بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
ساقتني الشَّلَاقَة و قِلَة الشَّغَلَة إلى مشاهدة تغطيات قناة الجزيرة مباشر للأزمة السودانية و من ثم الإستماع إلى أكاذيب العديد من الشخصيات الكيزانية المعروفة و المغمورة و إلى تخريفات أرتال من المُتَكُوزِنِين و إلى هطرقات إعلامي زمن الغفلة و التيه الكيزاني و إلى إفترآءات الجميع على ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ميلادية و تدليسهم على مواقف قوى الحرية و التغيير (قحت) و تنسيقية القوى الديمقراطية و المدنية (تقدم).
و يبدو أن التعليمات الصادرة لأعضآء التنظيم الكيزاني و المُتَكَوزِنِين هو الإجتهاد ، و بأعظم قدر ممكن ، في التوظيف/الإستخدام الأمثل للكذب و التلفيق و التدليس بهدف طمس الحقآئق و ممارسة التغبيش و تشويه سمعة ”القحاطة“ و (تقدم) ، و ذلك بإفتراض أن الشعوب السودانية بسيطة ، و لا تمتلك ذاكرة ، و يمكنها تَقَبُّل: الخدع الكلامية و أحاديث الإفك الإعلامية و الإبتزاز الديني و بقية البضاعة الكيزانية الفاسدة ، و الملاحظ أن التعليمات تركز على تكرار أسطوانة مشروخة تقول أن (قحت/تقدم):
- أشعلت الحرب
- غضت/تغض الطرف عن تجاوزات مليشيات الجَنجَوِيد (قوات الدعم السريع) في دارفور ، و أنها تحاورت/تحالفت معهم عقب الإطاحة بالمخلوع البشير و وَقَّعَت مع محمد حمدان دَقَلُو (حِمِيدتِي) الوثيقة الدستورية و الإتفاق الإطاري و إعلان أديس أبابا ، و رغم ذلك ترفض التفاوض مع الكيزان
- منحت حِمِيدتِي وظيفة سيادية ، و جعلته: نآئباً لرئيس مجلس السيادة الإنتقالي و على رأس اللجنة الإقتصادية و وفد مفاوضات سلام/محاصصات جوبا
- أتاحت لحِمِيدتِي التمدد السياسي: محلياً و إقليمياً و عالمياً
- سمحت لمليشيات الجَنجَوِيد بطفرات غير مسبوقة في: التجنيد و التدريب و نوعية التسليح و الإنتشار الميداني
- أغمضت أعينها عن الفساد المالي و الإداري لآل دَقلُو و مليشيات الجَنجَوِيد و بطانتهم و قدمت لهم الغطآء السياسي
- تسعى إلى العلمانية و تحارب الدين
إبتدآءً ، و لو كانت لقوى الحرية و التغيير المقدرات العسكرية و الرغبات على إحداث الحروب و إستخدام العنف لبلوغ الأهداف لما أقدم/تجاسر/تجرأ أعضآء اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (المجلس العسكري الإنتقالي/الشق العسكري في مجلس السيادة الإنتقالي) على: قمع الثوار و إرتكاب مجازر كولومبيا و إعتصام القيادة العامة و قتل الثوار الذين تظاهروا رافضين لإنقلاب الخامس و العشرين (٢٥) من أكتوبر ٢٠٢١ ميلادية و إشعال الحرب...
و يعلم الكيزان و المُتَكَوزِنُون و أبواقهم الإعلامية ، علم اليقين ، من هي الجهات التي تصارعت حول السلطة و الثروات/الموارد و أشعلت الحرب و تلك المستفيدة من إستدامتها ، و أن وزر جميع ذلك الأمر معلقٌ حصرياً في عاتق/رقاب جماعة الكيزان و كتآئب ظلهم و صنيعتهم حِمِيدتِي ، صاحب مليشيات الجَنجَوِيد ، و داعميهم/كفلآءهم الإقليميين و العالميين...
