صحيفة الأيام البحرينية:
2025-04-03@08:52:53 GMT

عندما تصبح البيئة مدى فني لا حدود له

تاريخ النشر: 21st, October 2023 GMT

عندما تصبح البيئة مدى فني لا حدود له

في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرون، بدأ الفنانون في بريطانيا والولايات المتحدة في التحرك خارج صالات العرض، كرد فعل ضد الوضع السلعي للفن، وهم بذلك أرادوا توسيع حدود ما كان يُعد فنا، لإعادة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والتي يشار إليها بـ«فن الأرض» أو الفن الترابي أو الفن البيئي أو فن المستحيل.


وفي بداية ظهوره احتج فن الأرض على «التسويق التجاري القاسي» للفن في كثير من الدول، أهمها الولايات المتحدة خلال هذه الفترة، عندما رفض دعاة فن الأرض المتحف أو المعرض باعتبارهما مكانًا ضيقًا للنشاط الفني، وطوروا مشاريع المناظر الطبيعية الضخمة، التي كانت بعيدة تمامًا عن متناول المنحوتات التقليدية القابلة للنقل وسوق الفن التجاري.
وترجع بداية ذلك الفن لما قبل التاريخ، عندما ابتكر البشر الفن باستخدام المواد الطبيعية في البيئات الطبيعية منذ آلاف السنين، كرسومات الكهوف والمنحوتات الحجرية والنقوش واللوحات التي توجد حاليا خارج المتاحف، وفي الآونة الأخيرة اكتشفت العديد من الرسومات الضخمة التي أذهلت العالم، وتلك الاكتشافات يتركز معظمها بدولتي «بيرو والولايات المتحدة» وسميت بخطوط (النازكا) وهي عبارة عن مجموعة نقوش تقع جنوب بيرو.
وتميزت هذه الرسومات بالغموض الشديد، ويعتقد أنها تعود لحضارة نازكا فيما بين عامي (400-650م)، وحتى الآن لم يتوصل الخبراء إلى معرفة سببا محددا لتلك النقوش، ولا طريقة صنعها بهذه الدقة الكبيرة والممتدة على مساحات كبيرة من الأراضي، والأكثر إثارة في تلك النقوش أيضا، هو أن خطوط النازكا تعبر بطلاقة كبيرة عن دقتها الفلكية، حيث يشير بعضها لمواقع النجوم بأوقات معينة وبدقة شديدة جدًا.
ويعرِّف الفنان الأمريكي ديفيد آل شيري فن الأرض، بأنه أشياء ذات أبعاد ضخمة من المستحيل جمعها أو عرضها في داخل صالات العرض أو المتاحف، وهو فن في شكله النهائي يمكن إدراكه، إذ إن الأعمال التي تم تصنيفها مثل فن الأرض، هو عبارة عن أرض مليئة بالملح وقاعات مليئة بالمخلفات وحقل محصود، وصناديق مليئة بالأحجار وقطع الجليد، وفن الأرض عامة هو فن قائم على النحت أو التشكيل في الطبيعة ذاتها، يتخذ العديد من الأشكال والدوائر الكبيرة والجدران الطويلة أو الأشكال الحلزونية، التي صفت في حالات كثيرة من الحجارة الطبيعية بوسط بيئي طبيعي لتبقي على صلة مباشرة بمحيطها، ويعد فن الأرض امتدادا لاتجاه فن (المينيمال) بالنحت، لكن النحت في تلك الحالة أصبح مباشرة في الطبيعة نفسها، عبر ملاحظة مظاهرها المختلفة.
وفي بدايته اتخذ الفنانون كافة الموارد الطبيعية، كأساس لهم لبناء الأعمال الفنية، مثل الأحجار أو التراب أو الطين أو الأوراق أو الخشب، حيث اتخذت معظم الأعمال الفنية شكل منحوتات وتراكيب، تم إنشاؤها في بيئة طبيعية خارجية محددة، بجانب سعى الفنانون والنحاتون للتأكيد على علاقة البشر بالعالم الطبيعي، وتحويل الأشكال الفنية بعيدا عن المواد المصنعة والتركيبية إلى المواد الطبيعية، وفي أغلب الأحيان تكون مواقع تلك الأعمال الفنية بعيدة عن المراكز السكانية، كما يدخل فن الأرض ضمن نطاق الفن «المفاهيمي»، باعتباره نشاطا كان للتوثيق فيها أهم الأدوار، وذلك عندما سجل الفنانون نشاطهم في صور فوتوغرافية كظاهرة لما يسمي فن أو عمل، حيث يستخدم الفنانون كافة وسائل التوثيق لتحويل الشيء المجسد ماديا، وهو العمل الفني لوسيلة استعلام عينية، أو الاستمرار للاعتدالية عبر النحت في الطبيعة نفسها.
