الأبحاث ما بعد الكولونيالية وتأثيراتها على المجتمعات المستعمرة.. كتاب جديد (1 من 2)
تاريخ النشر: 6th, July 2024 GMT
الكتاب: إفريقيا أفقًا للفكر في مساءلة الكونية ومابعد الكونية
الكاتب: سليمان بشير ديا ني وجان لو أمسيل، ترجمة فريد الزاهي
الناشر: دار معنى للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى 2021،(عدد الصفحات 222من القطع الكبير).
في هذا الكتاب الجديد الذي يحمل العنوان التالي: "إفريقيا أفقًا للفكر في مساءلة الكونية وما بعد الكونية"، المتكون من عدة دراسات متنوعة عن مرحلة ما بعد الكولونيالية، ويتضمن حوالي 222 صفحة من القطع الكبير، وصادر عن دار معنى للنشر و التوزيع في عام 2021، هذا الكتاب عبارة عن قراءات متقاطعة لمجموعة من القضايا التي تهم الفكر والواقع السياسي في افريقيا.
إنها محاورة شائقة تتناول القضايا نفسها من منظورين يتقاطعان من غير أن يكونا سجاليين. بل يمكن قراءة كل مقال لا بكونه ردًا وإنما بوصفه امتدادًا وتنويعًا تارة، واستدلالاً وتحليلاً مستقلاً تارة أخرى، ومقالًا يمكن اقتطاعه من سياق المحاورة تارة ثالثة. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام خلاصة لفكر الرجلين، وإزاء تاريخ لإفريقيا من منظورين متقاطعين، وأمام تصورين متباينين لمفهومي ما بعد الكولونيالية والديكولونيالية،التي صارت أفقًا للفكر المعاصر في العالم الثالث.
التأصيل الفكري والثقافي لنظرية ما بعد الكولونيالية
لقد تبلورتْ نظرية مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ، بوصفها نزعةً ما بعد حداثيةٍ، ودراسةً أكاديميةً للإرث الثقافي الكولونيالي والإمبريالي الغربي، لِتُرَكِّزَ على النتائجِ البشريةِ المترتبةِ عن حكمِ واستغلالِ المجتمعاتِ المستعمرَةِ (بفتحِ المِيمِ) وأراضيها. إنَّها تحليلٌ نظريٌّ نقديٌّ لتاريخ السلطة الإمبريالية الأوروبية، ولثقافتها وأدبها وخطابها. وعلى الرغم من أنَّ مصطلح ما بعد الكولونيالية مصطلح إشكالي، فإنَّه يُتَّخَذُ عمومًا ليحيل على الأزمات السوسيو-اقتصادية والثقافية التي تسببت فيها النزعة الكولونيالية.
لقد قامَ العديدُ من الجامعيينَ والكتابِ والباحثينَ بالتأصيل الفكريِّ والثقافيِّ لنظرية ما بعد الكولونيالية، التي رأتْ النور أولاً في شُعَبِ الدراساتِ الأدبيةِ، وفي المقام الأول منها في الأدب الأنجلوسكسوني، إِذْ ظهرتْ شخصيةٌ أساسيةٌ مؤسسةٌ للفكر ما بعد الكولونيالية، وهو الكاتب الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في كتابه الشهير الاستشراق الشرق الذي ابتدعه الغرب، الذي صدر بالولايات المتحدة عام 1978، وترجم للفرنسية عام 1980.
لقد تبلورتْ نظرية مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ، بوصفها نزعةً ما بعد حداثيةٍ، ودراسةً أكاديميةً للإرث الثقافي الكولونيالي والإمبريالي الغربي، لِتُرَكِّزَ على النتائجِ البشريةِ المترتبةِ عن حكمِ واستغلالِ المجتمعاتِ المستعمرَةِ (بفتحِ المِيمِ) وأراضيها. إنَّها تحليلٌ نظريٌّ نقديٌّ لتاريخ السلطة الإمبريالية الأوروبية، ولثقافتها وأدبها وخطابها. وعلى الرغم من أنَّ مصطلح ما بعد الكولونيالية مصطلح إشكالي، فإنَّه يُتَّخَذُ عمومًا ليحيل على الأزمات السوسيو-اقتصادية والثقافية التي تسببت فيها النزعة الكولونياليةيوضح إدوارد سعيد في هذا الكتاب، مستلهماً كتابات مشيل فوكو، وانطلاقًا من تحليل نصوصٍ أدبيةٍ في غالبها أنَّ مجتمعاتِ الشرقِ الأدنى والشرقِ الأوسط، كما نُدْرِكُهَا اليوم، ناجمةٌ عن إعادة بناء وإسقاط للقوالب الجاهزة الغربية والكولونيالية على واقعٍ اجتماعيٍ غنيٍّ ومركبٍ.
