السودان كنز افريقيا المدفون .. الحرب وتداعياتها الاقتصادية .. كتب: د. محمود عبدالعال فرّاج
تاريخ النشر: 24th, August 2023 GMT
قد يبدو من الوهلة الاولي ان عنوان المقال يفتقد للتناسق فما علاقة الكنز بتداعيات الحرب الدائرة منذ ما يقارب الخمس اشهر الا ان مفتاح المقال يتضح وبصورة جلية في عنوانه فطالما كان السودان بمثابة كنز مدفون لم يستكشف بعد ولم يتم نفض الغبار عن هذا الكنز ، يُشار عادةً إلى السودان بأنه "كنز أفريقيا المدفون" بسبب الثقافة الغنية والتراث التاريخي الذي يحمله ولما موقعه الجغرافي من أهمية كبري للدخول والولوج للقارة السمراء وما يحتويه هذا البلد الكبير من موارد اقتصادية قد تجعل منه من اغني الدول بالعالم دون مبالغة في ذلك،فالسودان يعد موقعًا ذا أهمية كبيرة من الناحية الثقافية والتاريخية، ولديه تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، ولفهم أسباب الحرب الدائرة حالياً او لما شهدته من نزاعات وحروب مختلفة لابد ان نعود للوراء قليلاً وتحديداً للحقبة الاستعمارية فكثير من المؤرخين يعزون استعماره لمجموعة من الأسباب التاريخية والاقتصادية والاستراتيجية، كان من وجود مصالح اقتصادية وتجارية للدول الاستعمارية.
قبل ان نشرع في تحليل الوضع الحالي في السودان ومالات وتداعيات الحرب الدائرة لابد من ملاحظة انه ووفقًا لبيانات قاعدة البيانات الاقتصادية العالمية، كان الاقتصاد السوداني يحتل مكانة متواضعة على مستوى العالم. في عام 2021، تقديرات الناتج المحلي الإجمالي للسودان كانت تصنفه ضمن أحد أقل الاقتصادات حجمًا في العالم ، اذن كان الوضع الاقتصادي بالسودان يعاني نتيجة للعديد من الأسباب أهمها عدم الاستقرار السياسي الذي يكتنف البلاد منذ استقلاه وتعاقب العديد من الحكومات على ادارته وافتقار تلك الحكومات لمقومات الإدارة الحكيمة بالإضافة الي تفجر العديد من النزاعات المسلحة ابتداءً من حرب الجنوب مروراً بالنزاع في إقليم دارفور وعدم الاستقرار النسبي قي شرق السودان ، فتأثير هذه النزاعات المسلحة كان له العديد من النتائج أهمها هو تدمير وضعف البني التحتية وتراجع الإنتاج والزراعةوتدهور الاقتصاد الوطنيوارتفاع التضخم وعدم الاستقرار النقدي. والتأثير السلبي على التعليم والصحة كما اثرت علىحركة التجارة وتداول السلع وفاقمت من الديون الوطنية نتيجة للأنفاق العسكري علي هذه الحروب، فالحروب لها تأثيرات اقتصادية كبيرة. تشمل هذه التأثيرات تدمير البنية التحتية، وتقليل الإنتاج، وارتفاع التكاليف العسكرية، وزيادة الديون الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الحروب إلى اضطرابات في سوق العمل، وتقليل الاستثمارات، وتهجير السكان، مما يؤثر على الاقتصاد بشكل عام.
