جريدة الوطن:
2025-04-03@17:42:09 GMT

كلفة الحرب

تاريخ النشر: 18th, October 2023 GMT

من الصعب تقدير كلفة حرب وهي لا تزال دائرة، وبالطبع لا يُمكِن على الإطلاق تقييم الأرواح التي تزهق ولا تبعات الإصابات. حتَّى التدمير المادِّي للمنشآت وغيرها في ظلِّ الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق على قِطاع غزَّة لا يُمكِن حساب كلفته. فقَدْ سُوِّيت أحياء بكاملها بالأرض، ناهيك عن الأضرار الإنسانيَّة والصحيَّة الناجمة عن الحصار الكامل لأكثر من مليونَي إنسان في مساحة ضيِّقة مِثل قِطاع غزَّة.

فتلك كلفة لا تُقدَّر ويمتدُّ أثَرها لسنوات قادمة. كذلك الخسائر البَشَريَّة والمادِّيَّة على الجانب الإسرائيلي يصعب حساب كلفتها أيضًا. حتَّى التعبئة العامَّة الجزئيَّة التي أعلنتها تكلف ميزانيَّتها الكثير، فضلًا عن تضرُّر الاقتصاد نتيجة استدعاء الاحتياط وأغلبهم يعملون بالفعل. مع ذلك، لا تتوقف الأسواق وشركات الاستشارات والبنوك الاستثماريَّة عن تقدير الكلفة المباشرة، المتعلِّقة بالأسواق الماليَّة وبالاقتصاد بشكلٍ عامٍّ.
كان التأثير المباشر هو سرعة ضخِّ البنك المركزي الإسرائيلي عشرات مليارات الدولارات في السُّوق لدعم العملة الرسميَّة التي هوَتْ بشدَّة مقابل الدولار. وفي اليوم التالي لهجوم الفلسطينيِّين طرح البنك ما يصل إلى خمسين مليار دولار من الاحتياطيَّات الأجنبيَّة لدَيْه لوقفِ تدهوُر العملة. إلَّا أنَّ العملة واصلت الهبوط ما أدَّى إلى مزيدٍ من التدخل ببضعة مليارات أخرى. ذلك التأثير الأوَّلي المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، لكنَّ الكلفة النهائيَّة ربَّما تكُونُ أضعاف ذلك حين تُحصى كلفة التعبئة العامَّة وتراجع النشاط في قِطاعات متعدِّدة من الاقتصاد من السِّياحة إلى الطيران وغيره. ولأنَّه لا يوجد اقتصاد دَولة للفلسطينيِّين، فيصعب على الاقتصاديِّين ومُحلِّلي السُّوق تقدير أيِّ خسائر مباشرة مِثل تلك التي تعرَّضت لها «إسرائيل». لَمْ تقتصر الخسائر المباشرة، التي يُمكِن حسابها على الفَوْر من الأسواق، على «إسرائيل» والفلسطينيِّين بل تردَّد صداها في دوَل الجوار وحتَّى الاقتصاد العالَمي كُلِّه.
كان أهمّ ردِّ فعل هو ما شهدته أسواق السندات في دوَل مِثل مصر والأردن، وتعطُّل عمليَّة إعادة جدولة ديون لبنان التي تخلَّف عن سدادها قَبل نَحْوِ ثلاث سنوات. ومع ما تعانيه مصر والأردن من مُشْكلة ديون كبيرة، ارتفع العائد على سندات الدَّيْن السِّيادي للبَلدَيْنِ بشدَّة مع بداية الحرب، وزاد التدهوُر مع قرب نهاية الأسبوع مع الهجوم الضَّاري لـ»إسرائيل» على غزَّة ومخاوف الأسواق من احتمال اتساع رقعة الحرب في المنطقة لتنسكبَ على دوَل الجوار. وشهدت أسواق السندات عمليَّات بيع كبيرة لسندات الدَّيْن السِّيادي الدولاريَّة للبَلدَيْنِ، ما أدَّى إلى هبوط سعرها بشدَّة وارتفاع نسبة العائد عَلَيْها. ووصل سعر سندات الدَّيْن السِّيادي المستحقَّة بعد نهاية العقد الحالي إلى ما يقرب من نصف قِيمتها. بَيْنَما اقتربت نسبة العائد على بعضها من حاجز عشرة في المئة، وهو ما يضاعف من أزمة خدمة الدَّيْن لكلا البَلدَيْنِ. كما أنَّه يُصعِّب مُهمَّة مصر في إعادة تمويل ديون بالمليارات لإطالة أمَدِ استحقاقها.
هذا الضَّرر الذي لحقَ بالسندات المصريَّة والأردنيَّة واضطراب سُوق السندات في دوَل الجوار، قابلَه تحسُّن في سُوق سندات الخزانة الأميركيَّة الذي شهد تدهورًا شديدًا في الأسابيع السابقة. فمع مطلع أسبوع التداول الماضي، أقْبَلَ المستثمرون على شراء سندات الخزانة الأميركيَّة كملاذٍ آمنٍ بعدما كانت عمليَّات البيع الهائلة شِبه يوميَّة. وأدَّت عودة الإقبال على الشراء إلى ارتفاع أسعار سندات الخزانة الأميركيَّة والتراجع الطفيف في نسبة العائد عَلَيْها. لكنَّ الاضطراب في الاقتصاد العالَمي لَمْ يكُنْ فقط في سُوق السندات، بل إنَّ ارتفاع أسعار النفط وتجاوزها تسعين دولارًا للبرميل أعاد المخاوف من احتمال ارتفاع معدَّلات التضخُّم مجددًا. وحسب تقديرات الأسواق تقليديًّا فإنَّ ارتفاع أسعار النفط بنسبة عشرة في المئة يُمكِن أن يزيلَ نصف نقطة مئويَّة من نسبة نُموِّ الناتج المحلِّي الإجمالي العالَمي. يتضافر ذلك مع مؤشِّرات أخرى على أنَّ الاقتصاد العالَمي يُمكِن أن يتباطأَ أكثر، ومن بَيْنِ تلك المؤشِّرات استمرار مُشْكلة الدَّيْن العالَمي، خصوصًا مع رفع أسعار الفائدة من قِبَلِ البنوك المركزيَّة بغرض وقف ارتفاع معدَّلات التضخُّم.
حتَّى الآن، يبدو احتمال اتساع رقعة الحرب في المنطقة متواضعًا، لكنَّ الأزمات الكبرى تبدأ بشرارة صغيرة أحيانًا. ولأنَّ الشرر موجود، ليس أقلّه ما يخطف أرواح الفلسطينيِّين في غزَّة، فإنَّ كُلَّ شيء وارد. وإذا احتدَّ الصراع أو اتَّسعت رقعته فإنَّ أسعار النفط مرشَّحة للزيادة أكثر، وبالتَّالي انخفاض توقُّعات نُموِّ الاقتصاد العالَمي. تعتمد كلفة تأثير الحرب بالنسبة للأسواق والاقتصاد العالَمي على زمن ونطاق العمليَّات الحاليَّة. صحيح أنَّ عدد دوَل الخليج وغيرها التي طبَّعت العلاقات مع «إسرائيل» ازداد، لكنَّ الواقع الفعلي يظهر أنَّ العلاقات الاقتصاديَّة تتأثر أيضًا بالتوتُّرات الجيوسياسيَّة. وتبدو الآن مشروعات طموحة للتطوير والتنمية بالتعاون مع «إسرائيل»، على الأقلِّ مؤجلة إنْ لَمْ يكُنْ بعضها يتراجع بالفعل. ليس القصد هنا مشروعات التعاون الثنائي بَيْنَ «إسرائيل» والدوَل التي لدَيْها علاقات معها، وإنَّما حتَّى مشروعات إقليميَّة ودوليَّة طموحة دعمتها الولايات المُتَّحدة مِثل الممرِّ الاقتصادي الجديد.
وربَّما تستفيد من ذلك مشروعات أخرى منافسة مِثل مبادرة الحزام والطريق، كما استفادت سُوق السندات الأميركيَّة من الحرب بَيْنَما تضرَّرت المصريَّة والأردنيَّة. ومرَّة أخرى، كُلُّ تلك المليارات، ولا حتَّى التريليونات، لا تُساوي روحًا واحدة تُزهق بالطبع.