كما أنَّ كتابَ فالنتان موفديبي ابْتِكَارُ أفريقيَا (1988) يقعُ في ملتقَى العالمِ الأنْجُلُفُونِيِّ والْفُرُنْكُفُونِيِّ، ويندرجُ أيضًا في حركية أفكارِ مشيل فوكو. ففي هذا الكتاب المرجعي، ولكي يعين فالنتان موفديبي التمثيلات الجامدة حينها لأفريقيا، يبلورُ مفهومَ المكتبةِ الْكُولُونْيَالِيَةِ، عانيًا بذلك مجموعِ المعارفِ والنصوصِ التي أنتجها المستعمرونَ والمًبَشِّرُونَ الدينيونَ والحكام الإداريون الاستعماريون عن هذه القارة.وهناك المؤلف الجماعي الرائد أيضاً الذي أشرف عليه بشكل مشتركٍ عام 1989 بيل أشكروفت وغارت غريفيثس وهلين تيفين، والذي ترجم للفرنسية بعنوان الإمبراطوريةُ تَرُدُّ عليكُمْ.
تتصل الدراسات ما بعد الكولونيالية عموماً بالتشديد على كون السيطرة الاستعمارية والإمبريالية، وهي تمارس نفسها بشكل مزدوج أي من خلال السلطة والمعرفة أو بالسلاح والتمثيلات ستنتج في الواقع تأثيراً متبادلاً، للمستعْمِرِينَ على المستعْمَرِينَ وللمسْتَعْمَرِينَ على المستعْمِرِينَ، سوف يشوش على التعارضات الثنائية والتراتبية بينهما.
يقول المؤلفان سليمان بشير دياني وجان لو أمسيل: "وسوف يساهم اصطلاح ما بعد الكولونيالية نفسه في هذا التشويش؛ لأنَّه يعتبر في الآن نفسه محددًا تاريخيًا، أي ما يأتي بعد الاستعمار وينتج عنه، ومشروعًا نقديًا يحمل إرادة مجاوزة التمايزات الخطاطية أو التعارضية بين الغرب وما ليس غربًا، وبين المستعْمِرِينَ والمستعْمَرِينَ، وبين العصر الكولونيالي والعصر ما بعد الكولونيالي... وما ينجم عن هذا التشويش هو أن ما يتعلق بالكولونيالي، أي ما يُسمى الذهنيات أو الممارسات، قد استطاع طبعاً الاستمرار في المرحلة ما بعد الكولونيالية، فيما استطاع - بالمقابل - أفراد من مختلف الإمبراطوريات الأوروبية في الماضي إنتاج إشارات نقدية سياسية وشعرية ما بعد كولونيالية، بمعنى أنها كانت تستبق، في المرحلة الكولونيالية، عالماً مستقبلاً متحرراً من أشكال العلاقات والتصورات الاجتماعية السائدة في تلك المرحلة. وهكذا، يمكننا القيام مثلاً بـقراءة ما بعد كولونيالية للتاريخ السياسي والأدبي لهايتي، التي جعلت منها الثورة السوداء التي انتهت إلى إلغاء العبودية وإلى الاستقلال عن فرنسا الاستعمارية أول دولة فعلاً ما بعد كولونيالية، أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، التي رغم استقلالها عن الوصاية البريطانية ظلت العبودية والتراتبية العرقية في أساس علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية". (ص11).
