- تكثيف التكامل المعرفي والدراسات البينية بين القطاعات الصحية والقانونية والقضائية

- إدخال القانون الطبي كمنهج معتمد في كليات الشريعة والطب

- مراجعة مناهج وبرامج أخلاقيات ممارسة مهنة الطب والمهن الصحية

- تقنين التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي

أكدت ندوة «دور التشريعات القانونية وتطبيقاتها المهنية والقضائية في المجال الصحي»، أهمية إيجاد لوائح وقرارات وزارية تناسب التطور السريع في المجال الطبي وخدمة الطب الاتصالي وتدريب الكوادر الطبية، وتقنين التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتشريعات المسؤولية القانونية في القطاع الطبي والرعاية الصحية، وضرورة تطوير الخطط الدراسية بما يتلاءم مع المستجدات التكنولوجية.

وأوصت الندوة بضرورة تكثيف التكامل المعرفي والدراسات البينية بين القطاعات الصحية والقانونية والقضائية من خلال إقامة المؤتمرات والندوات والورش وبرامج التدريب المشتركة لإعطاء التغذية النوعية لكادر هذه القطاعات في مسائل القطاع الصحي ومستجداته، ونشر الوعي القانوني بالمجال الطبي بين العاملين الصحيين والقانونيين فيه، وتوجيه أصحاب المهن الصحية لأهمية الحصول على استشارة قانونية من المختصين القانونين في حال وجود إشكالية أو شكوى في مجال العمل، مع التأكيد على وجوب توثيق وجمع الممارس الصحي للعلاج المقدم في ملف المريض لما له من أهمية كبيرة في حالات الخطأ الطبي، ومراجعة مناهج وبرامج أخلاقيات ممارسة مهنة الطب والمهن الصحية التي تدرس لمختلف فئات الطلبة في المجال الصحي وأهمية تحديثها بما يناسب مع التشريع القانوني والتطبيق القضائي الموجود حاليا في سلطنة عمان.

كما دعت إلى تأليف دليل استرشادي طبي قانوني يقدم نظرة ثاقبة للمفاهيم القانونية الأساسية والمبادئ الأساسية التي تحكم الأطباء في ممارسة مهنة الطب والمهن الصحية المساعدة في سلطنة عمان،وتجهيز جميع الأطباء بشكل أفضل للتعرف على الصعوبات الطبية القانونية وتجنبها. لا بد من المشرع العماني مواكبة التغير السريع في العصر الحديث من حيث انتشار الأمراض والأوبئة حاليا سيما بعد جائحة كورونا؛ فيكون إصدار القوانين بسرعة زمنية أكبر وأشمل عن ذي قبل في الفترة الماضية.

كما أكدت الندوة على أهمية إيجاد إرشادات أخلاقية للتقنيات الجديدة من خلال تطوير وتطبيق إرشادات واضحة للتطبيب عن بعد والذكاء الاصطناعي لضمان خصوصية البيانات، والموافقة المستنيرة، ومنع التحيز في تقديم الرعاية الصحية. ولا بد من وجود حلقة وصل مباشرة تربط بين المجلس العماني للاختصاصات الطبية والمجلس الأعلى للقضاء بشكل دوري منتظم للبحث والدراسة في مجال الطب والقانون سيما الحد من الأخطاء الطبية وإيجاد الحلول المثلى والمناسبة لها. وإيجاد وتفعيل منصة إعلامية طبية رائدة في بيئة قانونية متكاملة للتوعية الوطنية الشاملة في مجال الطب.

كما أوصت بتدريب الكوادر الطبية على الكفاءة الثقافية من خلال توفير تدريب مستمر لمقدمي الرعاية الصحية حول التعامل مع المعضلات الأخلاقية، وموازنة استقلالية المريض مع توقعات الأسرة، واحترام القيم الإسلامية، وأهمية تعزيز المساءلة المهنية ومراجعة وتحديث المعايير الأخلاقية لضمان التزام المهنيين بأفضل الممارسات في الأخلاقيات الطبية.

وأشارت إلى أن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي والرعاية الصحية تستوجب بنية أساسية قادرة على استيعاب كمية ضخمة من البيانات الشخصية ومعالجتها بما يكفل العدالة والمساواة مع تأمين الحماية اللازمة لتلك البيانات من العبث المقصود أو غير المقصود.

