قال الدكتور نظير محمد عيَّاد– مفتي الجمهورية، رئيسُ الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم: إننا عندما ننظر إلى الواقع، فإننا نقف على جملةٍ من الأمور التي تتعلَّق بالإنسانية والمسلمين، خاصَّة في ظل وجود حالةٍ من التنازُع والتشرذُم بين المسلم وأخيه المسلم، مشيرًا إلى أن فلسفة التشريع الإسلامي تحرص على تحقيق مصدر التآخي بين الناس، وقد قامت على هذا المبدأ الأصيل، فهي تنظر إليه على أنه الركيزة الأولى والمدخل الرئيسي لتحقيق الأُخوَّة الإنسانية والريادة الحضارية التي ننشدها جميعًا.

 

وتابع المفتي خلال مشاركته في ندوة "الفتوى وأثرها في تحقيق الوحدة الإسلامية"، التي استضافها جناح مجلس حكماء المسلمين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم الأحد، وتحدث فيها فضيلة مفتي الجمهورية إلى جانب الأستاذ الدكتور سمير بودينار - مدير مركز الحكماء لبحوث السلام-: أن فلسفة التشريع الإسلامي تقوم على حرص الإسلام على تحقيق مصدر التآلف والتآخي والتوحُّد بين الإنسان وأخيه الإنسان، وكذلك بين المسلم وأخيه المسلم بشكل خاص، ذلك لأن فلسفة الإسلام تنطلق من قولِ الله عز وجل: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، مشيرًا إلى أن هذه الآية تقوم على الوحدة بين المسلم وأخيه المسلم. ولو توقَّفنا عند العنصر الرئيسي، سوف نجد أن المبدأ الأصيل الذي قامت عليه هذه الفلسفة هو التأكيد على الوحدانية المطلقة لله، وهذه الوحدانية هي مقصد كافَّة الأنبياء، ومن ثَم نلحظ هذه الوحدة في مضامين الرسالة الغرَّاء التي حملها الإسلام. ويمكن أن نقف من خلالها على أن فلسفة التشريع الإسلامي تقود لمصلحة البلاد والعباد، فالوحدانيَّة لله تعالى هي مقصد للناس جميعًا. 

وأضاف مفتي الجمهورية أنه: لا يمكن أن نقف أمام هذه الأركان دون أن تأخذ عقلك إلى هذه الوحدة التي حافظ عليها الإسلام؛ فالصلاة على الرغم من مواقيتها المختلفة بين دولة وأخرى، إلا أنها محدَّدة بشروط مُعيَّنة وتفاصيل دقيقة وأركان وأصول تربط الناس من خلال هذه العبادة ومن خلال وحدة القِبلة والمعبود. فالجميع يصطفُّ لرَبٍّ واحدٍ في عبادة واحدة. والأمر ذاته يتأكَّد من خلال شروط الزكاة التي تقوم على وحدة النصاب ووحدة العام أو الحول. كذلك الصيام، إذ يبدأ الناس الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويمتنعون عن شهوتي البطن والفرج. كما تجمع شعيرةُ الحج الناسَ لمعبودٍ واحدٍ وشعائر واحدة وركن واحد؛ ومن ثَم فإن علَّة الشريعة أنها تُقرِّب ولا تُبعِّد. 

كما أوضح المفتي أننا إذا تركنا الفلسفة التي قامت عليها الشريعة الإسلامية في إرساء مبادئ الوحدة بين الناس، وانتقلنا إلى قضية الفتوى لوجدناها تُعزِّز من الإخاء الإنساني بين المسلم والمسلم وبين المسلم وغير المسلم. فالمسلم يبحث عن الوِئام والاتفاق، والمفتي لا يستطيع أن يكشف عن هذه الغاية إلا إذا توفَّرت معه الأدوات والعلوم والمعارف؛ لأنها تدفع لإزالة الإشكال بين النصوص وغيرها من الأمور، لنصل في النهاية إلى تحقيق مبدأ الوحدة والاتحاد. 

في السياق ذاته، أكد المفتي أننا عندما نتوقف أمام الفتوى وما يتعلق بها من أمور، لا بد أن نشير إلى الأمر الأول، وهو كونها مهمَّةً عظيمةً؛ فالله عز وجل هو مَن تولَّى الإفتاء بذاته، ثم نقله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الخلفاء الراشدين، ثم العلماء. 

