يمانيون:
2025-05-01@12:53:53 GMT

غزة تهز الشارع عربياً وإسلامياً ودولياً

تاريخ النشر: 21st, October 2023 GMT

غزة تهز الشارع عربياً وإسلامياً ودولياً

يمانيون – متابعات
تحوّل “طوفان الأقصى”، في الأيام والأسابيع التي تلت ذلك الحدث الجلل، من عملية عسكرية مبهرة إلى ظاهرة سياسية مستجدة تتجاوز غزة وغلافها جغرافياً بآلاف الأميال. وكان طوفان الشارع، عربياً وإسلامياً وغربياً، نتيجة عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها بالذات، من أهم معالم التحوّلات الجديدة في المشهد السياسي التي تستحق التوقف عندها.

لعلّ الأكثر أهميةً هنا حراك الشارع العربي إذ هبّ الملايين رافعين راية فلسطين والمقاومة، من صنعاء وصعدة إلى الرباط وطنجة، مروراً بمعظم الأقطار العربية، ولا سيما المركزية منها مثل العراق وسوريا ومصر، ناهيك بالجزائر واليمن، والحراكات الشعبية العملاقة في البحرين والأردن ولبنان وتونس وليبيا والمغرب، إضافةً إلى الحراكات الشعبية الخليجية المتميزة في الكويت وعُمان وقطر.

ولا ننسى الضفة الغربية طبعاً التي قرنت حراكها الشعبي بمئات الأعمال المقاوِمة المجيدة، والتي كان آخرها إثخان “جيش” الاحتلال الصهيوني في طولكرم، لكنْ رب قائل إن أولئك فلسطينيون، وإن بيت القصيد تفاعل الشارع العربي مع فلسطين.

وإن هذا موثقٌ جيداً لمن لم يرَ مئات الآلاف بالعين المجردة أو يشاهد مئات الفيديوهات التي تصور حراكهم. وإذا كان لهذا الحراك من دلالات، فلا بد من أن يكون على رأسها:

أ – أن الرأي العام العربي حي، وأن فيه روحاً تنبض، وأنها روحٌ واحدة من المحيط إلى الخليج. وكان كثيرون قد سارعوا إلى إعلان وفاة الشارع العربي، أو راهنوا على ذلك على الأقل. أما الآن، فيمكن أن نعلن وفاة مقولة “أين الملايين؟!” التي طالما مثلت ذريعةً مفتعلة لتبرير المواقف الانتهازية والمستسلمة.

ب – أن فلسطين والمقاومة تكسران أصفاد الحس القُطري الضيق والهم اليومي المحدود. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك مثال المواطنين السوريين الذين خرجوا بكثافة في معظم محافظات البلاد دعماً لغزة والمقاومة ومساندةً لهما، على الرغم من ضنك العيش وشدة معاناتهم من الحصار وآثامه.

ج – أن ذلك الحراك الشعبي العربي دفع العدو الصهيوني إلى إخلاء سفاراته في البحرين والأردن ومصر والمغرب، أي إنه حقق أيضاً إنجازاً ميدانياً وسياسياً كبيراً إذ أغرق غلاف السفارات بطوفانٍ مناهضٍ للتطبيع يمثل رديفاً لعملية “طوفان الأقصى” في غلاف غزة.

د – أن الأنظمة العربية كانت قد ساوت “بين الطرفين”، في بيان الجامعة العربية المخزي عشية عملية “طوفان الأقصى”، فاضطرت إلى تعديل مواقفها نسبياً في محاولة لاستيعاب الشارع المتأجج الذي يطالب بفتح الحدود، وبمساندة غزة والمقاومة ميدانياً، وبديهياً، بإعلان بطلان المعاهدات والاتفاقيات ووقف التطبيع، كما تثبت شعارات المتظاهرين أو محاولة اقتحام سفارتَي العدو أو حرقهما في البحرين أو الأردن مثلاً.

هـ – أن هذا المد الشعبي العربي لا تحركه جهة واحدة، أو حتى جهات متحالفة عديدة، بل يترجم بصدق حس المواطن العربي العادي المدفوع بالعروبة والإسلام ومناهضة الصهيونية، وأهمية ذلك أنه يجعل من الصعوبة بمكان تجييره أو السيطرة عليه أو إجهاضه في مساومات انتهازية. يمكن القول إذاً إن المواطن العربي العادي فرض حضوره بقوة سياسياً كما لم يفعل منذ سنواتٍ طوال، وإن ذلك المتغير رجع، منذ “طوفان الأقصى”، متغيراً أكثر أهميةً بكثير في المشهد السياسي العربي.

