يعبّر مصطلح الذكاء العاطفي عن إدارة المشاعر، وفهمها بما يضمن التعامل مع العلاقات الشخصية عاطفيا، مما يساعد الموظف على تأدية مهام وظيفته جيدا وتحقيق الأهداف الوظيفية.
وتتأثر سلوكيات الأشخاص وفقا لما يتمتعون به من ذكاء عاطفي، وتحديد ما يشعرون به، والذكاء العاطفي يتكوّن من الوعي الذاتي، والتنظيم الذاتي، والتحفيز، والتعاطف، والمهارات.
ومع تغيّر فلسفة العمل واعتماد نظام العمل عن بعد بات من الضروري أن ينتقي الموظف كلمات لطيفة تحوي عبارات الشكر والتقدير عند التعامل مع مسؤوله المباشر وألا تكون كلماته جافة خالية من الروح والثناء والتقدير عند مخاطبة المسؤول عبر الاتصال أو مخاطبته بالبريد الإلكتروني. وهنا التحدي يأتي عندما لا يستطيع المسؤول تحديد الحالة التي يتمتع بها الموظف خلال تأدية مهام عمله عن بعد، إلا أن هناك بعض المسؤولين يتمتعون بالذكاء العاطفي عند استقبال الرسالة من الموظف، فيستطيعون فهم حالة الموظف وشعوره بمجرد قراءة رسالته، ويتعاملون معه وفقا لحالته النفسية سواء كان الموظف في حالة غضب أو سعادة؛ فالكلمة مهما كان مغزاها ودافعها لن تصل للآخرين إذا كانت خالية من المشاعر والأحاسيس، ولن تحقق غايتها إلا إذا أُرسلت بأسلوب جيد وجميل.
خلال مرحلة دراستي للماجستير، دفعني الفضول للتعرف على مصطلح الذكاء العاطفي وأثره على الحياة الجامعية وبيئة العمل؛ فقررت حينها الاستماع لمحاضرة بعنوان الذكاء العاطفي ودوره في تحسين العلاقات بين الطلبة والموظفين، بداية لم أكن أعلم أهمية الذكاء العاطفي وتأثيره الإيجابي في إدارة العلاقات مع الآخرين، ومع مرور الوقت أدركت أن الذكاء العاطفي شيئا آخر ليس كما يظنه الناس؛ فالذكاء العاطفي قادر على استخدام العواطف جيدا لتحقيق فرص النجاح في بيئة العمل والدراسة والحياة عموما كونه نوع من التواصل الفعال مع الآخرين عبر تمتّع بعض الأشخاص بصفات من بينها الهدوء للتحكم بالمشاعر عند مواجهة التحديات وإيجاد الحلول المناسبة والفاعلة لحلحلة التحديات الموجودة في بيئة العمل، والإنصات جيدا للموظفين دون مقاطعة حديثهم لفهم مشاعرهم وما يبدوه من عاطفة تجاه بعض المواقف التي تجري في بيئة العمل، أيضا من المهم أن يكون الموظف واثقا من نفسه عند سرد الموقف أو الدفاع عن رأيه دون التهرب؛ لتعزيز ثقته بنفسه، ومن الجيد الانتباه للسلوكيات خلال التعرض للمواقف حتى يستطيع اتخاذ القرارات الصحيحة والسليمة تجاه تلك المواقف، أيضا على الموظف والمسؤول المباشر تفهّم وجهات النظر وردود الأفعال الناتجة عن المواقف التي تحدث خاصة عند احتدام النقاش عند تباين وجهات النظر بين الطرفين؛ إذ إنه من المتوقع أن ترتفع حدة الصوت بين المختلفين؛ كونهما في حالة غضب شديد، أيضا عند إبداء أي تصرف أو تبني توجّه خلال تعاملك وتفاعلك مع المواقف والأحداث، لابد أن تعي بأنك تتحمل مسؤولية ما تبديه من تصرفات إرادية أو غير إرادية؛ وذلك لوجود تبعات محتملة على الآخرين وعلى بيئة العمل. فكن حريصا على ضبط النفس والتريث قبل إبداء أي ردة فعل، وهنا يأتي ذكاء الشخص في التحكم بعواطفه قبل الاندفاع والغضب واتخاذ قرار أو إطلاق الأحكام على الأشخاص، وكما يقال لا تتخذ قرارا وأنت غاضب ولا تعطي وعدا وأنت سعيد، فالجيد أن تؤجل اتخاذ القرارات حتى تهدأ تماما وتتحسن حالتك النفسية، أخيرا من المهم جيدا وأوصي به أن تعمل في بيئة صحية التي تشعرك بالارتياح والاطمئنان لا أن تغرس فيك السلبية والتذمر والاستياء، وتأكد تماما بأن العقل الباطن إن امتلأ بالسلبية ستواجه تحديات كبيرة في بيئة العمل تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة وتحارب الإنتاجية المؤملة منك، وتأكد تماما أن الذكاء العاطفي هو نوع من أنواع القيادة، وبعدم وجوده في بيئة العمل تنشأ صعوبات في التواصل البنّاء بين أعضاء فريق العمل، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الموظفين بسبب ارتفاع أصوات المختلفين خلال النقاش.
