نبي ما بعد الاستعمار أو المدافع عن عدالة بربرية.. نظرة جديدة إلى حياة الكاتب الثوري المؤثر فرانز فانون وعصره
تاريخ النشر: 30th, October 2024 GMT
ترجمة: سعيد الطارشي -
الجندي. الطبيب النفسي. الثوري. الكاتب. وحتى بعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاته؛ فلا يزال فرانز فانون شخصية قوية وجدلية. فلقد كتب بشراسة ضد العنصرية والعنف الاستعماري في وقت حيث بدت فكرة العالم الثالث (فكرة الجبهة الموحدة بين البلدان والشعوب التي يستغلها الاستعمار) ممكنة.
وفي خضّم حرب الاستقلال الوحشية عن فرنسا التي خاضتها الجزائر بين عامي (1954-1962م) كتب فانون عن ضرورة العنف المضاد في الإطاحة بالحكم الاستعماري.
إنّ أشهر كتابين لفانون هما: بشرة سوداء وأقنعة بيضاء (الذي كتبه عندما كان في السابعة والعشرين من عمره) ومعذبو الأرض (الذي انتهى منه قبل ستة أشهر من وفاته عن عمر يناهز 36 عامًا بسبب سرطان الدم).
في الكتاب الأول حدّد فانون وحلّل وأدان تأثير العنصرية على حياة وعقول السود والشعوب المستعمرة بعبارات لاذعة لا تقبل المساومة.
أما الكتاب الثاني فهو بيان مناهض للاستعمار، ودراسة حالة للعنف، وتأريخ النضال من أجل إنهاء الاستعمار، ومكتوب من خلال عدسة حرب استقلال الجزائر.
إنّ اللغة اللاذعة لهذين الكتابين، إلى جانب اعتناق فانون للعنف كوسيلة لتحقيق غاية؛ ساعدا في تشكيل سمعته؛ إما كنبي (يشار -أحيانًا- إلى كتابه معذبو الأرض إلى أنّه الكتاب المقدس لإنهاء الاستعمار)، أو كمدافع عن عدالة بربرية على حد تعبير معاصر فانون، الكاتب والصحفي الفرنسي جان دانييل بنسعيد Jean Daniel Bensaid .
لقد أثّرت أعمال فانون في الحركات السياسية وعلى التخصصات الأكاديمية؛ من حركات تحرير السود وإنهاء الاستعمار الأفريقي، إلى نظرية ما بعد الاستعمار ونظرية العِرق النقدية.
في كتابه عيادة المتمردين The Rebel›s Clinic يدرس آدم شاتز Adam Shatz حياة فانون وعصره. وشاتز هو محرر الولايات المتحدة لمجلة لندن ريفيو أوف بوكس، ومسهم في مجلة نيويوركر. إنّ أبحاثه وتحليلاته المكثفة تجعل من كتابه هذا دليلًا شاملًا لعصر ما، كذلك لسيرة إنسان.
وبالنسبة لشاتز فإنّ فانون (الإنسان والفكر) يكتسبان أهمية وراهنية متزايدتين اليوم. وفي الواقع كان العنوان الرئيسي لمقالة كتبها في صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من هذا العام هو: «لقد حاصر العالمَ فرانز فانون».
كذلك فإنه في «عصر استهلاكي، وعنصري، وشيوع عنف الشرطة، وإرث الاستعمار الأوروبي في الشرق الأوسط وأفريقيا»؛ فإنّ فانون له أهمية كبيرة.
طبيب وكبير منظرين
ولد فانون في جزيرة مارتينيك في غرب الهند (وهي تابعة لفرنسا)، وغادر الجزيرة في مارس 1944م للقتال في الحرب العالمية الثانية من أجل فرنسا حرة. وكان عمره - حينذاك- 19 عامًا. ولإيمانه بقيم الجمهورية الفرنسية (المساواة والأخوة والحرية) أصيب فانون بالصدمة من التسلسل الهرمي العنصري الذي واجهه في الجيش الفرنسي؛ فالعرق يحدد رتبة الشخص ودوره وكيفية معاملته.
