هشام مطر أمضى «شَهرًا في سِيينَّا» محدقًا في فنونها
تاريخ النشر: 30th, October 2024 GMT
ترجمة: محمد عبد النبي -
هشام مَطر مؤلّف روايتين لقيتا مديحًا مستحقًّا – أولاهما، في بلد الرجال، وصلت للقائمة القصيرة لجائزة دائرة النقاد للكُتب الوطنية [الولايات المتحدة] – ثم كتاب المذكّرات الجدير بالإعجاب والفائز بجائزة البوليتزر العودة. وقد شكَّلت مأساته العائلية جميع كتاباته؛ فقد خُطفَ أبوه، المعارِض الليبيُّ البارز، مِن منفاه في مصر حيث أقامَ في القاهرة، على أيدي عملاء مُعمِّر القذافي وأُخذَ إلى أحد سجون ليبيا ولم يظهر من هناك بعد ذلك أبدًا (بقدر ما يمكن للابن أن يجزم).
يُقدِّم لنا كتابه «شهرٌ في سيينِّا» مَطرًا وقد وجَّه نظرته وِجهةً أخرى، نحو فضاء مختلف كُليةً. بعد ثلاث سنوات أمضاها في الكتابة حول عودته الحاسمة والقاسية إلى ليبيا، يحمل نفسه ويذهب إلى [المدينة الإيطالية] ليتفرَّغ تمامًا لتأمُّل صور رُسمَت ما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. لَطالما أحبَّ أولئك الفنانين مِن سيينَّا، كما يخبرنا، منذ الأعوام التالية على اختفاء أبيه (عندما كان مطر الابن في التاسعة عشرة من عمره)، وسعى إليها ملتمسًا الإلهاء والعزاء في المتحف الوطني بلندن. طريقته الخاصة في النظر إلى أي لوحة أو جِدارِّية هي الوقوف أمامها لساعات، ليوم بكامله، لأيامٍ متوالية. حارسات متحف بيناكوتيكا في سيينَّا لاحظنه وأصررن على أن يقدِّمن له مقعدًا قابلًا للطي، والذي رفضه في البداية لكنه يجده وافرَ النَفعِ في نهاية الأمر.
يعرضُ الكتابُ الصورَ التي استغرق فيها هشام مطر ملونة ومصقولة. ما يثيرُ اهتمامه في هذا الفن هو المعرفة الإنسانية التي يحاول الفنَّان أن ينقلها. فهَا هو يتأمَّل جدارية (رمز الحكومة الصالحة) لأمبروجيو لورنزيتي في بالازو بَبْلِيكو؛ تعرضُ في جزءٍ منها رجلًا بشرته أدكن من الآخرين، ويخمِّن مطر، أنه ربما يعني هذا أنه ينتمي لعائلة سِيينِّية راقية ذات أصولٍ عربية – يمسكُ حبلًا يربطُ بين المصلحة العامة والوفاق والعدالة والحِكمة: «يبدو غارقًا في أفكاره الخاصة، واثقًا بالمكان الذي يجدُ فيه نفسه، لكنَّه آخذٌ ذلك في الاعتبار أيضًا. يبدو أنَّه يفكر في المسافات التي قطعها مسافرًا.»
يتسمُ الوصف بالدقّة والرشاقة، وهو ما ليس غريبًا على نثر مطر عمومًا. إنَّ لديه مسوغات كافية وأكثر لكي يتأمَّل في الحكومة الصالحة والحكومة الفاسدة. ما يراه في الأعمال الفنية يرتبط ارتباطًا طبيعيًا بهمومه ومشاغل عقله السابقة. يأخذنا أحد الفصول إلى إقامة سابقة له في روما ولقاء مع لوحة كارافاجيو: «داوود ورأس جالوت»: «لعلَّ قتلَ جالوت أكسبه عطفًا جديدًا. ليس لأنَّ داوود كارافاجيو نادم على النصر، بل بالأصحَّ على أنَّ عِظمَ فِعلته – حجم إنجازه وإخماد حياة إنسانٍ آخَر – قد غدا بالنسبة إليه، وربما أوَّل مرَّة في عمره الغضّ، جليًّا وقابلًا للتصوُّر. إنه يعرف أخيرًا ماذا يعني قتل إنسان.»
فقراتُ مثلَ هذه هي قلبُ هذا الكتاب. يقاومُ كتاب «شهرٌ في سيينا» كل المثيرات السردية التي قد نتوقعها. ثمَّة جزء لطيف حول مقابلة مطر بالمصادفة لرجل أردني يدعوه إلى بيته في سيينا، وجزء آخر حول الذهاب بعد تردد لحفل عيد الميلاد التسعين لصديقة قديمة في فيلَّا غير بعيدة للغاية من سيينا. لكنه يمر على ذلك مرور الكرام، كحواف وهوامش للفعل الرئيسي – أي تلك الصور واللوحات بوصفها تجربة.