وكانت الندوة التي نظمتها كلية عمان للعلوم الصحية قد افتتحت صباح اليوم تحت رعاية سعادة الدكتور سعيد بن حارب اللمكي وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية، وبحضور عدد من أصحاب الفضيلة القضاة، والمحامين، والأطباء، وممارسين صحيين، بالإضافة إلى أكاديميين وباحثين في المجالين وذلك في المركز الرئيسي للبنك الوطني العماني.

تبادل الخبرات

وألقى الدكتور فهد بن محمود الزدجالي عميد كلية عمان للعلوم الصحية كلمة في افتتاح الندوة قال فيها: أن تنظيم هذه الفعالية يأتي لتعزيز المعرفة القانونية والعملية وتبادل الخبرات لتساهم في تطوير القطاع الصحي وأن الشراكة بين المؤسسات التعليمية والجهات القانونية والصحية تشكل حجز زاوية لتحقيق التقدم والتنمية المستدامة في المجال الصحي، مشيرا إلى أنها تعد فرصة لمناقشة سبل تطوير وتحسين التشريعات الصحية وتطبيقها في السياقات المهنية والقضائية، وأن النقاشات ستسهم في توفر منصة مهمة لتبادل الأفكار والخبرات بين المختصين والمساهمة في صياغة سياسات صحية أكثر فعالية، وتعزيز العمل المشترك حيث برزت أهمية الندوة في تسجيل أكثر من 500 شخص للمشاركة وتم قبول 225 شخصا ولهذا نتطلع إلى التوسع في تنفيذ ندوات ومؤتمرات مستقبلا في المجال الصحي القانوني..

من جهته صرح الدكتور محمد بن سيف الشعيلي الباحث القانوني بالمكتب الفني بالمحكمة العليا رئيس اللجنة العلمية في الندوة قائلا: تتطرق محاور الندوة عبر ثلاث جلسات حوارية إلى التشريعات والقوانين المرتبطة بالمجال الصحي تاريخيا وتطورا ودراسات التحديات التي تواجه الجانب التشريعي والقانوني الذي يحتضن اختصاصات ومجالات وأعمال الجانب الصحي والطبي في سلطنة عمان، وبيان القواعد السلوكية والأخلاقية لمهنة الطب وتعرج الجلسات إلى استظهار المبادئ والتطبيقات القضائية التي صدرت من القضاء في المجال الصحي فالتطبيق السليم المرتبط بالفهم الصحيح للتشريعات والأنظمة جانب مهم للكوادر الصحية والقضائية والقانونية لتعزيز الثقافة المجتمعية بشكل عام والمؤسسية بشكل خاص. كما تناقش الندوة التحديات المرتبطة بالجانب التعليمي المؤسسي الجامعي في المجال الطبي وأبرز التحديات في التكوين العلمي والحديث عن الذكاء الاصطناعي وتطبيق البرامج والتحديات الأخلاقية والقانونية في هذا الجانب.

أوراق العمل

واشتملت أعمال الندوة التي شارك فيها مجموعة من المختصين في التشريعات والقوانين الصحية على ثلاث جلسات حوارية حيث بدأت الأولى «الجلسة التشريعية والقانونية في المجال الصحي» التي أدارها فضيلة القاضي الدكتور بدر بن خميس اليزيدي بالمحور الأول «نظرة عامة حول التشريعات القانونية في المجال الصحي» قدمها الدكتور قيس بن داود السابعي المدير المساعد بالمحكمة الابتدائية بصحار، قال فيها: ما سنت القوانين إلا لتنظم حياة الناس، ويتطور العلم بتطور الحياة وتبدل الأحوال، وتغير الأشكال وأنماط العيش وسبلها، وممارسات وسلوكيات الأفراد فيها، مما أدى ذلك كله إلى سن قوانين جديدة حديثة مناهضة لعصر العولمة الحديث، من شأنها حفظ الحقوق للجميع، وبيان الواجبات. وسلط الدكتور الضوء في ورقته على التشريعات القانونية واللوائح المنظمة للمجال الصحي بسلطنة عُمان، من خلال التطرق إلى ارتباط الطب بالقانون، وعن مراحل تطور التشريعات القانونية العمانية في مجال الطب، مع بيان أهم المواد القانونية التي تضمنها قانون تنظيم مزاولة مهنة الطب والمهن الطبية المساعدة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم: 2019/75.

