د. الحسبان يكتب عن انتصاراتنا التي تتالت وأريد لابصارنا أن لا تراها
تاريخ النشر: 16th, October 2023 GMT
كتب د. عبدالحكيم الحسبان –
في تناول الحدث الذي رأينا اولى تفاصيله في اليوم الذي تلى يوم السادس من اكتوبر المجيد، ولم تكن من باب الصدفة أو الحماسة المفرطة أن اختيرت له تسمية “طوفان الاقصى”، أجدني وأمام عظمة ما جرى ويجري استحضر المقولة التي صاغها أرسطو والذي يعدّ واحدا من اعظم فلاسفة الكون حين قال “من الحروب تولد كل الأشياء”.
ثمة قناعة تتملكني تقول بأن الحدث الغزي وحده ومن بين كل “فصول الربيع” التي تناسلت كثيرا في منطقتنا العربية في العقدين الاخيرين، يشكل الربيع الحقيقي. ووحده ربيع غزة فلسطين الذي يمثل حالة وطنية ناصعة، إن كان على مستوى الاطراف المنخرطة فيه، إو على مستوى الوسائل المستخدمة فيه، كما على مستوى العدو التاريخي الذي يستهدفه. ففي كل فصول الربيع التي تتالت على منطقتنا العربية، لم يكن الحراك وطنيا خالصا، وواعيا بالعدو المستهدف كما هو عليه حراك الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الآن. فبعد عقدين من مشاهد حزينة لمخاض ربيع عربي متخيل، جاء الفلسطيني الغزي ليقول أن هذا هو الربيع الحقيقي.
ولاننا ما زلنا نعيش في خضم الحدث الطوفان، وحيث فصول الطوفان ما زالت تتوالي، فإن الكتابة عن الحدث هي مسألة تقترب كثيرا من حدود العبث الفكري، إذ ما زال من المبكر جدا الحديث التداعيات، والتحولات، والمآلات، والمخاضات التي ستعيشها المنطقة، والعالم نتيجة لما جرى بدءا من السابع من هذا الشهر المجيد. والحال، فأنه وعندما يكون الحدث بحجم ما جرى في السابع من هذا الشهر، فانني استذكر الحادثة الشهيرة التي حصلت حينما سأل أحد الصحافيين الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في اربعينيات القرن الماضي عن رأيه في الثورة الفرنسية وتقييمه لها، بعد ما يقرب من القرنين من حصول هذه الثورة، فكان جوابه إنه ما زال من المبكر تقييم الاهمية التاريخية لهذه الثورة.
مقالات ذات صلة أكثر من 10 آلاف وحدة سكنية هدمت في غزة 2023/10/16وعليه، فإن أكثر ما استفزني ودفعني منذ ما يقرب من اليومين للكتابة، ليس هو الحدث الطوفان من حيث القيمة، ودلالات التوقيت، والاهمية، والتداعيات، كما المخاضات، والمآلات. بل إن ما استفزني للكتابة كان هو الكيفية التي نقرأ سياسيين، واعلاميين، وأناس عاديين، ونخبا الحدث البطولي في غزة وحيث كان يمكن لي وبسهولة ملاحظة العيون التي لطالما رأينا بها ومن خلالها الاحداث في المنطقة، وحيث المنطقة العربية تعيش صيرورة تاريخية بالرغم كل مظاهر الجمود والركود التي قد تبدو للعين. فالحديث هنا في هذه المقالة ليس عن الحدث الغزي نفسه بقدر ما هو عن عيوننا وعقولنا التي تشاهد ما يجري، كما سبق لها أن شاهدت أو حاولت ما سبق وجرى في المنطقة، ولتعكس عيوننا ما تشاهده في كتابات ومقالات وتحليلات وممارسات خطابية.
إن أول ما يمكن أن تسجيله في الحديث الذي يدور على مستوى المنطقة، كما في الاردن، هو هذا الاجماع الواسع على توصيف ما جرى في غزة على انه نصر كبير وتاريخي على خلاف أحداث كثيرة جرت في المنطقة. ففي معظم الاحداث التي جرت في المنطقة إن لم يكن جلها، فإن الانقسام في التشخيص كان هو السائد؛ فكثير من المعارك والحروب الكبيرة والصغيرة اختلفنا حولها، وفيما إذا كانت نصرا، أو هزيمة، أو نكسة، أو نكبة بل إن كثيرا من الاحداث مرت على المنطقة دون حتى أن تلحظها عيون معظمنا في الاردن.