ان الحروب التي شهدتها السودان على مر العقود كان لها أسباب متعددة ومعقدة. بعض أهم الأسباب التي ساهمت في حدوث النزاعات والحروب في السودان تشملالتنافس على الموارد والتمييز العرقي فلا ينكر عاقل ان السودان عاني وبشكل كبير من الصراعات العرقية ، بالإضافة للمطالبات المتعددة بضرورة التقسيم العادل للثروة والسلطة والتدخلات الخارجية التي اثرت بشكل كبير في نشوب العديد من الصراعات ولعل امتداد الوطن السودان ومجاورته للعديد من الدول الافريقية والتداخل في الحدود ووجود قبائل مشتركة بين السودان وهذه الدول قد اثر وبشكل في تزكية الصراع والتدخل من هذه الدول لضمان عدم استقراره وهذا ما ادي بدوره الي فرض عزل إقليمي نتيجة هذه الصراعات الإقليمية كما ان وجود العديد من المشكلات الاقتصادية مثل ارتفاع معدلات الفقر وزيادة معدلات البطالة قد ساهم في ضعف الاستقرار الاجتماعي وزادت من حدة الصراع داخل الوطن وادت الي موجات نزوح كبيرة من الأقاليم التي شهدت نزاعات مسلحة الي المدن الكبرى بالسودان بشكل عام والخرطوم العاصمة بشكل خاص ،هذا ما ساعد في زيادة الشعور بوجود فوارق طبقية واجتماعية وتعليمية بين مكونات المجتمع السوداني ، ولعل ذلك كان من ابرز مشاهدات الحرب الواقعة حالياً فاصبحنا نشهد العديد من الشاهد في احتلال منازل المواطنين من قبل المليشيات العسكرية والتباهي امام الكاميرات ووسائل الاعلام بان ذلك من ابسط حقوقهم التي حرموا منها وهذا ما يجافي الحقيقة تماماً، فالسودان بطبيعته الجغرافية الممتدة لمئات الالاف من الكيلومترات وبسبب أوضاعه الاقتصادية المتدهورة نتيجة الإدارة الحكومية السيئة لموارده شهد من العديد من المناطق الجغرافية التي شهدت ضعفاً تنموياً كبيراً وشمال السودان وشرقه والعديد من المناطق الأخرى خير برهان على ذلك
ان السبب الرئيس في الحرب التي تجري حاليا بالسودان هو وجود اكثر من قوة عسكرية واحدة خلاف قوات الشعب المسلحة والذي كان مبرروجود تلك القوي العسكرية هو السيطرة علي النزاعات التي تفجرت في السابق في مناطق جغرافية متعددة في السودان بالرغم من اعتراضنا على هذه المسببات الا انها أصبحت امر واقع كان مشاهداً قبل تفجر التمرد العسكري الحالي ، ان وجود جيوش متعددة في دولة واحدة يؤثر سلباً على العملية الاقتصادية والتنموية في العديد من الجوانب منها تكرار الإنفاق على الجيش والدفاع مما يستنزف الموارد المالية والاقتصادية التي يمكن استخدامها في مشاريع تنموية أخرى كما ان وجود أكثر من جيش ادي إلى تبديد الموارد البشرية والمالية في المجالات العسكرية والأمنية، بدلاً من توجيهها نحو القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وزاد ذلك من حدة التوترات الأمنية والصراعات الداخلية، مما يؤثر سلبًا على مناخ الاستثمار والنمو الاقتصادي ، كما وجود اكثر من قوة مسلحة في السودان ادي قد يؤدي إلى صعوبة في التنسيق بين الجهات المختلفة، مما يؤثر على قدرتها على تحقيق أهداف مشتركة مثل الاستقرار والتنمية وزاد من صعوبة السيطرة على القوات العسكرية وقراراتها، مما قد يؤدي إلى عدم التوجيه الفعال للجهود العسكرية والأمنية، وبالتالي فان تأثير عدم الاستقرار الأمني والتوترات الداخلية يمكن أن يؤدي إلى تدهور المناخ الاستثماري وتراجع الثقة بين المستثمرين في بعض الحالات، اضف الي ذلك ان وجود أكثر من جيش ادي إلى زيادة انتهاكات لحقوق الإنسان والاستخدام المفرط للقوة، مما يؤثر على السمعة الدولية ويقلل من التعاون الدولي.
بعد ان استعرضنا مسببات ونتائج الحرب في السودان ، يتبادر الي الذهن سؤال هام كيف يمكن لهذه الحرب ان تضع أوزارها ، الحقيقة ان ذلك السؤال يحتاج الي بلورة حلول منطقية واستلهام تجارب مشابهة كتجربة دولة رواندا في الخروج من آثار الحرب الأهلية التي كانت تجربة استثنائية وقد تميزت بتقديم جهود مكثفة للتعافي وإعادة البناء فعملت على إعادة اللُحمة والمصالحة الوطنية والتركيز علي التنمية الاقتصادية وتطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة وتنمية القطاع الصحي والتعليمي وإعادة بناء البنية التحتية للدولة ومحاربة الفساد وتعزيز الشفافية بالإضافة الي تشجيع الاستثمارات الأجنبية وفق ضوابط محددة