كما قدم الدكتور ناصر بن حماد العزري استشاري أول طب الطوارئ مدير عام الموارد البشرية بوزارة الصحة، ورقة عمل «التحديات التي تواجه تطبيق التشريعات الصحية» قال فيها: القانون الطبي مجال مستجد نسبيا في الفقه القانوني، ورغم أن بعض الموضوعات التي يتطرق إليها هي موضوعات قديمة مثل موضوع المسؤولية الطبية، إلا أن القانون الطبي كمجال يفتح آفاقا جديدة في العلاقة بين القانون والطب لم تكن مطروقة مسبقا.

وأضاف: ليس هناك تعريف محدد للقانون الطبي، كما أنه ليس فرعا مستقلا من فروع القانون المعروفة مثل القانون المدني وقانون الجزاء والقانون التجاري وغيرها، ورغم ذلك فإن هذا المجال الصاعد يشق طريقه بقوة وتظهر الحاجة إليه ملحة في العصر الحاضر لأسباب شتى. ولعله من النادر الآن في كثير من الدول أن تجد برنامجا جامعيا معتبرا في تخصص القانون لا يتضمن مقررا في مادة القانون الطبي أو القانون الصحي، بل وحتى في كليات الطب والعلوم الصحية.

ودعا الدكتور العزري إلى تفعيل أنشطة مشتركة بين العاملين في المجال القانوني والمجال الطبي (تشريعيا وأكاديميا)، وإدخال القانون الطبي كمنهج معتمد في كليات الشريعة والقانون وكليات الطب والعلوم الصحية، ويفضل أن يكون منهجا مشتركا ذا أنشطة تفاعلية، مع استمرار الندوات والمؤتمرات المشتركة لبناء جسور الفهم والمقاربة وتعزيز دور التشريعات الصحية في بناء مجتمع سليم وآمن، وتوعية العاملين في المجال الطبي والقانوني وكذلك المجتمع بالتشريعات الصحية بشكل دوري ودائم.

الأطر القانونية والأخلاقية

وخصصت الجلسة الثانية للحديث عن الممارسات التطبيقية والمبادئ القضائية في المجال الصحي، وقدم فضيلة الشيخ الدكتور عامر بن محمد الحجري ورقة عمل للبروفيسور الدكتور يحيى بن محمد الفارسي أستاذ علم الأوبئة والصحة العامة بجامعة السلطان قابوس بعنوان «الأخلاقيات المهنية لمزاولي المهن الطبية» تمحورت حول الدور الأساسي للأخلاقيات المهنية في مجال الرعاية الصحية في سلطنة عمان ومناقشة المبادئ الأخلاقية الأساسية، بما في ذلك الاستقلالية والإحسان وعدم الإضرار والعدالة مع التركيز على تطبيقاتها في الممارسة اليومية للرعاية الصحية وتسليط الضوء على التحديات الأخلاقية الرئيسية التي تواجه نظام الرعاية الصحية في سلطنة عمان مثل السرية والموافقة المستنيرة وتوزيع الموارد.وقدم الدكتور لمحة عامة عن الأطر القانونية والأخلاقية التي تحكم ممارسي الرعاية الصحية في سلطنة عمان - مدعومة بدراسة حالة ذات صلة وأهمية المساءلة والنزاهة والتعليم المستمر في الحفاظ على المعايير العالية للسلوك المهني في الرعاية الصحية.

وقدم الدكتور محمد بن سيف الشعيلي الباحث القانوني بالمكتب الفني بالمحكمة العليا في المحور الثاني من الجلسة قراءة لأهم المبادئ القضائية في المجال الصحي أشار فيها إلى فلسفة المشرع والقضاء العماني في تعاطيه مع القضايا والطعون المتعلقة بمسائل التخصصات الطبية، سيما المنهج القضائي المتبع قديما وحديثا بشأن التعويضات، والأخطاء الطبية والأحكام المرتبطة بسلوكيات هذه المهن بشكل عام، واستعراض الأحكام والمبادئ القضائية من حيث الشق الجزائي المرتبط بالمسؤولية الجنائية في أعمال المجال الصحي، التي قد تلازمها المسؤولية المدنية أو الأدبية لهذه المهن.