من وجهة نظر العديد من الباحثين الأكاديميين والكتاب من إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا أصبح مفهوم ما بعد الكولونيالية، مرادفًا لمصطلح العداء للاستعمارالغربي. وهذا المصطلح، بحفاظه على ضرورة التحرر من الاستعمار يلزم استكماله فيما وراء الاستقلالات التاريخية للمستعمرات القديمة من فرنسا وإنجلتراوإسبانيا والبرتغال، صار قابلاً للتملك من قبل مختلف الأوساط النضالية، خاصة الأوساط العاملة في المجتمع المدني، أو تلك التي تهتم بتاريخ الهجرة. وهكذا أيضا يمكننا الوقوف على لحظة ثانية في أواسط سنوات الألفين، تمثلت في انبثاق براديغم ما بعد كولونيالي بفرنسا. وهذه اللحظة الثانية تعود في الآن نفسه للصدفة ولروح العصر؛ ففي يناير 2005 تم إطلاق نداء أهالي الجمهورية الذي كان، بضعة أشهر على الذكرى الستين للانتفاضة الجزائرية التي سحقتها فرنسا في سطيف يوم 8 مايو 1945، يستهدف إنشاء المجالس ما بعد الكولونيالية المناهضة للاستعمار والتنديد من خلال ذلك بالتجذر الذي تعرفه الأمة الفرنسية لأشكال الهيمنة والتمييز التراتبي الموروثة عن المرحلة الكولونيالية.
شهدت الساحة الفرنسية منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين جدلاً فكريًا قويًا، بين المثقفين الأفارقة، كالمؤرخ السنغالي ممادو ضيوف والفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمي، والمثقفين الفرنسيين الإفريقانيين. لقد قام هذان المفكران، انطلاقاً من تكوينهما وإصداراتهما المخصصة للدراسات الإفريقية، كمجلة دفاتر الدراسات الإفريقية التي أشرف عليها جان لو أمسيل لما يناهز الثلاثة عقود، ومجلة السياسة الإفريقية التي أسسها جان فرانسوا بايا عام 1980، بممارسة نقدية لما بعد الكولونيالية. والكتاب الحالي يقوم بشكل ما بالاستعادة العمومية لهذا الحوار، الذي لم ينقطع في الواقع، ولم يسلم من سوء التفاهم القائم.
تُعَدُّ نظرية ما بعد الاستعمار من أهم الدراسات النقدية المعاصرة التي شغلت العديد من المفكرين والباحثين؛ حيث ركزت على تفكيك الخطاب الاستعماري وتقويض مقولاته المركزية، ومحاولة كشفها بآليات وأدوات منهجية الخطاب النقدي الغربي؛ وتسعى هذه الدراسة إلى محاولة استقصاء البدايات الأولى والمؤشرات الفعلية لهذه النظرية الفكرية وإشكالية هذا البحث تطرح التساؤلات التالية:- ما مفهوم مصطلح ما بعد الكولونيالية؟- ما هي نظرية ما بعد الكولونيالية؟ ومن أين استمد هذا الفكر جذوره التاريخية؟ ومن هم أهم رواده الفعليين؟ وماهي أطروحاتهم الفكرية؟
تتصل الدراسات ما بعد الكولونيالية عموماً بالتشديد على كون السيطرة الاستعمارية والإمبريالية، وهي تمارس نفسها بشكل مزدوج أي من خلال السلطة والمعرفة أو بالسلاح والتمثيلات ستنتج في الواقع تأثيراً متبادلاً، للمستعْمِرِينَ على المستعْمَرِينَ وللمسْتَعْمَرِينَ على المستعْمِرِينَ، سوف يشوش على التعارضات الثنائية والتراتبية بينهما.يذهب كثيرٌ من الباحثين والمفكرين إلى أنَّ فكر ما بعد الاستعمار؛ هو أحد مجالات الدراسات النقدية التي تهتم بدراسة التأثير الثقافي والاجتماعي للاستعمار الأوروبي. والطرق التي تستخدم المقاومة هذا الاستعمار؛ فقبل ظهور مصطلح "ما بعد الاستعمار في بداية الثمانينيات"، كانت الدراسات المهتمة بكيفية التحرر من الاستعمار، ومقاومته من مجالات العلوم السياسية والدراسات الدولية التي كان مجال بحثها ودراستها حركات التحرر الوطني المتأثرة بالماركسية في المجتمعات الخاضعة للسلطة الاستعمارية وكان مصطلح "ما بعد الاستعمار" يدل على مجموعة الوقائع والأحداث السياسية والتاريخية ولم يكن منهجاً لفهم الواقع، حتى تغير ذلك، وصار المصطلح يرمز للدلالة على طريقة استراتيجية في التفكير لم تظهر بعد التحرر من الاستعمار، وإنما بدأت أثناء وجود الاستعمار نفسه.