و لم تكن الشراكة بين قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري الإنتقالي (اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة) أبداً مما يخطط له أو يطمح إليه الثوار و ممثليهم و جماهير الشعوب السودانية المتطلعة إلى الحرية و التغيير و السلام و العدالة ، لكن يبدو أن: إحسان الظن في أعضآء اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة و الحرص على حقن الدمآء و سوء التقديرات و عقلية ليس بالإمكان أفضل مما كان و ملل الإنتظار و إستعجال النهايات و المقادير هي التي قادت إلى الوثيقة الدستورية ، و أنتجت إتفاقية سلام/تحاصص جوبا ، و أفرخت شخوص حكومة الفترة الإنتقالية...
و قد أبانت أحداث و ملابسات الفترة الإنتقالية مدى ضعف أدآء الجهاز التنفيذي الإنتقالي و عجزه عن الفعل و الإنجاز ، و فشله في الإستفادة من الزخم الثوري ، المتوفر بكثرة ، و توظيف ذلك الزخم في: تحقيق أهداف الثورة و إزالة التمكين و تفكيك نظام الثلاثين (٣٠) من يونيو ١٩٨٩ ميلادية و محاكمة مدبري الإنقلاب العسكري على الحكومة المنتخبة و رموز النظام و كل من أفسد و ظلم و أجرم ، هذا الضعف/التهاون/العجز هو ما أعاد جماعة الكيزان إلى الساحة ، و أغراهم بالظهور إلى العلن و سَل الضَّنَب ، و ذلك من بعد أن أجبرهم طوفان الثورة و تصميم الثوار و الهلع و الخوف على الفرار و الإختبآء في الأوكار القريبة و المنافي البعيدة...
و يعلم الكيزان و المُتَكَوزِنُون و أبواقهم الإعلامية ، علم اليقين ، أنهم كاذبون ، و أن الثوار و قحت قد أجبرتهم ، مكرهين ، ظروف و ملابسات ما بعد خلع البشير على الجلوس و التفاوض مع اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة التي أعلنت ”إنحيازها“ إلى ثورة الشعب و تبني شعاراتها:
حرية ، سلام و عدالة ، مدنية خيار الشعب...
العسكر للثكنات و الجَنجَوِيد ينحل...
و العدالة تعني المحاسبة و التقاضي أمام المؤسسات العدلية ، و العدالة تعني المسآءلة القانونية و إنزال العقاب على الفاسدين و المجرمين و الظالمين من رموز النظام و بطانتهم/حاشيتهم و كف شرورهم عن الشعوب السودانية ، و العدالة تعني الإلتزام بقرارات الثورة و في مقدمتها حل و حظر نشاط حزب المؤتمر الوطني الحاكم و الواجهة السياسية للنظام و الجماعة الإنقاذية المتأسلمة...
و يعلم الكيزان و المُتَكَوزِنُون و أبواقهم الإعلامية ، علم اليقين ، من الذي أتى بحِمِيدتِي من البادية إلى الخرطوم ، و من أسبغ عليه لقب (حمايتي) و (المخزون الإستراتيجي) ، و من أدخله إلى القصر الجمهوري و إستوديوهات القنوات التلڨزيونية!!! ، و من قَنَّنَ له القتل و الإبادات الجماعية و البطش و قهر المعارضين في كل أقاليم السودان حمايةً للنظام و الطغمة الحاكمة ، و يعلمون جيداً من الذي جعل حِمِيدتي (بتاع البلد دي بَلِفَهَا عندنا) عضواً في اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة ، و من (حَنَّسَه) في حي نمرة إتنين في قلب مدينة الخرطوم حتى يكون شريكاً في المجلس العسكري الإنتقالي ، و من أجلسه على المنصة للتوقيع على الوثيقة الدستورية ، و من إختلق له إختلاقاً/إفترآءً منصب نآئب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي ، و من رفض حل مليشيات الجَنجَوِيد و ضمها إلى القوات المسلحة ، و من الذي عَدَّل القوانين حتى تكون مليشيات الجَنجَوِيد أكثر إستقلالية و تمكيناً و بطشاً/فتكاً ، و يعلمون جيداً أسماء و رتب قيادات الجيش التي مشت بين الناس و الجنود توعظ و تبشر أن قوات الدعم السريع (مليشيات الجَنجَوِيد) من (رحم القوات المسلحة) ، و أنها تقوم بدورها المنوط بها في حامية الحمى و العروض!!! ، و تتوعد/تهدد كل من يطالب بحل مليشيات الجَنجَوِيد أو يقدح فيها بالمسآءلة و العقاب...
