نزع الصفة البشرية عمّن يُراد التخلص منهم هو مقدمة لأسوأ أعمال العنف
تاريخ النشر: 21st, October 2023 GMT
ترجمة: حافظ إدوخراز -
لقد أحدثت الهجمة القوية لحماس داخل إسرائيل صدمة غير مسبوقة في المجتمعات الغربية وأثارت ردود فعل مستهجنة. لكن الأعمال الانتقامية المستمرة للجيش الإسرائيلي من سكان غزة، والتي تفوق عنفا، خاصة أن الإسرائيليين يحمّلون مسؤولية ما وقع لحكومتهم نظرا لكونها آثرت صعود حماس على حساب حركة فتح من أجل إضعاف هذه الأخيرة، ولأنها أهملت القضايا الأمنية لصالح إصلاحات لا تحظى بالشعبية والتي لا تهدف سوى إلى كبح الديمقراطية، هذه الأعمال لا تولّد مشاعر مماثلة عند القادة في الغرب، وكأن الحق في الدفاع عن النفس يعني ضمنا حقا غير محدود في الانتقام.
عندما ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطابه المتلفز في الثاني عشر من أكتوبر الجاري، وصل عدد الضحايا في صفوف سكان غزة إلى 1400 قتيل، من بينهم 447 طفلا. لقد أعرب عن أسفه لمقتل «الرضع والأطفال والنساء والرجال» الإسرائيليين، وقال إنه «يشارك إسرائيل حزنها»، لكنه لم ينبس بكلمة واحدة في حق الرضع والأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين الذين قُتلوا ولتعزية ذويهم. أعلن ماكرون عن «دعمه للرد المشروع» من جانب إسرائيل، وأضاف أن ذلك يجب أن يكون من خلال «الحفاظ على السكان المدنيين»، وتلك مجرد صيغة بلاغية بحتة في الوقت الذي أسقط فيه جيش الدفاع الإسرائيلي ستة آلاف قنبلة على غزة خلال ستة أيام فقط، أي ما يقرب من عدد القنابل الذي ألقته الولايات المتحدة خلال عام كامل على أفغانستان في ذروة تدخلها العسكري هناك.
أطلقت المديرة التنفيذية لمنظمة الصوت اليهودي من أجل السلام (Jewish Voice for Peace) «نداء يهوديا» قويا يدعو إلى «الوقوف ضد أعمال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل»: قطع الماء والكهرباء والغاز عن غزة، إيقاف الإمدادات الغذائية، إطلاق الصواريخ على الأسواق التي يحاول السكان التزوّد بحاجياتهم منها، قصف سيارات الإسعاف والمستشفيات المحرومة أصلا من كل ما يسمح لها بالعمل، وقتل الأطباء وعائلاتهم. إن الحصار الشامل المفروض على غزة فضلا عن الضربات الجوية واجتياح القوات البرية للقطاع عمّا قريب، كل ذلك سيحكم على عدد كبير جدا من المدنيين بالموت – من خلال الأسلحة، والجوع والعطش، وغياب الرعاية الصحية للمرضى والجرحى.
سوف يؤدي الأمر الصادر بالتحرك جنوبا لمليون إنسان من سكان مدينة غزة إلى «عواقب إنسانية مدمّرة» وفقا للمتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة. عندما تندلع صراعات تهدّد حياة الناس في أماكن أخرى من العالم يفرّ السكان المهددون إلى بلد مجاور. أما ما يخص أهل غزة فما من منفذ يخرجون منه، والجيش الإسرائيلي يقصف حتى مدارس الأمم المتحدة، حيث يجد البعض ملجأ. وفي مثل هذه الحالات في أماكن أخرى من العالم، تقدّم المنظمات غير الحكومية المساعدة للضحايا. أما في غزة، فلم يعد بإمكانهم القيام بذلك. أما الجرائم المرتكبة فلن نعرف عنها شيئا، فبقطعها إمكانية الاتصال بالإنترنت تحول إسرائيل دون نشر الصور والشهادات.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في التاسع من أكتوبر أن بلاده تحارب «حيوانات بشرية» وأنها «ستقضي على كل شيء في غزة». وفي شهر مارس، أكّد زميله في المالية أنه «لا وجود للفلسطينيين، لأنه لا يوجد شعب فلسطيني».
من الإبادة الجماعية الأولى التي حصلت في بداية القرن العشرين لشعب الهيريرو عام 1904، والتي نفذّها الجيش الألماني في جنوب القارة الأفريقية، وتسببت وفقا للتقديرات في وفاة مائة ألف شخص بسبب التجفاف وسوء التغذية، وصولا إلى الإبادة العرقية ليهود أوروبا ثم التوتسي، كان عدم الاعتراف بالصفة البشرية لأولئك الذين يُراد القضاء عليهم وتشبيههم بالحيوانات مقدمّةً لأسوأ أعمال العنف.