في هذا الجدال الفكري يُعِيبُ الإفريقانيون على ما بعد الكولونياليين زعمهم اختراع العجلة من جديد، ومن ثم العودة للسقوط في بعض المزالق ذات المنزع الجؤهراني والثقافوي التي سقط فيها بعض سابقيهم كليوبولد سيدار سنغور وإيمي سيزير وفراز فانون وألبير ميمي في الوقت الزاهر للزنوجة والنقد المناهض للاستعمار. أما ما بعد الكولونياليين، فإنهم يسخرون من جهتهم، من نزوع الإفريقانيين إلى اختزالهم في مجرد تابعين لشيوخ لامعين ولأسلاف معينين، فيما أنهم، بوصفهم ما بعد كولونياليين، يعتبرون انتسابهم إليهم أمراً أكبر من أن يكون مجرد إسقاط استيهامي لـ جوهرانية استراتيجية جديدة.
وفي الأخير، فإن الرهان الأساس لهذا الخلاف كان من دون شك هو التالي: إلى أي حد يمكن القيام بالانزياح عن مركزية الفكر الغربي الذي أثر في مؤسسي النقد المناهض للاستعمار أنفسهم للعودة إلى تقاليد فكر أكثر استقلالية وأهلية وإلى أي حد يكون هذا الانزياح محتملا أو ممكنا في قلب الفكر الغربي نفسه؟ وبطريقة مختصرة، هل كان من الممكن إفقاد أوروبا لمركزيتها بجعلها قطبا للتفكير وتقليدا للفكر من بين أقطاب وتقاليد أخرى من غير حضور مهيمن أو من غير تفوق؟ هل كان من الممكن إرساء أنواع حوار أخرى بين نقط وتقاليد فكرية مختلفة في الجنوب، من غير المرور المنهجي بالوساطة الغربية؟ ولا شك أن القوة والأهمية المتزايدة لهذه الأسئلة المتصلة بتقاطب جذري للمواقف مع أو ضد الفكر ما بعد الكلونيالي، هي التي يمكنها أن تفسر الانزلاق التدريجي نحو بارادغم جديد هو الفكر الديكولونيالي.
إن هذا الفكر، وكما يوضح ذلك جان لو أمسيل في أوقات متعددة قد وجد لنفسه تكوينا آخر غير النظرية ما بعد الكولونيالية التي أرساها إدوارد سعيد والمفكرون الأستراليون والهنود. فالفكر الديكولونيالي ينطلق بالتأكيد، من العريضة المبدئية نفسها، أي أن من اللازم الأخذ بعين الاعتبار لوجهة نظر المستعمرين التي تم تحجيمها في الآداب الكولونيالية سواء كانت تخييلية أم فكرية، عبر تبني وجهة نظر التابع أو الدوني. بيد أن الفكر الديكولونيالي يمارس تجذيرا لهذا الاختيار النقدي بطريقة مزدوجة. أولا بالعودة بانبثاق التراتبيات الكولونيالية الحديثة لعصر اكتشاف أمريكا (1492)، ثم بإرساء صيغة جديدة للسيطرة الاجتماعية والاستغلال الاجتماعي، التي صارت تقوم على مفهوم العرق.
لقد تمت بلورة هذه الأطروحات بشكل جماعي على يد العديد من المفكرين الأمريكيين الجنوبيين كالسميولوجي الأرجنتيني والتر متغولو، والفيلسوف المكسيكي إنريكي دوسل والسوسيولوجي البورتريكاني رامون غروشفوغل والسوسيولوجي البيروفي أنيبال كيخانو. وقد تجمع المنظرون الديكلونياليون في مجموعة متعددة التخصصات سموها مجموعة M/C، وعملوا من حينها على تعزيز تواشج الحداثة وتفكيك الاستعمار باعتبارهما ظاهرتين متزامنتين ومترابطتين في المكان والزمان حتى الوقت المعاصر. يشدّد الديكولونياليون أيضاً على التصادم أو التسوية في هذه الحداثة نفسها بين العقلانية الديكارتية بثنائياتها المختلفة وعلاقاتها التراتبية (بين الروح والجسد وبين الإنسان والطبيعة، بما يعنيه ذلك من هيمنة الأول على الثاني)، والعقل الكلونيالي (حيث على الإنسان الأوروبي نفسه أن يسيطر على غير الأوروبيين، واختزالهم في وضعية شبه حيوانية تجعلهم أجسادا آلات كي تستحوذ على الوظائف الفكرية باعتبارها تعود لها وحدها) (ص14).