و – أن بوصلة الحراك الشعبي العربي مؤخراً جاءت مناهضة بوضوحٍ وحدّةٍ للصهيونية والإمبريالية. لاحظوا مثلاً التوجه ضد السفارة الفرنسية في تونس، أو الأحذية، أجلّكم الله، التي رفعها الأردنيون في وجه بايدن عندما جاء إلى عمان، أو اصغوا إلى الشعارات التي ردّدها المتظاهرون ضد الإدارة الأميركية وسياساتها. إن هذا مهمٌ جداً لأنه يمثل نقيضاً مباشراً لمسار ما يسمى “الربيع العربي” بأبعاده الليبرالية أو الطائفية أو التطبيعية، وبخطابه الملوّث، وبقواه المشبوهة. إنها لحظة استعادة الشارع العربي، لحظة يقظة قومية حقيقية، يمكن أن نصفها أيضاً بأنها لحظة إعلان وفاة “الربيع العربي” ومرحلته رسمياً.

ز – أن فلسطين والمقاومة استنهضت الشارع العربي ووحدت صفوفه وفعّلته سياسياً وزجّته في الساحات. لكنّ تلك مجرد بداية، وتبقى مهماتٌ كبيرةٌ لا بد من إنجازها إذا أردنا لهذه الطاقة العملاقة أن لا تنكص وأن تترجم إلى عمل ملموس. وعلى رأس تلك المهمات تطوير الحراك إلى حركة شعبية عربية منظمة، عابرة لحدود التجزئة، كإطار فضفاض غير حزبي، لكن يتسع للأحزاب أيضاً، مهمته قض مضجع التطبيع والمطبعين، ودعم المقاومة، وانتهاك الحصارات المفروضة غربياً من اليمن إلى سوريا إلى غزة، إما مباشرةً بالقوافل الشعبية العربية أو من خلال ممارسة الضغط الحثيث من الشارع لموازنة التأثير الغربي على الأنظمة بقوة الشعب العربي.

حـ – أن الشارع العربي أثبت مجدداً، كما أثبت تاريخياً من قبلُ، أنه يقدم دعماً غير محدود لكل نقطة صدام مع الاحتلالات وقوى الهيمنة الخارجية، وأنه يعلي راياتها ويتدثر بعباءتها ويتوشح برموزها، لكنّ ذلك لا يعني أن الشعب العربي يسير خلفها بلا عقلٍ مهما فعلت، ويمكن أن يتحوّل عنها كما تحوّل عن غيرها من قبل إذا انحرفت.

اسمحوا لي أن أتحدث بوضوح، لا من قبيل المزايدة، معاذ الله، ولا يزايد قاعدٌ على مجاهد، بل حرصاً على الإنجاز العظيم الذي تحقق في “طوفان الأقصى” وأملاً في البناء عليه: إن المشروع هو تحرير فلسطين كاملة، وتفكيك الكيان الصهيوني مجتمعاً و”جيشاً” ومؤسسات، وهذا ما استبشرنا فيه خيراً عميماً في عملية “طوفان الأقصى”، دلالاتٍ وبوصلةً ومنهجاً.

فإذا وجدنا أنفسنا فجأة أمام اتفاقية مثل “كامب ديفيد” بعد حرب 1973، أو إذا تقهقرنا مجدداً إلى مسار “الربيع العربي” وخياراته الإقليمية، وإلى حديث “المقاومة المدنية السلمية”، أو إلى الحديث عن سلطة في غزة أو عن “هدف تحقيق دولة مؤقتة في حدود 1967″، أو “وثائق الوحدة الوطنية الفلسطينية” التي تعترف بحق الكيان الصهيوني بالوجود، فإن من يسير نحو تحرير فلسطين تسير معه الحاضنة الشعبية قلباً وقالباً حتى النصر أو الاستشهاد، ومن ينحرف عن ذلك الهدف ينحرف وحده.