وبعد أنْ نشأ في الطبقة المتوسطة وتلقى تعليمًا فرنسيًا في مارتينيك، توقع فانون أنْ يرحب به كمواطن فرنسي كامل؛ خاصة وأنه اختار القتال [من أجل فرنسا حرة]. وأصيب في صدره أثناء القتال، وعاد إلى مارتينيك لفترة وجيزة. ثم ذهب إلى فرنسا لدراسة الطب، ليصبح طبيبًا نفسيًا.
وأثناء عمله في ليون التقى فانون بالعمال المهاجرين من شمال إفريقيا الذين تجاهل الأطباء النفسيون الفرنسيون آلامهم «الوهمية». ورأى فانون التأثير النفسي للعنصرية على هؤلاء العمال. وقد أثّر هذا -ليس فقط- في ممارسته كطبيب نفسي؛ ولكن-أيضًا- في تفكيره كمنظر وفيلسوف. وفي عمله حول العزلة؛ وهي العمليات التي يمكن من خلالها شفاء المرضى من حالات الاغتراب و/أو الذهان، سيؤكد فانون الدورَ الذي تلعبه العوامل الاجتماعية في الصحة العقلية.
لقد كانت إقامته في مستشفى سانت ألبانز (تحت إشراف فرانسوا توسكيليس François Tosquelles، وهو طبيب نفسي إصلاحي ماركسي/فرويدي كتالوني) تجربة مبكرة وحاسمة.
وفي عام 1953م قبِل فانون منصب مدير عيادة في البليدة بالجزائر. وهنا أصبح على دراية كاملة بوضع الجزائريين الذين يعيشون تحت الحكم الاستعماري الفرنسي. وكان مؤسس مدرسة الطب النفسي في الجزائر العاصمة (أنطوان بوروت Antoine Porot) قد وصف المسلم الجزائري بأنه شخص هستيري، ويميل إلى الإجرام، وأقل شأنًا فكريًا؛ «فهو كائن بدائي تحركه الغريزة، وغير قادر على التفكير العقلاني».
لقد خلق الجهاز الاستعماري الفرنسي نظامًا لعدم المساواة متطرفًا ومقصودًا. ومع ذلك رأى فانون في الشعب الجزائري مقاومة لا هوادة فيها ضد التماهي مع القيم والثقافة الفرنسية. وقد أعجب فانون بهذه الصفة؛ فانضم إلى جبهة التحرير الوطني. ولقد ارتقت حركة المقاومة والفرع السياسي لجبهة التحرير المسلحة (جبهة التحرير الوطني) في نهاية المطاف إلى الصدارة في الحرب ضد فرنسا. وبقيت الحزب الحاكم في الجزائر إلى اليوم.
وأثناء إدارته لعيادة البليدة كان فانون معروفًا بمعالجة الجلادين الفرنسيين-غالبًا- في الصباح، وضحاياهم في المساء. وعلى الرغم من أنّ ولاءه السياسي كان للجزائريين؛ إلا أنّ تطبيبه شمل علاج كل من يحتاج إليه؛ فرنسي أو جزائري، جلّاد أو معذَّب.
لكن في نهاية المطاف طرد الفرنسيون فانون من الجزائر بسبب عمله الثوري. وشمل ذلك العمل تسكين آلام مقاتلي المقاومة والذين أنهكتهم المعارك؛ لمساعدتهم على العودة إلى الميدان.
ويصف شاتز فانون بأنّه «السفير المتجول» لجبهة التحرير الوطني و «منظرها الرئيسي». وأمضى السنوات الأخيرة من حياته في إدارة عيادة في تونس، والمشاركة في المناورات العسكرية، والأنشطة السياسية مع جبهة التحرير الوطني، وحضور المؤتمرات في أفريقيا وأوروبا، والضغط من أجل إنهاء الاستعمار في أفريقيا.
لقد كان فانون شخصية مهمة في النضال من أجل إنهاء الاستعمار؛ لذا نُقل جوًا إلى روسيا لتلقي العلاج الطبي عندما شُخصت إصابته بسرطان الدم لأول مرة. وفي وقت لاحق (وبمساعدة وكالة المخابرات المركزية) ذهب إلى الولايات المتحدة في محاولة أخيرة لإنقاذ حياته. وكان دور وكالة المخابرات المركزية في محاولة إنقاذ فانون-وفقًا لشاتز- بمثابة «مقدمة ودية» للحكومة الجزائرية المستقبلية. فكان من الواضح للوكالة-في تلك الأثناء- أنّ استقلال الجزائر أمر حتمي.
