“هلا مدريد” كوميديا سينمائية تسخر من ثقافة السائد
تاريخ النشر: 18th, October 2023 GMT
متابعة بتجــرد: فيلم “هالا مدريد فيسكا بارصا” من إخراج عبدالإله الجوهري، ويجمع بين ثلة رائعة من الممثلين الموهوبين، بما في ذلك عبدالحق بلمجاهد، لطيفة أحرار، السعدية ازكون، هدى صدقي، عبدالإله رشدي، عبداللطيف شكرا، عبداللطيف التحفي، فاطمة بوشين، محمد حميمصة، حسن بديدا، وعبير الكراوي
يروي الفيلم قصة رجل يدعى “بولحواجبب” الذي يتميز بنفوذه وسلطته في إحدى القرى، إذ يعد من مشجعي جماهير فريق ريال مدريد ويسعى بشدة لنشر حبه للنادي ولاعبيه بين سكان القرية ومنعهم من دعم أي نادٍ آخر،وخاصةً عدوه الذي يشجع فريق برشلونة، كما يستخدم “بولحواجب” وسائل متنوعة مثل الدين والسلطة والمال لتحقيق أهدافه الشخصية.
يبدأ التشويق في الفيلم من خلال المشهد الذي يبرز ظهور شخصية معادية تدعى “الأخضر” وهو أحد مناصري نادي برشلونة، والذي يعيش في إسبانيا ويعود إلى القرية بعد وفاة والدته ويتغير الوضع تمامًا إذ يتنافس كلا الرجلين بشكل حاد لاستقطاب أكبر عدد من المشجعين لصالح نواديهما المفضلة. ويكمن وراء هذا الصراع دوافع أخرى تتعلق بالأمور السياسية والدينية، مما يجعل القصة تنوه بقضايا متعددة ومعقدة تتعلق بالهويات الثقافية والتواصل بين المجتمعات المختلفة.
تبرز معظم لقطات الفيلم رمزية ساخرة وواضحة، إذ يمكن للمشاهدين فهمها بسهولة دون تعقيدات أو تشويش. كما يتجنب الفيلم استخدام التلاعب بالوقائع أو التساهل في تقديم رسالته النقدية حول المؤسسات السياسية والسلطة، مثل المشهد الذي يكشف فيه “المفوض الأمني” على أن اللحية المُزيَّنة على وجه شخصية “بو الحواجب” تمثل رأس مال في عالم السياسة، حيث يجب التعامل معها بحذر أو ستكون هناك عواقب خطيرة وفي بعض الأحيان تكون هذه العواقب قاتلة، مما يؤدي إلى سقوط ضحايا أثناء التصعيد بين أنصار برشلونة والريال .
تعالج الحبكة عموما قضايا سياسية مغربية ومشكلات اجتماعية بشكل فكاهي، وأحياناً بالحيلة والمكر لإخفاء الجرائم والفضائح التي تقع وراء الستار الرياضي كما تبرز صورة مبالغ فيها لعيوب النظام السياسي الكروي، مما يجعلها أكثر وضوحًا وتأثيرًا على الجمهور، إذ يكشف الفيلم عن جوانب مظلمة وجادة تحت سطح الكوميديا الظاهرة.
يبرز تنامي الأحداث بجلاء التشابه بين الواقع الرياضي في إسبانيا والواقع السياسي في المغرب، وهو الجانب الذي قد لا يكون واضحًا فورا للمشاهدين كما تعتمد اللقطات على تكبير تعبيرات الوجه وتحوير الأشكال لعرض العيوب بجلاء أمام المتلقي، مما يلفت الانتباه إلى جوانب معينة من الواقع السياسي والاجتماعي، ويعتمد المخرج على أسلوب مستفز للتعبير عن تأثير هذه الأحداث.
يلعب أداء الممثل عبدالحق بلمجاهد دورًا ازدواجيا وحاسما في تطوير شخصية “بولحواجب” حيث يسهم في رفع مستواها ويتيح للجماهير التركيز عليها ومتابعة تطورها.
