منتدى الدقم يفتح أبوابا أوسع للاستثمارات ويعزز مكانتها عالميا في الطاقة النظيفة
تاريخ النشر: 14th, October 2023 GMT
فيصل الرواس: الدقم تشهد نموًّا اقتصاديًّا وعمرانيًّا متسارعًا يجعلها وجهة للمزيد من الاستثمارات
يوسف البلوشي: المنطقة تمتلك مساحات كبيرة لإقامة المشاريع العملاقة ومقومات التضاريس لتوليد الطاقة النظيفة
محمد الشيزاوي: المنتدى يعد الحدث الاقتصادي الأول من نوعه في المنطقة وفرصة لتبادل المعرفة والرؤى والخبرات
تمكين لمكانة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم عالميا في مجالات الصناعات الخضراء ومشاريع الطاقة المتجددة والبتروكيماويات تنطلق بعد غد "الاثنين" أعمال منتدى الدقم الاقتصادي، وسط حضور العديد من الشركات العالمية التي تهتم بالاستثمار في الطاقة النظيفة، ويأتي المنتدى -الذي تنظمه الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم- ليسلط الضوء على الفرص الاستثمارية الجديدة بالمنطقة مما يسهم في إسراع عجلة النمو الاقتصادي بالمنطقة.
وحول أهمية المنتدى عالميا استطلعت "عمان" عددا من المسؤولين والخبراء، الذين أكدوا أهمية المنتدى في إيجاد بيئة جاذبة ومشجعة لدخول الشركات العالمية في المنطقة الاقتصادية بالدقم.
وأشاروا إلى أن المنتدى على مدى يومين سوف يعزز من جهود الحكومة في رسم خطط التنويع الاقتصادي بما يتوافق مع توجهات سلطنة عمان 2040، مما سوف يشجع على جلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة للمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم والتي تعد بوابة لمشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين والحديد الأخضر في المنطقة والعالم.
جهود سلطنة عمان لجلب الاستثمارات
وقال سعادة الشيخ فيصل بن عبدالله الرواس رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عمان إن منتدى الدقم الاقتصادي سيعمل على تعزيز جهود سلطنة عمان لجلب الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص من دوره في التنمية من خلال تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية المتوفرة، حيث إن منطقة الدقم الاقتصادية تشهد نموًّا اقتصاديًّا وعمرانيًّا متسارعًا يجعلها وجهة للمزيد من الاستثمارات وبيئة لنمو الأعمال وخاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وبين سعادته أن عنوان المؤتمر المتمثل في "الدقم تقود التغيير" جاء مواكبا للتوجهات العالمية الرامية لتحقيق الاستدامة، حيث إن المؤتمر يركز على الاستثمار في الصناعات الخضراء والذي بدوره يؤثر إيجابيا على البيئة والاقتصاد، حيث إن الاستثمار في هذه الصناعات -التي تهدف إلى الحفاظ على البيئة وتقليل التأثير البيئي- له أهمية كبيرة ومتزايدة في عالم اليوم من حيث حماية البيئة، توفير الطاقة، وتحسين الكفاءة البيئية للشركات، بالإضافة إلى جذب الاستثمارات وزيادة التنافسية، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.
من جانب آخر سيركز المنتدى على مشروعات الطاقة المتجددة، والتي من شأنها المساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة، بالإضافة إلى تحقيق التنمية المستدامة على مستوى سلطنة عمان، وسيركز المنتدى أيضا على الصناعات الأخرى خاصة وأن تقرير تمويل التنمية المستدامة لعام 2023 دعا إلى جيل جديد من السياسات الصناعية المستدامة، مدعومة بالتخطيط الوطني المتكامل مع الإشارة إلى العديد من الفرص للنمو الشامل في الصناعة الزراعية والطاقة الخضراء والتصنيع.
كما أن وجود هذا العدد من الشركات المحلية والإقليمية والعالمية تحت سقف واحد يمثل فرصة للقطاع الخاص في سلطنة عمان لتبادل الخبرات والاستفادة من المناقشات المستفيضة مع العديد من الخبراء والمتخصصين والمستثمرين المحتَملين بالإضافة إلى إبرام الشراكات مع نظرائهم بالخارج بما يعزز من نمو أعمالهم.
وأضاف سعادته أن عامل التكامل المتوفر بين مختلف المشروعات في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، يعزز من الفرص المتاحة في مجال سلاسل التوريد مع الاستفادة من وجود ميناء الدقم والحوض الجاف ومصفاة الدقم التي تعد أحد الممكنات الرئيسية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، وتمثل مركزًا لوجستيًّا عالميًّا ومركزًا اقتصاديًّا وتجاريًّا وصناعيًّا متعدد الأغراض.