أما الآن، فإن علينا أن ندعم من يقاتل ما دام يقاتل، خصوصاً أن الطرف الأميركي-الصهيوني يبدو مصمماً على اجتثاث ظاهرة المقاومة المسلحة في غزة برمتها، لا أكبر فصائلها فحسب. لكن وجب التنبيه، للتاريخ، أن أخطر ما يمكن أن يهدد الحراك الشعبي العربي المساند لغزة والمقاومة اليوم هو الانزلاق نحو مقايضات “الحلول السياسية” مع الاحتلال، كما فعلت منظمة التحرير الفلسطينية منذ السبعينيات، مجهضةً التعاطف الشعبي العربي الكبير معها.

قدحت عملية “طوفان الأقصى” والمجازر التي ارتكبها الاحتلال في غزة شعلة التظاهرات الشعبية المناصرة لغزة والمقاومة في البلدان المسلمة، ولا سيما إندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلادش وتركيا وغيرها كما لم يحدث في أي جولة من الجولات السابقة التي اعتدى فيها الكيان الصهيوني على غزة منذ نهاية عام 2008. وقد تحوّل ذلك الحراك الشعبي بدوره إلى جزء من الظاهرة التي أطلقها “طوفان الأقصى”.

لم أذكر المسيرات والتجمعات الجماهيرية العارمة في إيران في السياق ذاته لأن الشعب الإيراني معبأ سياسياً بالأساس، وتشكل فلسطين ومقاومتها عنواناً رئيسياً من عناوين الخطاب الرسمي للدولة ونخبها، لذلك لم يأتِ تفاعل الإيرانيين مع “طوفان الأقصى” وتداعياته مفاجئاً كما جاء بالنسبة إلى غيرها من الدول المسلمة.

كما أن إيران حاضنة لقوى المقاومة والممانعة، عسكرياً وسياسياً ومادياً، الأمر الذي تستغله بعض القوى المناوئة للتحريض على الدولة في خضم الحصار والعقوبات والأزمات الاقتصادية والمعيشية الناتجة منهما.

ومن المعروف أن الخطاب الإسلامي، حتى بعيداً عن الإسلام السياسي، يعد فلسطين مهد الأنبياء ويعد الأقصى مسرى الرسول محمد (ص)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين، ويعد فلسطين أرضاً مباركة قرآنياً. وثمة شبه إجماع بين العلماء، على ما رأيت، على أن فلسطين أرض وقف إسلامي.

إن أهمية هذا الأمر، سياسياً، في سياق مشروع تحرير فلسطين تحديداً، تفوق التصور. فهو يعني فيما يعنيه:

أ – أن فلسطين ليست للصهاينة، وأن مشروع تهويدها يصطدم بعقيدة أكثر من ملياري مسلم، بحسب إحصاءات عام 2023، يمثل العرب ربعهم تقريباً.

ب – أن تفسير مسألة “الوقف الإسلامي” بمعنى الحق العام، لا بمعنى الملكية الخاصة لكل الأصول الموجودة على أرض فلسطين، كما في حالة أوقاف المساجد والجمعيات الدينية مثلاً، يعني أن التفريط في ذلك الوقف بيعاً أو تنازلاً محرمٌ شرعاً، وهذا يُسقِط تلقائياً مشاريع التسوية مع العدو الصهيوني أو أي محتل.

ج – أن الصراع على هوية المسجد الأقصى، ولا سيما حائطه الجنوبي الغربي، حائط البراق، لا يتعلق بقضية فقهية أو خلاف عقاري بمقدار ما يتعلق بجوهر القضية الفلسطينية: من يملك الأرض؟ وهل هي عربية، أم يهودية؟ فالأقصى عنوان القدس، وليست بديلاً منها، والقدس عنوان فلسطين، وليست بديلاً منها، لكن من يفرض ملكيته للأقصى، ومن يثبت روايته الدينية التي تؤكد تلك الملكية، يؤسس للظفر بكل فلسطين، وتلك مسألة سياسية في جوهرها: مسألة تحرير فلسطين.

د – أن الشعوب الإسلامية، بناءً على ذلك، تتحوّل إلى احتياطيٍ استراتيجيٍ ضخمٍ لمشروع تحرير فلسطين، لا يجوز التفريط فيه أو التقليل من أهميته، حتى لو كانت فلسطين قضية عربية بالأساس، لكنها بالضرورة أهم من الرأي العام الغربي أضعافاً مضاعفة لأنها أكثر استعداداً للتضحية، ولا تطلب منا تقديم التنازلات المبدئية.