وتابع: أما الأمر الثاني، فهو أن هذه المهمة مع عِظَم قدرها إلا أنه لا بد أن ننظر إليها على أنها الحصن الآمن للمجتمع. وهنا ننظر قليلًا إلى علاقة الفتوى بالمقاصد الشرعية، وإذا ما نظرنا إلى علاقة الفتوى بهذه المقاصد أدركنا أن البقاء للبلاد والمحافظة على العباد لا تتأتَّى إلا من خلال الفتوى الرشيدة، ومن ثَم فهي مسؤولية مشتركة بين المفتي والمستفتي. فالمفتي يُدرِك عِظَم المسؤولية؛ فهو المُبلِّغ عن الله، أما المستفتي فلا بد أن يدرك أن المفتي يُبيِّن له الحكم وفقَ ما وقف عليه من أسئلة، ومن ثم فلا بد أن يترفَّع عن الأهواء؛ ولهذا نجد أن المفتي لا يتوافر فيه مجرد العلم فحسب، بل يجب أن يتوافر فيه العلم والهِبة الفِطريَّة والذكاء الفِطري ليقف على صِدق المستفتي من عدمه. 

ومن هنا، أُحيِّي التجربةَ التي وقفَتْ عليها المؤسسات الدينية في حرصها على الالتزام بالفتوى وآدابها ومراعاة ما يتعلق بالمفتي والمستفتي حتى يتم إنزال الحكم الشرعي في موضعه. 
وأشار فضيلته إلى قضية الفتوى والعلاقة بين المفتي والمستفتي، وكيف أن السؤال المعروض والإجابة عليه يُسهمان في خلق الأمن المجتمعي. وكيف أن جنوح المفتي أو المستفتي إلى الباطل لِهوًى أو منفعةٍ أو شهوةٍ يؤدِّي إلى إنزال الحكم على غير مُرادِه، مما ينتج عنه نظرة جائرة للشريعة ساعد عليها إما جرأة مُفتٍ أو تدليسُ مُستفتٍ. قائلًا: إذا كنا نتحدث عن أمنٍ مجتمعي، فلا بد أن يُراعَى في الفتوى أمانة السائل وسَعَة أفق المفتي، حتى يكون الحكم في موضعه والرأيُ في محله المعهود. 

كذلك تحدَّث عن أهمية تعزيز الأُخوَّة الإسلامية، موضحًا أن دار الإفتاء تنطلق في تحقيق هذا الأمر من خلال عدة أمور: 
الأول هو انطلاقها من المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهو القرآن الكريم الذي يضع قواعد كليَّة تُسهم في إيجاد حلول لكثير من القضايا.
أما الأمر الثاني فيتعلق بنظرة دار الإفتاء إلى السنة النبوية باعتبارها المصدر الثاني من مصادر التشريع، حيث ننظر إليها باعتبارها المُذكِّرة التفسيرية لما جاء في القرآن. مؤكدًا أنه من خلال القرآن الكريم وسُنة النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يصل الإنسان إلى أمنٍ مجتمعي وفكري يتحقق من خلال القراءة المتأنِّية للنصوص الدينية. 
وأشار إلى قضية التطرف والغلو، موضحًا أن نصوص القرآن تربط بين هذين الجانبين بنطاقٍ مُحكَم من خلال تضييق النطاق على قضية التكفير والغلو. 

في السياق ذاته، أشار المفتي إلى الأمر الثالث الذي تُعنَى به دار الإفتاء، وهو تَبنِّيها للتعدديَّة الثقافية والفكرية. موضحًا أن دار الإفتاء تحرص على عرض جميع الآراء المتعددة والمذاهب الفقهية المختلفة، وجميعها يتقارب في شِقها الأعظم. كما أكد أن دار الإفتاء تعمل أيضًا على نبذ الغلو والتطرف، وقد قطعت أشواطًا في العمل على تصحيح المفاهيم، وأصدرت جملةً من الإصدارات العلمية التي تُعنَى بذلك. 