حضور واسع ومشاركات عالمية
من جانبه أشار الدكتور يوسف بن حمد البلوشي -الخبير في الشؤون الاقتصادية- إلى أن المنتدى يحمل في طيّاته أهمية بالغة ويتناول مواضيع استراتيجية تهم العالم بأسره كالطاقة المتجددة وبالأخص الهيدروجين الأخضر، وأبرز تكنولوجيا التعامل مع الانبعاثات الكربونية ولا يخفى أن العالم يشهد تغيّرات متسارعة في مختلف المجالات وعلى رأسها تحولات الطاقة. ومن المرتقب أن يشهد المنتدى حضورا ومشاركات واسعة عالمية ومحلية. مضيفا أن الدقم تمتلك العديد من المزايا التي تؤهلها لتكون وجه لإنتاج الطاقة النظيفة، فهي تمتلك مساحات كبيرة لإقامة المشاريع العملاقة وتمتلك مقومات التضاريس كميزة طاقة الرياح واستثمار أشعة الشمس للتوليد الطاقة المتجددة.
كما أوضح أن جلسات المنتدى سوف تتخللها الحلقات النقاشية بمشاركة العديد من الشركاء العالميين والمختصين، مما سوف يثري المنتدى ويعزز من تبادل الأفكار للسعي إلى الوصول بالجودة والتطوير للمنطقة.
وأوضح البلوشي أن سلطنة عمان أنفقت مبالغ كبيرة في تهيئة البنية الأساسية للمنطقة الاقتصادية بالدقم وآن الأوان لتعظم الاستفادة منها والدفع بعجلة النمو بالمنطقة وخاصة في جذب الاستثمارات في الطاقة النظيفة.
وأشار إلى أن منطقة الدقم تمتلك مقومات في العديد من القطاعات من بينها القطاع اللوجستي وإطلالة على ممرات مائية واسعة قريبة من مختلف الأسواق العالمية من أهمها الأسواق الإفريقية والهندية والآسيوية وهي ذاتها الأسواق التي تستهدفها المنتجات العمانية والخليجية.
مناقشة الأفكار والرؤى لتطوير القطاعات
وأضاف محمد بن أحمد الشيزاوي صحفي متخصص في الشأن الاقتصادي أن المنتديات تساهم بشكل عام في مناقشة العديد من الأفكار والرؤى لتطوير القطاعات الاقتصادية، وبحث أفضل السبل لجذب الاستثمارات، وبما أن الدقم تحظى باهتمام محلي وعالمي ولها مكانة بارزة على خارطة الاستثمارات المحلية والعالمية، فإن المنتدى سوف يسهم في تسليط الضوء على الاستثمارات الحالية وإمكانيات الدقم لاستقطاب استثمارات جديدة.
ويمكننا النظر إلى المنتدى باعتباره ملتقى يجمع المسؤولين في الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة ومسؤولي الشركات الكبرى المستثمرة في الدقم والمستثمرين المحليين والأجانب، وبدون أدنى شك ستكون موضوعات الشراكة وتحديات استقطاب الاستثمارات من أبرز الموضوعات التي ستتم مناقشتها في اللقاءات الجانبية.
وأضاف الشيزاوي تعتبر المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم منطقة واعدة لاستقطاب الاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء وتشهد حاليا تنفيذ عدد من المشروعات في هذا المجال وهو ما يؤهلها لاستقطاب مشروعات جديدة خاصة عندما يطلع المشاركون في المنتدى على إمكانيات الدقم في مجال طاقة الشمس وطاقة الرياح وتوفر الأراضي التي يمكنها استيعاب مشروعات في هذا القطاع.
كما أشار إلى أن برنامج المنتدى حافل بالعديد من الجلسات المهمة، ونتطلع إلى أن يتم التركيز على قدرات الدقم في احتضان مشروعات الصناعات الخضراء والتسهيلات التي يمكن تقديمها للمستثمرين في هذا القطاع.
ويعد المنتدى الحدث الاقتصادي الأول من نوعه الذي تستضيفه المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، مما سوف يجمع في جدول أعماله أصحاب الأعمال والمستثمرين وصناع القرار وغيرهم من الأكاديميين والمهتمين بالاقتصاد والابتكار، ومنها سوف تولد فرص لتبادل المعرفة والرؤى والخبرات والأفكار وعرض المشاريع والتجارب المحليّة والدولية خلال الجلسات النقاشية للمنتدى على مدى يومين.