وكما تقول رئيسة منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان «بتسيلم» في إسرائيل: «إن غزة قد تُمحى من على الخريطة إذا لم يبادر المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، بإيقاف جرائم الحرب الناجمة عن شدّة الرد الإسرائيلي، بدلا من السماح بها أو تشجيعها». ليست هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها إسرائيل حربا في غزة، لكنها المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك مع وجود حكومة تميل بقوة نحو اليمين المتطرف الذي يُنكر على الفلسطينيين إنسانيتهم وحقهم في الوجود.
ثمة مبدأ صوّتت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 يُطلق عليه «مسؤولية الحماية»، وهذا المبدأ يُلزم الدول بالعمل على حماية السكان «ضد الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية». لقد تم تفعيل هذا الالتزام في عشرات الحالات، تتعلق تقريبا كلها بإفريقيا. إن عدم إشارة الاتحاد الأوروبي إلى هذا المبدأ الآن، وذهاب رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين دون تفويض إلى إسرائيل لتعيد فيها اجترار الخطاب الحربي للحكومة الإسرائيلية، يُظهر مدى ازدواجية المعايير التي تحكم العلاقات الدولية.
أما بالنسبة لفرنسا، فبينما تتزايد الحاجة إلى التحرك سريعا، لم تكتفِ الحكومة بتقديم دعمها الثابت للعملية العقابية الجارية فحسب، بل إنها قامت أيضا بحضر المظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني وللسلام العادل والدائم في فلسطين. لقد أكّد ماكرون أنه «لا شيء يمكن أن يبرر الإرهاب» وهو محقّ في ذلك. ولكن هل ينبغي لنا أن نُسوّغ جرائم الحرب والمذابح الجماعية التي ترتكبها إسرائيل انتقاما ضد السكان المدنيين؟ هل يتعلق الأمر بتذكير العالم مرة أخرى بأن الأنفس البشرية لا تحظى بالقيمة ذاتها وأن بعضها يمكن التخلص منه دون عواقب؟
ديدييه فاسان طبيب فرنسي وعالم اجتماع وأنثروبولوجيا
عن لوموند الفرنسية
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
القومي للمرأة يدق ناقوس الخطر: بعض من دراما رمضان يشوه صورة المرأة
أصدر المجلس القومي للمرأة التقرير السنوي للجنة الاعلام حول "رصد وتحليل صورة المرأة في الأعمال الإعلامية التي قُدمت خلال شهر رمضان 2025".
وأكدت الدكتورة سوزان القليني عضوة المجلس ومقررة اللجنة أن هذا التقرير يأتى في إطار اهتمام المجلس بمتابعة صورة المرأة في الإعلام، وتقديم توصيات تساهم في تحسين تمثيلها بما يعكس دورها الحقيقي في المجتمع ، وللخروج بمؤشرات حول صورة المرأة في هذه الأعمال ، مؤكدة على أن الرصد الإعلامي هو أداة أساسية لدعم اتخاذ القرار ورسم السياسات الفعالة، ومشددة على التزام اللجنة بتطوير آليات الرصد والمتابعة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة بكفاءة وشفافية.
وأضافت مقررة اللجنة أن ما تم رصده هذا العام يعكس نقلة نوعية في بعض الجوانب من حيث تقديم قضايا المرأة ولكنه يدق ناقوس الخطر في جوانب أخرى لا تزال تعتمد علي ترويج العنف والبلطجة والألفاظ البذيئة والترويج لسلوكيات منحرفة وتشويه صورة المرأة وقيم المجتمع ، مؤكدة أن الهدف أن تكون صورة المرأة في الإعلام صورة حقيقية تعبر عنها ،و باعتبار أن الإعلام شريك أساسي في تشكيل وعي المجتمع ، فإننا نسعى إلي خطاب إعلامي عادل ومنصف يعكس مكانة المرأة المصرية ودورها الحقيقي، موضحة أن نتائج إستطلاع رأي الجمهور في الأعمال المقدمة خلال شهر رمضان سوف يتم اعلانها خلال الأسبوع القادم.
وأوضحت الدكتورة سوزان القليني أن اللجنة بدأت بتصميم استمارات تحليل للمضمون من حيث فئتي الشكل والمضمون للأشكال الإعلامية المستخدمة خلال شهر رمضان سواء على مستوى المسلسلات او البرامج أو الإعلانات أو مواقع التواصل الاجتماعي ، وتمت مراجعة هذه الاستمارات من خبراء اللجنة التي تضم العديد من خبراء وأساتذة الإعلام ، وتم تشكيل فرق بحثية مكونة من 238 طالب وطالبة ، بالإضافة إلى مجموعة من الباحثين وأعضاء هيئة التدريس من مختلف الجامعات الخاصة والحكومية على مستوى محافظات الجمهورية في إطار التعاون التطوعي بين الجامعات والمجلس القومي للمرأة ، وتم تدريبهم على استمارة التحليل .