واختتمت الجلسة بورقة عمل بعنوان «المعايير الأخلاقية والقانونية للأخطاء الطبية» قدمتها الدكتورة أمل بنت أحمد البلوشية طبيبة اختصاصية ومقررة اللجنة العليا للأخطاء الطبية، متحدثة في ورقتها عن المعايير القانونية الأساسية للأخطاء الطبية التي يتم تحديدها من قبل اللجنة الطبية العليا، وأهم المواد القانونية المرتبطة بالخطأ الطبي ابتداء بتعريف الخطأ الطبي وأركانه، واختصاص اللجنة الطبية العليا بتقرير الخطأ الطبي من عدمه والحالات المستثناة من المسؤولية عن الأخطاء الطبية حسب القانون العماني.

تحديات وطموحات

وتطرقت الجلسة الثالثة التي أدارها عبدالعزيز بن راشد الشافعي الباحث القانوني بكلية عمان للعلوم الصحية حملت عنوان «التحديات والطموحات للجوانب التشريعية والتعليمية في المجال الصحي» بعرض ثلاث أوراق عمل، في البداية تحدثت الدكتورة أسماء بنت سعيد البلوشية استشارية طب الطوارئ مديرة دائرة شؤون المتدربين بالمجلس العماني للاختصاصات الصحية حول «التحديات القانونية التي تواجه المؤسسات التعليمية والطبية وكيفية التعامل معها» قائلة: تواجه المؤسسات التعليمية الطبية العديد من التحديات القانونية قد تتعلق بتنظيم التعليم الطبي، وضمان الجودة، وحماية حقوق الطلاب المتدربين والموظفين. وقد تتعلق تلك التحديات بحماية المتدربين في حالة حدوث أخطاء طبية أو تعليمية أثناء ممارسة التدريب السريري وإجراءات التعامل معها، مما قد يعرض المؤسسات للمسؤولية القانونية نتيجة ذلك، لذا يتطلب وجود سياسات وإجراءات واضحة للتعامل مع هذه الحالات.

وأكدت الدكتورة أسماء أن الهدف الأسمى هو تقديم رعاية صحية آمنه للمواطنين والمقيمين على أرض سلطنة عمان، وحيث إن سلامة المرضى يعد مبدأ أساسيًا من مبادئ الجودة لذا لابد من مراجعة مناهج أخلاقيات ممارسة مهنة الطب والفئات الطبية المساعدة التي تدرس لمختلف فئات الطلبة في المجال الصحي وأهمية تحديثها وآلية تدريسها لجميع الطلاب بما يناسب مع التشريع القانوني الموجود حاليا في سلطنة عمان، والنظر في التشريعات القانونية الموجودة التي استهدفت فئة الممارسين الصحيين والتطرق للمتدربين مما يوجب النظر فيها ورفع التوصيات لمراجعتها وإمكانية تحديثها لوضع لوائح أو قوانين أو الضوابط التي تحمي المتدربين أثناء الممارسات السريرية إذا ما وقع خطأ إكلينيكي.

واستعرضت الدكتورة قمرة بنت سعيد السريرية استشارية أولى في الصحة العامة والمديرة العامة لمركز ضمان الجودة بوزارة الصحة ورقة عمل بعنوان «التحديات القانونية التي تواجه تسجيل الحوادث الطبية وأهمية التوثيق الطبي» ذكرت فيها أن نظام أمان نظام إلكتروني وطني لتسجيل الحوادث التي تحدث في المؤسسات الصحية وهو عبارة عن قاعدة بيانات رقمية متخصصة ومصممة للإبلاغ ويتمثل هدف النظام الأساسي في الحفاظ على السلامة وتحسين جودة الخدمات الصحية من خلال نهج غير عقابي وبسرية تامة يركز على نشر ثقافة الإبلاغ وتوثيق الحوادث الطبية بالإضافة إلى وضع خطط تصحيحية واستراتيجيات للحد من تكرار الحوادث المسجلة بالإضافة إلى التعلم منها.