كما ترى الدار أن المفتي لا بد أن يكون مُلمًّا بمسألة الأمن الفكري، ومن ثَم يتم تدريبه على جملة من العلوم الاجتماعية والفقهية والإنسانية، مما يُعِينه على اختيار الفتوى المناسبة في الوقت المناسب. 

من جانبه قال الدكتور سمير بو دينار - مدير مركز الحكماء لبحوث السلام: قال إن الوضع الراهن يؤثر في تغيير أولويات الفتوى، موضحًا أن الفتوى من صميم دور العلماء وأنهم ورثة الأنبياء. وتابع: عندما نرى تاريخ المسلمين نجد أن الفتوى صورة واضحة لحال الأمة. ومتى أدَّت الفتوى دورَها أدت إلى الوحدة والإخاء. وذكر أن ما يحول دون أداء الفتوى لدورها هو عدم تصدي المختصين لها، أو عدم طلب الفتوى من أهل الاختصاص. فالفتوى لها دور أساسي، ومن خلال علمائها يمكن أن نحفظ الأمن الفكري للأمة بأسرها. 

وفي الختام تطرَّق إلى دور المؤسسات البحثيَّة في تحقيق الأُخوَّة الإنسانية، مشيرًا إلى الدور التكاملي بين المعرفة الشرعيَّة والاجتماعية والإنسانية لإدراك الواقع. وكذلك قضية التمكُّن والرسوخ والخبرة العلمية التي تعدُّ معيارًا لمن يتصدَّى لإفتاء الناس، وأن مراكز الأبحاث لها دور كبير في تأهيل هذه الأجيال من المتصدِّين للإفتاء.

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الإسلام التشريع الإسلامي مفتي الجمهورية حكماء المسلمين الفتوى المزيد التشریع الإسلامی دار الإفتاء بین المسلم موضح ا أن لا بد أن من خلال ومن ث م بد أن ی التی ت

إقرأ أيضاً:

أبو بكر الرازي.. الفيلسوف المسلم الذي أحدث ثورة عالمية في الطب

في سنة 148هـ/765م أصيب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بمرض في معدته لم يتمكن معه من الطعام، ولم يستطع أطباء بغداد علاجه، وكانت حالته تسوء باستمرار، فاجتمعوا ثم بحثوا عن أعلم أهل زمانهم في علم الطب، ثم أشاروا عليه باستقدام جرجيس بن جبرائيل من مدينة جنديسابور بإيران، فأُحضر إليه، ولما وصل دعا إليه بالفارسية والعربية، فتعجّب الخليفة من حُسن منظره ومنطقه، فأجلسه قدامه وسأله عن أشياء فأجابه عنها بسكون، فقال له:

"قد ظفرت منك بما كنت أحبه وأشتاقه، وحدّثه بعلّته وكيف كان ابتداؤها، فقال له جورجس أنا أدبرك كما تحب. ولما كان من غدٍ دخل إليه ونظر إلى نبضه وإلى قارورة الماء ووافقه على تخفيف الغذاء، ودبّره تدبيرا لطيفا حتى رجع إلى مزاجه الأول، وفرح به الخليفة فرحا شديدا وأمر أن يُجاب إلى كل ما يُسأل".

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2لماذا كُتبت "لا إله إلا الله" على دينار إنجليزي قبل ألف عام؟list 2 of 2عرف أجدادنا الاكتئاب لذلك صنعوا أول مستشفى نفسي في التاريخend of list

بعد تطور المعرفة الطبية منذ العصر النبوي والأموي وحتى بواكير العصر العباسي في منتصف القرن الثاني الهجري، كلل الخليفة العباسي المأمون هذه المعرفة بإنشاء دار الحكمة التي اهتم فيها بترجمة العلوم اليونانية كالفلسفة والطب والرياضيات وغيرها إلى العربية، مما كان دافعا لظهور شخصيات وعلماء عظام في ذلك العصر.

الرازي: الطبيب الفيلسوف!

ظهر في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي واحد من أهم وأعظم أطباء الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة الأولى، هذا الطبيب هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، ولد الرازي بالري بالقرب من طهران سنة 250هـ/864م وقد توفي في بغداد في شعبان 313هـ/925م.