وتوفي فانون في الولايات المتحدة في ديسمبر عام 1961م، وقبل أشهر قليلة من استقلال الجزائر عن فرنسا.
وبناء على وصيته دُفن في التراب الجزائري. ولم يكن يتحدث أيّة لغة من لغات الجزائر غير الفرنسية. ولقد عاش في الجزائر لبضع سنوات؛ لكنه لم ير أنّ هذا يشكل عائقًا أمام الهوية الوطنية؛ هويته كجزائري.
رهاب المثلية وكراهية النساء
إنّ أعمال فانون تمزج الفلسفة والطب النفسي والخبرات الحياتية والأدب في أسلوب نثري فريد من نوعه وخطابي. وهذا لم يكن مفاجئًا؛ نظرًا لأنّه أملى كتاباته المبكرة، أولًا على زوجته جوزي فانون Josie Fanon ، ثم على الاختصاصية الاجتماعية في العيادة؛ ماري جين مانويلان Marie-Jeanne Manuellan.
ويؤكد شاتز على ما هو مفيد وذو صلة من عمل فانون للحظتنا الحالية. فعلى سبيل المثال كانت رؤية فانون لبناء الأمة رؤية تجاوزت سياسات الهوية.
ويعيد تجميع أجزاء من حياة فانون والتي غالبًا ما طغت عليها سمعته كمدافع عن العنف الثوري. وهو يعترف بالصعوبة التي يواجهها فانون؛ لذا فإن إعجابه به «ليس غير مشروط»، وذكرى فانون «لا يخدمها التبجيل جيدًا». وفي عام 2001م لاحظ شاتز-وهو يراجع سيرة فانون- أن أقوال فانون النبوئية لم تتقادم. وفي حين يصعب الآن فهم إيمانه بالقيمة العلاجية للعنف؛ فإنّ الكثير مما كتبه كان ذا بصيرة مخيفة.
يُعرف فانون بكتاباته عن الطبيعة «التطهيرية» للعنف في المجتمعات التي ألحق الاستعمار دمارًا وجوديًا وماديًا بشعوبها المستعمرَة. فكان يعتقد أنّ العنف الثوري سيعيد خلق المجتمع والإنسان من الألف إلى الياء.
ومع ذلك يقدم شاتز في كتابه ترجمة مختلفة للفظة فانون الفرنسية، مستبدلاً كلمة «التطهير» cleansing بكلمة «إزالة السموم» dis-intoxicatingالأقل قسوة. وسواء كانت الكلمة الأخيرة -بما تتضمنه من إيحاءات للتعافي من تسمم أو حتى التحرر من سِحر- تحمل مسؤولية أخلاقية أقل من كلمة «التطهير» أم لا؛ فهذا أمر مطروح للنقاش.
لكن حديث فانون وتفكيره يتسمان-أيضًا- بلغة معادية للمثليين وكارهة للنساء. وفي دراسات الحالة التي أجراها في كتابه معذبو الأرض-والتي تتضمن اغتصاب النساء- لم يكن هناك أي اعتبار لذاتية المرأة. وإنّه يجند فكرة المثلية الجنسية المكبوتة سُبّةً، واللغة التي يستخدمها للنظر في كل من العالم الاستعماري والعالم المتحرر من الاستعمار تركز على الرجال؛ البيض والسود على حد سواء. إنّ التمييز بين الجنسين لعميق!
وفي حين أنّه ليس هناك شك في أنّ فانون سعى إلى معنى جديد للأمة؛ يوفر المساواة لجميع المواطنين -بغض النظر عن الجنس أو العرق-؛ فإنّ هذا لا يعني أنه من الضروري أو المرغوب فيه تجنب ما هو إشكالي في عمله.
بل إنّه يدعو إلى ذلك النوع من القراءة الذي كان فانون نفسه موهوبًا فيه: القراءة ضد التيار، وكذلك معه. فمن المؤكد أنّ شاتز لا يتجاهل القضايا الإشكالية في أعمال فانون؛ لكن تركيزه يظل على ما كان مميزًا ومثمرًا فيها، بدلًا من تحليل الجوانب الصعبة أو الغوص فيها.
