة لصالح بناء وعي مُجتمعي أصيل لا يرتبط بالأزمنة والأمكنة والأحداث والأشخاص والمناسبات، بل خيار استراتيجي وشعور جمعي، وخُلق مُجتمعي، يغيِّر معادلة القوَّة لصالح الوعي والمسؤوليَّة وتقدير الكفاءة في انتخاب عضو مجلس شورى واعد، يمتلك المهارة والتجربة، والاستعدادات والكفاءة العلميَّة والمهنيَّة، ويتَّسم بالتنوير الفكري والتأصيل الخُلقي الذي يحافظ على جاهزيَّة المهارات والاستعدادات وفاعليَّتها في رسم ملامح الصورة القادمة، كما يمتلك حسَّ التغيير الذَّاتي لصالح صناعة الفارق، وإنتاج التحَوُّل، وخَلق حسٍّ مسؤول يتفاعل مع أولويَّات المواطن، ويستجيب لمعطيات التحَوُّل الشامل، ويتقاسم مع المُجتمع مشترك التغيير والبناء ومسارات التمكين والاحتواء، وهذا الأمْرُ من شأنه أن يقلِّلَ فجوة التباينات واختفاء المترشِّح من الواقع الاجتماعي بعد انتخابه لِيجدَ له في السَّاحة الوظيفيَّة والمصالح الشخصيَّة ما يُغنيه عن السَّاحة الاجتماعيَّة، واتِّجاهه إلى تلبية وتقديم الدَّعوات الشخصيَّة والبروتوكولات وتصدُّر مشهد الاحتفالات والفعاليَّات وتسليم الشهادات والأوسمة، الأمْرُ الذي ينظر فيه لتلك المرحلة السَّابقة والحميميَّة التي ربطته بالمُجتمع ما هي إلَّا سحابة صَيْف تنقشع بمجرَّد وصوله إلى القبَّة البرلمانيَّة وإطلاق لفظ سعادة… عَلَيْه، وإعلان اسمه رسميًّا كعضو مجلس شورى ممثِّل للولاية الفلانيَّة. هذه الصورة القاتمة التي ما زالت تلاحق بعض الأعضاء المترشِّحين أو الذين تحقَّقت لَهُمْ فرصة المنصب بِدُونِ جهد، غير مدركين لمفهوم عضويَّة مجلس الشورى، وطبيعة الاستحقاقات القادمة التي على العضو أن يمتلكَها وفق اختصاصات مجلس الشورى والتي حدَّدها قانون مجلس عُمان رقم (7/2021) الصادر بالمرسوم السُّلطاني. ومع ذلك تبقى الحملات الانتخابيَّة وما حمَلته في حقائبها من أهداف العضو المترشِّح للمجلس خيوطًا ممتدَّة عَلَيْه أن لا يغلقَ باب الاهتمام بها أو الالتزام بالعهود والوعود التي قطَعها على نَفْسِه، ويتحجج بأنَّ دَوْر عضو مجلس الشورى هو تشريعي وليس تقديم الخدمات بَيْنَما كان يَعدُ الناخبين بأنَّه سوف يقَدِّم للولاية رؤية تطويريَّة تقف على الطموحات وتعالج التحدِّيات، لذلك يجِبُ أن لا ترفعَ الدعاية الانتخابيَّة سقف التوقُّعات لدى المنتخب وينظر إليها على أنَّها مصدر للإلهام والعصا السحريَّة، بل يجِبُ أن يتريثَ في الأمْرِ ويقرأَ العضو المترشِّح في إطار ما يحمله من منجز ويطبقه من استراتيجيَّات، لا أن تصبحَ تلك الأمنيات أضغاث أحلام وفقَّاعات هوائيَّة، وفرقعات صوتيَّة تتلاشى بعد اعتلائه المنصب وحصوله على المقصد؛ فإنَّ الإبقاء على هذه الهواجس والتراكمات الوجاهيَّة والقبليَّة كمُوجِّه لبوصلة الانتخاب والحاكم الرئيس في اختيار المترشِّح لعضو مجلس الشورى؛ سوف يبقى ملف عضو مجلس الشورى في وضعه المتأزم من وجهة نظر الرأي العام، وتظلُّ الحالة الشوريَّة تُكرِّر نَفْسَها دُونَ بصيص أملٍ بالتغيير الجذري المقْنع الذي ينتظره المواطن من تحت قبَّة المجلس، الأمْرُ الذي سيكُونُ له تداعياته السلبيَّة في انتزاع الثِّقة من الداخلين للمجلس، وأنَّه مساحة كلاميَّة تفتقر لوجود برنامج عمل يصنع التقَدُّم ويعالج الملفات ويقف عِنْد حدود الممارسة الشوريَّة مع الحفاظ على درجة التوازنات التي أصَّلت لقَبول هذا المترشِّح عضوًا ممثِّلًا للولاية، فإنَّ الاستمرار في هذا المسار سوف ينتج لَنَا أعضاء مُكرَّرين، كما هو معتاد لا يمتلكون روح التغيير، ولا يحاولون أن يصنعوا من المساحة المتاحة لَهُمْ في المجلس أيَّ حضور يُذْكر؛ لكونِ وصولهم إلى هذا المنصب جاء في ظلِّ غياب الوعي المُجتمعي بقِيمة الاختيار المَبني على الكفاءة، والترشيح القائم على الإيمان بامتلاك هذا العضو لدرجة عالية من أرصدة الإنجاز التي يشهد بها القاصي قَبل الدَّاني، بل جاءت بحُكم الوجاهة والثقافة القبليَّة والتراكمات الشخصيَّة أو ببعض الممارسات والتجاوزات التي فرضت نَفْسَها على واقع النَّاس في ظلِّ ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