إعلان

قال فيه القفطي في "تاريخ الحكماء": "محمد بن زكريا أبو بكر الرازي طبيب المسلمين وأحد المشهورين فِي علم المنطق والهندسة وغيرهما من علوم الفلسفة".

نشأ الرازي محبا للعلم، مشهورا بالذكاء والفطنة، وقد شهد عدد من المستشرقين الغربيين ببراعة الرازي، ودائما ما يصفونه بـ (Rhazes)، قال عنه ستابلتون الإنجليزي بأنه "بقي بلا ندّ حتى بزوغ فجر العلم الحديث بأوروبا"، وعلقت مدرسة الطب بباريس صورة ملونة للرازي إلى جانب ابن سينا وابن رشد، وخصصت جامعة برنستون الأميركية أفخم ناحية في أجمل مبانيها لعرض مآثره!

ومن قبل وصفه مؤرخو الطب في الحضارة العربية بذات الأوصاف، قال فيه القفطي في "تاريخ الحكماء": "محمد بن زكريا أبو بكر الرازي طبيب المسلمين غير مدافع وأحد المشهورين فِي علم المنطق والهندسة وغيرهما من علوم الفلسفة". فماذا فعل الرجل في مجال الطب منذ ألف عام ليستحق هذه المكانة المرموقة حتى اليوم؟ من المفارقات أن الرازي تعلّم الطب كبيرا وهو في العقد الثالث من عمره، فحين دخل بغداد قادما من الري زار أهم بيمارستاناتها حينذاك "البيمارستان العضدي" الذي بناه عضد الدولة البويهي في القرن الثالث الهجري، وفيه سأل عن الأدوية، ورأى بعض الحالات المرضية الغريبة التي شاهد أثناءها مناقشات الأطباء ومقترحاتهم.

درس الرازي الطب، وعمل في بيمارستان بلده الري، وجاء إلى بغداد ثم أشرف على بناء البيمارستان العضدي، وفي قصة بناء هذا المستشفى الكبير في بغداد ما يُدلل على ذكاء الرازي، حيث سأله عضد الدولة الأمير البويهي عن أفضل المواضع لبناء هذا المستشفى، فأمر الرازي "بعض الغلمان أن يُعلق في كل ناحية من جانبي بغداد شقة لحم، ثم اعتبر التي لم يتغيّر فيها اللحم بسرعة فأشار بأن يبنى في تلك الناحية، وهو الموضع الذي بني فيه البيمارستان"، وهذا دليل على ذكاء الرازي، فهذا المكان كان أفضل مواضع بغداد في نقاء الهواء وجودته واعتداله، وهي عوامل غاية في الأهمية لعلاج المرضى أصحاب المناعات الضعيفة.

إعلان

لم يكتف عضد الدولة بهذا، فحين فرغ من بناء البيمارستان أراد أن يعيّن له رئيسا حاذقا بالطب ومعرفته، له دربة وخبرة واسعة بمجالاته، فجمع أمهر أطباء بغداد فكانوا مئة منهم أبو بكر الرازي، فاختبرهم واختار منهم خمسين فكان منهم الرازي، ثم اختبرهم واقتصر على عشرة فكان منهم الرازي، ثم اختار ثلاثة من العشرة فكان منهم الرازي، ثم إنه ميّز بينهم فبان له أن الرازي أفضلهم، فعينه "ساعور" أي مديرا ورئيسا لأطباء البيمارستان العضدي.

ومما يُدلل على ذكائه أن غلاما من بغداد قدم الري وكان ينفثُ الدم من فمه ولا يعرف مرضه، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستُدعي أبو بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فأراه ما ينفث ووصف له ما يجد، فأخذ الرازي مجسّه، ورأى قارورته واستوصف حاله منذ ابتداء ذلك به، فلم يقم له دليل على أنه مريض سُل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، واستنظر الرجل لينظر في الأمر، فقامت على العليل القيامة وقال: هذا أيأس لي من الحياة لحذق الطبيب وجهله بالعلة، فازداد ما به من الألم، فعاد الرازي إلى المريض فسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبر أنه شرب من مستنقعات وصهاريج، فعلم الرازي بشدة ذكائه أن عَلَقَة كانت في الماء وقد حَصَلَت في معدته، وأن ذلك الدم مِن فعلها.

وقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتُك ولم أنصرِفْ حتى تبرأ، ولكن بشرط أن تأمرَ غلمانك أن يطيعوني فيك لما آمرهم، فقال: نعم؛ فانصرف الرازي فجمع ملء وعائين كبيرين من الطحالب فأحضرهما في غد معه فأراه إياهما وقال له: ابلع، فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه، ففعلوا به ذلك، وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه، وأقبل الرازي يدسّ الطحلب في حلقه ويكبسه شديدا ويسأله ببلعه ويهدده بأن يُضرب، إلى أن أبلَعه كارها أحد الوعائين بأكمله، والرجل يستغيثُ فلا ينفعه مع الرازي شيء، إلى أن قال المريض: الساعة أقذف "القيء"، فزاد الرازي في ما يكبسه في حلقه، فذرعه القيء فقذف، فتأمل الرازي قذفة فإذا فيه عَلقَة (ديدان)، وإذا هي لمّا وصل إليها الطحلب قربت إليه لتتغذى عليه وتركت موضعها، والتفت على الطحلب ونهض المريض معافى!

إعلان علوم الرازي

ترك الرازي مؤلفات كثيرة ما بين رسائل وكتب في كافة مواضيع العلوم الطبية في عصره، فمثلا كتابه عن "الجدري والحصبة" يعد الأشهر بين جميع أعماله الأخرى، وفيه يظهر الرازي اهتمامه بعلم المداواة، ويتباين تعمقه فيه بوضوح صمت المقالات الهلينستية والبيزنطية التي وصلتنا حيال هذا الموضوع، والحق أن الجدري حتى العصر الحديث سبب من أسباب العمى في العالم العربي، فتعقيداته الأكثر شيوعا هي الندبات القرنية وإتلاف القرنية بسبب البثرات.

يقول الرازي في كتابه "الحاوي في الطب" عن علاج الجدري: "إذا بَدَت أمَارَات الجدري فابدأ بالفصد، وَإِن لم يتَمَكَّن فالحجامة إِن كَانَت القُوَّة ضَعِيفَة. وَإِذا خرج فَاسق مَاء الشّعير مَعَ عدس مقشر مطبوخ. قبل أَن يظْهر فِي العين جدري فقطر فِيهَا مَاء ورد قد أنقع فِيهِ سماق أَو مَاء شَحم الرُّمَّان. فَإِن ظهر فِي الْعين جدري فقطر فِيهِ كحلاً قد حككته بِمَاء الكزبرة الرّطبَة أَو بِمَاء كزبرة يابسة قد طُبخت بِمَاء المَطَر، واسقه طبيخ اللك والعدس والتين ليسرع الْخُرُوج، وَلَا تغذه بفروج وَلَا بِغَيْرِهِ مِمَّا يُشبههُ حَتَّى تبطل الحمى الْبَتَّةَ ويخف الجدري، واجعَل غذاءه الماش والعدس والبقول".

#الطب_الإسلامي

وفي ذلك يقول الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي صاحب الحاوي والمنصوري: "أول ما يُسْأَل عنه الطالب: التشريح، ومنافع الأعضاء، وهل عنده عِلم بالقياس، وحسن فهم ودرايةٍ في معرفة كُتُب القدماء، فإن لم يَكُنْ عِنده علم فليس بك حاجة إلى امتحانه في المرضى".#التشريح

— أ.د/ إبراهيم المزيني (@Mozaini_Ibrahim) January 24, 2018

 

لم ينس الرازي أن يكتب في أخلاقيات مهنة الطب، فكتب في ذلك رسالته المهمة "أخلاق الطبيب" ناصحا الأطباء قائلا: "اعلم أنه من أصعب الأشياء للطبيب خدمة الأمراء، ومعالجة المترفين والنساء، فإن الطبيب الحر السيرة إذا اشتغل بصناعته، وحفظ الخاصة والعامة، فإنه يعيش بخير، ويكون عليهم أميرا، وإذا توسّم بخدمة الملوك، ربما صار بخدمتهم أميرا لا سيما إذا كان الملك عاميا". وهي نصيحة ذهبية في أخلاقيات مهنة الطب دوّنها الرازي قبل ألف عام.