وتخفيف الإجراءات البيروقراطية وزيادة التعاون مع المجتمع الدولي والهيئات الإقليمية للحصول على دعم مالي وتقني لدعم عملية إعادة البناء هذه الجهود ساهمت في تحقيق تحسن كبير في وضع رواندا بعد الحرب الأهلية، على الرغم من التحديات الباقية تبقي تجربة رواندا مثال حي على أهمية الإصرار والقيادة الحكومية والتعاون الدولي في تجاوز تداعيات الحروب الدامية، كي يخرج السودان من تداعيات هذه الحرب المدمرة فعليه العمل بجد وبعد انتهاء الحرب عاجلاً او اجلاً علي ترتيب الأوضاع من خلال إعادة بناء البينة التحتية المدمرة وإعادة هيكلة الديون المحلية والخارجية وفق شروط ميسرة غير مرهقة والقيام بالعديد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية وتعزيز التعاون الدولي والابتعاد عن سياسة المحاور الإقليمية والتركيز على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمل على استقلال القرار السياسي السوداني بعيداً عن سياسة التجاذبات والعمل على تشجيع الاستثمار فالسودان لديه المقومات ليكون وحش اقتصادي كبير لما يملكه من قطاعات اقتصادية واعدة في السودان، حيث يتميز بوجود عدة قطاعات اقتصادية يمكن ان تلعب دورًا مهمًا في النمو والتنمية فالزراعة هي قطاع رئيسي لأنها تسهم في توفير فرص عمل كبيرة وتوفير الغذاء والسلع الأساسية التي تعد بمثابة العامل الأساسي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ، كما يلعب قطاع التعدين دوراً ملموساً السودان فيفرص الاستثمار ويسهم في تنويع مصادر الإيرادات حيث يحتضن السودان موارد معدنية كبيرة مثل الذهب والكروم والحديد بالإضافة لقطاعات اخري كقطاع التجارة الذي يمكن ان يؤدي دوراً محورياً في عملية إعادة الاعمار لما لموقع السوداني الجغرافي من أهمية استراتيجية كنقطة التقاء بين جنوب القارة وشمالها وباعتباره معبراً مائياً هاماً للقارة الآسيوية ، كما يمكن لقطاع النقل البري والبحري والجوي ان يلعب دوراً هاماً في عملية التنمية ان احسن استثماره وتوجيه الفرص الاستثمارية الواعدة في هذا القطاع ، كما يمكن ان يكون السودان مزاراً سياحياً لما يتميز به من طقس معتدل ووجود العديد من الاثار والمواقع الاثرية المهملة على مدي العصور بالإضافة الي قطاعات اخري كالخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعات العسكرية كل ذلك إذا تم تعزيز وتطوير هذه القطاعات بشكل فعال، فيمكن للسودان ان يحقق نموًا اقتصاديًا أكبر وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.
ان ذلك يتطلب وجود قيادة حكيمة قادرة على فهم واستيعاب مقدرات السودان الاقتصادية الهائلة لتي يتمتع بها والعمل على تحسين صورة البلد امام العالم باسره ، والاعتماد على الموارد البشرية الهائلة التي يتمتع بها السودان فالسودان يضم العديد من الكفاءات البشرية التي يشهد لها القاصي والداني وتجارب العمالة في الخارج خير دليل على ذلك ، كما ان وجود أراضي زراعية هائلة ، وموارد مائية متعاظمة والعديد من الموارد الطبيعية التي حبا بها الله السودان كفيلة بإخراجه من صورة رجل افريقيا المريض ليكون كنز افريقيا المتوهج ان تم اختيار كفاءات وطنية حكيمة قادرة على التعامل مع الوضع الاقتصادي والتنموي ما بعد الحرب وفي هذا السياق لابد ان تتصف تلك القيادة الحكيمة بالعديد من السمات والصفات أهمها ان تهدف الي تعزيز المصالحة بناء الوحدة الوطنية من خلال تشجيع الحوار والمصالحة بين مكونات المجتمع ،ويجب أن يكون لديها رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة من خلال وضع الخطط الاستراتيجية التي تستهدف التعافي الاقتصادي والاجتماعي وبما يساهم في تحقيق الأهداف المرجوة ، وان تحقق تلك الإدارة الشفافية في الإدارة ومكافحة الفساد لإعادة بناء الثقة بين الحكومة والشعب وان تعمل على تحقيق الحكم الرشيد وتعزيز مفهوم حقوق الإنسان وحكم القانون وذلك يساهم ويساعد في بناء دولة قوية ومستدامة. تلك الخطوات تعكس جزءًا من الجهود الممكن اتخاذها للتعامل مع تداعيات الحروب الاقتصادية وبناء مستقبل اقتصادي أكثر استدامة ويمكن أن تستفيد القيادة من تجارب البلدان الأخرى التي تعافت من حروب أهلية لتجنب الأخطاء والاستفادة من أفضل الممارسات.