كما سيتيح المنتدى للمشاركين فرصة الاطلاع عن قرب على مرافق البنية الأساسية والمشاريع الحيوية بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم والتعرف على الفرص الاستثمارية المتوفرة فيها، ومجالات الشراكة الممكنة بين الشركات والمؤسسات والأفراد.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المنطقة الاقتصادیة الخاصة بالدقم فی المنطقة الاقتصادیة الصناعات الخضراء الطاقة المتجددة الطاقة النظیفة سلطنة عمان العدید من إلى أن
إقرأ أيضاً:
يقترب من دائرة خيالية أوسع من الشخص: هل يمكن التنظير للبورتريه الشعري؟
حاتم الصكَر
ينشغل العاملون في حقل الكتابة السيرية بفحص الإمكانات التي تقدمها مقترحات الحداثة بصدد زوال الحدود بين الفنون والأنواع الأدبية، واقتراضها مزايا الأجناس والأنواع المجاورة، لتوظيفها في تنويع الكتابة من جهة، ولتوسيع مجالات كتابة السيرة أيضاً.
وإذا كانت المجاورة النوعية قد أثمرت أنواعاً من كتابة القصيدة (قصيدة النثر مثلا)، ومزجها المختلف حوله بين النثر والشعر، والكتابة السردية التي تمددت لتبرز رواية السيرة بنوعيها الذاتي والغيْري، فإن ثمة إمكانات لتولد أنواع من الكتابة أبعد من ذلك.
ولاستقصاء النوع السيري في القصيدة نتوقف عند البورتريه الشعري الذي تتضمنه القصائد، بكونه أبرز تجليات استضافة الرسم الشخصي أو رسم الآخر في نص شعري. صحيح أنه لا يمتلك في القصيدة السعة والتمدد المطلوبين لترسيخ ملامح المرسوم ذاتاً كان أو آخر، لكن القصيدة بتقنياتها تسمح بتوليد هذا النوع الذي نشط في نصوص شعراء الحداثة في مراحلها المختلفة.
تتوفر في رسم الشخصية سمة فنية وموضوعية هي إبراز ملامح منتقاة ومختارة بعناية، ورصد مرجعي من الشخص المرسوم بالكلمات، تتعدى وجوده شخصاً ذا أبعاد خارجية، لتتضمن مزاياه الأخرى التي لا تظهر بالمعاينة فقط، كما في الرسم مثلاً. وتتم الاستعانة لإنجاز البُعد الأعمق للشخصية بمرجعيات كثيرة، منها الإشارات المختزلة لبعض أعماله، أو أبرز ما في حياته من مواقف أو أحداث ووقائع.
وهنا تقترب قصيدة البورتريه من السيرة الغيْرية المكتوبة لشخص، لدى الشاعر والقارئ سجل أوليّ بما تتضمنه شخصيته من انفراد أو تميّز. حتى في تلك الشخصيات المحدودة بوعي الشاعر وملاحظته الذاتية في محيطه، فإن عقْد الكتابة السيرية سيوجد بفعل التقريب التصويري للمرسوم. وهنا تحضر نوعان من الشخصيات: التراثية أو ذات المنجز الروحي، والهامشية التي تعني للشاعر شيئاً يكتنزه وعيه وإداركه رغم مجهوليتها من القارئ.
وهناك رسم للشخصية في السرد يعين مكانه في المتن. لكن له في الشعر خصوصية أخرى، تفرضها اختزال العبارة ومحدودية الجملة الشعرية. وهذا مكمن صعوبة إتقان وصنع الصور الشعرية بطريقة البورتريه.
وفي شعر الحداثة يحاول الشاعر اختيار زوايا النظر، والعثور على سمات بارزة في الشخص المرسوم بالكلمات – ليقترب من جزئيات دالّة جزءاً من سيرة مفترضة له.
يكتب الشاعر صلاح فائق مجموعة من قصائد البورتريه الخارجي أو الغيْري لأعلام من الشعراء خاصة، وأصدقائه من جماعة كركوك أو سواهم.
ويتخذ من أسمائهم عناوين لقصائد قصيرة عنهم. لكن القارئ سرعان ما يجد أسلوباً يمكن وصفه بالتجريد، لأنه في كثير من تلك البورتريهات الشعرية لم يقترب كثيراً من الشخص، بل من دائرة خيالية أوسع منه، تجتمع في تلك الدائرة إيديولوجية الشاعر أو مكانته في الوجود الشعري، أو ما قدمه رافضاً أو متمرداً أو آخر مختلفاً في حياته وشعره.
سنعثر على بعض تلك الصور السيرية في عمل له، رصد فيه عدداً من الشعراء عرباً وغربيين. وهذا يتيح للقارئ التعرف على مرجعيات مؤثرة في تجربة صلاح فائق، حيث تبدأ الوجوه المرسومة بالشاعر جورج تراكل، ليحضر من بعد لوتريامون بنصَّين قصيرين، ربما ليشيرا إلى تأثر صلاح به، لا سيما وهو يصرّح في حوار اسكندر حبش معه في كتاب «ذاكرتان وخمس مدن» أن لوتريامون هو شاعره المفضل. كما أن القراءة النقدية ستلتقط الحضور الحيواني البارز في شعره. وهو ما أثبته باشلار في فصول مطولة من كتابه عن لوتريامون، وهو حضور سيلازم قصائد صلاح فائق، بل يتصدر أحد دواوينه «دببة في مأتم».
