لماذا نقرأ الأدب؟؟يا له من سؤالٍ سهل! يا له من سؤالٍ صعب!!تتمثَّلُ سهولته في إمكانية رصد العديد من الأسباب ورصفها تحت بعضها البعض، والتفصيل فيها بقدرِ ما نشاء أو بقدر ما تتيحه لنا السانحة المعينة.أما صعوبة الإجابة فتكمن في هذا الشعور بوجود أسباب أعمق وأهم، ربما لا نستطيع أن نوجد لها مكاناً بين الأسباب( المنطقية)؛ التي تجعلنا نقرأ الأدب.

وقد عنَّ لي أن أستهل بقول الناقد الإيرلندي سي اس لويس في كتابه (تجربة في النقد))In reading great literature I become a thousand men and yet remain myself. Like the night sky in the Greek poem, I see with a myriad eyes, but it is still I who see. Here, as in worship, in love, in moral action, and in knowing, I transcend myself; and Iam never more myself than when I do.(من خلال قراءة الأدب العظيم،أصبحت ألف رجل ومع ذلك بقيت على طبيعتي. مثل سماء الليل في القصيدة اليونانية،أرى بأعين لا تعد ولا تحصى، لكن ما زلت أنا من أراها، هنا كما في العبادة في الحب في العمل الأخلاقي وفي المعرفة،أتجاوز نفسي ولم أكن نفسي أكثر مني عندما أفعل)وفي اعتقادي أن الانطلاق من مثل هذا القول الشاسع سيفتح أمامنا أفقاً شاسعاً أيضاً لمحاولة الإجابةنقرأ الأدب لأن الحياة قصيرة!ولأننا لا يجب أن ندخلها ونخرج منها دون أن نمنح أنفسنا حقها في اكتشافها والتعرف عليها ومعرفة من نتشارك معهم هذا الكوكب واكتشاف كم نحن متشابهون في أوجاعنا وأحزاننا وأفراحنا وكم نحن مختلفون في عاداتنا أحيانا وتقاليدنا وطرائق عيشنا وفلسفتنا تجاه الوجود.ولأن الحياة ليست طويلة بحيث تسمح لنا بالتعرف على كل ذلك كفاحاً؛ وجب علينا تقبل كرمها عندما تتيح لنا كل ذلك عبر الأدب!نعمبإمكاننا ونحن على أرائكنا ومكاتبنا أن نتعرف على أرواح شعوب وأمم لم نلتق بهم يوماً، أن نعيش حياتهم، ونتفهم مواجعهم، ونشاركهم كل ذلك عبر الأدب‘ كمعاصرين وكسابقين لنا، أن نستمع إلى أصوات أشخاص لم يتح لهم أن يتحدثوا، أن نتعرف على الجوانب الأخرى لآخرين رأيناهم من زاوية واحدة فقط!الأدب يمنحنا الفرصة للتعرف على ذواتنانعمثمة دهاليز وأقبية وطرق سرية في الروح لا يصل أليها إلا الشعر مثلاً. طرق بكر لا تتمشى فيها إلا القصيدةالأدب يساعدنا على تفهم مشاعرنا واعتمالاتنا ويشعرنا أننا لسنا وحدنا، ويبني لنا ملاذات آمنة نفر إليها بخيباتنا وصراعاتنا وأسئلتنا حول الحياة والحب والعلاقات الإجتماعية والفكرية والسياسية، قد لا يقدم الإجابات لكنه يمنحنا آلية المعرفة وييسر لنا طرائق إيجادها.من الأدب نكتسب خبرات الحياة، ونختصر سنوات من المعرفة ونتمثل المواقف ونعمل القياس وننمي حدسنا تجاه الناس والحياة ونهييء أنفسنا لمفاجآت غير سارة كثيرة قد تكون بانتظارنا في رحلتنا الحياتية، الأدب يمتص صدمتها الأولى وكأن الأحداث تلك قد وقعت من قبل، ويقلل خساراتنا إلى حدها الأدنى!نقرأ الأدبلأن اللغة فيه تصل إلى أقصى طاقاتهاالكلمة تبدو عادية ومحايدة ،حتى إذا دخلت إلى الشعر مثلاًتفجرت طاقاتها إلى أقصى امدائها واكتسبت في محيطها الجديد داخل النص أعلى دلالاتها بل وتجاوزت ذلك احياناًولأن اللغة أكثر من وسيلة تواصل نظل بحاجة إليها حية ومليئة بطاقة المعني ولا شيء يستطيع أن ينمي قدراتنا التعبيرية ويزيد ذخيرتنا اللغوية مثل الأدبنقرأه لكل ما سبقومن أجل عيون اللغة أيضاًنقرأ الأدبلأن أوجع الجراح هي تلك التي لا نستطيع التعبير عنهاولأن أصعب المواقف هي تلك التي تظل معلقة في خواطرنا وذواكرنا كقناديل معتمة لن يزيلها إلا الحديث عنها وتفريغ شحنتها السالبة عبر إيجاد معنى مواسأو معني شبيهالأدب يساعدنا على التعافي والتشافيلذلك أقول أحياناً لخاصتيهيا نتداوى بالشعر!