ان تجربة إعادة الإعمار الاقتصادي بعد الحرب تعتمد على الظروف الفريدة لكل بلد ونطاق التدمير الذي لحق بالاقتصاد الذي نحسبه كبيراً في الوضع السوداني تحديداً لنظراً لهشاشة الوضع الاقتصادي بالسودان قبل لحرب ووجود العديد من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي كانت تحيط بالمشهد قبل اندلاع الحرب ومع ذلك، هناك بعض النقاط العامة التي يمكن أن تشمل تلك التجربة ومنها وجود خطة واقعية لإعادة الاعمار تراعي الظروف الاقتصادية للسودان والظروف الإقليمية والدولية التي تحيط به والاستفادة من الموارد المتوفرة لإنجاح خطة الاعمار تلك ، كما انه ولضمان ان تكون الخطة فعالة لابد من التركيز على القطاعات الاقتصادية المفتاحية التي يمكن ان تسهم بشكل مباشر في عملية إعادة التنمية ويجب التركيز وبشكل أساسي على إعادة اعمار البنى التحتية من خلال التعاقد مع شركات عالمية لإنشاء وإعادة اعمال الطرق والجسور والمطارات والموانئ التي دمرتها الحرب من خلال تعاقدات تراعى الظروف المالية لبلد خارج من الحرب من خلال الاتفاق على عقود البناء والتشغيل والتحويل المشهورة باسم (BOT) والتي يجب ولضمان موافقة الشركات العالمية على مثل العقود ان تتوفر عوامل الثقة بينها وبين القيادة الحكيمة التي اشرنا اليها آنفاً من خلال استقطاب الكوادر المهنية لتشكيل حكومة مستقبلية ذات تكوين خاص يراعى ان تكون حكومة انتقالية تسهم في ان تتطور الأمور في عدة نواحي اقتصادية واجتماعية وسياسية وان تحظى تلك الحكومة باجماه وتوافق وطني مجتمعي واسع ، وان تعمل خطة الاعمار على تعزيز فرص العمل والاستقرار السياسي وان تعمل علي تقديم الدعم اللازم للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر المحرك الرئيسي لاقتصاد دولة كالسودان تجربة إعادة الإعمار تحتاج إلى إرادة قوية من القيادة المحلية، وجهود مشتركة من جميع الجهات المعنية، والتعاون الدولي لتحقيق النجاح في تجاوز آثار الحرب وبناء مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا ، كما ان تأهيل القطاع المالي والمصرفي بعد الحرب يعد جزءًا أساسيًا من عملية إعادة الإعمار وتحقيق التنمية الاقتصادية من خلال تقييم الاضرار التي اصابت القطاع المالي والمصرفي لوضع خطة مناسبة لتصحيح أوضاعه وكذلك إعادة ضبط السياسة النقدية والمالية لتحسين الاستقرار المالي والنقدي من خلال وضع سياسات حكيمة وبالتالي القدرة على رصد ومعالجة معدلات التضخم التي شكلت معاناة كبري للشعب قبل الحرب ، كما يجب إعادة هيكلة القطاع المصرفي لتعزيز الشفافية والمرونة وإعادة الثقة في الجهاز المصرفي السوداني التي افتقدها لفترات زمنية طويلة وذلك لا يتأتى الا من خلال وجود إعادة هيكلة صحيحة والتوسع في عمليات الدمج بين المصارف والبنوك المختلفة لخلق وحدات مصرفية عملاقة والاهتمام بالكيف وليس عدد مؤسسات الصيرفة في البلاد ، كما يجب العمل على تطوير البنية التحتية الرقمية التي سوف على تحسين خدمات القطاع المالي والمصرفي، مثل التحويلات المصرفية الإلكترونية والخدمات المصرفية عبر الإنترنت والعمل على توفير التمويل والائتمان لتغطية وسد الحاجة للتمويل اللازم لإعادة بناء المؤسسات المالية وتمويل مشاريع التنمية. قد يتطلب تأهيل القطاع المالي والمصرفي تنظيم وتعديل القوانين واللوائح لضمان عمل فعال ومنصف
ان الفترة الزمنية اللازمة لإعادة الإعمار تتوقف على معرفة حجم الدمار الذي أصاب البنية التحتية والمرافق الأساسية وهذا متوقع من خلال مشاهد الحرب الحالية فان ذلك واقع فعلياً ، فإن عملية الإعادة ستكون أكثر تعقيدًا وستستغرق وقتًا أطول كذلك لابد من معرفة والتأكد من مدى استقرار الوضع الأمني فان استمرت حالات العنف وعدم الاستقرار والانفلات الأمني والعسكري بعد انتهاء النزاع العسكري، فإن ذلك قد يعوق جهود إعادة الإعمار ويطيل الفترة الزمنية المطلوبة وهذا ما يتطلب وجود إرادة سياسية ومجتمعية لتحقيق السلام فان وجد ذلك فقد يساعد في تسريع عملية إعادة الاعمار ، كما ان المساعدات الدولية والإقليمية غير المشروطة قد تلعب دوراً محورياً في العملية ، كل تلك المتطلبات مشروطة بتوفر الموارد البشرية والكفاءات لان عملية اقناع تلك الكوادر للعمل في منطقة النزاع قد يواجه تحديات ضخمة تحتاج لمعالجات حكومية قادرة على تعزيز استقرار وضمان الكوادر البشرية فان توفر الأمان والامن لهم فان ذلك يساعد في عودة طوعية لتلك الموارد البشرية ومن ثم مساهمتها في عملية إعادة الاعمار ، بشكل عام، يمكن أن تستغرق عملية إعادة الإعمار في الدول التي تشهد حروب أهلية سنوات عدة، وقد تمتد لعقود في بعض الحالات الأكثر تعقيدًا، حيث تعتمد الفترة الزمنية على تفاعل العوامل المذكورة أعلاه وغيرها، وعلى الجهود المشتركة من قبل المجتمع الدولي والحكومات