وقد تم الوقوف على ما تناولته الصحف حول المسلسلات وموقف النقاد والمجتمع المحيط من الأعمال الرمضانية المعروضة لهذا العام ومراعاة مؤشرات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فيما يخص صورة المرأة وتوافق الأعمال مع الكود الإعلامي الصادر عن لجنة الاعلام بالمجلس القومي للمرأة.
علاوة على حصر شامل للمسلسلات المقدمة في القنوات الفضائية المصرية والمنصات الرقمية والتي تم عرضها مع بداية شهر رمضان ، والبالغ عددها 39 مسلسل ، بالإضافة إلى رصد وتحليل صورة المرأة في الإعلانات المعروضة لموسم رمضان2025 وعددها 221 اعلان لسلع تجارية وخدمية وحملات خدمة عامة على كافة القنوات المصرية .
كما تم اختيار البرامج عبر القنوات التليفزيونية والإذاعية المسموعة التي تناولت المرأة شكلا أو مضمونا، الى جانب الوقوف على ما تناوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول المسلسلات والبرامج والاعلانات وموقف النقاد والمجتمع المحيط من الأعمال المعروضة لهذا العام، وتم عمل استطلاع رأي علي الجمهور المصري من خلال إستمارة استبيان الكترونية طبقت في محافظات مصر.
وأظهرت نتائج التقرير فيما يتعلق بالمسلسلات، وجود تباين واضح في تقديم صورة المرأة، حيث ظهرت المرأة بصورة إيجابية في عدد من الأعمال، فيما تصدرت الصورة السلبية أو المشوهة في أعمال أخرى ،ومن النتائج الإيجابية وجود بطولات نسائية مطلقة أو متساوية مع الرجال في 19 مسلسلًا، منها: "أم أربعة وأربعين"، "وتقابل حبيب" ، وتم تناول قضايا جديدة ومهمة مثل: "حق الكد والسعاية" في مسلسل "حسبة عمري"، الابتزاز الإلكتروني في "كامل العدد" و"وتقابل حبيب"، التحرش والعنف الأسري في "لام شمسية".
كما تم تقديم معالجة درامية مميزة لبعض القضايا المسكوت عنها، كالعنف النفسي والمعنوي الذي لا يُعاقب عليه قانونًا، والذي عُرض في مسلسل "وتقابل حبيب".
وأظهرت نتائج التقرير أيضًا ظهور صورة إيجابية لزوجة الأب في "كامل العدد 3" و"قلبي ومفتاحه"لأول مرة عرض .
ومن النتائج السلبية تزايد مشاهد العنف ضد المرأة إلى 633 مشهدًا، تشمل العنف المادي والمعنوي، والألفاظ البذيئة والاستخدام المفرط للإيحاءات الجنسية والمشاهد الخادشة، واستمرار تقديم المرأة في صورة الانتهازية أو المتسلطة أو ضعيفة الشخصية.
وفيما يخص صورة المرأة في البرامج الإذاعية والتلفزيونية فقد أشاد التقرير بدور الإذاعة المصرية التي احتفلت بالمرأة وقدمتها كنموذج إيجابي، بينما تم رصد تجاوزات في بعض البرامج التليفزيونية مثل "كريزي ومان" و"العرافة ورامز".
أما بالنسبة لصورة المرأة في الإعلانات الرمضانية فقد ظهرت المرأة في 202 إعلانًا من إجمالي 221 إعلانًا. وتمثلت أبرز النتائج في ظهور المرأة في أدوار متعددة منها الطبيبة والمعلمة ورائدة الأعمال، و استخدام رموز الهوية المصرية، مثل المرأة الفرعونية.
كما رصد التقرير ما شهدته الأعمال الرمضانية من تفاعل واسع وإشادة الجمهور بأعمال مثل "لام شمسية" و"حسبة عمري" وتقابل حبيب وقلبي ومفتاحه، بينما انتقدوا العنف والإثارة الزائدة في أعمال مثل "سيد الناس" و"العتاولة".
هذا وقد قدم التقرير توصيات عديدة من بينها ضرورة تعزيز التوازن في تقديم صورة المرأة، و تشجيع الإنتاج الواعي بقضايا المرأة، وتمثيل أوسع للمرأة الريفية والبدوية، والحد من استخدام العنف والإثارة الجنسية والألفاظ البذيئة.