هـ – أن الهوية الإسلامية، كهوية ثقافية حضارية، أثبتت صلابة عالية في مواجهة مشاريع الاختراق الثقافي الغربي، وأنها بالتالي احتياطيٌ استراتيجي لمشروع التعددية القطبية، أي لمناهضة الهيمنة الغربية على كوكبنا، الأمر الذي يدركه الروس والصينيون جيداً ويتعاملون على أساسه، وإن هذا أكثر أهمية بالنسبة إلينا الآن بمقدار ما يبدو أن المواجهة مع الكيان الصهيوني ستتحوّل إلى مواجهة مع الغرب برمته.

و – أن الشعوب المسلمة، بناءً عليه، لا تحتاج أن نقنعها أن مقاومتنا مشروعة، أو أنها ردٌ صغيرٌ على جرائم الاحتلال ومجازره يحتاج إلى تبرير، لأنها مهيأة نفسياً ودينياً لدعمها، لا بل للانخراط فيها، بناءً على كل ما سبق، إلا عندما يتعلق الأمر بالمخترقين ليبرالياً والمتغربين طبعاً، الأمر الذي ينطبق على مخترقي الشعب العربي أيضاً بأي حال.

ز – أن علينا أن نميز بين فصائل الإسلام السياسي وتياراته وصراعاته من جهة، والإسلام كإرث ثقافي حضاري لمجموعة من الشعوب، وعلى رأسها الشعب العربي الذي نزل الإسلام عنده وبلغته ونهض على أكتافه. كما أن علينا أن نميز بين الإسلام كثقافة تحتاج إلى تجديدٍ دائم بما يناسب العصر، استناداً إلى القرآن الكريم طبعاً، وبين إصرار البعض على بعض صيغ القرون الوسطى التي تنفر الناس من الدين وتشعرهم أنه خارج العصر. لكن الإسلام يبقى وعاءً وجزءاً أساسياً من هويتنا وثقافتنا كعرب، حتى عند غير المسلمين وغير المتدينين منا، وتلك صلة وصل أساسية من صلات العروبة والإسلام، قد يطول الحديث فيها.

وإذا كان الغرب قد عمل على توظيف الإسلام والإسلاميين سياسياً في التاريخ الحديث ضد حركات الاستقلال وحركات التحرر الوطني المنتفضة عليه، من الهند إلى مصر، وإذا كانت بعض الأنظمة العربية التابعة للغرب قد تلفعت بعباءة التدين كي تدق إسفيناً بين الحركات الوطنية والقومية والاجتماعية من جهة وحواضنها الشعبية من جهةٍ أخرى في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن ثم عادت لتوظيف الخطاب الطائفي لمحاصرة حزب الله في الشارع العربي، خصوصاً بعد 2006، أو توظيفه لتفكيك بعض الدول العربية في سياق “الربيع العربي”، فإن من مآثر عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها أن لحظة تلك المعركة، أولاً، وحّدت السنة والشيعة، وأنها، ثانياً، وحّدت العرب وغير العرب من المسلمين، وأنها، ثالثاً، وحّدت الوطنيين والقوميين مع الإسلاميين من جديدٍ، تحت راية مناهضة الصهيونية والإمبريالية.

تمثل عملية “طوفان الأقصى”، بهذا المعنى، لحظة تاريخية تتجاوز أثرها العسكري المباشر. ونلاحظ هنا، على وجه الخصوص، تقاطع ما أصدره الأزهر الشريف، وما صرح به الإمام الخامنئي، رداً على من دانوا استهداف المستعمرين المستوطنين في غلاف غزة، بأن المستعمر المستوطن ليس “مدنياً” ولا يعد كذلك، وهو الموقف القومي العربي والوطني المقاوم أيضاً عندما لا يكون مخترقاً ليبرالياً.

إن ازدواجية المعايير الغربية، وانحياز النخب الغربية المفرط إلى ما هو يهودي أو صهيوني، بات من فضلات الكلام، الأمر الذي يفترض أن يجعل الساعين عبثاً إلى كسب تلك النخب إلى صفنا يكفون عن هدر وقتهم ووقتنا، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقديم تنازلات على المبدأ والحقوق القومية والوطنية أملاً في نيل رضاهم.