يُشَدّدُ دُعَاةُ الْفِكْرِ مَا بَعْدَ الْكُولُونْيَالِيَةِ، أو ما يطلق على تسميتهم بالكتابِ الدِيكُولُونْيَالِيِينَ أيضًا auteurs décoloniaux ) Les)على التصادمِ أو التسويةِ في هذه الحداثةِ الغربيةِ نفسها بين العقلانيةِ الديكارتيةِ بِثُنَائِيَاتِهَا المختلفةِ وعلاقاتِهَا التَرَاتُبِيَةِ (بين الروحِ والجسدِ وبين الإنسانِ والطبيعةِ، بما يعنيه ذلك من هيمنةِ الأوَّلِ على الثَانِي)، والعقلِ الكولونياليِّ (حيث على الإنسان الأوروبي نفسه أن يسيطر على غير الأوروبيين، واختزالهم في وضعيةٍ شبه حيوانيةٍ تجعلهم أجسادَآلاتٍ كي تستحوذَ على الوظائفِ الفكريةِ باعتبارها تعود لها وحدها(.
وقد كان من تبعاتِ ذلك نتيجتانِ هامتانِ حسْبَ الفكر الديكولونيالي (la pensée décoloniale) ، فهناكَ الإقامةُ التدريجيةُ، الْمُبًكِّرَةُ داخل النظام الرأسمالي العالمي الذي يعمل لمصلحة أوروبا وَحْدَهَا،من جهةٍ، وتعبئة الاستعمار والعنصرية باعتبارهما مبدأي تقسيم وتنظيم للعملِ على المستوى العالميِّ ومن جهة ثانيةٍ،وبالتالي الإيمان والتسليم بِتَفَوُّقِ المركزيةِ الأوروبيةِ،بكلِّ أبعادهَا الْجِيُوسِيَاسِيَةِ للمعرفةِ حيث وجهة النظر الأوروبية (وبالأدق وجهة نظر الإنسان الأبيض الغربي) تَأْخُذُ مكانَ اللهِ باعتباره المقياسَ الوحيدَ لكلِ معرفةٍ مُمْكِنَةٍ وكونيةٍ، رافضةً في الواقعِ التقاليدَ الفكريةِ وأشكالِ المعرفةِ غير الغربيةِ في مجالِ المعتقداتِ والفكرِ السحريِّ أو البدائيِّ، ولو في الشكلِ الفولكلورِي البسيطِ.
ونظراً لذلك، فإِنَّ دعاةَ نزع الكولونيالية أو المطالبين بتصفية الاستعمار تكون جذرية تمرُّ من جهةٍ بإعادة الاعتبار للأشكالِ القديمةِ وغير الغربيةِ للتنظيمِ الاقتصادِي والاجتماعِي، وكذا بالبَحْثِ عن أشكالٍ جديدةٍ للتضامنِ، من جهةٍ ثانيةٍ ،من خلال تَجْسِيدِ القطيعةِ الأساسيةِ مع الْمَرْكَزِيَةِ الأوروبيةِ الإِبِسْتِمُولُوجِيَةِ والثقافيةِ ومع تجسيدِهَا الْمَزْعُومِ لِلْعِلْمِيَةِ والْكَوْنِيَةِ.
يعتقد دعاة الفكر الديكولونيالي أنَّ هذا التنظيم والتطور اللامتكافئ للعالم مستمرٌ لغاية اليوم بأشكالٍ أخرى. فعلى الرغم من موجتي الاِسْتِقْلاَلاَتِ (في أمريكا اللاتينية في القرن الثامن عشر وفي أفريقيا وآسيا في القرن العشرين)، فإِنَّ النظامَ الرأسماليَّ العالميَّ الليبراليَّ المتوحش الذي تَقُودُهُ الإمبريالية الأمريكية والأوروبية ،لا يزال يُقَسِّمُ سكانَ الْمَعْمُورَةِ إلى بيضٍ وغير بيضٍ، وإلى مركزٍ ومحيطٍ ،وشمالٍ وجنوبٍ، وأعلى وأدنى الخ. ونظراً لذلك، فهو يقترح كما يدل على ذلك اسمه، تصفية للاستعمار تكون جذرية تمر من جهة بإعادة الاعتبار للأشكال القديمة وغير الغربية للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي، وكذا بالبحث عن أشكال جديدة للتضامن، ومن جهة ثانية من خلال قطيعة أساسية مع المركزية الأوروبية الإبستمولوجية والثقافية ومع تجسيدها المزعوم للعلمية والكونية.