يتساءل البعض ما هو شكل الحكم في السودان بعد الحرب ، ،هل يمكن ان تكون هناك حكومة ديمقراطية منتخبة من الشعب بعد الحرب مباشرة ، الإجابة قطعاً وفي ظل الوضع الراهن لا وبكل تأكيد ، حيث اشرنا في موضع سابق الي انه يجب ان تكون هناك حكومة كفاءات تحظي بتوافق وطني تسهل الوصول الي الحكم الديمقراطي بعد فترة يتم الاتفاق عليها من خلال استفتاء شعبي يشارك به كل مكونات الشعب السوداني لتحديد شكل وفترة القيادة الحكيمة بعد انتهاء الحرب ووضع اوزارها ، الا انه يجب ان الديمقراطية وعملية إعادة الإعمار لهما علاقة وثيقة، حيث يمكن أن تسهم الديمقراطية في تعزيز عملية إعادة الإعمار وتحقيق نتائج أفضل، ذلك ان الديمقراطية تشجع على التشاور والمشاركة المجتمعية في صياغة وتنفيذ خطط إعادة الإعمار وهذا يمكن أن يساهم في تحديد الأولويات وتلبية احتياجات السكان المحليين بشكل أفضل ، كما ان النظم الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان وتعزز العدالة الاجتماعية تسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، مما يخدم بشكل إيجابي عمليات إعادة الإعمار،كما انها تشجع على نظم حكومية فعالة وشفافة، وتعزز من جهود مكافحة الفساد وهذا يؤثر إيجابيًا على استخدام الموارد المالية والموارد الاقتصادية في عمليات إعادة الإعمار، وتحقق توازن أكبر بين مختلف القطاعات والمناطق، مما يضمن توزيع عادل للموارد وفرص النمو، الديمقراطية تشجع على وضع استراتيجيات تنموية مستدامة تأخذ في عين الاعتبار احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية كما انها تساهم في تحقيق السلام الداخلي وتقليل احتمالات حدوث نزاعات وصراعات جديدة، مما يخدم استقرار عمليات الإعمار.
على الرغم من الفوائد التي تقدمها الديمقراطية، يجب أن يتم تطبيقها بشكل صحيح وملائم وفقًا للسياق الثقافي والاقتصادي للدولة المعنية. تتعاون العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتحقيق عملية إعادة إعمار ناجحة تعتمد على تعزيز مبادئ الديمقراطية والعدالة. المعنية بتسريع عمليات إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار.
نأتي الي اكبر معضلة واجهها السودان الحديث بعد الاستقلال وهو ما دور الجيش والأحزاب في عملية إعادة الإعمار بعد الحرب وذلك يعتمد على السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، وعلى العلاقة بين هذين الجانبين فيجب ان يقوم الجيش في توحيد القوي العسكرية المختلفة تحت لوائه دون شروط مسبقة ن هذه القوي العسكرية وان يقوم بدوره في الأمن والاستقرار حيث يُعد ذلك أمرًا أساسيًا لنجاح عملية إعادة الإعمار، ويمكن للجيش أن يسهم في تحقيق هذا الهدف من خلال توفير حماية للبنية التحتية والموارد الحيوية ومنع حدوث أعمال عنف جديدة ، يمكن للجيش أن يلعب دورًا في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للمتضررين من الحرب، وذلك من خلال توزيع الإمدادات وتقديم الرعاية الصحية والإسكان للنازحين واللاجئين وان يساهم في عمليات إعادة الإعمار من خلال المشاركة في إعادة بناء البنية التحتية وتوفير المساعدة الفنية والهندسية ، اما الاحزاب والكتل السياسية المختلفة فلها دور هام دورًا مهمًا في صياغة السياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تسهم في إعادة الإعمار وان تسعى لتحقيق التوافق على أولويات الإعمار والتنمية، والمشاركة في الحوار والمفاوضات لتحقيق السلام والاستقرار وتسهيل عملية إعادة البناء وان تعمل على تطوير برامجها وكوادرها بحيث تكون قادرة على لعب دوري محوري في مستقبل السودان الاقتصادي والسياسي وان تتفق فيما بينها على كيفية وتدوير السلطة بين مكونات القوي السياسية المختلفة ، وان تلعب دورًا في مراقبة أداء الحكومة في عملية إعادة الإعمار وضمان توجيه الموارد بشكل فعال وشفاف.
من المهم بمكان أن يتم تنسيق جهود الجيش والأحزاب والمؤسسات الحكومية والمجتمع المدني في عملية إعادة الإعمار، وأن تتم المراعاة للأولويات والاحتياجات المتعددة وتحقيق توازن بين التطلعات المختلفة لضمان تحقيق نتائج إيجابية للمجتمع بأكمله.