ومع ذلك فإنّ عمل شاتز عن فانون يتسم بالعمق وسعة المعرفة؛ فهو يعيد بناء التاريخ الفكري والسياسي والثقافي لمنتصف القرن العشرين. وفي الفصول الأخيرة يضع جهود فانون وسط أعمال المفكرين والحركات المعاصرة، من حركة حياة السود مهمة إلى نضالات الشعب الفلسطيني.
وفي بعض الأحيان يتأرجح شاتز على حافة محاولة قول أكثر مما هو ممكن عن فانون؛ نظرًا لقلة ما حُفِظ فيما يتعلق بحياته الخاصة: لتجنب فانون كتابة يومياته، ووفاة زوجته جوزي (التي كانت غائبة إلى حد كبير عن سيرته الذاتية) في أواخر الثمانينات. (وأحد المصادر الأساسية الحية القليلة التي تمكن شاتز من الوصول إليها كانت ماري جين مانويلان التي أملى عليها فانون كتابه معذبو الأرض)
إنّ شاتز ليبدو محرجًا عند الحديث عن علاقة فانون بإلين كلاين Elaine Klein الناشطة اليهودية. وانتقدت الكاتبة جنيفر سالاي Jennifer Szalai (في مراجعتها المنشورة في صحيفة نيويورك تايمز لكتاب عيادة المتمردين) شاتز لعدم معالجة تهمة عنف فانون تجاه زوجته جوزي، والتي ذُكِرت في المقابلات التي أجراها الباحث فيليكس جيرمان Félix Germain لكتابه إنهاء استعمار الجمهورية Decolonising the Republic. وفي مقابلات مع الشاعر والصحفي بولين يواكيم Paulin Joachim والكاتبة والأكاديمية الغوادلوبية ماريز كوندي Maryse Condé اتُهم فانون بأنّه رجل عنيف؛ فقد صفع زوجته في أماكن عامة وخاصة. لذا فمن الممكن الشعور بعدم اليقين في معالجة شاتز لشؤون فانون الشخصية. ويبدو أنّ شاتز يلمّح-ودون أن يعلن صراحةً- إلى أنّ الزواج كان مفتوحًا، وأنّ جوزي كانت لها -أيضًا- علاقة غرامية.
وفي بعض الأحيان يتناول شاتز تراث فانون المارتينيكي ومكانته في فكره بطرق قد يشعر المرء أنّ فانون نفسه ربما استاء منها؛ نظرًا لملاحظات شاتز الساخرة في كثير من الأحيان حول الثقافة المارتينيكية.
قراءة ضد التيار
في دراسة سابقة عن فانون نُشرت عام 2001م كتب مؤلف سيرته الذاتية (ديفيد ماسي David Macey) عن فكرة فانون عن الأمة بعدّها مبنية على رغبة المرء فيما يكونه؛ وليس على مكان ميلاده. وفي بعض الأحيان سمح ماسي لقصة الجزائر بالتحدث نيابة عن قصة فانون والتعتيم عليها!
إنّ خلاصة مقاربة شاتز هي التأكيد على فانون الإنسان: الطبيب النفسي، والكاتب، والمنظر، والمناهض للاستعمار، والمنغمس بتاريخ الجزائر، وإلى جانب مؤثرات أخرى عليه. شملت: الوجودية الفرنسية، وإنهاء الاستعمار، والزنجية Négritude؛ وهي حركة أدبية كان من مناصريها الرئيسيين مؤلفون وشعراء وسياسيون، من أهمهم: ليوبولد سيدار سنغور(الرئيس السابق للسنغال)، وإيمي سيزير(الرئيس السابق للمجلس الإقليمي للمارتينيك).
لقد أثّر هذان الرجلان على فانون؛ لكنه انحرف عن أفكار الحركة الأكثر جوهرية حول الهوية السوداء.
يُصور كلٌ من شاتز وماسي العنف الشديد الذي مارسته كِلا القوات الفرنسية والجزائرية خلال حرب الاستقلال. فلقد قام الجانبان بزرع الألغام، وذبح وتعذيب الرجال والنساء؛ باستخدام تقنيات مثل: الإيهام بالغرق، وتشويه الأعضاء التناسلية. وقامت جبهة التحرير الوطني بقطع أطراف وشفاه وأنوف القرويين الذين انتهكوا الحظر المفروض على التدخين (فالتدخين حرام في الإسلام) كوسيلة للمطالبة بالولاء المطلق للهوية الجزائرية العربية الإسلامية المستقبلية. وقام الفرنسيون بإعدام الجزائريين بالمقصلة؛ دون محاكمة في كثير من الأحيان.