أما الجديد اللافت الذي أبرزته عملية “طوفان الأقصى” وتداعياتها فهو ظاهرة الاحتجاجات الشعبية، الكبيرة أحياناً، في الدول الغربية ذاتها، ضد العدوان الصهيوني على غزة. إنها ظاهرة التضامن الأممي مع فلسطين وقضيتها التي كان عمادها يسارياً في الماضي.

وفي المصطلح، يقال تضامنٌ عندما يتعلق الأمر بالبعيد، أما القريب فيفترض أن يدعم ويساند، فلا يعقل أن يسمي العربي دعمه لمواطنه العربي “تضامناً”، لأنه ليس بعيداً، وعندما يحتج مواطنٌ غربي على مجازر الاحتلال في غزة مثلاً، فإن ذلك يسمى تضامناً. فأنت تتضامن مع مواطن مظلوم من قبائل الأسكيمو أو الزولو مثلاً، لكنك تساند مقاوماً عربياً وتدعمه.

في جميع الأحوال، شكلت ظاهرة التضامن الأممي مع غزة في الأيام الفائتة حالةً لافتة، من أستراليا إلى بريطانيا وفرنسا والدول الأوروبية عموماً إلى الولايات المتحدة. وهي ظاهرةٌ لافتة لعدة أسباب على رأسها:

أ – أنها ظاهرة شارك فيها مواطنون غربيون بكثافة، على الرغم من انخراط الجاليات العربية فيها بقوة أيضاً، إذ أدت فيها تلك الجاليات دوراً مهماً وفعالاً، وهو دورٌ لا بد من أن يشكل ركناً رئيسياً من أركان الحركة الشعبية العربية المنظمة الذي جرى التطرق إليه سابقاً.

ب – أنها مثلت حالة تمرد على الإعلام الغربي الذي روج للرواية الصهيونية بصوتٍ وإيقاعٍ واحد، أكثر مما يفعل أي إعلام في دولة “شمولية” في أي قضية. على الرغم من ذلك، فإن قطاعاً من الرأي العام الغربي لم يقع فريسةً له، ولعل أحد أسباب ذلك الجاليات العربية التي تتفاعل مع بيئتها، والتي تنشر الرواية العربية في وسائل التواصل الاجتماعي، تحت قيود “مقاييس المجتمع” الفاشية المتصهينة.

ج – أنها مثلت حالة معارضة لسياسات الدول الغربية ونخبها. لذلك، فإنها أصبحت جزءاً موضوعياً من مشروع مناهضة الإمبريالية (وثمة ظاهرة تصنف علمياً كإمبريالية، وهي غير الاستعمار). لكن التدابير المشددة التي اتخذتها بعض الدول الغربية، مثل فرنسا وألمانيا، لمنع مظاهر تأييد فلسطين، أدت إلى تجذر تلك المعارضة وإثارة التساؤلات حول معنى تخلي الدول الغربية عن واجهاتها الليبرالية.

د – أنها حالة انطلقت من رفض المجازر المرتكبة في قطاع غزة، والسياسات الاستئصالية التي يتبعها الاحتلال هناك، حتى لو كانت أجزاء كبيرة منها مناهضة للمقاومة الفلسطينية ومتمسكة بحق الكيان الصهيوني بالوجود، لكنها تحولت مع تصاعدها إلى عبءٍ على النخب الغربية الداعمة علناً لاستمرار المجازر في القطاع، والمستعدة للانخراط في حربٍ شعواء دفاعاً عن الكيان الصهيوني، أي أنها غذت حالة الانقسام الداخلي في المجتمعات الغربية، وهذا جيد، ولو أنه ليس بأهمية عودة الرأي العام العربي إلى الميدان أو دعم الشعوب الإسلامية لمشروع تحرير فلسطين.

أخيراً، وفي السياق الدولي، لا بد من الإشارة إلى أن تحريك مجموعات حاملات الطائرات الأميركية إلى شرقي المتوسط قرّب موقف روسيا والصين من المقاومة الفلسطينية سياسياً، لذلك بتنا نرى سقفهما يرتفع تدريجياً، على الرغم من وسطية موقفيهما المبدئي في القضية الفلسطينية. لكن تحريك قوات أميركية وبريطانية إلى البحر المتوسط يقرأ بأعين روسية وصينية بأنه تثبيت لرقعة نفوذ أميركية على رقعة الشطرنج الكبرى، تماماً كبحر الصين الجنوبي أو أوروبا الشرقية، وهذا جيدٌ جداً من منظور مصلحة الشعب العربي ومحور المقاومة، خصوصاً إذا طفحت المواجهات من خارج إطار قطاع غزة إلى الإقليم.