ان مستقبل السودان الاقتصادي يعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. على الرغم من التحديات الحالية، هناك إمكانيات لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتحسين معيشة السكان في المستقبل ، من خلال تعزيز الاستقرار السياسي والديمقراطية وحقوق الانسان ، وان يتم العمل على تنويع الاقتصاد بعد الحرب لضمان تنوع إيرادات الدولة من العملات الصعبة ، وتطوير البنية التحتية النقلية والمدنية بما يسهم في تيسير الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات وتعزيز القطاعات الاقتصادية الواعدة مثل الزراعة والتعدين والسياحة قد يساهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، توفير بيئة استثمارية ملائمة من خلال تحسين مناخ الأعمال وتقديم حوافز للشركات المستثمرة يمكن أن يجذب استثمارات جديدة، وتوسيع فرص التجارة مع الدول المجاورة وتحسين الاندماج في الاقتصادات الإقليمية والعالمية يمكن أن يساهم في تعزيز النمو، وتوجيه الاستثمارات العامة نحو مشاريع تنموية استراتيجية يمكن أن يساهم في تعزيز البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.
على العموم، تحقيق مستقبل اقتصادي مزدهر يتطلب جهودًا مشتركة من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بالإضافة إلى دعم من المجتمع الدولي، فان تضافرت تلك الجهود فأنها كفيلة لاستعادة السودان دوره المحوري كقناة وصل بين الحضارات والمناطق الجغرافية المختلفة وسوف يعود يوماً ما الي كونه كنز افريقيا المتوهج والمضيء وسوف يكون قبلة ووجهة استثمارية تتوافر بها كل فرص الاعمال الناجحة شريطة ان تتوافق القوي الوطنية على تنفيذ برنامج اصلاح والابتعاد عن المناكفات السياسية التي أدخلت السودان في نفق شديد الظلمة والابتعاد عن التعامل بالأمنيات والعواطف مع الواقع الحالي او التوقعات المستقبلية
areen.media.star@gmail.com
//////////////////////
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الاقتصادیة والاجتماعیة القطاعات الاقتصادیة الاستقرار السیاسی الموارد البشریة البنیة التحتیة إعادة الاعمار عدم الاستقرار إعادة بناء والعمل على فی السودان العمل على قادرة على العدید من بعد الحرب مع الدول یساهم فی فی تحقیق مما یؤثر ان وجود یمکن أن من خلال یمکن ان ان تکون تسهم فی جهود ا ان ذلک بعد ان هذا ما کما ان
إقرأ أيضاً:
50 عاما على نهاية حرب فيتنام التي غيّرت أميركا والعالم
لم يكن 30 أبريل/نيسان 1975 يوما عاديا في التاريخ الفيتنامي، فقد انتصرت فيتنام الشمالية آنذاك، وأُعيد توحيد شطري البلاد بعد حربين مع إمبراطوريتين أودتا بحياة نحو مليوني فيتنامي، وفقدت فرنسا كامل نفوذها تقريبا بالمنطقة، بينما خسرت الولايات المتحدة -التي تورطت بعدها- نحو 58 ألف جندي و120 مليار دولار في الحرب التي باتت الأكثر "إذلالًا" في تاريخها.
وبدت حرب فيتنام -أو حروبها- بتشابكاتها الدولية والإقليمية تجسيدا لنظرية "الحرب التي تلد أخرى" في ظل صراع ساخن في بواكير الحرب الباردة. فقد أدت معركة ديان بيان فو (13مارس/آذار-7 مايو/أيار 1954) عمليا إلى نهاية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية في منطقة الهند الصينية برمتها، وخسرت أيضا مستعمراتها الأخرى في أفريقيا بفعل صعود حركات التحرير التي تأثرت بالمقاومة الفيتنامية، وبمفاعيل "نظرية الدومينو" العسكرية والسياسية.
اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4كوارث بيئية لا تنسى.. "العامل البرتقالي" الأميركي بفيتنامlist 2 of 4الجزيرة نت في فيتنام.. احتفالات عارمة في "هو تشي منه" بخمسينية النصر والوحدةlist 3 of 4حرب فيتنام.. خمسينية النصر والوحدةlist 4 of 4هو شي منه قائد ثورة فيتنام ضد فرنسا وأميركاend of listكانت حرب فيتنام نتاج سنوات من مقاومة الاحتلال الفرنسي للبلاد (منذ عام 1883) ثم الغزو الياباني الذي انتهى بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية، والمد الشيوعي في المنطقة وصراع الأيديولوجيات، ومحاولات تقسيم البلاد، وبلغت أوجها مع التدخل الأميركي العسكري المباشر لمحاولة صد التوغل الشيوعي السوفياتي الصيني.