إنَّ التحدي الأكبر يكمن في غياب الوعي الاجتماعي وإرهاق الفكر الاجتماعي بالأشخاص المتكررة والأفكار البالية، ومحاولة تحجيم البُعد الثقافي وحصره في الأشخاص والفئات، وليس في إطار إنتاجيَّة البُعد الثقافي وقدرته على صناعة التغيير، وإحداث التحَوُّل ونُمو الممارسة القائمة على الابتكاريَّة والاحترافيَّة والجاهزيَّة بعيدًا عن أيِّ اعتبارات شخصيَّة لِجاهٍ أو منصب أو موقع اجتماعي، أو أن تكُونَ سطحيَّة الممارسة هي مَن تُدير المشهد، وتُحدِّد العضويَّة وتختار المترشِّح، وتصنع لِمَنْ لا يستحقُّ مكانه، وتضع الغائب في الواجهة، وتصنع للمتسلق فرص الأضواء والظهور، ويُنسى مَن يعمل بإخلاص في صَمت، ومَن ينجز خلف الكواليس، صاحب الإنجاز الحقيقي، فإنَّ أدقَّ وصف يُمكِن أن ينتجَ عن غياب الوعي المُجتمعي من المشهد الشوري مثله كمثل مشاهير الغفلة أو مشاهير الفلس والظواهر الصوتيَّة الفارغة التي تتحيَّن الفرصة لِتتسلقَ على أكتاف النَّاس، والسَّبب في ذلك هُم النَّاس أنْفُسهم عِنْدما يصنعون للمشاهير قِيمة والتفاهة حضورًا، وهكذا حال المترشِّح لمجلس الشورى التي يفتقر فيه الاختيار إلى النزاهة القائمة على استحضار الكفاءة والمهنيَّة والاحترافيَّة والإنتاجيَّة وخدمة الوطن والمواطن؛ وبالتَّالي مسؤوليَّتنا جميعًا كناخبين في كيف نصنع من الوعي المُجتمعي مرحلة متقَدِّمة تختزل كُلَّ المساومات على الوطن في أنانيَّات النَّفْس وأثَرَة الذَّات، وشخصنة الأحداث، وسُلطة الفوقيَّة والفردانيَّة الوجاهيَّة، فإنَّ التحرر من هذه السلبيَّات التي باتتْ تسلب حقَّ الإرادة والاختيار الذي يتجاوز كُلَّ أشكال التغريب في المشهد، وتوجيه بوصلة الاختيار وفزعة التكاتف نَحْوَ إعادة إنتاج الذَّات العُمانيَّة التي يقودها المخلصون للوطن، والكادحين في ميادين المنافسة، أغنياء النَّفْس، عظماء السلوك، القدوات والنماذج، العاملون خلف الكواليس في مواجهة سُلطة العادات وانتزاع الإرادة وغياب التأمل وفقدان التوازن وتهميش العقل وتسطيح الفكر، وتوطين الفوقيَّة والسلطويَّة، وهو التحدِّي الذي نعتقد أنَّه يجِبُ أن ينالَ اليوم أولويَّتنا في بناء نظام الحوكمة والرقابة والمتابعة واللامركزيَّة والشفافيَّة والعدالة التي جادَتْ بها يقينًا رؤية عُمان وسطَّرها عاطر النُّطق السَّامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ بأحْرُف من نور.
وأخيرًا، أيُّها المُحبُّ لعُمان وسُلطانها وشَعبها؛ هل سيكُونُ اختيارك وفق الاعتبارات الضيِّقة بحجَّة محافظتك على العادات والموروث، وهي من اختيارك براء، ما سينتج عَنْه استمرار الدَّوران في حلقة مفرغة، وتكرار الأسلوب نَفْسِه والطريقة نَفْسِها والأداء ذاته والأشخاص أنْفُسِهم دُونَ أُفق التطوير الذَّكي والشعور النَّقي، والأمل الصَّادق، والحُب المخلص، والأداء المُتقَن، والعمل المنتِج؟ أم ستختبر روحك الوعي، وضميرك الصدق، وأمانتك المسؤوليَّة، ولو لمرَّة واحدة، لِيكُونَ الوعي رهان القوَّة الذي يوجِّه بوصلة اختيارك، يعكس تصرُّفاتك ومنهجيَّتك وطريقتك في اختيار المترشِّح لعضويَّة مجلس الشورى للفترة العاشرة؟ فالله الله في وطنك الذي ينتظر مِنْك اختيارًا يُعبِّر عن طموحه، ويسرد قصَّة نجاح تصل إلى أقاصي الدُّنيا فخرًا بحُسْن انتخابك وصِدْق اختيارك.