إن هذا النقد للمركزية الأوروبية ليس أمراً جديدًا بالفعل؛ فمنذ أكثر من قرن قام الأنثربولوجي الأمريكي ذو الأصل الألماني فرانتز بواس بالتنديد بـ "النظارات الثقافية" لما سماه بـالنزعة الشمالية، محيلا إياها إلى الإحساس بالفوقية الذي يمنحه للإنسان الأبيض تملكه للطبيعة. ولقد شدّد بواس حينها على أن ظهور وجهة نظر علمية حقة لن يتم إلا بتصحيح قصر النظر المفهومي هذا، وبالتخلي - بالأخص عن الأوهام الغائية التي تعتبر الإنسان الأبيض إمبراطورية في إمبراطورية، وثقافته عبارة عن وجهة، إن لم تكن مصيرا لكافة الثقافات الأخرى المنذورة طبعا لأن تقتفي خطاها من البربرية إلى الحضارة، ومن التقليد إلى الحداثة ومن الجماعة إلى الفرد ومن الاستبداد إلى الديمقراطية.
يقول المؤلفان سليمان بشير ديا ني وجان لو أمسيل: "وسوف يمدّد الفكر الديكولونيالي بدوره زمن هذه المركزية الأوروبية، ومعها التعارضات الثنائية والتطورات الخطية المطلقة التي يقيمها بين الغرب وبقية العالم الغرب وما عداه. بيد أن الفكر الديكولونيالي سيسير أبعد من ذلك، باعتبار أنه لا يكتفي فقط بالدفاع عن التعددية الإبستيمية، أي عن اعتراف بالكسمولوجيات أو الإبستمولوجيات التقليدية التي لها كرامتها المعرفية المشروعة شرعية العقلانية العلمية التقنية الغربية. وهو يوضح أن هذه المعارف التي تكون في الغالب محلية أو أهلية هي اليوم ذات قيمة وتتعرض للأطماع والاغتصاب من قبل القوى الاقتصادية والصناعية الغربية نفسها، وذلك في إطار تحولات جديدة للرأسمالية الشمولية التي انتقلت من استغلال الرأسمال الطبيعي المواد الأولية والمنتجات المشتقة منها إلى رأسمالية الرأسمال البشري الذي أضحى يثمن معارف مختلف الفاعلين الاجتماعيين وكفاءاتهم وتجاربهم.
إِنَّ دعاةَ نزع الكولونيالية أو المطالبين بتصفية الاستعمار تكون جذرية تمرُّ من جهةٍ بإعادة الاعتبار للأشكالِ القديمةِ وغير الغربيةِ للتنظيمِ الاقتصادِي والاجتماعِي، وكذا بالبَحْثِ عن أشكالٍ جديدةٍ للتضامنِ، من جهةٍ ثانيةٍ ،من خلال تَجْسِيدِ القطيعةِ الأساسيةِ مع الْمَرْكَزِيَةِ الأوروبيةِ الإِبِسْتِمُولُوجِيَةِ والثقافيةِ ومع تجسيدِهَا الْمَزْعُومِ لِلْعِلْمِيَةِ والْكَوْنِيَةِ.إن هذا العصر الجديد للرأسمالية المعرفي بشكل ما لأنه يمنح دوراً هاماً للمعارف، ومن ضمنها المعارف الأكثر تقليدية التي رفعها فجأة إلى مرتبة التراث اللامادي للإنسانية، لم يتخل مع ذلك عما سماه إنريكي دوسل عدم تجانسه البنيوي، أي عن الترابط الجوهري والعروة الوثقى بين الحداثة والكولونيالية. إنه بالأحرى أعاد بزمجتها تبغا لحاجاته وأهدافه الجديدة. وهكذا فإن التنوع البيئي، كما المعارف التقليدية، سيغدو بذلك الذهب الأخضر في إطار تنمية سوف يتم تصورها بوصفها تنمية مستدامة، وصرنا نشهد إعادة للاعتبار والقيمة في شكل ما بعد حداثي المعارف أخرى غير علمية وغير عقلانية وغير غربية كانت حتى ذلك الوقت مقصاة من المعرفة المشروعة (ص 16).