إعلانوعمليا، لم تكن حرب الهند الصينية الأولى (بين عامي 1946 و1954) معركة الولايات المتحدة، لكنها كانت تمول فعليا نحو 78% من تكلفة تلك الحرب -وفق أوراق البنتاغون المنشورة عام 1971- وتقدم مساعدات عسكرية ولوجستية ضخمة لفرنسا، خوفا من التمدد الشيوعي وسيطرة الصين على المنطقة وصعود الاتحاد السوفياتي إذا هزمت القوات الفرنسية.
كما ناقش المسؤولون الأميركيون -تبعا لهواجسهم تلك- دعما إضافيا لفرنسا ضمن ما عرف بـ"عملية النسر" (Operation Vulture) وهي مقترح خطة عسكرية كبيرة، من أجل إسناد الفرنسيين في معركة ديان بيان فو، وضعها الرئيس دوايت آيزنهاور (حكم بين 1953 و1961) ومستشاروه.
وتضمنت العملية -اعتمادا على وثائق رفعت عنها السرية- قصفا مركزا ومكثفا مع احتمال استخدام قنابل ذرية اقترح تقديمها لفرنسا، وتدخلا بريا. لكن العملية لم تنفذ في النهاية وانسحبت فرنسا بخسائر فادحة، بعد توقيع اتفاقية جنيف للسلام في يوليو/تموز 1954 التي نصت على تقسيم فيتنام إلى شطرين، ولم توقع الولايات المتحدة وحكومة سايغون الموالية لها على الاتفاق رغم حضورهما. وبدأ التورط الأميركي العسكري تدريجيا لحماية النظام الموالي لها في فيتنام الجنوبية ومحاربة المد الشيوعي، إلى حد التدخل المباشر والمعلن عام 1963.
في منتصف عام 1968، وتحت ورطة الفشل في حرب فيتنام، اعتمد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون (1969-1974) على مبدأ تحقيق "السلام بالقوة" عبر "المزيد من قاذفات بي 52" التي أوصاه بها وزير خارجيته هنري كيسنجر، مبتدعا ما سماها "نظرية الرجل المجنون".
ويكشف رئيس موظفي البيت الأبيض بوب هالدمان في مذكراته عام 1994 عن إستراتيجية الرئيس نيكسون لإنهاء حرب فيتنام التي أسرّ له بها قائلا "أنا أسميها نظرية الرجل المجنون، بوب.. سنرسل لهم رسالة مفادها يا إلهي، أنتم تعلمون أن نيكسون مهووس بالشيوعية لا يمكن كبح جماحه عندما يكون غاضبا ويده على الزر النووي.. سيصل هو شي منه (الزعيم الفيتنامي) بنفسه إلى باريس في غضون يومين ويطلب السلام".
إعلانوكتب هالدمان أن الرئيس نيكسون سعى إلى تنفيذ إستراتيجية التهديد باستخدام القوة المفرطة لتقويض خصومه، وإجبارهم على الاستسلام أو التسوية. وبهذه الطريقة، يصبح عدم يقين الفيتناميين بشأن الخطوات المستقبلية للزعيم "أداة إستراتيجية في حد ذاتها".
وفي 4 أبريل/نيسان 1972 قال نيكسون لهالدمان والمدعي العام جون ميتشل "لم يُقصف الأوغاد قط كما سيُقصفون هذه المرة" عند اتخاذه قرارا بشن ما أصبح يُعرف باسم عملية "لاينباكر التي مثلت تصعيدا هائلا في المجهود الحربي، الذي شمل قصف ميناء هايفونغ، وحصار ساحل فيتنام الشمالية، وحملة قصف جديدة ضخمة ضد هانوي.
ولا تثبت الوقائع التاريخية أن الزعيم الفيتنامي هو شي منه خضع لنظرية "الرجل المجنون" عندما تم توقيع اتفاق السلام في باريس يوم 23 يناير/كانون الثاني 1973، لكن الولايات المتحدة استخدمت قوة هائلة ومفرطة لمحاولة إخضاع الفيتناميين، وفكرت في استعمال السلاح النووي.
كانت نظرية "الرجل المجنون" تجسيدا للإحباط الذي أصاب الإدارة الأميركية من صمود المقاومة الفيتنامية والخسائر الفادحة في صفوف الجيش الأميركي، ومن حركة الرفض الواسعة للحرب في المجتمع الأميركي، واهتزاز الضمير العالمي من المشاهد المؤلمة للمجازر البشعة، سواء في مذبحة "ماي لاي" في 16 مارس/آذار 1968 التي قتل فيها 504 من المدنيين العزل، وغيرها من المجازر.
وفي المقابل، كانت نظرية الجنرال فو نغوين جياب قائد قوات قوات "الفيت منه"(رابطة استقلال فيتنام) تراوح بين خطتي "هجوم سريع.. نصر سريع" و"هجوم ثابت.. تقدم ثابت" واعتماد الحرب الشعبية وحروب العصابات الخاطفة واستنزاف العدو، حيث يقول في مذكراته "إن كل واحد من السكان جندي، وكل قرية حصن" وكانت نظريته أن حرب العصابات هي "حرب الجماهير العريضة في بلد متخلف اقتصاديا ضد جيش عدواني جيد التدريب".