د.رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

المصدر: جريدة الوطن

كلمات دلالية: عضو مجلس الشورى ات التی ی اختیار ا م جتمع مع الم ة التی الأم ر

إقرأ أيضاً:

في زمن الرقمنة .. هل غيّرت وسائل التواصل مظاهر العيد؟

- عبدالله العبري: أصبحت السائدة في طقوس التهاني ولا يمكن إيقافها

- د. قيس السابعي: العيدية الرقمية بدأت تنتشر لكنها لم تتفوق على النقدية

- خليل الحوسني: توثيق العادات العمانية عبر «الفلوقات» يسهم في انتشارها

بالرغم من تمسّك العمانيين بعاداتهم الأصيلة في الاحتفاء بعيد الفطر، إلا أن الرقمنة التي تسلّلت إلى تفاصيل الحياة اليومية أحدثت تحولًا ملحوظًا في مظاهر العيد وطقوسه. وأصبح العيد في زمن وسائل التواصل الاجتماعي مزيجًا من التقاليد والحداثة. استطلعت «عمان» آراء عدد من المتخصصين وصنّاع المحتوى حول هذا التحوّل، وتأثيراته على الهوية المجتمعية وروح العيد.

التقاليد والحداثة

يرى عبدالله بن محمد العبري، أكاديمي وإعلامي متخصص أن وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن إجمالًا نفي دورها الإيجابي في تعزيز الروح الدينية، من خلال بث الوعي والرسائل والمقاطع التي تنتشر من المختصين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارة التربية والتعليم، والوزارات المعنية بالعادات الاجتماعية كوزارة التنمية.