أجزم أن طوفان الاقصى الغزي، لم يكن حدثا تشكلت بداياته في غزة أو فلسطين، بل إن ما جرى في غزة كان جزءا من مسار متواصل، وتراكمي عاشته المنطقة منذ عقود. وأجزم أيضا أن النصر المؤزر في غزة على يد أبطال المقاومة في حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية وغيرها، لم يكن إلا حلقة من ضمن حلقة متواصلة من الضربات التي تلقاها الاسرائيلي والامريكي بل والغرب على مدى عقود في هذه المنطقة. وأجزم أيضا أن كثيرا من هذه الاحداث والانتصارات التي جرت لم نراها، أو لم نرد أن نراها، أو لم يرد لنا أن نراها. فثمة ماكنة اعلامية عملاقة عملت كثيرا على ألا نراها، وثمة عين وعقل طائفيان أو فئؤيان تمكنا منا كثيرا، فمنعتانا من رؤية كثير من الاحداث وبعضها كانت انتصارات كبيرة بل وتاريخية.
فقبل طوفان الاقصى، كان هناك نصر اكتوبر المجيد في العام 1973، وبعده كان هناك تحرير نصف لبنان من احتلال الكيان في العام 2000 الذي استمر منذ العام 1982 ، وبعد الانتصار في تحرير لبنان، حدث انتصار تحرير غزة. وفي العام 2006 حدث الانتصار الذي أرى أوجه شبه كبيرة بينه وبين طوفان غزة؛ فحدث الانتصار في تموز حين شن الصهيوني عدوانا على مدى 33 يوما ولكنه لم ينجح في احتلال متر واحد من اراضي لبنان، ما شكل انقلابا في حركة التاريخ في المنطقة وحيث لم يحتج الكيان لاكثر من ستة أيام في العام 1967 كي يكسر جيوش اربعة دول عربية، وليحتل ما يقرب من ثلاثة اضعاف مساحة كيانه قبل الحرب. ولعل واحدا من اكبر الانتصارات التي تحققت في المنطقة كانت الهزيمة الامريكية في العراق، وحيث جاء الامريكي ومعه اكثر من 300 الف من جنوده غازيا العراق، ومعلنا وبالفم الملآن عن مشروع أعادة تشكيل الشرق الاوسط الكبير بدءا من العراق كي يشمل الخليج ومصر وبلاد الشام.
وفي كل المخاضات والاحداث التي عاشتها المنطقة كانت عيوننا كما عقولنا عاجزة في كثير من الاحيان عن الرؤية والتشخيص والتوصيف. فبعض الاحداث والانتصارات لم نلحظها، لان ماكنة من السياسة والاعلام المهيمن لم تكن تريد لنا سوى أن نرى الهزائم، والبعض الاخر من الاحداث والانتصارات لم نلحظها بل ولم نرد أن نلحظها لان عينا وقلبا وعقلا طائفيا وفئويا تمكن منا، فجعلنا عاجزين عن رؤية انتصاراتنا وعن رؤية هزائم عدونا. وفي أحيان أخرى سيطر خليط قاتل من الطائفية والسياسيات الفئوية والسياسات الاعلامية الكونية والمحلية كانت مهمتها أن نرى فقط هزيمة العام 1967، وأن يتوقف كل تاريخنا عند هذه الهزيمة وحيث كانت هناك ماكنة عملاقة من الفكر والاعلام والصحافة والسينما كانت مهمتا أن تمجد هزيمة العام 1967، ولتجعل منها ما يشبه نهاية التاريخ بالنسبة للمنطقة العربية.
