محجوب محمد صالح: قال لي عبد الخالق بابكر عوض الله عرفلو درب
تاريخ النشر: 14th, February 2024 GMT
عبد الله علي إبراهيم
جلست إلى محجوب محمد صالح في وقت ما في بداية القرن لأدون منه سيرته وما اتصل منها بصديقه القديم أستاذنا عبد الخالق محجوب منذ عهدهما بمدرسة أم درمان الوسطى. وتوقفت عند روايته عن خلفيات لانقلاب 25 مايو غير مذكورة. وفيها ترى تكتيكين سياسيين اصطرعا في دوائر اليسار حول ما ينبغي عمله ل"الثورة المضادة" التي لم تختطف ثورة أكتوبر 1964 فحسب بل البرلمانية التي اعقبتها بحل الحزب الشيوعي، ومساعيها لفرض الدستور الإسلامي من فوهة البرلمان.
كان محجوب عضواً في جماعة دعا لها الحزب الشيوعي تكونت من بعض أعضاء فيه ويساريين مستقلين وقوميين عرب وقوى ديمقراطية اشتراكية. وكان المراد منها أن تتواثق على خطة لوقف الردة الرجعية. ومن قرأ "الديمقراطية في الميزان" لمحمد أحمد محجوب سيرى تلك الجماعة مذكورة فيه. وأبرز ما في رواية محجوب محمد صالح أمران. أولهما أن مولانا بابكر عوض الله، الذي مثل القوميين العرب، طرح على المجتمعين القيام بانقلاب لتحقيق غايتهم فرفضوه بالتصويت. أما الأمر الثاني فهي أن مولانا الانقلابي لم يرض بنتيجة التصويت واتصل بالعسكريين (أو جاء هو أصلاً بفكرة الانقلاب منهم) وقاطع اجتماعات الحلف اليساري بعد أن “دس عدة شغل” الجماعة اليسارية. فقد هرع بميثاق الجماعة السياسي للانقلابيين فصار نصه هو بيان انقلابهم الأول مع تعديلات ماكرة طرأت عليه. وكان هذا البيان بعهدة مولانا بابكر كواحد من ثلاثة كلفتهم الجماعة بصياغة برنامجها الذي لم يكتمل تحريراً. ولن أزيد هنا حتى لا أفسد متعة قراءة رواية شهادة محجوب محمد صالح بطرائفها. فإلى نص محجوب:
روى لي محجوب عن تخلق انقلاب 25 مايو في اجتماعات لمناهضين وطنيين ويساريين وقوميين للدستور إسلامي بدأت في 1967. وبعض هؤلاء المجتمعين ممن ظهرت اسماؤهم في سياق الحزب الاشتراكي الواسع الذي جرى ترتيبه لينضم له الشيوعيون بعد حل حزبهم في 1965. ولكنه سرعان ما نفضوا يدهم عن ذلك الحزب التقية وبقوا على حزبهم. نأي محجوب بنفسه عن الحزب الاشتراكي ولكنه واصل مع صديقه عبد الخالق تقليب فكرة وجوب وجود تنظيم أوسع بحيثيات وشروط أفضل مما توفر للحزب الاشتراكي. وكان عبد الخالق يعتقد أن مركز دائرة ذلك التنظيم هو الوقوف ضد الدستور الإسلامي، لا كموقف من الإسلام أو الشريعة، بل ضد استغلال الدين في السياسة وبوجه المحور الذي تكون بين الزعيم اسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة، والأمام الهادي المهدي، زعيم جماعة الأنصار، لفرض هذا الدستور.
واتصل عبد الخالق بمحجوب في 1968 ليعرض عليه فكرة تكوين لجنة أو مجموعة عمل تطرح منبراً دائماً لمواجهة التحالف الآخر: منبر لا سياسي بمعنى أنه لا شيوعي ولا يساري بل كجبهة علمانيين أو قريبين منها ترفض استغلال الدين وتقوم بعمل صبور ودؤوب (وهذه عبارة عبد الخالق الدائمة) لبناء حركة مستنيرة. وفي الترشيح لمجموعة العمل جرى ذكر أسماء الاتحاديين القدامى وشخصيات مستقلة. وجاء عبد الخالق بكشف لتلك الأسماء فيه إبراهيم يوسف سليمان، مكاوي مصطفى، خلف الله بابكر، عابدين اسماعيل، بابكر عوض الله، ووصف الأخير بعلاقات بالناصرية. ووافق محجوب على الانضمام للمجموعة.