و يعلم الكيزان و المُتَكَوزِنُون و أبواقهم الإعلامية ، علم اليقين ، من الذي صادق على الزيادات الغير مسبوقة في أعداد التجنيد و المعسكرات و نوعية تسليح مليشيات الجَنجَوِيد ، و من أسند لهم مهام حماية المرافق السيادية و الأمنية و المؤسسات الحكومية بما فيها القصر الجمهوري و القيادة العامة للقوات المسلحة و الكباري و مباني الإذاعة و التلڨزيون ، و من قَنَّنَ لهم الإرتزاق في اليمن و ليبيا ، و من قدم حِمِيدتِي و مليشيات الجَنجَوِيد إلى الإتحاد الأوروبي و العالم عبر بوابة التعاون في مكافحة التهريب و الإتجار بالبشر و محاربة الإرهاب العابر للحدود...
أما رئاسة حِمِيدتِي للجنة الإقتصادية و مفاوضات سلام جوبا فتلك من خطايا/دَقسَات (قحت) التي أحسنت الظن و وضعته في غير أهله/مكانه ، و أخطآء المرحلة الإنتقالية متعددة لكن ليس فيها فساد الذمم أو خيانات الأمانة أو العمالة و الإرتهان و خدمة المصالح الأجنبية كما تصوره/تسوقه الألة الإعلامية الكيزانية...
و مما يحمد لقوى الحرية و التغيير إعترافها بالأخطآء ، و ممارستها نقد الذات العلني ، و تقييمها لتجربتها و أدآءها في الفترة الإنتقالية في سابقة نادرة قلما تشهدها/شهدتها الساحة السياسية السودانية ، و يحمد لقيادات قوى الحرية و التغيير إستعدادهم للمثول أمام القضآء العادل للدفاع عن التهم الموجهة إليهم ، إن وجدت ، فهل بإمكان الكيزان القيام بذلك التمرين التنظيمي/السياسي/الأخلاقي؟...
و قد أثبتت الفترة الإنتقالية و البراهين و الأدلة على مدى تمكن الجماعة الإنقاذية المتأسلمة و تغلغلها في مفاصل الدولة السودانية و أنظمة الحكم ، و قد أبانت ذلك نشاطات لجنة إزالة التمكين و تفكيك نظام الثلاثين (٣٠) من يونيو ١٩٨٩ ميلادية ، و التي قوبلت بعدآء شديد من الجماعة و أتباعهم من المنتفعين الذين فضحتهم أعمال اللجنة و أبانت فسادهم العظيم...
التعنت ، التراخي ، التواطؤ و غض الطرف من طرف الشق العسكري في مجلس السيادة الإنتقالي (اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة) و ضعف الجهاز التنفيذي الإنتقالي و في غياب أدوات العدالة الفَعَّالَة و القضآء النزيه المستقل أتاح للجماعة و لصنآئعها ، حِمِيدتِي و مليشيات الجَنجَوِيد و أضرابهم ، مواصلة ممارسة الفساد الإداري (المحسوبية و التمكين) و الفساد الإقتصادي (التعدين و تجارة الصادر و الوارد و الإتجار في العملات الأجنبية) خلال الفترة الإنتقالية ، و من ثم التمدد الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي...
أما فرية تقديم (تقدم) الغطآء السياسي و الدبلوماسي لحِمِيدتِي و مليشيات الجَنجَوِيد فذلك عين التدليس ، فموقف (تقدم) و قياداتها من مليشيات الجَنجَوِيد و الحرب و الإنتهاكات معلوم للجميع و موثق في تصريحات التنسيقية الرسمية و في أحاديث قياداتها للقنوات التلڨزيونية و المتوفرة في الوسآئط الإجتماعية و أسافير الشبكة العنكبوتية...