وأما ما سهل عمل هذه الماكنة العملاقة في تكريس ثقافة تمجيد الهزيمة والاحتفاء بها، من اجل تدفعينا أثمان فواتيرها من ارضنا ودمنا ولقمة عيشنا، فقد كان هناك عقل ما زال متوقفا في انتمائه عند كيانات ما قبل الدولة من عشيرة، وطائفة، وفئة، ولم يرد له أن يتطور فيصبح عقل دولة. فالعقل الطائفي والفئوي هو الذي منعنا أن نرى نصر اكتوبر لنحتفي به ونمجده، ولنمحو به ما جرى من هزيمة في العام 1967، كما أن العقل الطائفي نفسه هو الذي منعنا أن نحتفي بجول جمال المسيحي السوري الحلبي الذي استشهد مدافعا عن أرض مصر العربية في وجه البوارج العسكرية الفرنسية أي في وجه من يفترض بانه شقيق في الدين، ولكن جول جمال انتمى لعروبته وبلاده وتراث بلاده فقضى شهيدا حين فجر البارجة العسكرية الفرنسية إبان العدوان الثلاثي على مصر.
وكانت طائفيتنا هي التي منعتنا في رؤية الهزيمة الاستراتيجية الكبرى التي حاقت بالامريكي حين غزا العراق. ففي حين ملأت صور الانتصار الامريكي في غزو العراق ودخول بغداد في العام 2003 عقولنا وأبصارنا، بل إن الصحافيين الامريكيين سجلوا سابقة في العمل الاعلامي حين رافقوا الجندي الامريكي الغازي على ظهر دبابته وهو يحتل أرض العراق، فاننا لم نشاهد صورة واحدة للامريكي وهو يهرب من العراق في العام 2011 بعد أن أنهكته وانتصرت عليه المقاومة العراقية. فقد أريد لنا أن نرى النصر الامريكي، ولكن لم يرد لنا أن نرى الهزيمة التي حاقت بالامريكي بل أجزم أنه وفي مخيلة الكثيرين منا فإن الغزو الامريكي يشبه حدثا حصل واقعا ولكنه يكاد لا يعيش في ذاكرتنا.
في النصر الذي تحقق في اكتوبر من العام 1973 هناك من اراد لنا أن لا نرى في مشهد النصر على انه مشهد يتجاوز الطائفة والقطرية والعصبيات الضيقة، وحيث كان نصر اكتوبر نتيجة جهد عربي شارك فيه المغربي والجزائري والليبي والخليجي والاردني والعراق جنبا إلى جنب مع المصري والسوري. وفي الانتصار الذي تحقق في لبنان بتحريره من جيش الاحتلال الصهيوني، وحيث كانت المقاومة وطنية وعابرة للطائفة والمنطقة، هناك من أراد أن يلوث الانتصار أو يجعلنا على الاقل لا نلحظه من خلال تطييفه ونسبته لطائفة بعينها، وكان النصر هو انتصار لطائفة وليس انتصار لوطن لبناني بكامل مكوناته.
وفي النصر الذي تحقق للعراق وأدى لهزيمة استراتيجية للولايات المتحدة في العراق والمنطقة، كانت المقاومة العراقية عابرة للطائفة والمنطقة والدين، فالسني كما الشيعي كما المسيحي سال دمه من أجل تحرير العراق والمنطقة من الاحتلال الامريكي. فانتصرت المقاومة في العراق لانها لم تكن طائفية بل كانت وطنية، وكانت حالة وفعلا وطنيا لا طائفيا. ومرة اخرى، عجز عقلنا الطائفي أن يلحظ النصر لانه طيف- بتشديد الياء- المقاومة العراقية التي لم تكن مطلقا طائفية او جهوية.
ولعل التجلي الاكبر لعجز عيننا عن رؤية انتصاراتنا وعن ملاحظة هزائم عدونا، هو عدم ملاحظة عيننا لخريطة الكيان الصهيوني يوم كانت مساحة الارض التي يحتلها تقترب من ثلاثة اضعاف مساحة الارض التي يحتلها الان. فمساحة الكيان حين كان منتصرا شملت ذات يوم كامل أرض سيناء، كما شملت نصف مساحة لبنان، اضافة لغزة وجزء من الجولان وجزء من الارض الاردنية. من يتطلع بعينين متحررتين من فكر الهزيمة سيرى أن مساحة الكيان كانت تتقلص على الدوام نتيجة الهزائم التي لحقت بالكيان وتتالت على جيشه.