وقال محجوب إن تلك المجموعة قربتنا من الانقلاب أكثر من العمل الجماهيري المنتظر. وقال كنا نجتمع في بيت مكاوي مصطفي أو خلف الله بابكر. وطُرحت علينا فكرة الانقلاب متى كانت لنا قوة في الجيش. ووقفنا بشدة ضد فكرة الانقلاب طلباً لعمل سياسي سلمي لا مهرب منه لتطور البلد. وكان منا المتأثر بالفكر الناصري الذي قال بأن ليس كل انقلاب سيء. وكان هذا رأي خلف الله بابكر الذي كان حريصاً ألا يتكلم كثيراً. ولكن الرأي الذي غلب هو رفض الانقلاب. وقال محجوب إنهم لم يتواضعوا على اسم للمجموعة، ولكنهم ساروا على أنها المنبر الثالث. واتفقوا على كتابة بيان صاغه اثنان منهم ذكر منهم عبد الخالق وضاع عليه اسم الآخر. وكُلفوه وعز الدين على عامر بإعداد قائمة بأسماء تُستقطب للمنبر بغض النظر عن أحزابها. فوقعوا على أسماء من أحزاب مختلفة مثل الأمير نقد الله وموسى المبارك وبلغت الأسماء مائة كان الترتيب جارياً لدعوتهم لاجتماع تأسيسي. ولم يكن للمجموعة مؤاخذة على إسلام حزبي الأمة والاتحادي ولكن التركيز على ما كانت تسعى له جبهة الميثاق الإسلامي للحركيين الترابيين. وبعد إعداد نقاط البيان وقف على صياغته ومراجعته كل من بابكر عوض الله وعابدين اسماعيل وخلف الله بابكر من نسخ وزعت عليهم.
وفجأة جمّد بابكر عوض الله نشاطه في المنبر من أوائل فبراير أو مارس 1969. فصار يعتذر عن اجتماعات المنبر، ويتغيب بينما بيان المنبر وقائمة الأعضاء المرشحين بطرفه. وقال إنهم علموا لاحقاً أن بابكر كان قد خلق صلة مع بعض الضباط. وكان لخلف الله نفس الموقف. ودليلهم على اعتزال بابكر لهم لصالح جماعته العسكرية أن البيان الأول لانقلاب 1969 كان هو نفس بيان المنبر مع بعض التعديلات. وكان عابدين اسماعيل المحامي، عضو المنبر، وقتها في ملكال يترافع في قضية. وحين سمع بيان 25 مايو ظن، لتطابق بيان المنبر وبيان الانقلاب، ظن السوء بالمنبر بالغدر والعمل من وراء ظهره. ودخل على محجوب في مكتب عز الدين على عامر قائلاً: دا شنو البتعملو فيهو دا؟ قلنا له نحن محتارين فيه مثلك. وقابلنا بابكر بعد ذلك وقال لنا إنه سيعقد لنا اجتماعاً مع الانقلابيين مع شبه اعتراف منه بأنه كان شغالاً مع الانقلابيين من وراء ظهرنا. وأضاف محجوب أن عبد الخالق كان عارفاً بالانقلاب ولم يصارحه وقتها. ولكن لثلاثة أو أربعة أيام قبل الانقلاب تذاكرا عمل المجموعة فقال محجوب له إن المذكرة مجمدة عند بابكر. فضحك عبد الخالق وقال “بابكر لقالو درباً غادي” لكنه لم يفصل إلا بآخرة.
هذه دراما “مفرق الدروب” بين تكتيك استنهاض الجماهير في عملية ثورية طويلة المدى وبين تكتيك الانقلاب الذي يحرق المراحل ويجرع السعادة للشعب غصباً عنه. وإنك لترى من رواية محجوب كيف خرج الانقلاب من بيئة يسارية تغلب فيها “المغامرون اليائسون” من بأس الشعب، في قول الشيوعيين، على من رغبوا في التغيير تحت عين الشعب الساهرة وبواسطته. لقد كان من بين المستعجلين شيوعيون بالبطاقة والسابقة وقفت بهم قاطرة الثورة عند محطة الانقلاب ووصفوا أمثالنا من شيعة أستاذنا عبد الخالق، من أرادوا لشعبنا الثورة الفضلى بديلاً عن الانقلاب “البي سيدو”، ب”المنبطحين على النصوص”. وأكثر من اذاعها الرفيق الصديق الصحافي عبد الله عبيد.
محجوب في حديث عن حياته.