واختتمت الندوة بورقة عمل بعنوان «التحديات القانونية المرتبطة بالتطورات الطبية والتكنولوجية» مع التركيز على دور الذكاء الاصطناعي كنموذج للتطورات التكنولوجية من تقديم الدكتورة إيناس محمد قطيشات عميدة كلية القانون بجامعة صحار، قالت فيها: مع دخول التكنولوجيا شتى مناحي الحياة، والتطورات الأخيرة في مجال الذكاء الاصطناعي ودخوله القطاع الصحي أصبح لزاماً تسليط الضوء على التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي وتقديم الرعاية الصحية لمحتاجيها.

وأضافت: إن الذكاء الاصطناعي يلعبا دورا مهما في المساعدة في إدارة الملف الطبي للمريض بشكل عام، والاستفادة منه في تقديم الاستشارة الطبية ووصف العلاج أحيانا والمساعدة في التدخلات الطبية والعلاجية مرات أخرى، إلا أن ذلك لا يمنع القول: إن دخول الذكاء الاصطناعي القطاع الصحي بصورة عامة من شأنه أن يفرز تحديات قانونية وأخلاقية تحتاج إلى تنظيم قانوني من قبل المشرع خصوصا مع أتمتمة الوظائف الإدارية التي تدعم عملية تشخيص الحالة المرضية واقتراح التدخلات الدوائية من خلال القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات والمعلومات المخزنة بالإضافة إلى استخدام تطبيقاته المختلفة في التدخلات الجراحية وغيرها.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: التشریعات القانونیة الذکاء الاصطناعی فی المجال الصحی الرعایة الصحیة القانون الطبی فی سلطنة عمان القانونیة فی القطاع الصحی بالإضافة إلى المهن الصحیة المجال الطبی التی تواجه الصحیة فی مجال الطب فی مجال من خلال

إقرأ أيضاً:

الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة الإسلامية

تحظى المخطوطات بمكانة رفيعة في مختلف الحضارات، باعتبارها الوعاء الحافظ للإرث المعرفي، والمصدر الرئيسي لنقل العلوم والفنون وسائر المعارف الإنسانية. فمن خلالها، استطاع الإنسان أن يتعرّف على تراث الأمم التي سبقته، ويستعيد تاريخ حضارات اندثرت، ومدن تلاشت معالمها عبر الزمن.

وتزخر المكتبات الكبرى، والمتاحف، والجامعات، ومراكز البحوث، بآلاف المخطوطات التي تُعد من نفائس التراث الإنساني وكنوزه. وبحكم كونها مرجعا للباحثين، وجسرا يربط بين الماضي والحاضر، ومصدرا ثريا للمعرفة في مجالات شتى كعلوم اللغة والرياضيات والفنون، فقد نالت المخطوطات اهتماما بالغا من الدارسين، الذين تتبعوا مراحل نشأتها، ورصدوا محطات تطورها، لا سيما في الحضارة الإسلامية.

وقد ارتبطت بالمخطوطات فنون متعددة، كان لها دور بارز في إبراز قيمتها الجمالية، ومنها فنون الخط العربي، والتزويق، والتنميق، والتذهيب، والتمويه، وهي الفنون التي بلغت ذروتها في المخطوطات الإسلامية والعربية.

وفي كتابه المعنون بـ"التطور التاريخي لصناعة المخطوط.. قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية"، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، يتتبع الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي المراحل التي مرت بها صناعة المخطوط، مستعرضا الجهود التي بذلها الإنسان في سعيه الحثيث لامتلاك أدوات العلم والمعرفة.

إعلان

يوثّق الكتاب كيف اجتهد الإنسان في ابتكار الوسائل التي تيسر نشر المعرفة وتداولها، حتى أصبحت أدوات التعلّم وصناعة الكتاب في متناول الجميع. كما يسلط الضوء على دور الحضارة الإسلامية في نقل وتطوير صناعة الورق، ويبرز كيف تحولت بغداد، عاصمة الخلافة، إلى مركز رائد في هذه الصناعة، ما شكل نقلة نوعية في تاريخ المعرفة، وساهم في جعل تداول الكتاب وقراءته أمرا ميسورا، قليل الكلفة، واسع الانتشار.