إعلان

قدّم لنا ريتشارد وولزر (Rıchard Walzer) أحد أهم مؤرخي الفلسفة العربية رأيه في الرازي قائلا: "إننا نشعر عند قراءة كل سطر كتبه الرازي بأننا أمام فكر عال، ورجل يعرف قدره الخاص دون أن يؤدي به ذلك إلى الغرور، وهو لا يحسب نفسه أدنى مستوى لا في الفلسفة ولا في الطب، وحسب رأيه ليس بالإمكان التفوق على سقراط أو أفلاطون أو أرسطوطاليس، أو أبقراط، أو جالينوس، لكنه لا يتردد في تغيير استنتاجاتهم الفلسفية عندما يشعر بأنه قد تجاوزها معرفة، كما لا يتردد في أن يضيف إلى مجموعة العلوم الطبية المتراكمة ما اكتشفه بنفسه بواسطة أبحاثه وملاحظاته الشخصية.

ففي كل مرة عندما كان يدرس مرضا خاصا، كان يبدأ بتلخيص جميع المعطيات التي يستطيع الحصول عليها حول هذا الموضوع من المصادر اليونانية والهندية المتوفرة في الترجمات العربية، ومن أعمال الأطباء العرب المحدثين، ولم يكن يفوته أبدا إضافة رأيه الخاص أو حكمه الشخصي، ولم يكن يعترف بكفاءة أية شخصية استنادا إلى شهرتها فقط".

تطور الطب بعد الرازي في القرن الرابع والخامس الهجري تطورا لافتا، وتمكن العرب من إضافة عناصر جديدة إلى الأدوية والعقاقير مثل العنبر، والكافور، وخيار الشنبر، والقرنفل العطري، والزئبق، والسنالمكي، والمر، كما أدخلوا في الأبنية مستحضرات طبية جديدة منها أنواع الشراب، والحلاب، وماء الورد وما إليها. وكان من أهم الأعمال التجارية بين إيطاليا والشرق الأدنى استيراد العقاقير العربية.

وكان المسلمون أول من أنشأ مخازن الأدوية والصيدليات، وهم الذين أنشأوا أول مدرسة للصيدلة، وكتبوا الرسائل العظيمة في علم الأقرباذين (الأدوية).

وكان الأطباء المسلمون عظيمي التحمس في الدعوة إلى الاستحمام، وخاصة عند الإصابة بالحميات، وإلى استخدام حمام البخار، ولا يكاد الطب الحديث يزيد شيئا على ما وصفوه من العلاج للجدري والحصبة، وقد استخدموا التخدير بالاستنشاق في بعض العمليات الجراحية كما يصف مؤرخ الحضارة ول ديورانت.

إعلان

وهكذا لم تكد تنقضي القرون الأربعة الأولى من عمر الإسلام حتى رأينا في الحضارة العربية الإسلامية تطور العلوم والمعارف الطبية تطورا مذهلا، في المجالين النظري والعملي على السواء، ولعلنا في تقاريرنا القادمة نقف مع مزيد من مشاهد تطور علم الطب والأدوية في القرون التي تلت عصر الرازي الذي كان نابغة زمنه علما وعملا.

مقالات مشابهة

  • آخر ليلة في شعبان.. كيف تستعد لشهر رمضان؟
  • إمام مسجد عمرو بن العاص يكشف أثر الصدقات على المسلم في شهر رمضان
  • قيادي بمستقبل وطن: توجيه الرئيس بحزمة حماية اجتماعية جديدة يعزز تحقيق العدالة
  • "الأهلي الإسلامي" يُعزز مهارات روّاد الأعمال
  • أبو بكر الرازي.. الفيلسوف المسلم الذي أحدث ثورة عالمية في الطب
  • بنك فيصل الإسلامي يستهدف افتتاح 4 فروع جديدة خلال 2025
  • برلمانيون: افتتاح المتحف المصري الكبير يعزز السياحة ويحفز الاقتصاد والتنمية الشاملة
  • كيف غير إليجا محمد نظرة المسلمين في أمريكا؟
  • منتدى الرياض الدولي الإنساني الرابع يصدر بيانه الختامي
  • التمر.. غذاء متكامل يعزز الطاقة ويحسن الصحة خلال الصيام| شاهد