أما أداء الممثلة لطيفة أحرار الملقبة بـ”الملثمة” نظرًا لارتدائها للخمار، فتستحق أيضًا تقديرًا خاصًا لأدائها الاستفزازي والمرح، إذ إنها نجحت في تقديم هذه الشخصية المعقدة بشكل مغو.
ومن جهة أخرى، يتألق الممثل عبدالإله رشيد في دوره “الشاب الجذاب” بالإضافة إلى تفسيره الذكي لفكرة الانتقام عبر القانون، وقد نجح في تجسيد شخصية كاريزمية تلفت الانتباه.
يُعتبر هذا العمل واحدًا من الأفلام الطويلة لعبدالاله الجواهري في مسيرته الفنية، وذلك بفضل تقنياته المبتكرة والعناية التي يوليها لتفاصيل الإخراج. وإحدى هذه السمات المميزة هي تصوير نواحي مدينة مراكش بشكل أصيل، إذ يجعل الانسجام قائماً بين كادراج الكاميرا في مزج المدينة مع الأحداث في كل مشهد.
كما يقوم المخرج بوضع زوايا التصوير واستخدام الإضاءة في تناغم أيضا لوصف المشاعر والعواطف التي تعبر عنها الشخصيات.
وإحدى السمات المميزة للمخرج هي تركيزه على الشخصيات مع استعمال لقطات مقربة لكشف ملامح استفزازية أو كوميدية بطريقة مؤثرة وفعالة كما يبرز تقنية الكاميرا المتحركة في تتبع “الملثمة ” في أزقة المدينة مع انسجام الإضاءة الخافتة لتعزيز الأجواء المرتبكة داخل الأحداث.
يقدم الفيلم نمطًا سينمائيًا جديدًا إذ ينتقد ويسخر من القضايا الاجتماعية، وهذا الأسلوب يجذب انتباه الجمهور ويثير النقاش حول المواضيع التي يتناولها بطريقة مختلفة وجريئة مما يتسبب في تحدي الأفكار الشعبوية والتفكير في العلاقة بين الرياضة والسياسة في المجتمع المغربي.
قد يواجه الفيلم بعض التحديات في جذب اهتمام الجمهور نظرًا للتمثيل المبالغ فيه والنقد السياسي الجريء الذي يقدمه، ولكن تبقى المادة الخام موضوع حديث وواقعية لدرجة ترى نفسك فيها، بسبب المعالجة المفتوحة التفاؤلية لهذه الموضوعات، مع تحليلها بأساليب غير تقليدية وتقديم وجهات نظر متعددة من خلال مجموعة متنوعة من زوايا الرؤية.
المصدر: بتجرد
إقرأ أيضاً:
مقابلتي مع “حمار”:-حديث الحكمة، البلاء، والحب!
من : د. سمير عبيد ..
حين جلست إلى الحمار. .. فجلست الحقيقة أمامي !.
١-كان يوماً عادياً حين قررت أن أهرب من ضجيج المدينة . لا أريد صراخ الساسة، ولا مواعظ المتكلفين، ولا خطب رجال الدين المنافقين، ولا مقالات المحللين، ولا زيف من يدّعون الحكمة، ولا دجل المتاجرين بالوطن والدين . كنت أبحث عن شيء صادق… ولو للحظة واحدة !
٢-وصلتُ إلى حقلٍ هادئ، وجدتُ فيه حمارًا مربوطًا إلى شجرة. اقتربتُ منه، لا أعلم لماذا… شيءٌ ما في عينيه جذبني، كأن فيهما دعوة صامتة للحوار.فجلستُ على حجرٍ قريب منه، *وقلتُ:
“يا صديقي… يضحكون عليك، ويقولون إنك غبي. هل أنت كذلك فعلاً؟”
نظر إليّ طويلاً… ثم حرّك رأسه بهدوء، كأنما يبتسم، وقال:
“لم أطلب يومًا من أحد أن أكون ذكياً… لكني لم أكذب قط ، ولم أخن قط ، ولم أؤذِ أحدًا. فهل الغباء أن أكون كما أنا؟ أم أن أعيش بوجهين وأتظاهر بما لستُ عليه؟”
*قلت له:
“لكنهم يرونك بلا قيمة، مجرد وسيلة لحمل الأثقال!”