وأنا أعني ذلكنقرأ الأدب لنرانا ولنسمعنا ولنفهمنا ولنواسينانقرأه لأنه يمثل أيضاً مهرباً جميلاً ، ووسيلة للترويح عن النفوس التي إذا كلت عميت كما قال عنها النبي الكريم،لذلك من رأى فيه وسيلة للترويح والترفيه لم يبعد النجعة ،وهذا جانب مهم إلى أبعد حدنقرأ الأدب لنهرب من مادية العالم لأن الروحانية التي باستطاعة الأدب منحها للحياة هي في واقع الأمر روحانية لا غني للحياة عنهاوهنا نقطة مهمةالتبس على الناس مؤخرا في عالمنا العربي والإسلامي والإفريقي أن الاهتمام بالأدب سردا أو شعرا أو مسرحا او غير ذلك هو سبيل قد يمنع التفوق والتميز في التخصص العلمي وهذا أمر بحاجة إلى مراجعةفأميز علماء المسلمين وأكثرهم خلودا هم أولئك الذين كنا نقرأ في سيرهم الذاتية( وكان فلان فلكيا وكيمائياً وطبيباً وشاعراً وخطيباً…إلخ)وفي الغرب قلما تجد عالماً أو مخترعاً أو عبقرياً في مجال ما وليس له علاقة بالأدب والفنون!وأدنى درجات ذلك أن يكون قارئاً جيداً أو متذوقاً عظيماً.وأكاد أسمح لنفسي بالقولإن المسارات التي تفتحها قراءة الأدب قادرة على منح أصحاب التخصصات العلمية في الهندسة والطب وعلوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها بعداً إضافياً وميزة إضافية تساعدهم على المزيد من التميز في تخصصاتهم تلك!لان قراءة الأدب تغذي أرواحهم وخيالهم وبالتالي عقولهم وتفتح أمامهم آفاقاً جديدة.من المهم أن أشير إلى عبارة (great literature) التي وردت في حديث الناقد سي اس لويس وأنا التي طالما اسعصمت بالقولإن صيغ التفضيل صعبة في الأدب (أعظم شاعر، وأفضل روائي،أحسن قاص ، أهم مسرحي إلخ) ولكنني يجب أن أقول هنا إننا نتحدث بالفعل عن الأدب العظيمودون الدخول في التفاصيل المعيارية لعظمة العمل الأدبي المعين فذلك مبحث آخريمكنني القول إننا نتحدث عن النتاجات الإبداعية التي احتوت على (جينات الخلود)!التي وجدت الطريق السري إلى الذات البشريةالأعمال التي تكامل فيها الخيال والتفرد وجودة الصور وحسن الاختيار وتوجت باللغة الساحرة العميقةالأعمال التي تترك في روح قارئها أثراًالأعمال التي لن تكون بعد قرائتها على ذات حالك قبل قراءتها ولو لبعض الوقتنقرأ الأدبلأنه الوسيلة الأقدر على كسر تقوقعنا داخل عصبياتنا أو عرقياتنا الضيقة وتوهماتنا بالفرادة والميز وفتح العالم كل العالم أمامنا وحينها فقط تعلو قيمتنا كبشر وتقل علل النفس إلى أقل حد ممكن!لنتعلم أيضاً ولنستدرك ما فاتنا، ولنتجاوز بشعورنا الذات الضيقة فنألم مع من يتالم ونضحك مع من يضحك ونفكر بطريقة غير طريقتنا لبعض الوقتنقرأ الأدب لنحيا ونحبنقرأ الأدب لأنه لا بد لنا من قراءة الأدب!روضة الحاجإنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: قراءة الأدب

إقرأ أيضاً:

سلمى لاغرلوف.. أول امرأة تفوز بنوبل في الأدب هل كانت تستحقها؟

في عام 1909، دخلت الكاتبة السويدية سلمى لاغرلوف التاريخ كأول امرأة تحصل على جائزة نوبل في الأدب، في وقت كان عالم الأدب يهيمن عليه الرجال. 