IbrahimA@missouri.edu
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: محجوب محمد صالح الحزب الشیوعی عبد الخالق
إقرأ أيضاً:
محجوب شريف ١١ سنه علي الرحيل. (١)
هاهي السنون تجري مسرعة ولكن رحيل الرموز التي تضع بصمتها القوية والواضح والمؤثرة في السجل الإنساني لايمكن نسيانها مدي الحياة وسوف تتداول كافة الاجيال تقاطعات مسيرتها الخيرة والباهرة في حياتنا الاجتماعية والثقافية والرياضة والسياسية ايضا.
فقد اطل علينا اليوم تاريخ الثاني من أبريل ليعيدنا الي العام ٢٠١٤م حيث رحل فقيد شعبنا الغالي محجوب الي دار الخلود .
فقد سبق لنا ان كتبنا في ذلك الزمان بعض القفشات والطرائف والذكريات الفنية والسياسية الوطنية لصديقنا وحبيب شعبنا محجوب شريف عقب رحيله.
وسنحاول مرة اخري إعادة نشر ما كتبناه في حلقات لعلها تصبح توثيقا خفيف الظل عن محجوب كإضافة نوعية لذاكرة الاجيال الجديدة .
ذات مرة ونحن وقتذاك نعمل بالعاصمة القطرية الدوحة ولمدة خمس سنوات ( ١٩٩٨م الي ٢٠٠٣م) بالادارة المالية بوزارة الخارجية القطرية، والإمبراطور الراحل “وردي” بيننا في رحلة زراعة الكُلى الشهيرة في أكتوبر من العام 2002م تحديداً، طلب مني الأستاذ “محمد وردي” عليه الرحمة أن نحاول استخراج تأشيرة زيارة ل”محجوب” لقضاء شهر كامل معه بالدوحة بعد الانتهاء من زراعة الكلية.. ووردي يعرف جيدا علاقتي الممتدة مع شاعر الشعب منذ شبابنا الباكر .. فقلت له ممكن جداً ولكنني أعاني دوماً من حكاية الخدمة المقطوعة من تلفون بيت “محجوب شريف”.
ضحك “وردي” ضحكة مجلجلة قبل أن يعلق قائلاً: تعرف يا “باشا” عادي جداً يكون تلفون المنزل مقطوعاً بسبب الفاتورة، وقد تعودنا حين نطلب “محجوب” أن نسعى أولاً لسداد فاتورة هاتفه حتى نتمكن من مهاتفته، وبالتالي سنقوم من هنا بإنجاز المهمة ونسدد الفاتورة لتتصل به كي يرسل صورة الجواز حتى تتمكن من استخراج تأشيرة الزيارة له من الجوازات القطرية، ثم أضاف “وردي” جملة توقفت عندها كثيراً حين قال لي: إن زهد “محجوب شريف” هذا لا يوجد له مثيل إلا في عهد الصحابة، وبالتالي مثل “محجوب” لن يعمر كثيراً لأن مثل هؤلاء البشر ماتوا زمان لأنهم أخيارنا جميعاً.
المهم .. انجزنا المهمة وأتى “محجوب” إلى الدوحة تصحبه كريمته الصغرى (مي) والتي اقترح صديقنا “نور الهدى” مؤسس وناشر ومالك (دار عزة للنشر) بشارع الجامعة بالخرطوم أن نرفق في تأشيرة “شريف” كريمته “مي” وقد كان.
وقد أدهش “محجوب” السودانيين بلياليه الشعرية التي أقمناها له بالدوحة، حيث شاركت “مي” بتقديم العديد من الأناشيد التي كتبها لها والدها الأستاذ.
قلت ل”محجوب”: لقد شاهدناك في التلفزيون ذات مرة وأنت تلقي الشعر في احتفالات نادي الهلال، فهل أنت هلالي أو لك انتماء رياضي؟ ضحك “محجوب شريف” ضحكة مميزة ثم قال: إنه لا يفقه شيئا في الكورة ولا يتابعها، لكن الإخوة في نادي الهلال طلبوا مشاركته في الحفل، لكنه وبسبب جهله بالكرة وشعارات الأندية فإنه قد ارتدى قميصاً أحمر اللون من باب (القشرة) وذهب للمشاركة، حيث أشار له البعض في الحفل بأنه قد (دقس) لأنه يشارك الهلال ليلته لكنه يرتدي الأحمر شعار المريخ، بسبب أن شعار الهلال هو الأزرق، فاعتذر للجمهور عند صعوده للمسرح بسبب ارتدائه القميص الأحمر فضحك الجمهور، وأحسنوا استقبال قصائده الوطنية الخالدة.
نواصل ؛؛؛؛
abulbasha009@gmail.com