د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري
mustafahmed@hotmail.com

المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم

تحدث قائد فريق الهلال السوداني, ومهاجمه الأول محمد عبد الرحمن, عن تفاصيل الساعات الأولى للحرب التي دارت في الخرطوم, بين الجيش ومليشيا الدعم السريع.

وتسببت الحرب التي اندلعت شرارتها في العاصمة الخرطوم منتصف أبريل من العام 2023, في موت الآلاف ونزوح الملايين من منازلهم.

وبحسب ما شاهد محرر موقع النيلين, فقد كشف “الغربال”, في لقاء مصور مع الصحفي محمد الطيب, عن معاناتهم في الساعات والأيام الأولى من الحرب.

وأكد أنهم وقت اندلاع الحرب كانوا داخل معسكر الفريق بفندق النادي بمدينة أم درمان, حيث سمعوا صوت دوي الانفجارات والرصاص.

وذكر بحسب ما نقل عنه محرر موقع النيلين, أنه وباعتباره قائد الفريق ظل متواجد بالمعسكر للوقوف مع المحترفين الأجانب الذين أحسوا برعب كبير.

محمد عثمان _ الخرطوم

النيلين

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • ترامب يعلن الحرب التجارية ويدخل الاقتصاد العالمي في المجهول
  • رجي: لممارسة أقسى الضغوط على إسرائيل للانسحاب من كل الأراضي اللبنانية التي تحتلها
  • رسوم ترامب المتبادلة ترفع احتمالات ركود الاقتصاد الأميركي
  • خبير اقتصادي: الطلب المرتفع على الدولار يهدد الاحتياطيات ويُضعف الدينار
  • منظمة التعاون: اقتصاد إسرائيل لا يزال ضعيفا
  • الرئيس الأمريكي يعلن الحرب على "الاقتصاد العالمي"
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • وفاة الحاجة زبيدة عبد العال أيقونة محو الأمية في مصر
  • مقرر أممي يدعو لمعاقبة إسرائيل على حملة التجويع التي تمارسها ضد المدنيين بغزة