كثير من بيئات العمل في مؤسساتنا الحكومية تتمتع بوجود الذكاء العاطفي بين الموظفين، وما أسعدني كثيرا أن مستوى الرضا الوظيفي في ارتفاع مستمر بفضل تفعيل أدوات التواصل الفعال بين الموظفين والمسؤولين مما ساعد على إيجاد الحلول الفاعلة لبعض التحديات التي تواجه بيئة العمل، مع ذلك أرجو أن يحظى الذكاء العاطفي ببرامج ومبادرات لتنميته في مختلف بيئات العمل؛ لتمكّن الموظفين من التواصل الفعّال واتخاذ القرارات السليمة؛ لنصل لبيئة عمل منتجة وصحية؛ فالقائد الناجح من ينصت لا من يستمع، وينتج لا أن يتذمّر أو يؤجل الأعمال، ويعمل بروح الفريق لا أن يقصي الآخرين.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الذکاء العاطفی فی بیئة العمل
إقرأ أيضاً:
محاولات أمريكا والصهاينة غير العسكرية لتفكيك بيئة المقاومة
بات جلياً أن العدو الصهيوني وراعيه الأمريكي لم يحققا أي نصر عسكري حاسم أو استراتيجي في المواجهات الطويلة والمتعددة والمستمرة مع حركات المقاومة، ودوماً تنتهي الجولات باتفاقيات لا يحترمها الكيان ورعاته، ودوماً تشهد هذه الاتفاقيات خرقاً من العدو، ومحاولات لانتزاع المكاسب بالسياسة بعد فشل تحقيقها بالقوة العسكرية.
وما نراه اليوم من مظاهرات تغلب عليها الشبهات في غزة بسبب اختراقها بشعارات معادية للمقاومة، ومن خطاب إعلامي شبيه لبعض القوى الداخلية في لبنان، وكذلك من خطابات لمرتزقة الخارج في اليمن، هو ترجمة مباشرة للمحاولات غير العسكرية للكيان ورعاته وذيوله بالمنطقة لخدمة الأجندة الصهيونية وتحقيق أهدافها بطرق ملتوية بعد الصمود الميداني الأسطوري لجبهات المقاومة.
وقد استعاض الكيان وراعيه الأمريكي عن فشل الحسم العسكري بالمؤامرات التي تحاول تفكيك عناصر القوة والصمود لدى المقاومة، والتي يأتي على رأسها توفر بيئة حاضنة تلتف حول المقاومة وتعلن دوماً جهوزيتها للتضحيات، وذلك بعدة استراتيجيات يمكن رصد أهمها تاليًا:
1 – ماكينة الدعايات التي تحاول وصف المقاومة بالإرهاب وتحميلها المسؤولية عن الخسائر والدمار بدلاً من توجيه الاتهام للعدو المجرم المنتهك للأعراف والقوانين كافة.
2 – الحصار الاقتصادي لتأزيم الأوضاع وخلق أزمات داخلية تربط بين استمرار المقاومات واستمرار الأزمة، وبالتالي خلخلة الدعم والإسناد الشعبي للمقاومة.
3 – الحرب النفسية والترويع واستهداف المدنيين ومرافق الحياة كافة، لجعل المقاومة مرادفًا للموت الجماعي ووضع الحياة في كفة والمقاومة في الأخرى.
4 – محاولات الاستقطاب السياسي لقوى لا تؤمن بالمقاومة ولا تتبع نهجها ورؤيتها وإغراؤها وتبنيها لتعميق تناقضها مع المقاومة وخلق وقيعة إما لعزل المقاومة، وإما لخلق احتراب أهلي يحرف مجرى الصراعات ويحرف البوصلة بعيدًا عن مواجهة العدو الرئيسي.
5 – الاختراق الداخلي لجماهير المقاومة بزرع العملاء لتنفيذ أجندة العدو سواء بالتجسس أو بنشر الفتن داخل بيئة المقاومة.
ومع المرحلة المفصلية الحاسمة الراهنة في الصراع، يسعى العدو الصهيوني لنشر الفتن وتظيف أي أحداث لصالح تفكيك بيئة المقاومة بهدف استراتيجي كبير ومهم وهو كسر الإرادة، باعتبار الإرادة هي عنوان الصراع الوجودي وكسرها هو الانتصار الاستراتيجي.
وهنا يمكن توضيح محاولات العدو وأمريكا لتطبيق هذه الاستراتيجيات على جبهات المقاومة للتحذير منها والتوعية من مراميها ومخاطرها.