في قراءة المشهد الغزي، يصر بعض من تجليات عقلنا الطائفي ان يري مشهد الانتصار بحجم حدود غزة وجغرافيتها الضيقة، وهو يرفض ان يفتح عينيه الطائفيتين ليرى ان لوحة الانتصار العظيم في غزة صنعت بجهود قوى وطنية شريفة تتجاوز كثيرا حدود غزة وتوزعت على كامل مساحات الإقليم، بل إن اهل الانتصار وصناعه في غزة ممن دفعوا بالدم واللحم الحي ثمن الانتصار كما ثمن الاعداد له، يصرون في كل حديث وتصريح لهم على الهوية غير الطائفية لهذا الانتصار وحيث يصر قادة الانتصار العظيم من قيادات حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية على ان الاعداد لهذا الانتصار كان على مستوى الإقليم بسنته، وشيعته، ومسيحييه جميعا. فغزة كما فلسطين انتصرت لأن غزة وفلسطين صنعت وبنت مقاومة غير طائفية وحيث قيادات حماس والجهاد يعملون على كل تفصيل جنبا إلى جنب مع شركاء لهم في لبنان وسوريا والعراق ويكفي أن نعود للبيان الذي ألقاه محمد الضيف بطل المقاومة الفلسيطينية في غزة لنرى أن العقل الفلسطيني الذي انتصر، انتصر لانه لم يكن عقلا طائفيا.
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: فی المنطقة على مستوى کثیرا من فی العام لم تکن ما جرى لنا أن أن نرى جرى فی فی غزة لم یکن
إقرأ أيضاً:
تامر أفندي يكتب: أنا اليتيم أكتب
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أمات أبوك؟
ضلال أن لا يموت أبي..
ففى البيت منه روائح ربٍ.. وذكرى نبي..
أكتب الآن كيتيم لم يبك منذ ١٥ عامًا، ولا يعرف ما الذى دفعه للبكاء اليوم، أهى الدعوة المفاجئة للكتابة عن يوم اليتيم!.. ربما.. وربما موت أصدقاء وتركهم يتامى استدعى شجون لحظة الفراق.. آه من الفراق.
عن أبى أولًا أحكى لكم.. كنا نتهاتف إذ أنه قبل سنوات كنت أبحث عن عمل وبالكاد وجدت فرصة، فأحببت أن أرفع عن كاهله همى واتصلت به أخبره، كان صوته مُتعبًا بعض الشىء لكن ضحكته كانت كما هي، أغلقت معه الهاتف وبعد ١٠ دقائق ظهر لى اسمه ورقمه.. "أيوا يا أبا".. البقاء لله والدك توفى..! كيف وكيف وألف ألف كيف.. هذا قدر الله.. هكذا يا أبى فجأة دون وداع يليق بما كان بيننا من صداقة!.. هكذا دون أن أضع فى يدك بعض الأحلام التى تمنيت تحقيقها!.. هكذا دون أن تخبرنى ماذا على أن أفعل بعدك!.
بعد الذهول شعرت برتبة من الله على قلبي.. توضأت وصليت ركعتين وكان الجميع انفض من حولى مسرعين إلى المستشفى لإلقاء نظرة الوداع الأخير على والدي، ووقفت أنا وحيدًا.. من الآن صرت هكذا.. فالعالم كان أبي.. كان عائلتى وأصدقائي.. فهمت فى تلك اللحظة لماذا سقط أبى حينما توفيت جدتي.. كنت صغيرًا أمسكت بيده لينهض، لكنه كان يجهش بالبكاء ويقول: "ضِعت يا أمى"، حينها خلت أبى أقوى من ذلك وتعجبت كيف لمن أراه طودًا عظيمًا أن يسقطه شىء حتى ولو كان وفاة أمه، والآن أدركت لماذا سقط أبى ولم يستطع أن ينهض، لكن لا ينبغى على السقوط الآن رغم قسوة الفاجعة فليس هناك من أحد حولى سيمد يده لى لأنهض.. الجدار التى كنت أستند عليه هدمه ملك الموت.