و ما كان إعلان أديس أبابا الموقع مع قآئد مليشيات الجَنجَوِيد ، و هو أحد طرفي الحرب ، إلا محاولة/مبادرة جادة و صادقة من قبل (تقدم) لوقف الحرب و حماية المدنيين من ويلاتها و عودة العسكريين إلى الثكنات ، و الشاهد هو أن الطرف الثاني المشارك في الحرب ، الجيش ، قد تَهَرَّب من ذلك الإعلان متعللاً بأحاديث الأعيان المدنية و بقية التبريرات المعروفة ، و الشاهد هو أن قيادات الجيش قد إختارت: ”الإنسحابات التكتيكية“ و التخلي عن حماية المواطنين ، و صممت على المضي في الحرب و القتال لمئات السنين و لآخر جندي!!! ، و تشهد بذلك أحاديث و ڨيديوهات تلك القيادات المتوفرة في الوسآئط الإجتماعية و أسافير الشبكة العنكبوتية و كذلك مضابط إجتماعات التفاوض في مدن جدة و المنامة و چنيف و مدن أخرى و أماكن و غرف يعلمها الله و أناس معروفون و غير معروفين...
أما الحديث عن العلمانية و الإلحاد و المثلية و أن الجماعة الكيزانية قد آلت على نفسها إقامة شرع الله في الأرض و حماية بيضة الدين و محاربة الكفار و العلمانيين و الملحدين فهي بضاعة منتهية الصلاحية سبق و تم تسويقها و بيعها للشعوب السودانية خلال أربعة عقود من الفساد و الضلال و الظلم الكيزاني و أثبتت فشلها ، و لذلك لا جدوى أو طآئل من الخوض فيها ، و بس يكفيك أنهم:
كذبوا صبيحة إنقلابهم على رؤوس الأشهاد...
دفنوا عساكر و أناس أحيآء...
دقوا مسمار في رأس معارض...
إغتصبوا معتقل...
عملوا وظيفة مُغتَصِب في جهاز الأمن...
زنوا و سبوا الدين في نهار شهر رمضان...
حَلَّلَوا الربا و الغلول...
سَفُّوا أموال و عقارات الأوقاف...
لَهَطُوا الأراضي و مؤسسات الدولة و البترول و المعادن و المواشي و الصمغ العربي و ... و ... و ...
أدخلوا الخَوابِير في أدبار المعتقلين و المتظاهرين...
قتلوا و أحرقوا و أغرقوا المتظاهرين...
يا خي بإختصار العَمَلُوهُو الكيزان في بلاد السودان و الشعوب السودانية إبليس ذاتو ما عملوا...
الخلاصة:
يبدو أن جوهر التعليم و الإرشاد الكيزاني يتمحور حول إستغلال الدين بأكبر قدر ممكن ، و الإلتزام بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة ، و أن يكون التعامل مع الآخرين بفقه التقية ، طبعاً مع إجادة تَقعِيد الحديث و فن الخطابة (لَولَوَة الكلام)...
الختام:
حبل الكضب قصير ، و عاشت ثورة ديسمبر و شعارها الخالد:
أي كوز...
نَدُوسُو دُوس...
و لعنة الله على القتلة و الظالمين و الفاسدين و المفسدين...
و الحمدلله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
fbasama@gmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: مجلس السیادة الإنتقالی الفترة الإنتقالیة الشعوب السودانیة الحریة و التغییر ح م یدت ی من الذی
إقرأ أيضاً:
المفتي: الكذب على الجناب النبوي لا يقتصر على اختلاق الأقوال ونسبتها زورًا إلى مقامه الشريف
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن العلم في مضمونه وجوهره ليس مجرد تكديسٍ للمعلومات أو حفظٍ للمتون، بل هو منظومة متكاملة تهدي العقول إلى الرشاد، وتزكي النفوس، وتدفع الإنسان إلى إدراك الحق وتمييزه عن الباطل، وأنه إذا تجرد من أثره الأخلاقي والسلوكي، فقد جوهره و قدرته على البناء والإصلاح. وأن الرحمة ليست طارئة على مسيرة العلم، بل هي ركن من أركانه، وميزان دقيق يحدد وجهته؛ إذ بها يستقيم أثره، ويتحقق مقصده، وتسمو غايته، فلا علم نافع ولا فقه سديد بلا قلب رحيم.