ويؤكد أن هناك جانبًا إيجابيًا كبيرًا، إذ لعبت وسائل التواصل دورًا في تعزيز القيم والعادات والتقاليد، لكنها في الوقت نفسه أدت دورًا هدامًا يضاهي الدور المعزز، ويشير إلى أن هذه الوسائل سلاح ذو حدين، ويعتمد أثرها على من يستخدمها، مستشهدًا بتجارب عائلية أنشأت مجموعات عائلية لبث روح الوعي، يقودها رب الأسرة لتوظيف هذه الوسائل بشكل إيجابي، في مقابل مجموعات تنشأ من أشخاص هدفهم هدم هذه القيم.

ويؤكد العبري أن وسائل التواصل أصبحت السائدة في طقوس التهاني والتواصل الاجتماعي، ولا يمكن إيقافها، إذ تُستخدم في جميع المناسبات، ويبيّن أن هذه الوسائل أثّرت في تقليص دور السبلة العُمانية، والتي كانت موجودة في كل قرية وكل منزل وكل قبيلة. وكانت السبلة مكانًا للتواصل والزيارات والتهاني بين الأهل والجيران، لكنها تراجعت بعد دخول وسائل التواصل.

ويضيف أن الرسائل الإلكترونية أصبحت بديلة عن الزيارات والتهاني الشخصية، مشيرًا إلى أن جيله كان حريصًا على المجالس والسبل اليومية، حيث تُتبادل فيها الأفكار وتُناقش القضايا وتُطرح المبادرات التنموية والتعليمية، لكن مع وجود وسائل التواصل تقلص دور هذه المجالس. ويرى أن هذه التحولات تؤثر على العلاقات العائلية، فقد أصبحت بعض العوائل لا تلتقي إلا في مجموعات الواتساب، مما يجعل اللقاء افتراضيًا فقط، وحتى في تجمعات العيد تبقى الهواتف حاضرة في الأيدي، ويقل التواصل اللفظي وغير اللفظي.

وفي حديثه عن العيد بين الأجيال، يتحدث عن صراع بين التقاليد والحداثة، وتمسك بالعادات في مقابل الاندفاع نحو عادات جديدة. ويستعرض العبري جانبًا من استعدادات العيد قديمًا، حيث كانت العائلات تجتمع لتحضير الذبائح والمشاكيك باستخدام مخلفات النخيل، ويُبادر الجميع بصنع أشياء تقليدية، بينما اليوم أصبحت الأدوات الاستهلاكية متوفرة بسهولة، مما قضى على كثير من المهن التي كانت مصدر رزق لعدد من الآباء والأمهات. ويرى أن الجيل الجديد يحتفل بأسلوب يحمل ملامح عمانية ممزوجة بتأثير وسائل التواصل وتقاليد الآخرين، وقد بدأت بعض الطقوس والعادات العمانية بالاختفاء، نتيجة انشغال الجميع بالأجهزة الحديثة، مما جعل اللقاء العائلي يبدو سلبيًا لا يشتمل على التفاعل والنقاشات، بل يكون كل شخص مشغولًا بهاتفه وتواصله الرقمي.

وناشد العبري الجيل الجديد بالتمسك بالقيم والعادات العمانية التي أبهرت العالم، مؤكدًا أن الموروث العماني جدير بأن يُقدم كنموذج عالمي. ويُقر بأن ليس كل العادات صالحة للاستمرار، فبعضها بحاجة إلى تغيير، لكن مجمل العادات والتقاليد العمانية تستحق الفخر والاعتزاز.