فأجابني بنبرة الصمت الحكيم:
“أنا لا أتكلم كثيرًا، لكني أحمل كثيرًا… هم يتكلمون كثيرًا، ولا يحملون شيئًا.”
*قلت له:
“ألا تتعب؟ من كل هذا؟ من الصمت؟ من البلاء، من الأثقال ؟”
هزّ رأسه وقال:
“التعب جزء من الحياة، لكنه لا يكسرني… البلاء لا يقتل من يقبله، بل من يقاومه بالكذب. أنا أُبتلى بالصمت، وبثقل الظهر، لكن لم أُبتلَ بالخيانة، ولا بالغدر، ولا بالجشع… وهذا عزائي.”
*سألته:
“وما رأيك في الحياة؟”
قال:
“الحياة ليست سهلة، لكن صعوبتها لا تُبرّر للإنسان أن يتحول إلى ذئب. ولا تصفق لمن يغتال عقلك ومستقبلك وطموحك . أنا حمار… لكني لم أفترس، ولم أخدع، ولم أتنافس على منصب، ولم أحمل حقداً على أحد.”
٣-فكرتُ في كلامه… وتذكرت وجوهًا كثيرة:
رجل دين يتحدث عن التواضع، لكنه لا يسمح لأحد أن ينتقده.
سياسي يصرخ باسم الشعب، وهو ينهش في ثرواتهم.
شابٌ يضحك على الحمار، لكنه لا يعرف من هو، ولا إلى أين يمضي وليس لديه دراية بصنع مستقبلة .
٤-*سألته:
“وهل عرفتَ الحب؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
“أحببتُ كثيراً… أحببتُ الأرض التي أمشي عليها، وأحببتُ الناس الذين سامحوني حين قسوا عليّ، وأحببتُ البسطاء الذين أعطوني ماء دون أن يسألوا عن نسبي. الحب… ليس كما تتحدثون عنه في أغانيكم وأشعاركم ، الحب أن تبقى وفياً حتى حين تُنسى، أن تكون لطيفًا حتى حين يُساء فهمك.”
٥-*قلت له:
“هل تشتاق أن تكون شيئًا آخر؟”
قال:
“لو خُيّرت… لبقيت كما أنا. لا أعجبني عيون البشر التي ترى الشكل وتنسى الجوهر، ولا أعجبني صراعاتهم التي تبدأ من كلمة وتنتهي بسفك دم. أنا حمار… لا أغير وجهي، ولا لساني، ولا موقفي. ومن يعرفني… يعرفني تمامًا.”
سكتُّ… ولم أجد ما أضيفه.
٥- ثم التفت إليّ وقال:
“تذكّر… لا تسألني لماذا أُخلق حماراً، بل اسأل نفسك: لماذا لم تعد إنساناً؟”
قمتُ من مكاني، وهممتُ بالرحيل، فقال لي:
“أنت تبحث عن الحقيقة… وقد تجدها أحياناً حيث لا تتوقع. في حجرٍ، في فقير، أو حتى… في حمار.”
٦-نظرتُ إليه طويلاً، ثم انحنيتُ باحترام، ومضيتُ.
وفي داخلي، شعرتُ أنني لم أُقابل حمارًا… بل ضميرًا حيًّا، نقيًا، علّمني أكثر مما تعلمتُ في كل فصول الحياة.
هنيئاً للحمار لم يُحاسَب ولم يُخرى مثلما نحن البشر يوم نقف أمام محكمة خالقنا الكريم .. ويا للخزي والفضائح حينها !
منقول سمير عبيد