جاء ذلك خلال كلمة فضيلته بالمعهد العالي للحديث النبوي وعلومه، بمدينة سمرقند على هامش مؤتمر "الماتريدية مدرسة التسامح والوسطية والمعرفة" بجمهورية أوزبكستان.
وبين مفتي الجمهورية، أن السيرة النبوية المطهرة تمثل الأنموذج الأكمل لهذا المزج البديع بين العلم والرحمة، وقد تجلى ذلك في مواقف عديدة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه الصحابة الكرام عن الرجل الذي جاء يستأذنه في الزنا، فلم يواجهه النبي بالزجر أو التوبيخ، وإنما خاطبه بحكمة ورفق، مستنهضًا مشاعره الإنسانية، حتى عاد عن طلبه وقد امتلأ قلبه إيمانًا ونقاءً، كما تتجلى هذه الرحمة أيضًا في موقفه صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، فبينما همّ بعض الصحابة بتعنيفه، نهى النبي عن ذلك وتعامل مع الموقف بحكمة بالغة، موضحًا للأعرابي بلطفٍ حرمة الأماكن الطاهرة، ليقدم بذلك درسًا خالدًا في التربية بالرحمة، والتعليم بالحكمة
وأشار فضيلة المفتي إلى أن الكذب من أعظم الآفات التي تفسد على الإنسان دينه وعقله، وتهدم جسور الثقة بينه وبين مجتمعه، وهو من أبشع ما تُبتلى به القلوب، وأشد ما يُفسد به القول والعمل؛ إذ به تُطمس الحقائق، وتُلبّس المقاصد، وتضيع الحقوق، فهو ليس مجرد انحراف في اللسان، بل هو اعوجاج في الفهم، وخلل في الميزان الأخلاقي، وهو مفتاح لكل شر، كما جاء في الحديث النبوي "وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" منبهًا إلى خطورة هذا الجرم لمن يشتغل بالسنة النبوية، وأنه لا يقتصر على اختلاق الأقوال ونسبتها زورًا إلى مقامه الشريف فحسب بل يتسع ليشمل تحريف الفهم، وإخراج النصوص عن سياقها، وتحميلها ما لا تحتمل، و توظيفها لخدمة أهواء وانحرافات فكرية و سلوكية، مبينًا أن المشتغل بالسنة النبوية يحمل أمانة عظيمة، لا تقف عند حدود الرواية، بل تمتد إلى صدق الفهم، وسداد التأويل، ومراعاة السياق والإخلاص في النقل والمقصد، فكل إساءة في التأويل، أو استدعاء للنصوص في غير موضعها، أو توظيفها في غير غاياتها، هي في حقيقتها صورة من صور الكذب، بل ربما كانت أشد خطرًا؛ لأن الكذب اللفظي قد يُكشف ويُرد، أما الكذب في الدلالة فقد يُضلَّل به الناس، وتُقلب به الموازين.
وفي ختام كلمته، حثَّ فضيلة مفتي الجمهورية طلبة العلم والمشتغلين بالسنة النبوية على الإكثار من الذكر والاستغفار، إذ به تطمئن القلوب وتستنير العقول وتُحصَّن النفس، فهو السلاح الذي يعصم الإنسان من الفتن، ويُمدّه بالقوة الروحية والمعرفية التي تعينه على الحفاظ على الأمانة العلمية في فهم النصوص وتطبيقها، داعيًا إياهم أن يجعلوا من الذكر حصنًا يحميهم من الزلل في القول والعمل.
وقد أعرب فضيلة مفتي الجمهورية في ختام كلمته عن خالص شكره وتقديره للقائمين على المعهد العالي للحديث النبوي وعلومه، وسعادته بهذا اللقاء العلمي المبارك، الذي حضره طلاب وأعضاء هيئة التدريس بالمعهد، وعدد من ضيوف المؤتمر، كما ألقى في هذا اللقاء، كل من فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وفضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الحسنات، مفتي المملكة الأردنية الهاشمية، كلمات علمية أثرت الجلسة وأضافت أبعادًا فكرية ومعرفية عميقة حول مكانة السنة النبوية، وتأكيد منهج الاعتدال والرحمة في التعامل مع النصوص ومقاصدها.