لم يكن هذا التكريم مجرد تتويج لمسيرتها الأدبية، بل كان أيضًا لحظة فارقة في تاريخ المرأة في الأدب العالمي.

لاغرلوف وكسر الحواجز الأدبية

ولدت سلمى لاغرلوف عام 1858 في السويد، ونشأت في بيئة ريفية ألهمت الكثير من أعمالها. 

لم تكن رحلتها في عالم الأدب سهلة، فقد كانت النساء آنذاك نادرًا ما يحظين بفرصة للنشر أو الاعتراف بموهبتهن، ورغم ذلك، استطاعت أن تفرض اسمها في المشهد الأدبي بفضل أسلوبها الفريد الذي مزج بين الخيال والأسطورة والواقع.

كانت روايتها الأولى “غوستا برلينغ” (1891) نقطة انطلاقتها الكبرى، حيث نالت إعجاب النقاد ووضعتها في مصاف كبار الكتاب السويديين، لكن عملها الأشهر عالميًا كان “مغامرات نيلز العجيبة” (1906)، وهو كتاب تعليمي للأطفال تحول إلى أيقونة أدبية وثقافية في السويد.

هل كان الفوز مستحقًا؟

عند إعلان فوزها بجائزة نوبل، بررت الأكاديمية السويدية قرارها بأن “أسلوبها السردي الفريد أعاد إحياء الأسطورة وأضفى لمسة شعرية على الأدب”، وهذا ما يجعل تكريمها يبدو مستحقًا، خاصة أن أعمالها امتازت بقدرتها على دمج التقاليد السويدية بالقصص الفانتازية، ما أعطاها طابعًا أدبيًا خاصًا.

لكن في المقابل، لم يكن بالإمكان تجاهل سياق الجائزة آنذاك، فقبل فوزها، تعرضت الأكاديمية السويدية لانتقادات لعدم تكريم النساء، ما جعل البعض يتساءلون: هل جاء اختيارها بدافع تحقيق توازن جندري، أم أن أدبها استحق التقدير عالميًا بغض النظر عن كونها امرأة؟

التأثير النسوي لفوزها

بعيدًا عن الجدل، كان لفوز لاغرلوف أثر كبير على الأديبات اللاتي جئن بعدها، فقد فتحت الطريق أمام النساء للحصول على اعتراف عالمي بمواهبهن الأدبية، وساهمت في تعزيز حضور الكاتبات في عالم النشر.

لم تكن سلمى لاغرلوف فقط كاتبة متميزة، بل كانت مدافعة عن حقوق المرأة، حيث دعمت حق المرأة في التصويت في السويد، وكانت ناشطة في عدد من الحركات النسوية، مما يجعل فوزها امتدادًا لنضال النساء في ذلك الوقت


 

مقالات مشابهة

  • الأم أيقونة الإبداع ومصدر الإلهام للأدباء
  • الفوزان: التعبير عن المشاعر ضرورة لتجنب الأمراض المزمنة .. فيديو
  • سولي برودوم: أول من حصل على نوبل في الأدب تكريم مستحق أم اختيار مفاجئ؟
  • سلمى لاغرلوف.. أول امرأة تفوز بنوبل في الأدب هل كانت تستحقها؟
  • بوركيني .. أحدث إصدارات هيئة الكتاب لـ مايا الحاج
  • الجراح العالمي مجدي يعقوب يكشف عن نمط حياته الصحي
  • الغارديان: التهديد بترحيل محمود خليل تجاهل خطير لحرية التعبير
  • بول فون هايس .. لماذا فاز بجائزة نوبل في الأدب؟
  • ليفربول ونيوكاسل.. نهائي «تضميد الجراح»!
  • نائب البشير يحدد متى تتوقف الحرب ومكان تواجد الرئيس المعزول