تطور المخطوط

يؤكد الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي، مؤلف كتاب "التطوّر التاريخي لصناعة المخطوط: قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية"، أن المسلمين لم يكتفوا باهتدائهم إلى صناعة الورق، بل ارتقوا بها إلى مستوى من الجمال والابتكار جعل من الكتاب قيمة متعدّدة الأبعاد، تبدأ من المعرفة ولا تنتهي عند حدود. فالمخطوط في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد وعاء علمي، بل تحوّل إلى تحفة جمالية تفيض بأسرار الصنعة وإبداع الحرف، حتى غدت صفحاته مرآة لعصور من النهضة والمعرفة، تميزت بروعة التعبير ودقة التزويق، وصعب على حضارات أخرى مجاراتها أو الإتيان بمثلها.

يتناول الكتاب الصادر عن معهد الشارقة للتراث صناعة الكتاب في التاريخ الإسلامي من زوايا معرفية وحرفية وروحية، أسفرت عن إرث ثقافي خالد، ما زالت آثاره حية في كنوز المخطوطات. وقد قسّم المؤلف عمله إلى فصلين و5 مباحث، تنوّعت موضوعاتها بين تاريخ صناعة الورق، وانتشاره جغرافيا، ودوره في العواصم الكبرى كمدينة بغداد في العصر العباسي، وبلاد المغرب الإسلامي، فضلا عن تناول الجوانب الجمالية للخطوط المغاربية، وتوثيق تأثيرات المخطوط الإسلامي على نظيره الأوروبي.

ويستعرض الكتاب تطوّر صناعة الورق، منذ بدايات اكتشافه، وانتقاله إلى العالم الإسلامي، مرورا بإضافات نوعية أبدع فيها الورّاقون والعلماء المسلمون، جعلت من الورق الإسلامي علامة فارقة، من حيث النوع والحجم واللون والاستخدام، بحيث رُوعي فيه حال الكاتب، وطبيعة النص، وقيمة الموضوع، فجاء المخطوط جامعا بين المعرفة والجمال، حافظا لعلوم الأمم ومصدر إلهام للأجيال.

إعلان

ويؤرخ المؤلف لصناعة الورق كتجربة متصاعدة، بدأت من النقل، ثم تطورت بإبداعات المسلمين التي نقلت هذه الصناعة إلى آفاق حضارية واسعة، ومنحها بعدا معرفيا وجماليا لا نظير له. ويبيّن أن الفضل في اكتشاف الورق يعود إلى الصينيين، لكن سمرقند مثّلت نقطة الانطلاق في الحضارة الإسلامية، قبل أن تنتقل الصناعة إلى بغداد في عهد الخليفة هارون الرشيد، حيث بلغت أوجها، لتنتشر بعد ذلك في أرجاء العالم الإسلامي.

ويسجل الكتاب تحول الكتابة في الحضارة الإسلامية من استخدام الجلود والرقوق والعظام إلى الاستقرار على الكاغد أو الورق، الذي تم تحسينه وتزيينه وتلوينه، ليناسب مختلف الأغراض. كما يوثق أن التزويق والتذهيب والتفضيض في المخطوطات الإسلامية لم يكن محض زخرفة، بل تعبير عن الحس الجمالي المصاحب للمحتوى العلمي.

ويرى اللهيبي أن وفرة الرسوم والأشكال في بعض المخطوطات ارتبطت بأهداف علمية وجمالية وحضارية، عكست روح العصر والتفاعل الثقافي بين الحضارات، وأسهمت في نشوء طبقات متخصصة من النساخ والمذهبين والمزوقين، تميزوا بمهارات عالية في إنتاج المخطوط. كما أن للعلماء دورا فاعلا في إثراء الجانب البصري للمخطوط، بما يلائم مضمونه العلمي، والهدف من تأليفه، ما أضفى على هذه المخطوطات قيمة متحفية استثنائية، لا تقدر بثمن، ولا تزال شاهدة على مجد حضارة جعلت من المعرفة فنا، ومن الكتاب تحفة.