لكن في هذا الإطار الجديد ما بعد الحداثي وما بعد الكلونيالي بالمعنى الحرفي للمصطلح، ظلت التراتبية صارمة بين الجنوب الخاضع للسيطرة وبين الشمال المسيطر، وظل نقل المعارف يسير في اتجاه وحيد والصناعات الصيدلية والغذائية والبيوتقنيات الغربية تملك الحق في أرشفة المعارف التقليدية ومختلف أنواع التراث التكويني والمحافظة عليها، وأيضا منحها شهادات الابتكار، وذلك خدمة لمصالحها وحدها.
ومن هذا المنظور، فإن ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية لا تعنيان نهاية الحداثة وأساسها الكلونيالي، بل هي بالأحرى إعادة تنظيم وامتداد لها: فكما أنَّ الكولونيالية هي الوجه الآخر المشكل للحداثة، فإنَّ ما بعد الكولونيالية هي المقابل البنيوي لما بعد الحداثة. ويشكل ما بعد الكولونياليين الصيغ الجديدة للكولونيالية التي تم تحيينها في المرحلة ما بعد الحداثية لتاريخ الغرب، كما قال الفيلسوف الكلومي سنتياغو كاسترو غوميز. وهو يتفق في ذلك مع النقد الذي قام به منذ 1992 الفيلسوف الإنجليزي الغاني كوان أنطوني أتياه، حين سخر هذا الأخير مما بعد الكلونيالية باعتبارها الشرط لا يمكن أن ننعته ببعض الشراسة أنتلجنسيا كمتر ادورية، أي مجموعة محدودة نسبيا من الكتاب والمفكرين ذوي الأسلوب الغربي والمكونين على الطريقة الغربية، الذين يشتغلون سماسرة في التجارة التي تقيمها الرأسمالية الغربية مع الخيرات الثقافية للمحيط.
سيلاحظ القارئ في الصفحات التالية العديد من نقط الالتقاء في نظرة سليمان بشير دياني ونظرة جان لو أمسيل والفكر الديكولونيالي؛ فالمفكران يتقاسمان معه بالأخص نقدا لاذعا للمركزية الأوروبية وتماهيها المغلوط مع الكوني. كما أنهما يفصحان بالشكل نفسه عن ارتياب كبير إزاء القطائع ما بعد الكولونيالية المزعومة، حين لا تقوم هذه الأخيرة سوى باستعادة التراتبيات المعتادة وبالأخص الهيمنة الشمولية للغرب، وذلك من خلال قلب بسيط للسمات المميزة أو القيم المتصلة بالعوالم غير الغربية.
إنَّ نقد جان لو أمسيل لما بعد الكولونيالية باعتبارها حيلة جديدة للعقل سواء كان هذا العقل كولونياليا أم إثنولوجيا فحسب، والتنديد الموازي لسليمان بشير دياني بـالكولونيالية الإبستمولوجية، ورغبتهما المشتركة في القطع مع الآلية الديكارتية التي منحت فلسفتها لعملية تحويل الطبيعة إلى موارد طبيعية، ورغبتهما في القيام استرجاعياً بصياغة تاريخ للفلسفة بإفريقيا تندمج تماماً، في الآن نفسه في تاريخ الفلسفة في العالم الغربي وفي تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي عموماً، هي نقط اتفاق، وأيضاً حركات ديكولونيالية تمثل توافقاً حقيقياً بين المفكرين والنقط الأخيرة تغدو بارزة بشكل واضح حين نستكشف مؤلفاتهما. ولهذا الغرض، فإن القيام بخطوة للوراء أمر ضروري سيمكننا من رسم خطوط الحوارات التي ستلي هذه المقدمة، لكي تحدد النقط التي يمكن أن يتلاقى فيها مسيران متوازيان ومتمايزان.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب أفريقيا أفريقيا كتاب استعمار عرض كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الکولونیالیة ا غیر الغربیة ة الأوروبیة هذا الکتاب فی الواقع العدید من وجهة نظر من خلال ع م ر ین ا للفکر نظریة م من غیر کان من فی هذا من جهة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.