أما من ينتظر تحليلاً حول موعد انخراط محور المقاومة في المعركة مع الاحتلال (والقوى الغربية فعلياً) بكل ثقله، فأقول له إن الأولى بنا أن نفكر بما يمكن ويجب أن نفعله نحن لدعم المقاومة، وهو ما فعله الشعب العربي في الشارع فعلاً، من دون انتظار الخلاص من أحد، كما يجدر به أن يفعل. أما محور المقاومة فلا يقصر بالدعم، ومتى قرر أن الوقت حان لفتح المعركة الكبرى، فله كل الدعم والمساندة، مثل كل من يقاتل كيان “إسرائيل”.

* المصدر: موقع الميادين نت

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: الکیان الصهیونی الشارع العربی الربیع العربی غزة والمقاومة الشعبی العربی الحراک الشعبی الدول الغربیة طوفان الأقصى الشعب العربی تحریر فلسطین على الرغم من الرأی العام الأمر الذی أن فلسطین ما یتعلق لا بد من یمکن أن فی غزة

إقرأ أيضاً:

رَجُل إسرائيل يتبوأ منصبه في رام الله

لم يبتهج الشارع الفلسطيني لاستحداث السلطة الفلسطينية منصب نائب للرئيس بعد اجتماع المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذلك تلبية لشرط أمريكي وغربي، كجزء من عملية إصلاح مطالبة السلطة الفلسطينية بتنفيذها. والإصلاح هنا لا علاقة له برغبة الفلسطينيين ومطالبهم بالإصلاح الذي يلبي مصالحهم الوطنية والسياسية والكفاحية، على قاعدة أساسية من متطلبات المراجعة المطلوبة لكل المسار الفلسطيني، وعلاقته بالمحتل على الأرض، لذلك فإن السعادة التي عبّر عنها أعضاء السلطة وصفقوا للإنجاز؛ بقيت ضمن جدران مكان الاجتماع، الذي تفصله أمتار قليلة عن حواجز ودبابات الاحتلال التي تواصل ارتكاب جرائم القتل والتهجير، وتفرض حصارا مشددا على مدن الضفة، وتواصل ارتكاب جرائم الإبادة في غزة، لذلك رسالة المنصب وصلت لمن ينتظرها على الجانب الآخر.

إحداث المنصب الجديد وهوية الشخصية التي شغلته، حسين الشيخ، ثم الإشادة بهذه الخطوة وتهنئته في منصبه الجديد من دوائر ترشيحه في تل أبيب وواشنطن، كل ذلك كان متوقعا، ويؤكد صحة كل التسريبات التي سبقت تاريخ اجتماع اللجنة المركزية للمنظمة، وما سيصدر عنه، وتحديد اسم الشخصية الأوفر حظا لشغل المنصب، الذي سيخلف زعامة محمود عباس على حركة فتح والمنظمة والسلطة.

إحداث المنصب الجديد وهوية الشخصية التي شغلته، حسين الشيخ، ثم الإشادة بهذه الخطوة وتهنئته في منصبه الجديد من دوائر ترشيحه في تل أبيب وواشنطن، كل ذلك كان متوقعا، ويؤكد صحة كل التسريبات التي سبقت تاريخ اجتماع اللجنة المركزية للمنظمة، وما سيصدر عنه، وتحديد اسم الشخصية الأوفر حظا لشغل المنصب، الذي سيخلف زعامة محمود عباس على حركة فتح والمنظمة والسلطة
يمكن القول في سياق ما يتابعه الشارع الفلسطيني، وعلى وقع اختيار منصب نائب رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس، وما أحاط بشخصية حسين الشيخ الأوفر حظا خارج الشارع الفلسطيني وإجماعه ومؤسساته، والمكلف بشكل غير ديمقراطي وحر، وفي غياب إجماع وتمثيل حقيقي للشارع نظرا لانتهاء صلاحية معظم المؤسسات الفلسطينية، إن الشيخ ليس مرشح المؤسسات الفلسطينية، بل كان موضع ترشيح وتزكية إسرائيلية لهذا المنصب.