بدأ التورط الأميركي عمليا في حرب فيتنام بعد خروج القوات الفرنسية، ومنذ عام 1961 أرسلت واشنطن 400 من الجنود والمستشارين لمساعدة حكومة سايغون الموالية في مواجهته قوة هو شي منه الشيوعية، ومع التوصيات بزيادة المساعدات استجاب الرئيس جون كينيدي. وبحلول عام 1962 زاد الوجود العسكري الأميركي في جنوب فيتنام إلى نحو 9 آلاف جندي.
إعلانومع بداية عهد الرئيس ليندون جونسون (1963-1969) -الذي منحه الكونغرس صلاحيات واسعة في الشؤون الحربية- بدأت القاذفات الأميركية تنفيذ عمليات قصف منتظمة على فيتنام الشمالية وقوات "الفيت- كونغ" (الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام). وفي مارس/آذار 1965، بدأ تدفق القوات الأميركية إلى فيتنام الشمالية، حتى وصل إلى 200 ألف عام 1966، ثم نحو 500 ألف في نوفمبر/تشرين الثاني 1967.
وكانت قوات الزعيم هو شي منه، وقائد العمليات الجنرال جياب، تعتمد على التكتيكات الحربية النوعية والهجمات الخاطفة والكمائن والأنفاق والحرب الطويلة الأمد كما كانت تعتمد على الإمدادات القادمة من كمبوديا ولاوس المجاورتين، وعلى الدعم النوعي الذي تتلقاه من الصين ومن الاتحاد السوفياتي، خصوصا منظومات الدفاع الجوي التي أسقطت عشرات قاذفات "بي-52". ومع بداية عام 1968 بلغت الخسائر الأميركية 15 ألف قتيل و109 آلاف جريح.
وفي المقابل، زادت الولايات المتحدة من وتيرة القصف الجوي العنيف واستعمال الأسلحة المحرمة دوليا مثل "النابالم" وما سمي "العامل البرتقالي" -الذي يحتوي على "الديوكسين" وهو أكثر تلك المبيدات ضررا وفتكا- على فيتنام ولاوس وكمبوديا، ومازالت آثاره البيئية الخطيرة قائمة.
لم تكن الخسائر البشرية لوحدها ذات التأثير الأكبر فيما اعتبر هزيمة أميركية عسكرية وأخلاقية في فيتنام، فقد مثلت تلك الحرب أول "حرب تلفزيونية" مع بروز سطوة التلفزيون والصورة، وكانت للتقارير الإعلامية عن المجازر في فيتنام ذات تأثير واسع في الرأي العالم الأميركي والعالمي وفي قرارات الإدارة الأميركية لاحقا، خصوصا صورة "طفلة النابالم" التي كانت تجري عارية بعد أن أسقطت طائرة أميركية مادة النابالم الحارقة على قريتها في 8 يونيو/حزيران 1972.
إعلانوفي 29 أبريل/نيسان 1975، ألقى الرئيس الأميركي جيرالد فورد (1974-1977) بيانا أعلن فيه إجلاء الموظفين الأميركيين من فيتنام قائلا "تعرض مطار سايغون لقصف صاروخي ومدفعي متواصل، وأُغلق بالكامل. تدهور الوضع العسكري في المنطقة بسرعة. لذلك، أمرتُ بإجلاء جميع الموظفين الأميركيين المتبقين في جنوب فيتنام" وكانت تلك نهاية الوجود الأميركي في هذه البلاد، ودخول قوات الجنرال جياب إلى المدينة اليوم التالي.
ولا تزال مجريات حرب فيتنام، بمآسيها وصمود مقاومتها وتوحيد شطريها، من بين أحداث العالم الفارقة خلال القرن العشرين، وواحدة من الحروب التي غيّرت وجه الولايات المتحدة والعالم بأبعادها العسكرية والسياسية وآثارها الإنسانية، كما باتت تكتيكاتها وأساليبها تدرس في الكليات العسكرية، وتتبعها حركات مقاومة أخرى حول العالم.
وبينما تحتفل بالذكرى الخمسين ليوم تحرير الجنوب وإعادة التوحيد الوطني، لم تعد مدينة سايغون (عاصمة فيتنام الجنوبية سابقا) -التي باتت تسمى هو شي منه نسبة إلى الزعيم الأسطوري لفيتنام- رهينة جراحات الماضي الأليم وأهواله، فقد تحولت على مدى الـ50 عاما الماضية إلى مدينة ناطحات سحاب براقة، وأعمال مزدهرة ومركز صناعي حيوي ونقطة جذب سياحية عالمية.