أولًا: في غزة:
اندلعت بعض المظاهرات المحدودة في غزة لتطالب بوقف الحرب، وهو أمر يمكن تفهمه في سياق معاناة أهل غزة وحرب الإبادة المستمرة، ولكن المستغرب والمشبوه هو الاختراقات التي حدثت والتي رفعت شعارات معادية للمقاومة.
ومصدر الشبهات هنا يعود لعدة عوامل:
أولها: أنها صدرت من داخل معاقل للمقاومة، ورفض التهجير مثل بيت لاهيا في شمال غزة الصامد وفي خان يونس والشجاعية، وهي معاقل قدمت أسمى وأغلى التضحيات، وهو ما لا يتسق مع أهالي هذه المناطق الذين احتضنوا المقاومة وكانوا جزءًا لا يتجزأ منها.
ثانيها: التبني الصهيوني الرسمي والإعلامي لهذه المظاهرات وتوظيف صفحات النشطاء الصهاينة للإشادة بهذه التظاهرات ومدحها.
ثالثها: مشاركة وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس في الدعوة لمزيد من التظاهرات وتوقف الغارات الصهيونية في أثناء هذه التظاهرات وعلى أماكن اندلاعها.
رابعها: بروز منظمين لهذه التظاهرات من خارج غزة وقد التقت بهم محطة “بي بي سي” حيث كان بعضهم من المقيمين في بلجيكا ومصر وغيرها.
خامساً: تبني خصوم المقاومة في دول الخليج وفي السلطة الفلسطينية لهذه التظاهرات وتكثيف الدعاية بأن نتياهو وحماس وجهان لعملة واحدة وأنهما يحاربان رغماً عن إرادة الشعوب وأن التظاهرات داخل الكيان تتساوى مع التظاهرات في غزة، والمسارعة إلى توجيه السهام للمقاومة ومطالبتها بالتنحي والتخلي عن خيار المقاومة، باعتباره السبب المباشر في الإبادة ومعاناة الأهالي.
ثانياً: في لبنان:
مثلما خرجت في السابق احتجاجات على الوضع السياسي وركزت شعاراتها على المقاومة ظلمًا باعتبارها “دولة داخل الدولة” وساوت بين الفاسدين والمقاومة بشعارات ظالمة مثل “كلن يعني كلن”، نرى الآن ملامح مشابهة في الخطاب الإعلامي لبعض القوى المعادية للمقاومة والتي تستغل الحرب واستمرار الاحتلال الصهيوني لعدة نقاط بالجنوب في تحميل المقاومة المسؤولية، ولا تزال تسعى لفتنة نزع سلاح المقاومة، ولا يستبعد أن تكون هناك مؤامرات تعد لخلق احتجاجات مشابهة لما يحدث في غزة.
كما أن هناك محاولات مع الرئيس عون والرئيس نواف سلام عبر العصا والجزرة، وينبغي على الرئيسين الحذر منها، وهي على النحو التالي:
تتمثل العصا في استمرار الاحتلال والاختراقات والعدوان والحصار ما لم يتم نزع سلاح المقاومة وتهميشها سياسياً.
وتتمثل الجزرة في استثناء لبنان من تجميد المساعدات الأمريكية الخارجية ومحاولة الإغداق على الجيش لتنفيذ المطالب الأمريكية بنزع السلاح وعزل المقاومة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
وهذه المحاولات وردت صراحة في توصيات مراكز الفكر الاستراتيجية الأمريكية، كما تحدثت عنها نصاً وبصراحة نائب مبعوث ترامب إلى لبنان، ورغم أن موقف الرئيس عون والرئيس نواف سلام حتى الآن يشكل موقف متماسكاً ورافضًا للوقيعة، فإنه ينبغي عليهما المزيد من الحذر وتقدير العواقب وعمل الحسابات اللازمة ومواجهة هذه الضغوط.
ثالثاً: في اليمن:
يتعاظم في اليمن خطاب حكومة المرتزقة التي يطلق عليها الخليج “الحكومة الشرعية” ضد المقاومة اليمنية واتهامها باستهداف الملاحة الدولية وتقديم أوارق اعتماد لدى أمريكا والصهاينة بأنها البديل المثالي لجعل اليمن بلداً طيعًا ولا يشكل أي مخاطر على الصهاينة والمصالح الأمريكية.
ولا شك أن هذه الضغوط تمارس أيضاً في العراق بتشويه المقاومة العراقية، وكذلك تمارس ضد أي حركات أو فصائل سياسية في الوطن العربي وفي عواصم الغرب بتهم مختلفة مثل الانحياز للإرهاب أو معاداة السامية، وكلها تنويعات على وتر واحد بهدف عزل المقاومة شعبياً وتجريدها من البيئة الحاضنة، وكلها محاولات تكشف الفشل العسكري أمام صمود المقاومة وتضحياتها وبطولاتها، وهي مآلها الفشل لأن المقاومات حق مشروع وأخلاقي وقدر استمدت شرعيتها من الحق والتف حولها جمهورها عقائديًا ووجدانيًا بما يصعب تفكيكه مهما كانت الاختراقات والضغوط.