هذا الكتاب ليس مرشدًا للسَفَر، رغم ما فيه من استحضار رائع لما يتركه الحيز المكاني من أثر في الباحة المركزية لسيينا التي تتخذ شكلَ مروحة، وكذلك ثمة سرد تاريخي موجز للغاية لوباء الموت الأسود وكيف غيَّر وجهَ أوروبا. كما أنه ليس كتابًا في النقد الفني الصريح أو حتَّى مذكّرات شخصية خالصة. سوف يسعد بقراءته أكثر مِن سواهم مُحبُّو أعمال هشام مطر الأخرى، مِمَّن يريدون مُدخلًا جديدًا إلى عقلٍ يمتص تفاصيل ذات تركيز مشحون بالكثير؛ تفاصيل تلتف لتحيط بفِكرةٍ أكبر. إنَّه كتاب يقتضي بعضَ الصبر. إنَّه دفاعٌ عن قوة الفن وقدرته على إجابة شوقنا لأن «يتم التَعرُّف علينا» فيما يدعو إلى إعادة اكتشاف «قدراتنا الخاصة في التذكُّر»؛ تذكُّر ماضٍ يتطلب أقصى قدر ممكن من الانتباه الحميم.
كاتبة المقال Joan Silber لها ثمانية أعمال أدبية [بين القصة والرواية]، أحدثها روايتها Improvement، نُشرَ المقال في نيويورك تايمز في 22 أكتوبر 2019، عندَ صدور كتاب هشام مطر بالإنجليزية. الكتاب صدر حديثًا باللغة العربية، عن دار الشروق، بترجمة زوينة آل تويّه، والأجزاء المقتبسة منه في هذا المقال بترجمتها.
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
«الأسماء الجغرافية».. كتاب موسوعي يحتفي بسيرة الأمكنة
فاطمة عطفة
تعد موسوعة الباحث د. خليفة محمد ثاني الرميثي، التي تحمل عنوان: «الأسماء الجغرافية – ذاكرة أجيال»، دراسة تاريخية وتوثيقية متميزة، وقد ناقشت مؤسسة «بحر الثقافة» هذا الكتاب نظراً لأهميته، حيث أشارت الروائية مريم الغفلي خلال المناقشة إلى «أنه كتاب موسوعي يبحث بعمق تاريخي بليغ أهمية الأماكن وأسماءها القديمة، ويعتبر الكتاب مرجعاً للمكان والجغرافيا في دولة الإمارات، فقد جمع فيه المسميات والأماكن، حيث استعان فيه بمصادر متعددة، إضافة إلى الجمع الشفهي، ويعتبر الكتاب ذاكرة تبقى للأجيال القادمة، كما تستفيد منه الأجيال في الوقت الحالي، خاصة أن كثيراً من الأسماء تغيرت أو اندثرت عبر مرور الزمن. ويكشف الباحث عن معلومات تاريخية مهمة خلال حقبة زمنية معينة تشمل لغة وعادات اندثرت، كما يبين ملامح تلك الأماكن من وديان وسهول أو جبال، وما ضمت من نبات وحيوان وثروات. وأسماء المواقع القديمة في الإمارات العربية المتحدة تشكل جزءاً من تراثها التاريخي والجغرافي، ومن هويتها الحضارية».
وكل من يقرأ هذا الكتاب لا بد أن يشعر بالجهد العلمي الكبير الذي بذله المؤلف حتى تمكن من جمع وتحقيق كثير من الأسماء الجغرافية، وتناول بالبحث والتدقيق والتوثيق تاريخها وطبيعتها وعلاقتها بالبيئة المحيطة، وما واجه من تحديات، إضافة إلى أنه تناول بالبحث ما جرى على لفظ تلك الأسماء من تغيرات، أو ما طرأ عليها من تحوير في النطق.
ويتألف الكتاب من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة وملاحق. ويكفي أن نشير إلى أن المراجع العربية بلغت نحو مئة مرجع، والمراجع الأجنبية قاربت الستين. وجاء الفصل الأول بعنوان «أهمية أسماء الأمكنة»، ويتناول فيه التعريف بأسماء الأماكن وأهمية التسمية، وكتابة وتشكيل الأسماء، والأسماء بلهجة أهل الإمارات. كما يعرض في هذا الفصل تاريخ جمع الأسماء وتدوينها على الخرائط، وتطور تاريخ جمع الأسماء عبر القرون الأربعة الأخيرة. وفي الفصل الثاني يتناول الأسس والضوابط التي اتبعها في تسمية الأماكن وطرق كتابتها بالعربية لغير الناطقين بها. ويعرض في الفصل الثالث طرق المواصلات القديمة ومسارات القوافل، وما فيها من آبار قديمة وأسمائها.
أما الفصل الرابع، فقد خصصه الباحث د. الرميثي لتاريخ إمارة أبوظبي، مروراً بانهيار صناعة اللؤلؤ وظهور النفط، واستعرض صفحات تاريخ الإمارة المضيء، وعرض بعض الإحصائيات عن السكان، وبداية مشروعات النهضة. وتناول في الفصل الخامس الجزر وأماكن الاستقرار القديمة في إمارة أبوظبي، ابتداء من الجزيرة العاصمة إلى الجزر المهمة المأهولة قديماً حولها. وجاء الفصل السادس مخصصاً لمحاضر ليوا.
معجم الأسماء
أراد المؤلف د.خليفة الرميثي أن يكون الفصل السابع والأخير على شكل معجم للأسماء الجغرافية في دولة الإمارات، يسرد في آخر هذا المعجم 1195 اسماً شرحاً وتحديداً لمواقعها، وأكثر من 4000 اسم ورد ذكرها من أصل 9800 اسم من الأسماء الأصيلة الموثقة لدى المؤلف.