رقمنة لا تلغي الأصالة

من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور قيس السابعي، أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي، على الرغم من فوائدها الكبيرة في مختلف مجالات الحياة، بدأت تؤثر تدريجيًا على طقوس العيد في سلطنة عمان كما في دول العالم، مشيرًا إلى أن بعض العادات والتقاليد المتوارثة منذ آلاف السنين بدأت تقل نتيجة هذا الزحف التكنولوجي. ومع ذلك، يؤكد أن سلطنة عمان ما زالت متماسكة ومتمسكة بأصالتها، وتمكنت من توظيف وسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي يخدم الهوية الوطنية ويعزز من روح التراحم والتواصل.

ويشير السابعي إلى أن العمانيين استخدموا هذه الوسائل لتعزيز طقوس العيد، فجمعت بين الماضي العريق والحاضر المتطور، لكنها في المقابل قد تقلل من أهمية الزيارات الميدانية والتواصل الواقعي، وهي من العادات المتجذرة في المجتمع العماني. ويرى أن الرقمنة أثّرت في طقوس العيد، لكن سلطنة عمان استفادت منها بتوظيفها في خدمة التقاليد الأصيلة. ويضيف أن التجارة الإلكترونية والهدايا الرقمية أصبحت حاضرة بقوة في الأعياد، مؤكدًا أن العيدية الرقمية، وإن بدأت بالانتشار، ما زالت أقل تفضيلًا مقارنة بالنقدية التي تبقى المفضلة لدى الفئات الصغيرة، لما تحمله من فرحة وقيمة رمزية. أما التحويلات الرقمية، فهي أكثر شيوعًا بين الفئات الأكبر سنًا، ويتوقع أن تزداد مستقبلا مع تطور المجتمع.

ويؤكد أن التجارة الإلكترونية أثرت على العادات الاستهلاكية، خاصة في الأعياد والمناسبات، حيث توفر سهولة وسرعة واختيارات متنوعة. ومع أنها تحمل بعض المخاطر، إلا أنها أصبحت واقعًا يؤثر في السلوك الشرائي، مع بقاء التجارة التقليدية حاضرة بقوة في سلطنة عمان، لما تحمله من أبعاد نفسية واجتماعية. ويشير إلى أن المنصات الرقمية غيرت طريقة التسوق للهدايا بشكل كبير، لما توفره من راحة وخيارات واسعة وسرعة في الإنجاز، مما خفف من أعباء التحضير المنزلي. ويختم السابعي بأن هذه المنصات وفرت الوقت والجهد، وقللت من التردد على الأسواق، وأتاحت خيارات لم تكن مطروحة من قبل، مما يعكس تغيرًا حقيقيًا وملموسًا في طقوس الاستعداد للعيد.

محتوى يوثق الفرح

بدوره، أكد خليل بن سعيد الحسني، صانع محتوى وباحث في فنون الطهي العُمانية، أن توثيق مظاهر العيد من أزياء تقليدية، وأكلات شعبية، وزينة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أمر مهم للغاية، مؤكداً أن الحاجة لا تزال قائمة لتعزيز هذا التوثيق من أجل زيادة المحتوى العُماني في المنصات العالمية والتعريف به. ويدعو إلى تبنّي كل جهة اختصاص لمسؤولية تعريف العادات والطرق الصحيحة بما يضمن حماية التراث من تأثير بعض العادات الخارجية، سواء في اللباس أو الإكسسوارات أو الكلمات الدخيلة، مشيرا إلى أن ذلك من شأنه تشجيع الجميع على المساهمة في نشر الثقافة العُمانية بطريقة صحيحة وراقية تحمل الحس الفني والجمالي.

ويعتبر الحسني أن ظاهرة «الفلوقات» التي انتشرت مؤخرًا وتعرض تفاصيل الحياة اليومية في المناسبات، من الظواهر الجميلة والمحببة محليا وعالميًا، نظراً لتشوق السياح لرؤية الحياة العمانية المتنوعة والحقيقية، والتي لم تظهر عالميًا بسبب قلة المحتوى وصناع المحتوى العمانيين والدعم المؤسسي المحدود. وفي الوقت ذاته، يُقر الحسني بوجود بعض الملاحظات والسلبيات التي قد تمس خصوصية بعض الأفراد، إلا أن الجانب الإيجابي يتمثل في ازدياد تقبّل الناس لفكرة تعريف الآخرين بمناطقهم وطقوس أفراحهم وتراثهم وأزيائهم والتمسك بتقاليدهم.