وإذا قرأنا فانون عكس التيار-وليس فقط للتصدي للقيود المفروضة على مسألتي كرّهه للنساء ورهابه من المثليين يمكننا-أيضًا- أنْ نرى أنّ حياته كانت حياة تواطؤ مع عنف المضطهَدين. ويرى أنّ أي عمل (من قطع الأسلحة إلى ذبح المنافسين)؛ له ما يبرره إذا أدى إلى الإطاحة بالظالم؛ وبغض النظر عن التكلفة.
فمن ناحية كان فانون مدافعًا متحمسًا عن العنف الذي من شأنه أنْ يحرر الشعوب المستعمرة من الإذلال الجائر لنير الاستعمار. ومن ناحية أخرى لم يكن مخدوعًا بأي حال من الأحوال بشأن الدمار النفسي الناجم عن العنف؛ سواء على الجاني أو الضحية.
لقد أنتجت هذه العلاقة المعقدة بعضًا من أقوى أفكاره حول التكوين الاجتماعي للنفس البشرية؛ فلقد كان لديه اعتقاد راسخ بضرورة السعي نحو طريقة للوجود تقاوم: الفكر التقليدي، والخصوصيات، والقبلية.
وحذّر-أيضًا- من احتمال حدوث استعمار طبقي عنيف قد تحل فيه «النخبة المحلية» محل أسيادهم المستعمرين. فيشير شاتز إلى أنّ فانون قد تنبأ بـظاهرة موبوتو وموغابي؛ الرجال الكبار الذين يكسون أنفسهم زيًّا أفريقيًا؛ ومع ذلك يحكمون بالفساد ويستغلون السلطة.
إنّ الطريقة التي نقرأ بها فانون-سواء أكان ذلك في الأدب، أو التاريخ، أو الفلسفة، أو دراسة حالة نفسية، أو بيان رسمي- سوف تشكل وجهات نظرنا حول أفكاره عن العنف. وإنّ القراءة الجيدة هي في حد ذاتها عمل مستمر؛ عمل يتطلب أنواعًا من البحث الشامل والتفكير الذين وظفها شاتز لقراءة فكر فانون وسيرته.
ميشيل حمداش تدرس دراسات اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة ماكواري. وتكتب روايات خيالية وغير خيالية إبداعية، وتعمل على تاريخ معسكرات إعادة التوطين في الجزائر أثناء حرب الجزائر من أجل الاستقلال عن فرنسا (1954-1962). عملت محررة في مجلة Southerly حتى عام 2018 وهي الآن رئيسة تحرير مجلة Mascara Literary Review، وهي مجلة أدبية نصف سنوية مهتمة بأعمال الكتاب المهاجرين المعاصرين والأستراليين الآسيويين والسكان الأصليين.
** المقال عن محاضرة في الأدب والكتابة الإبداعية بجامعة ماكواري
*** مصدر المقالة: https://theconversation.com/postcolonial-prophet-or-advocate-of-barbaric-justice-a-new-take-on-the-life-and-times-of-influential-revolutionary-writer-frantz-
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: جبهة التحریر الوطنی إنهاء الاستعمار فی الجزائر عن العنف فانون ا ومع ذلک لم یکن من أجل
إقرأ أيضاً:
غزة غارقة في الظلام.. كيف يمارس الاحتلال التضليل بعد قراره قطع الكهرباء؟ (نظرة تاريخية)
أصدر وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين" الأحد قرارا بوقف نقل الكهرباء إلى قطاع غزة، على خلفية تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار مع حركة حماس.