جيرانى كرروا علىَّ السؤال بدهشة وتعجب: أمات أبوك؟.. الدهشة كانت لأن أبى لم يمرض ولم يفقد عنفوان صحته، كانت قبضة يده بقوتها لكن قبضة الموت كانت أبقى.. لم أنبس ببن شفاه.. لم أجب أحدًا ولكنى ابتلعت ما حفظته من أبيات داخلي:
أمات أبوك؟
ضلالٌ! أنا لا يموت أبي
ففى البيت منه
روائح ربٍ وذكرى نبي
هنا ركنه تلك أشياؤه
تفتق عن ألف غصنٍ صبي
جريدته تبغه متكاه
كأن أبى بعد لم يذهب
وصحن الرماد وفنجانه
على حاله بعد لم يشرب
ونظارتاه أيسلو الزجاج
عيونًا أشف من المغرب
رتب الله لى ما يليق بوداع أبي.. جهزت قبره وعطرت كفنه وذهبت لإلقاء نظرة وداع عليه فى المستشفى، وصعدت مرغمًا إلى قمة الحزن أو إن صح التعبير سقطت فى جحيمه، أنا الذى ما تخيلت يومًا وداعه، أفتح باب "ثلاجة الموتى" لأقبل جبينه دون أن يحدثنى كعادته، لكنه رأفة بى ودعنى بابتسامته التى بعد لم تفارقني.. عشت اليتم وعرفت أنه لا أحد بعد الأب.. لا جدار تستند عليه.. لا جبل تأوى إليه.. لا مجازفة ولا مغامرة ولا طمأنينة.. لذا أشفقت على إخوتى مما أشعر به فاتخذت قرارى بأن أكون لهم أبًا.
فى شارعنا ثمة صراخات علت ودوت ونبأ حسبته زيفًا لكنه كان حقيقة.. مات صديقى وأخى وجارى وتيتم أبناؤه.. مات هو الآخر دون مقدمات.. خرج من المباراة دون سبب.
كنا صغارًا نتكئ عليه، وكان هو من ذوى الهمم يتكئ على عصاه، نلعب الكرة فى تحدٍ بين الشوارع والحارات، فيؤرجها بين قدمه وعصاه فلا يستطيع أحد نزعها منه حتى يحرز بها هدفًا، فنصيح ابتهاجًا به «العب يا الورد».. كان بطلنا وكنا ظله أينما ذهب، يرفع عصاه فيلمس القمر، ويغرسها فى الأرض فتنبت شجرًا.. وها هو نجمنا يغادر ملعب الحياة ويجعل المباراة بعده بلا معنى، رحل هداف البطولة من غير وداع أخير لجماهيره.
جرح اليُتم فى زمن مواقع التواصل الاجتماعى لا يندمل ولا يهدأ فكلما حاولنا أن ننسى، جدده أبناؤه بفيديو وهو يتكلم.. يبتسم.. يحلم.. أهذا الذى يتكلم فى الواقع الافتراضى لا يمكنه الترجل إلينا هنا.. حسنًا فعل "مارك" بإجراء حذف الفيديوهات القديمة، فكلما تم عرضها تجددت فواجع الفراق.
تستطيع إذا ما دخلت قريتنا أن ترى اليُتم على جبينها، فحوادث موت الآباء الشباب كثيرة، والحزن يا سيدى وشم لا يُمحى لا تُزيله ضحكات ولا انتصارات فى الحياة.. هب أنك حققت كل النجاحات ولم يعد أباك هنا.. ولم تعد أمك هنا.. كيف سترى انعكاس نجاحك وعيناهما كانت المرآة؟!
كيف لأطفال غزة أن يكونوا بكل هذه القوة وهم يتامى؟!.. من أين لهم كل هذا الكبرياء بعد الفقد؟!.. لا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كانوا ولدوا أباء.. رجالًا.. جبالًا.. فعجبًا أن تنضح مدينة اليُتم بالحياة.
هل كان الجرح يؤلم؟
أبى جَفَّ فجأة..
تيبَّس كالشجر المهجور..
أبى مات هناك..