التزويق وجماليات المخطوط

ضمَّ الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي في نهاية كتابه "التطوّر التاريخي لصناعة المخطوط: قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية" ملحقا توثيقيا جمع فيه أبرز المصطلحات الفنية المرتبطة بجماليات المخطوطات، مقدّما للقارئ دليلا معرفيا يُضيء على مفردات فنية طالما رافقت صناعة الكتاب العربي الإسلامي، وتشكّلت من خلالها هوية المخطوط في شكله النهائي المتقن.

إعلان

في مقدمة هذه المصطلحات يأتي "التزويق"، ويعني التزيين البصري للنصوص من خلال الصور والأشكال والمشاهد التي تتّصل مباشرة بمحتوى المخطوط، ويأتي "التنميق" ليشير إلى التجويد الزخرفي عبر النقش وتزيين الحروف والهوامش. أما "التمويه"، فيُقصد به استخدام التذهيب والزخرفة لتجميل الصفحات، بينما يُستخدم "التذهيب" تحديدا للإشارة إلى تزيين المخطوط بماء الذهب أو صفائحه، وهو فن قديم بدأ مع المصاحف، فشمل الصفحات الافتتاحية وفواتح السور، قبل أن يتوسّع ليشمل كتابة النصوص بماء الذهب.

كما يورد المصطلح "الترويسة"، وهي مقدّمة النص التي تُكتب غالبا بخط مميز وأحيانا بحبر ذهبي. ويُشير مصطلح "التصاوير" إلى الرسوم التوضيحية التي تُستخدم في المخطوطات لتعزيز النص وإيضاح معانيه، في حين "التلوين" يمثل فنا بصريا متعدد الأبعاد يشمل الزخارف والخطوط باستخدام ألوان متنوّعة.

ومن المصطلحات اللافتة كذلك: "الأشكال"، وهي عناصر بصرية غير نصية تُدرج في المتن العلمي لتوضيح الأفكار، وتظهر بشكل خاص في مخطوطات العلوم التطبيقية، أما "التحمير" فهو تقنية تلوين عناوين الأبواب والمسائل والفواصل بالحبر الأحمر للتمييز والإبراز.

وفي ما يخص الهيكل المادي للمخطوط، نقرأ عن "التجمير"، وهي عملية تدعيم الغلاف الداخلي بورق خاص، و"الرّق"، أي الجلد الرقيق المستخدم في الكتابة منذ الجاهلية وحتى العصور الإسلامية.

أما فن الزخرفة، فتنقسم أنواعه إلى:

"الزخرفة الخطية"، وهي التي تعتمد على جمال الخط العربي وتحويله إلى تكوينات زخرفية هندسية أو نباتية. "الزخرفة النباتية"، باستخدام الأشكال النباتية لتجميل المخطوط. "الزخرفة الهندسية"، التي تقوم على التكوينات الهندسية المتماثلة. "صنعة الخط"، وهي علم مستقل يهتم بقواعد كتابة ورسم الحرف العربي، وضبط نسبه وجماليته وفق قواعد دقيقة. إعلان

ويمثل هذا الملحق اللغوي البصري نافذة مهمة لفهم اللغة الفنية للمخطوطات العربية والإسلامية، ويؤكد من جديد أن الكتاب في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد حامل للمعرفة، بل هو عمل فني متكامل تتناغم فيه الكلمة مع الصورة، والوظيفة مع الجمال.

مقالات مشابهة

  • الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة الإسلامية
  • خبير لوائح يكشف مفاجأة في عقد زيزو مع الزمالك
  • الرئيس عون: للثقة بالبلد وضرورة مواكبة التطور التكنولوجي
  • تقرير برلماني: مخرجات مؤسسات التعليم العالي لا تواكب سوق العمل
  • الرعاية الصحية: الفرق تنتشر في الساحات والميادين لتقديم الفحوصات الطبية
  • التعليم العالي: لوائح الجامعات المصرية تتوافق مع المعايير الدولية
  • «الجزار»: رفع درجة الاستعداد لجميع الأطقم الطبية تنفيذا لخطة التأمين الطبي لاحتفالات العيد
  • العيد الأول في سوريا بعد الأسد.. فرحة رغم التحديات
  • الأمم المتحدة: لا ينبغي استهداف العاملين في المجال الصحي خلال الحروب
  • رئيس هيئة الرعاية الصحية يتابع خطة التأمين الطبي لاحتفالات عيد الفطر بإقليم القناة -صور