وتغرق غزة في ظلام دامس منذ بدء العدوان على القطاع في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعد أن قررت سلطات الاحتلال في حينه وقف إدخال الوقود اللازم لمحطة الكهرباء الوحيدة في القطاع، فضلا عن فصل الخطوط التي تصل من الاحتلال إلى القطاع.. إذا كيف سيقطع الاحتلال الكهرباء عن غزة؟
جاء الرد على هذا الكلام إسرائيليا، حيث صرح رئيس شركة الكهرباء الإسرائيلية، دورون أربيلي، الاثنين، أنه لا يوجد أي خط ينقل الكهرباء من "إسرائيل" إلى داخل غزة، مؤكدا أن الشركة الإسرائيلية "لا تقوم بصيانة شبكة الكهرباء هناك على الإطلاق، ومعظم الكهرباء التي يتم توفيرها في غزة تأتي من الألواح الشمسية على الأسطح أو المولدات الكهربائية".
خط وحيد لمحطة تحلية المياه
أدى ضغط دولي خلال الحرب على قطاع غزة إلى دفع الاحتلال لإعادة وصل خط كهرباء وحيد لتغذية محطة تحلية مياه البحر وسط قطاع غزة، والتي تعتبر الوحيدة التي تعمل حاليا في القطاع، لكن العمل فيها توقف الآن بعد قرار الاحتلال قطاع الكهرباء عنها، ما ينذر بأزمة مياه نظيفة خانقة، خصوصا في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة.
وهذا هو الخط الوحيد الذي يصل إلى قطاع غزة، إذ لم يسمح الاحتلال بتغذية قطاعات حيوية أخرى بالكهرباء كالمستشفيات، فضلا عن تدميره معظم شبكات الكهرباء، والمحولات الرئيسية بين المدن والأحياء، ما تسبب في خسائر فادحة وغير مسبوقة على الإطلاق.
تحذير من تصاعد أزمة المياه
بدوره، قال مدير العلاقات العامة والإعلام بشركة الكهرباء في محافظة خانيونس، طه القصاص في حديث خاص لـ"عربي21"، إن قرار قطع الكهرباء علي جميع محافظات قطاع غزة يسرى منذ بداية العدوان على قطاع غزة الذي يعيش في ظلام دامس.
وذكر أنه في أيلول/ سبتمبر الماضي، وافق الاحتلال توريد 6 ميجا من الكهرباء، عبر شبكة الضغط العالي في كيسوفيم (شرق دير البلح)، وذلك لتغذية محطة المياه ومضخات الصرف الصحي بمواصي دير البلح، لكنه عاد الآن وقطع هذا الخط".
وحذر القصاص من أن قرار الاحتلال "سيؤثر بشكل سلبي وكبير حيث سيعاني أبناء شعبنا من قلة المياة الحلوة، ومن الأمراض جراء تكدس مياه الصرف الصحي في الشوارع".
ما حجم الدمار في كهرباء غزة؟
قالت شركة توزيع كهرباء غزة، إن سلطات الاحتلال تزود غزة بـ 10 خطوط رئيسية انقطعت مع بدء العدوان في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ولفتت الشركة إلى أن 70 في المئة من شبكات توزيع الكهرباء في القطاع مدمرة، وأن 90 في المئة من مستودعات ومخازن شركة توزيع الكهرباء دمرت، و80 في المئة من آليات ومركبات الشركة دمرت بالكامل.
من جهته، أكد مدير العلاقات العامة والإعلام بشركة الكهرباء في محافظة خانيونس، طه القصاص أن كهرباء غزة تحتاج إلى معدات وآليات وأدوات خاصة بالصيانة، لتمكين طواقمها من توصيل التيار الكهربائي للمرافق الحيوية الأساسية في قطاع غزة.
وشدد على أن مستويات الدمار في قطاع توزيع الكهرباء بغزة كبيرة جدا، والتقديرات المبدئية للخسائر بلغت 450 مليون دولار، مشددا على أن إعادة إعمار هذا القطاع وتأهيله يحتاج إلى الكثير من المال والوقت والجهد.
ولفت إلى وجود خطط جاهزة ومتدرجة على ثلاث مراحل لإعادة الحياة لشبكة الكهرباء في القطاع، الأولى تمتد 60 يوما، والثانية 6 أشهر، والثالثة 3 سنوات، وجميعها تركز على إعادة احياء وانعاش القطاعات الحيوية عبر التوسع في عمليات صيانة الشبكات والخطوط واستيعاب مزيد من الكهرباء.