أبى دُفن هناك
فى التل المطلِّ على مشهد حياته المنهار
فأين أموت يا أبي؟
وأنا أتحدث مع الموت سخر مني، فلم يٌعد هناك دار فى شارعنا إلا وزرع فيها شجر اليُتم.. شارعنا كان عنوانًا للفرح.. كنا كفرقة شعبية تٌجيد كل أنواع الفنون.. رجال ونساء يرقصون على وقع أنغام السعادة.. نعسنا واستيقظنا وقد احتل الحزن الشارع، لم نفطن ونحن صغار أن الذى يموت لن يعود.. ظللنا ننتظر لسنوات ونحن نستعيد الذكريات.. كانوا يقولوا لنا أن من مات ذهب إلى ربنا.. وكنا نذهب إلى الله نصلى فى المسجد ونعود فظننا أنهم حينما يفرغون من لقاء الله سيعودون لكن ذلك لم يحدث.
أتحاشى السؤال عن أحمد وبدر أبناء الدكتور مسعد!.. لأننى أعرف أن قناديل الفرحة لن تُضئ وإن بدت مشتعلة.. عرفت مسعد يتيمًا لم أر أباه.. ثم مات شقيقه الأكبر شهيدًا فخلد ذكراه باحتفالية سنوية فى القرية، ومنذ تلك اللحظة تحامل مسعد على نفسه وحمل جثمان أخيه على ظهره طيلة حياته حتى ودعنا هو الآخر شابًا أثناء ركضه فى ملعب الحياة.. تاريخ وفاته كان قد سبق صعود روحه بشهور حينما ماتت أمه.. فكيف لغصن أن يعيش وقد اجتث جذر شجرته وساقها؟!.. لست أعرف من هم الموتى.. من فُقدوا أم من فقدوا أحباءهم؟.. لعلنا نموت ببطء كلما فقدنا حبيبًا ولحظة الموت ما هى إلا إعلان رسمى عن الرحيل.
بموت أمي..
يسقط آخر قميص صوف
أغطى به جسدى
آخر قميص حنان
آخر مظلة مطر
وفى الشتاء القادم
ستجدوننى أتجول فى الشوارع عاريًا..
كُثر من ماتوا ومن تيتموا.. محمد عواد وفايز شاكر ومحمد حسن.. وأدرك أن شعور اليُتم ليس فقط من يشعر به هم الأبناء بل إن الآباء والأمهات أكثر يُتما إذا فقدوا قرات أعينهم..
مهما كنت كبيرًا وماتت أمك.. ومات أبوك.. ستصيرا يتيمًا.. كتب صديق لى مرثية لأمه جاء بها: «فى لحظات القنوط.. الهبوط.. السقوط.. الفراغ.. الخواء، وفى لحظات انتحار الأمانى وموت الرجاء وفى لحظات التناقض حين تصير الذكريات والحب ضدى وتصبح فيها القصائد ضدى وتصبح حتى الحروف ضدى وفى اللحظات التى أتسكع فيها على طرق الحزن وحدى أفكر فيك لبضع ثوانى فتغدو حياتى حديقة ورد».
مُرة هذه المقطوعة إلى الدرجة التى توصف مرارتها بالحلوة.. كنت أود أن أسأل صديقى كيف يرى المرء نفسه إذا ما سحبت الأقدار منه مرآته.. فخشيت على نفسى من الإجابة.
حرفان هما معنى الحياة
ثمة إلاه خلقه الله لك
بين كفيه قبس مما فى يد الله
ستتأمل الحرفين مليًا فى لحظة ما لتُدرك ما بهما من نعم ومعان ومواقف.. وستتمنى أن تعاود سنوات عمرك مرات لأداء فرائض الإيمان تحت أقدام هذا الإله الذى وضعه الله فى حياتك.. ستدرك أن أعظم ابتلاء فى الحياة هى لحظة فقد هذا الإله، وأن التحذير الربانى لنبيه ما جاء بهذا الشكل في: «فأما اليتيم فلا تقهر» إلا لعظمة الفقد وشدة الكسر، وستعى أن أم موسى ما كان لها أن تطمئن لتلقى بابنها فى اليم إلا بأمر مباشر من الله سمعته بقلبها وأٌذنيها، ستدرك صعوبة اختبار «هاجر» وفجعتها وركضها بين «الصفا والمروة» من فرط بكاء ابنها، وأن «دبدبة إسماعيل وزمزم ما كانت إلا شفقة على أمه»، وستتعلم على مهل ما حملته البتول من معُجزة وعظمة أن يُنسب عيسى لأمه وتباهيه بين قومه ببره: «وبرًا بوالدتي».