هناك ملفات كثيرة تتعلق بمسيرة وسلوك أمين سر اللجنة التنفيذية، ووزير الشؤون المدنية سابقا، من التصاقه العضوي مع الاحتلال بالتنسيق الأمني، ومشاركته المقدسة للرئيس عباس في قمع أي حالة نهوض وطني وثوري في المناطق التي تخضع لسلطته مع الاحتلال، وهذا جعل من حسين الشيخ، ومنذ سنوات، رجل إسرائيل في رام الله، كما يُوصف في تل أبيب.

تهم الفساد المالي وقضية التحرش الجنسي بموظفة في مكتبه برام الله، وارتباطه بملف تزوير بيانات كتائب شهداء الأقصى أيام الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي أصدر مذكرة اعتقال بحقه عام 2003، بالإضافة لتورطه في ملف التفريط بالأرض لمحاولة توقيع عقد إيجار مع الاحتلال لـ99 عام في ترقوميا.. هذه على ما يبدو من أبرز مميزات الرجل الذي تدرج في تقلد مناصبه، لذلك جاء التعيين المتوقع بخلاف الرغبة الحقيقية والوطنية المطالبة بالإصلاح الداخلي وترتيب الأوضاع، والمفترض أنها تعمل على تعزيز الحريات والمشاركة السياسية، وفق مبدأ ديمقراطي يراعي الحفاظ على الحقوق الفلسطينية ويدافع عنها.

المناصب الفلسطينية، في وضعها الحالي والسابق، فُصلت وفق مقاس أوسلو وملاحقه الأمنية كما هو معروف، ولم يتبق منها شيء له فاعلية ورمزية، بعضها استحدث تلبية لرغبة إسرائيلية أمريكية، وأصبحت من أكبر الأعباء على كاهل الشعب الفلسطيني بعد أعباء استفحال الاستيطان وارتكاب إسرائيل جرائم كبرى على الأرض؛ قوضت ودمرت أوسلو كله. ومنصب نائب الرئيس ومن يشغله، يأتي لتعزيز مكانة ونفوذ المحتل الإسرائيلي لدى السلطة الفلسطينية، وتفاديا لتداعيات ما يجري في مدن الضفة، فتاريخ حسين الشيخ الذي يعرفه أبناء حركة فتح أنفسهم، يتضمن الكثير من علامات الاستفهام المرتبطة بعدم النزاهة وفساد السلوك، وتعيينه في المنصب الجديد والقادم، يُبشر بتداعيات سوداوية وأكثر عبثية على الوضع الفلسطيني. ورغم معرفة الجميع بهذه العلامات، التي تفاقم من وضع الانقسام الفلسطيني بشكل أكثر وضوحا إثر الأداء العاجز للسلطة بعد جرائم الحرب والإبادة الجماعية المستمرة، وعدم القدرة على الاستفادة من المستجدات التي تتطلب بروز عامل ذاتي موحد وقوي وباستخلاص العبر، بدل التنازل والخضوع للإملاءات الإسرائيلية الأمريكية.

مشكلة الفلسطينيين ليست بتحليل ظروفهم وواقعهم، ولا في تحليل سياسات عربية وأمريكية وغربية استعمارية، مشكلتهم في نشوء سلطة تكيفت مع هذه الظروف وأصبحت تبعيتها المباشرة لعدوهم؛ تستجيب تلقائيا لمتطلبات وضغوط إسرائيلية أمريكية، ولا تلتفت بالمطلق لشارعها، إلا في أوامر تشديد الخناق عليه حماية للمستعمر
هناك نجاح إسرائيلي أمريكي في تحديد مناصب الفلسطينيين، وفرض جملة من الشروط والإملاءات المتعلقة بمسارهم، وهناك حالة من اليقين الإسرائيلي والعربي بأن أوضاع الشارع الفلسطيني باتت في أيدٍ أكثر أمنا بالنسبة للمستعمر؛ على الأقل فيما أظهرته مناصب فلسطينية سابقة ولاحقة بغض النظر عن مسمياتها في رام الله، والمعنية بتوطيد التنسيق الأمني وتناغمها مع التطبيع العربي، وقدرتها على امتصاص واحتواء حالة المقاومة ومنع الاشتباك مع الاحتلال. هذا هو معيار الترشيح للمنصب، في الفترة التي ستستمر فيها حال الأوضاع الفلسطينية مع تبوؤ رجل إسرائيل منصبه في السلطة الفلسطينية، فهناك ارتياح لعقيدته وسلوكه، وإعجاب إسرائيلي ببراغماتيته؛ لإيمانه المطلق بضرورة قمع الشارع الفلسطيني، وإعجاب بلغته العبرية التي يتقن من خلالها البوح في الغرف المغلقة برطانة التعبير عن إعجابه بـ"إسرائيل" وتطورها، كما جاء على لسان من التقى به في تل أبيب وفي مناسبات كثيرة.