وفيما يتعلق بتغير طبيعة المحتوى العيدي على المنصات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، يوضح خليل الحسني أن هناك توجهين، أحدهما يركّز على التباهي، والآخر يعكس الاهتمام المتزايد بالطابع الاجتماعي والثقافي للعيد. ويشير إلى أن صناع المحتوى باتوا يتنقلون بين الولايات لرصد التقاليد وطقوس الفرح وجمال اللبس العُماني والفنون المختلفة، كما أن التنافس بين المحافظات، في ظل الإدارة اللامركزية، ساهم في تنظيم فعاليات ترفيهية تسهم في تسويق المناطق وتعزيز الجانب المجتمعي والثقافي للعيد.

روح العيد المفقودة

من جانبها، تساءلت أشرقت المعمرية، كاتبة محتوى: هل أفقدتنا الرقمنة روح العيد؟ وتصف ما أتاحته الرقمنة من سهولة وتيسير في حياتنا، مشيرة إلى ما لاحظته من تغيّر في بعض الممارسات السابقة مثل التسوق الرقمي، التهنئة الرقمية، والعيدية الرقمية.

وتلاحظ أن الأسواق التقليدية وإحياء الهبطة والعيود لم تعد كما كانت من قبل تعج بالناس وتحمل روح المكان، وأضافت: في عالم اليوم تعرض المتاجر الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي مختلف أنواع البضائع، حتى الذبائح باتت تُوفر وتُوصّل إلى المنازل، في منافسة واضحة للهبطات.

وترى المعمرية أن الناس اكتفوا اليوم بالتنافس في تصميم التهاني الرقمية وإرسالها عبر الواتساب، أو الإنستجرام والسناب شات، دون حرص على المعايدة الحضورية، وافتقدت الزيارات التي كانت تزدهر بروح التجمعات وأحاديث الأحوال وتنافس «المعازم».

طفولة خلف الشاشات

وعبرت أشرقت المعمرية عن أسفها لما آلت إليه أجواء الطفولة، فبعد أن كانت أصوات الأطفال تملأ الساحات والمجالس بالفرحة واللعب المستمر من الصباح حتى الليل، وحضورهم الفعال في الرزفة وغيرها من الفنون، أصبحت الألعاب الرقمية والإنترنت تحتكر تلك الأصوات في عالمها الخاص. ورغم هذه التغييرات، تؤكد أشرقت أن للرقمنة فضلًا كبيرًا في تسهيل سبل الحياة، غير أن التحدي الحقيقي هو في تحقيق التوازن في استخدامها، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، مؤكدة أن روح الاحتفالات في عُمان تزداد جمالًا بوجود روابط اجتماعية حية وفاعلة.

مقالات مشابهة

  • أمين مجلس الشورى يزور المرابطين في جبهة الفاخر بالضالع
  • انتُخاب مرشحة الديموقراطيين لعضوية المحكمة العليا في ويسكونسن
  • في زمن الرقمنة .. هل غيّرت وسائل التواصل مظاهر العيد؟
  • زيارة المرابطين في جبهة الفاخر بالضالع
  • "العين للتوحّد" يعزّز الوعي والدمج المجتمعي بأنشطة وفعاليات تدريبية
  • أردوغان يشارك في وداع صديقه “بورهان أبيش”
  • حزب «الوعي» يطلق «وثيقة سند مصر» لدعم الوطن في مواجهة التحديات ورفض مخطط التهجير
  • مجلس الشورى ينعي عضو المجلس عبدالواسع سعيد البركاني
  • الدرة يتفقد المرابطين في جبهة الضالع
  • رئيس مجلس الشورى يعزي في وفاة الشيخ غالب ثوابه