الأم.. هبة وعطية ربانية البعض منا يدرك عظمتها فيتفانى فى لثم قدميها، والبعض يأتيه الإيمان بها فى لحظة ما أو فى محنة ما، والبعض يركض فى الحياة ولا يُدرك ما فاته إلا حين تصطدم رأسه بمقولة السماء: «ماتت التى كٌنا نكرمك من أجلها».
لكل أم ملحمة وكتاب مقدس ولكل ابن حرف وفرح ودمعة مختلفة.. لى صديق أصبح يُشار إليه بالبنان كان مشروع أمه، التى أفنت فيه عمرها، يقول لى أحد أقاربه، أنه حينما بدأ صديقى هذا يظهر على شاشات التلفاز منذ سنوات، كانت أمه تٌخرج "تلفزيون صغير" على "تربيزة خشبية" أمام دارها فى قريتها وتدعو الجميع إلى مشاهدة ابنها بقول: "الأستاذ هيطلع دلوقتى فى التلفزيون".. سأترك لكم هذا المشهد لتستكملوه كل منكم بخياله..!
لى صديق آخر ودع أمه وهى تبتسم قبل أن يأتيها ملك الموت وخرج مسرعًا من المستشفى ولم يعد من لحظتها إلى الحياة.. ومازال ملك الموت يبحث عنه ليعتذر له عن عدم قبض روحه مع روح أمه..!
أعرف الكثير من الأمهات اللاتى يغضبن إذا نودين بأسمائهن دون أن يقول المنادى «الست أم فلان».. ولا عجب أن تٌضحى بتعريفها واسمها من ضحت بحياتها من أجل صناعة هذا الابن.
يقول لى صديق وقد أخذ ثمار حرفه من غصون بعض الفلاسفة فى التعبير عن حبه لأمه: «كل البيوت مظلمة يا صاح حتى تستيقظ الأم، فهى كل شيء فى هذه الحياة؛ هى التعزية فى الحزن، والرجاء فى اليأس، والقوة فى الضعف».
وأسكت أنا لأن أمى أعظم من الحرف.. فما أكتبه ويٌعجب البعض أراه لا يرقى لأن يٌشكل كلمة حب أضعها فى كف أمي، حتى درويش حينما كتب ترنيمته الخالدة على "علبة كبرت" لم يصعد سوى درجة واحدة فى المحبة ولكم من درجات لا تُحصى
«إن أمى لا يمكن أن تكون كبقية الأمهات».. هكذا قال لى إحسان عبد القدوس وأنا أطالعه ليلة أمس، ثم بدأت أسمع صداها فى كل الشوارع وأراها مرسومة على كل شفاه المارة.. لم أبُد تعجبًا مما قاله «إحسان».. فهزنى بعنف قائلًا: «أمى صنعتنى بيديها كما صنعت مجدها بيديها.. لا تحمل شهادة مدرسية أو تأهيلًا علميًا ورغم هذا أخرجت جيلًا كاملًا من الكتّاب السياسيين والصحافيين.. هى التى أرشدت أقلامهم».
تساقط الدمع من عينيه وهو يتحدث عن أصعب لحظة فى الحياة: «سمعت صوتًا يقول البقية فى حياتك.. أحسستُ كأن شفتى قد انفرجتا وانطلقت منهما صرخة: البقية فى حياتك؟ هذا التعبير لا يقال لي..! إنه ليس لى حياة إلا مع أمي».
أترك درويش وإحسان ووالدة صديقى التى مازالت تتابع ظهوره فى التلفاز حتى بعدما فارق جسدها الحياة وأهرب من عبارات النعى ومرض الأمهات.. وأدندن مع نزار:
أيا أمي
أيا أمي
أنا الولدُ الذى أبحر
ولا زالت بخاطرهِ
تعيشُ عروسةُ السكّر
عزائى لمن فقد إلهه: عسى لقاء.