ورغم اختلاف وتعدد أساليب الفنانين بأعمال فن الأرض، لكن معظم أعمالهم قد استمدت تقنياتها واعتمدت على الأحجار والتراب وأغصان الأشجار والثلوج، وأية مواد خام أولية متوفرة لهم مها بدت بسيطة، وبذلك تخطت تلك الأعمال الفنية قاعة العرض، لتشمل العالم كله، وتم استبدال إطار اللوحة بإطار آخر غيره تمثل في الوجود كله، ما أتاح للفنان المشاركة في العمل عبر قيامه بتجربة حقيقية ومباشرة مع العالم، لقيامه بنقش عمله الفني على سطح الأرض، ولأن جزءًا كبيرًا من تلك الأعمال ليست قابلة للنقل أو الاستعارة، كونها أعمال بصرية وشكلية للبيئة، فقد تعمد فنان الأرض القيام بتوثيق أعماله، ونقلها على شكل خرائط وصور فوتوغرافية وأشرطة فيديو وكتيبات.
ولعل أشهر الفنانين الذين عملوا في هذا النوع من الفن، الفنان الأمريكي روبرت سميثسون (1938-1973م) الذي قدمت مقالته عام 1968م بعنوان (ترسبات العقل: مشاريع الأرض) إطارًا نقديًا لذلك الفن، كرد فعل على فك ارتباط الحداثة بالقضايا الاجتماعية، وكان سميثسون مفتونا لحد كبير باستكشاف المناطق الصناعية وبمشاهد الشاحنات القلابة، التي تلقي بأطنان من التراب والصخور حول ولاية نيوجرسي، ووصفها بمقالته بأنها تُعد مكافأة لآثار العصور القديمة، ومن خلالها جمع الصخور والتراب، وأنتج سلسلة أعمال فنية على شكل منحوتات، وكانت أعماله المتعددة يتم دمجها مع قطع الزجاج، لتصبح رؤيتها أقرب لما يشاهد من أعمال في المعارض.
وفي عام 1968م بدأ والتر دي ماريا (1935-2013م) وهو فنان ونحات وملحن أمريكي في إنتاج وتركيب فن الأرض، وكان ماريا جزءًا من الحركة الأولية لفناني الأرض، وقام بالعديد من الأعمال الفنية بصحاري جنوب غرب الولايات المتحدة، وشدد ماريا على أهمية قدرة فن الأرض على إشراك المشاهد في التفكير بالأرض والطبيعة، والمناظر الطبيعية وعلاقة الفن بالكون.
ويعتبر عمله المسمى بـ(حقل البرق) عام 1977م أشهر أعماله، وهو عمل غير معتاد على فن الأرض، لأن هيكله يتكون من (400) عمود من مادة غير طبيعية «الفولاذ المقاوم للصدأ» حيث وضع الأعمدة في شبكة بجزء بعيد من الصحراء غرب نيو مكسيكو، وحقل الأرض كشبكة فولاذ يغطي مساحة مربعة تبلغ (1) ميل، وتعمل كموصل للكهرباء أثناء ضربات الصواعق، بجانب تغيير مظهرها وفقا للتغيرات في الطقس والوقت من اليوم.
ولأن الفن عامة عابر للحدود، فقد انتقل فن الأرض من أمريكا وأوروبا ليصل إلى اليابان، حيث يقوم المزارعون كل عام في إحدى البلدات الريفية وهي بلدة تسمي «إناكادات» وتقع داخل نطاق ولاية «أموري» بزراعة حقول الأرز (محصول البلاد الرئيسي) بطريقة فنية تظهر على شكل لوحات رائعة الجمال، وذلك باستخدام تقنيات زراعية تحفظ تربة الحقول ولا تؤثر على المحصول.
ومن جانبه، تحدث الفنان الأمريكي آلان سونفيست، ليؤكد استخدامه نهجا بديلا للعمل مع الطبيعة والثقافة، بإعادة الطبيعة التاريخية والفن المستدام لمدينة نيويورك، وكانت أكثر أعماله سونفيست إلهاما هي «الوقت المناظر للطبيعة» وهي غابة أصلية أنشأها بنيويورك، كما أنشأ عدة مناظر أخرى حول العالم في فلورنسا بإيطاليا، لتوثيق الاستخدام التاريخي للأرض.
كما سعي الفنان الأمريكي كريستوفر جافي (1927-2013م) إلى القيام بتسجيل نشاطه في صورة فوتوغرافية يعبر بها عن التداخل مع الطبيعة، ويؤكد جافي انتقاله بحدود اللوحة وإظهارها للوجود الذي يقدم له مدى فني لا حدود له، وكذلك نقل أعمال الفنانين من داخل أروقة الفن الضيق، إلى أحضان الطبيعة الأكثر رحابة، كمحاولة منهم للعودة إلى الطبيعة واختبارها من جديد وفهمها وتأملها.