ودعا القصاص المجتمع الدولي وكافة الأطراف ذات العلاقة للضغط والتدخل السريع على الاحتلال من أجل توفير وإدخال الاحتياجات العاجلة لقطاع الكهرباء بغزة، لدعم الجهود الانعاشية والإغاثية لـ 2.5 مليون مواطن في غزة يعانون ظروفا صعبة للغاية.
كهرباء غزة- أزمة تاريخية
تعتبر أزمة الكهرباء في قطاع غزة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا واستمرارية، وتعود جذورها إلى سنوات طويلة بسبب مزيج من الأسباب السياسية، الاقتصادية، والبنية التحتية المتدهورة، والتي تسبب بها الاحتلال الإسرائيلي.
بداية الأزمة (2006)
في عام 2006، قصفت طائرات الاحتلال محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة، متخذة من أسر الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" ذريعة لهذا التخريب.
وأدى القصف إلى تدمير المحطة جزئيًا، مما تسبب في تراجع قدرتها على إنتاج الطاقة، لكن الازمة زادت بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، حيث فرضت دولة الاحتلال حصارًا مشددًا على القطاع. تم تقييد دخول الوقود والمواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة محطة الكهرباء.
بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف 2007، فرض الاحتلال حصارًا أكثر تشددًا، ومنع دخول كميات كافية من الوقود الصناعي اللازم لتشغيل محطة الكهرباء.
انخفضت قدرة المحطة على توليد الكهرباء إلى مستويات متدنية للغاية، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة يوميًا.
ولاحقا أدت الحروب المتلاحقة على قطاع غزة إلى تدمير البنية التحتية لقطاع الكهرباء جزئيا، مما زاد من تعقيد الأزمة، خصوصا مع اعتماد المحطة الرئيسية على السولار الصناعي، الذي كان يمنع دخوله الاحتلال، إضافة إلى تكلفته العالية.
وفي عدة مراحل، تدخلت قطر لتوفير الوقود لمحطة الكهرباء، مما ساهم في تخفيف الأزمة بشكل مؤقت.
ما هي مصادر الكهرباء في غزة؟
أولا، تحصل غزة على الكهرباء من عدة مصادر، أبرزها المحطة الرئيسية والوحيدة التي جرى إنشاءها عام 2002 .
في منطقة النصيرات وسط قطاع غزة، كانت المحطة مصممة لإنتاج حوالي 140 ميغاواط، ولكن بعد القصف الإسرائيلي المتكرر وتدمير أجزاء منها، انخفضت قدرتها الإنتاجية إلى حوالي 60 ميغاواط فقط.
ثانيا، تشتري شركة الكهرباء في غزة حصة من دولة الاحتلال لتغطية النقص الحاد في الإمدادات، ويتم تزويد قطاع غزة بالكهرباء من خلال 10 خطوط كهرباء إسرائيلية، بإجمالي يبلغ حوالي 120 ميغاواط.
هذه الكمية لا تغطي سوى جزء بسيط من احتياجات القطاع، و"إسرائيل" تتحكم بشكل كامل في هذه الخطوط، ويمكنها تقليل أو قطع الإمدادات في أي وقت.يتم خصم تكلفة الكهرباء الإسرائيلية من أموال المقاصة التي تجمعها دولة الاحتلال نيابة عن السلطة الفلسطينية.
ثالثا، يتم تزويد جنوب قطاع غزة، خاصة منطقة رفح بالكهرباء عبر 3 خطوط كهرباء مصرية، بقوة إجمالية تبلغ حوالي 30 ميغاواط فقط، لكن الخطوط المصرية قديمة ومتهالكة، مما يؤدي إلى أعطال متكررة.
رابعا، بسبب أزمة الكهرباء لجأ الغزيون إلى حلول فردية بديلة للطاقة منها استخدام المولدات الكهربائية، وألواح الطاقة الشمسية، لكنها لا تغطي العجر مطلقا بسبب منع الاحتلال دخول ألواح الطاقة ومولدات الكهرباء والوقود، خصوصا بعد العدوان الأخير في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
بشكل عام تبلغ احتياجات قطاع غزة من الكهرباء حوالي 500 ميغاواط يوميًا، لا يتوفر منها شئ في الوقت الحاضر، ما يعني أن القطاع غارق في ظلام دامس.