بكل ألم، نقول إن الانتقال المأساوي الهزلي من الرئيس لنائبه، ليس حلا لرمي أعباء السلطة المتراكمة، بل هو تكريس لتزييف واقع المؤسسات الفلسطينية، وإمعان في خرابها، والاستقواء في تكلسها وترهلها زاد من مأساة فلسطينية من العبث التغول فيها؛ كحل يضمن فقط حالة الانحلال والتكلس المطلوبة إسرائيليا للفلسطينيين. على أية حال، نفاد خيارات ونهج السلطة الفلسطينية وتجوف مناصبها، وفرض التكيف معها بصم الآذان عن كل مطالب الشارع الفلسطيني، أوصل القضية لهذا التقزيم، ومن المشروع الاستعماري الصهيوني بعض النجاحات. فحقل الخيارات الفلسطينية واسع بمقدار توفر الحد اللازم من فاعلية مواقف فلسطينية مرتكزة بالأساس على قوة حركة تحرر وطني ووحدتها وإرادتها.

أخيرا، ثمة حقيقة لا تحتاج الى برهان، وهي أن مشكلة الفلسطينيين ليست بتحليل ظروفهم وواقعهم، ولا في تحليل سياسات عربية وأمريكية وغربية استعمارية، مشكلتهم في نشوء سلطة تكيفت مع هذه الظروف وأصبحت تبعيتها المباشرة لعدوهم؛ تستجيب تلقائيا لمتطلبات وضغوط إسرائيلية أمريكية، ولا تلتفت بالمطلق لشارعها، إلا في أوامر تشديد الخناق عليه حماية للمستعمر.

ومهما كانت مسؤولية السلطة الفلسطينية في تدهور أوضاع البيت الفلسطيني، فإن مظهر الفصائل الفلسطينية السلبي من تراجع مواجهة السلطة في اللجنة المركزية ومنظمة التحرير؛ إلى قبول المشاركة في مناصب فارغة، واستبعاد قوى مؤثرة في الشارع عن القرار الوطني، برهان على أن حالة الانشطار والتنافر ستبقى أحد أهم أسباب ضعف الموقف الفلسطيني، ولن يمنحه قوة لا رئيس ولا نائبه ولا وزير، في الوقت الذي تمارس في إسرائيل قهر الإنسان وامتهان وجوده بطريقة سافرة ومباشرة، وتفرض على الفلسطينيين "رجلها" لإدارة القهر والظلم عليهم.. هكذا وصفته الصحافة الإسرائيلية قبل عامين، "امتلاك الشيخ فرصة لأن يصبح الزعيم القادم للسلطة الفلسطينية على الرغم من عدم شعبيته، ذلك بفضل علاقاته الوثيقة مع إسرائيل والولايات المتحدة"، وهو ما يتحقق.

x.com/nizar_sahli

مقالات مشابهة

  • جلالة الملك : كرة القدم النسوية تشهد تطوراً مطرداً وفرضت حضورها على منصات التتويج قارياً ودولياً
  • ننتظر تسجيلات السنوار بعد عبد الناصر
  • العدو الإسرائيلي يغلق طريق رام الله – نابلس
  • مكالمة جمال عبد الناصر والقذافي المسربة تثير جدلا عربيا وعالميا / شاهد
  • قرار من النيابة بشأن واقعة مقتل شخص بطلق ناري في حلوان
  • ماشي بالصدفة.. خلافات الجيران تتسبب في قـ.ـتيل بالشارع في حلوان
  • غباش: الإمارات تبنّت نهج الحوار الشامل لتعزيز مساهمتها إقليمياً ودولياً
  • رَجُل إسرائيل يتبوأ منصبه في رام الله
  • الترجمة مدخل لفهم العالم العربي ونصرة فلسطين.. ميشيل هارتمان: الأدب المكان الذي يمكننا أن نجد فيه المزيد من التقارب
  • بين فشل أمريكا المُدوِّي وصمود اليمن.. قصة الضمير العربي الوحيد المدافع عن فلسطين