المصدر: صحيفة الأيام البحرينية

كلمات دلالية: فيروس كورونا فيروس كورونا فيروس كورونا الأعمال الفنیة

إقرأ أيضاً:

جيش الاحتلال يعرض تحقيقه في أحداث “حفل الطبيعة”.. المستوطنون: همكم التغطية على فشلكم أمام حماس

#سواليف

بعد مرور قرابة عام ونصف على اندلاع الحرب، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم الأربعاء بعرض نتائج التحقيق في أحداث “حفل الطبيعة” أمام عائلات قتلى المستوطنين، وعائلات الأسرى، والأسرى الذين أفرجت عنهم المقاومة في إطار صفقات التبادل.

وقدّم نتائج التحقيق رئيس فريق التحقيق، العميد المتقاعد في جيش الاحتلال عيدو مزراحي، إلى جانب اللواء في جيش الاحتلال دان غولدفوس، حيث سيتم عرضها على عدة جولات اليوم وغدًا.

خلال عرض التحقيق، قال غولدفوس: “أخطأنا. لم ندرك حجم ما حدث.” فردت عليه “عنات”، وهي أم لأحد المستوطنين القتلى: “ابنتي دخلت إلى المخبأ كما طلبتم ولم تنقذوها! ما يهمكم فقط هو التستر حتى لا يعرف الناس مدى فشل الجيش”.

مقالات ذات صلة “حماس” تفنّد مزاعم إسرائيل بشأن مجزرة عيادة “الأونروا” في جباليا بقطاع غزة 2025/04/02

وأضاف “أوفير دور”، والد أحد المستوطنين القتلى: “أين كنتم؟ كانوا يطلقون النار، وأنتم كنتم نائمين! كل ما يهمكم هو التغطية على الفشل.” ووفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، خلال عرض التحقيق، وقعت مشادات كلامية وصراخ.

التحقيق يركز على عملية الموافقة على إقامة الحفل، وتسلسل الأحداث صباح يوم 7 أكتوبر، وسلوك جيش الاحتلال في موقع الحفل وفي موقف السيارات بمنطقة “رعيم”. ومع ذلك، لم يشمل التحقيق الأحداث خارج نطاق الحفل، مثل الكمائن التي نفذها المقاومون على الطرق المحيطة وداخل الملاجئ، حيث قُتل عشرات المستوطنين الذين فروا من الحفل. بحسب “يديعوت أحرونوت”، التحقيقات بشأن هذه الأحداث لم تكتمل بعد وسيتم تقديمها لاحقًا.

الجولة الأولى من عرض التحقيق بدأت صباح اليوم، واستمرت لمدة أربع ساعات، متضمنة وقتًا للأسئلة والنقاش. تم استدعاء 344 من عائلات المستوطنين القتلى، 16 عائلة لجنود جيش الاحتلال الذين قتلوا، 16 عائلة لقتلى الشرطة، عائلتين من قتلى جهاز “الشاباك”، إضافةً إلى عائلات الأسرى والمفرج عنهم من الأسر.

وقال إيلي سبيديا، والد المستوطن القتيل شلومي سبيديا: “حتى اليوم، لا أعرف ماذا حدث لابني، أين قُتل وأين تم العثور على جثته.” وأشار إلى أن ابنته كانت في الحفل ونجت، مضيفًا: “آمل أن أحصل على إجابات في هذا التحقيق”.

وخلال عرض التحقيق، قال إيلي: “العائلات غاضبة وتتساءل لماذا استغرق التحقيق عامًا ونصف، وأين كان الجيش والقوات الجوية في ذلك الصباح”.

وأضاف: “المحققون وعدوا بالاستماع إلى الأسئلة وتقديم إجابات على كل ما يمكن.” وأكد أنه كمتقاعد من جيش الاحتلال، يؤمن بالتحقيقات، لكنه شدد على أن الجيش يجب أن يتعلم الدروس.

وأشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أن الغضب تصاعد بين أهالي قتلى “حفل الطبيعة” خلال عرض التحقيق، وبعضهم فقد الأمل في الحصول على إجابات واضحة.

وقال أوفير دور، والد المستوطن “عيدان دور”، الذي قُتل في الحفل: “لم يأتوا بأسماء أو تفاصيل واضحة، فقط عرضوا علينا قصصا جميلة لا تفيدنا بشيء. نحن غاضبون بشدة. هذه هي المرة الأولى التي يكلف الجيش نفسه عناء الحديث معنا”.

وأضاف: “ابني قُتل بقذيفة (RPG)، وعندما تنظر إلى تحقيقات الجيش، يقولون “لقد فشلنا”. ولكن كيف يمكن ارتكاب خطأ بهذا الحجم؟ نحن نعلم أن الجيش والشاباك فشلوا فشلًا ذريعًا”.

وقال أحد المستوطنين لـ”يديعوت أحرونوت”: “نحن نريد أن نعرف من وافق على إقامة الحفل؟ كيف تمت الموافقة عليه؟ ومن قتل أبناءنا، نحن لا نريد أن يتم التلاعب بنا”. وأضاف: “كعائلة، من الصعب علينا المضي قدمًا. نحن منهارون، والناس هنا لم يتعافوا”.

وقالت “هداس غانيس”، شقيقة المستوطن “سافي”، الذي قُتل في أحد الملاجئ بعد أن هرب من موقع الحفل: “هذا حدث صعب ومؤلم، بدأ العرض بكثير من الفوضى والغضب المبرر من العائلات. نحن الآن بعد ساعتين من بداية الجلسة، ولم أشعر بعد بأنني حصلت على إجابات”.

وأضافت: “أخبرونا أننا سنحصل على جميع الإجابات في نهاية العرض. لكننا نطلب التوقف عند التفاصيل وعدم القفز من نقطة إلى أخرى بسرعة”. كما أشارت إلى أنه تم أخذ هواتف المستوطنين في بداية العرض، وأن إحدى المستوطنات ركضت إلى المنصة وهي تحمل صورة جثة ابنها وطالبت بعرضها في التحقيق.

مقالات مشابهة

  • المدير التنفيذي لمشروعات التنمية الزراعية المستدامة يتفقد العمل في سحارة الحكمة
  • جيش الاحتلال يعرض تحقيقه في أحداث “حفل الطبيعة”.. المستوطنون: همكم التغطية على فشلكم أمام حماس
  • التطبيع مع العجز: حين تصبح المجازر أرقاما وتموت الإنسانية على الشاشة
  • هل تصبح جبال الأرض مصدرا لوقود المستقبل؟
  • العيد في بغداد.. العوائل تجد متنفسها في أحضان الطبيعة (صور)
  • حين تصبح الخيانة مشروعا وطنيا!
  • علا الشافعي: اختيار الأعمال الفنية يتم بدقة داخل الشركة المتحدة.. فيديو
  • رحلة إلى آبشاران الفيلية.. حيث الطبيعة تحاكي الخيال
  • عن المشاكل البيئية التي تواجهها دير الأحمر.. هذا ما أعلنته وزيرة البيئة
  • الفنان رائد مشرف: لاتزال أعمالنا الفنية قادرة على لم شمل الأسرة حولها.. والمطلوب منها كثير!