يكتب صلاح أسطراً شعرية قليلة، لكنها توحي بملمح مهم من لوتريامون الذي عنْونَ به النص:
لوتريامون
«الفراغ، وقد ملَّ الانتظار
يدخل هذه الكتابة
فألحظُ خشوع أمهاتٍ حول سرير
يئنُّ عليه غزال».
لذاكرة قارئ لوتريامون ثمة إشارتان: الأولى هي قوة المخيلة وحريتها التي وصفها باشلار بأنها مخيلة فاعلة، ووضع لها شرطاً فريداً هو عدم فهمها لشكلٍ ما إلا بعد تحويله، فتتآزر عناصر وعي العزلة والقطيعة والتحول. وهناك ثانياً الحضور الحيواني الذي لا يكاد يخلو منه عمل للشاعرين. كتاب الحيوان لدى لوتريامون يضم بإحصاء قام به باشلار أكثر من 185 حيواناً، مقسمة إلى مراتب وتنتج عنها دلالة يطول شرحها. في نص صلاح فائق تتجسد مأساة ختم بها أسطر القصيدة، وهي صورة الأمهات خاشعات حزينات عند سرير لم يذكر من يرقد عليه، ويشاركهن الخشوع غزال يئن على من فيه.
توفرت لصلاح فائق مقدرة تكثيف وجود لوتريامون في المجاز المصنوع بقوة المخيلة، والتحول الحيواني المؤنسن في حضور الغزال، ولكن بنوع من الرسم المقرّب للشخص عن طريق التجريد، حيث ينبغي على القارئ هنا، كما على مُشاهد البورتريه المرسوم، البحث عن إيحاءات تخبئها تقاطعات الألوان أو الكلمات، وتوافقاتها اللونية أو الإيقاعية.
وفي بورتريه لهامشيّ متمرد مثل جان دمو يقترب صلاح أكثر من صورته، كما وقرت في ذاكرته عن ابن مدينة بسيط، تستلمه المدن وتغدر بوعيه ووجوده، حيث تكمن مأساة عزلته وضعفه وبراءته:
جان دمو
«في غرفة قديمة
مهددة بظلالِ
مدينة تفتح فيكَ
وكراً غائراً
يعج بنمل كبيرة
تدبّ حول منجل
عبثاً كان غناؤنا في الجبال، الثكنات،
وخلف القضبان
خلف الأجفان
ما زالت الوديان مزدحمة
بنداءات
واليأس بفم من دخان
يردد أسماء الأشياء
ما لم تقله بعد
يرقد فاتناً في جسد ضامر
يخفي جسدك».
لعارفي جان دمو الشاعر الشريد المنعزل حتى عن قصيدته والمرتهن بقاع بغداد بعد هجرته من كركوك، سيمكن العثور على إشارات لملامح يجمع القارئ جزئياتها، ليحصل على صورة بورتريه شعري وكِسَر من سيرة. الغرفة القديمة والثكنات والقضبان واليأس والدخان. وأخيراً القصيدة التي ظلت على شفتيه حتى غيابه. قصيدة لم يقلها بعد تعليلاً لصلته المفتقدة مع شعره الذي قام الأصدقاء بلملمة نثاره في كتيب شعري يتيم أسماه أسموه هم «أسمال».
حشد يضم السياب والبريكان وجورج تراكل وجورج حنين والأب يوسف سعيد ورامبو وإليوت وسواهم، سيكونون ضمن ألبوم صوري شعري سيري، تتم قراءته وفق تعاقدات سيرية، ولكن بشرط توفر حرية التشكل اللفظي، وتغييب الكثير لتحريض القارئ على استكمال الصور.
تجارب كثيرة يمكن أن ترصدها الدراسة العابرة للأنواع والباحثة عن تناصات وتضمينات تخترع نوعاً جديداً، ربما نجد له في التراث الشعري صوراً محدودة، لا تتعدى رسماً كاريكاتيرياً للمهجو – هجائيات كافور لدى المتنبي، وإلى حدّ ما نقائض جرير والفرزدق ــ أو وصف عام كرسم ابن الرومي للأحدب في بورتريه الشهير، وفي الغزل تكرار لصفات عامة، حيث تُنسب الأوصاف للمعشوقات افتراضياً، ويختلط المعنوي بالجسدي، في ضوء الذوق العام وجمالياته السائدة..
وثمة مبالغة في الصفات عند المدح وإسقاطها على المرسوم بالكلمات، لاسيما شجاعته وعدَّته الحربية وخيله وحماسته. وفي الغزل تكرار لصفات عامة، حيث على وفق جماليات الفترة الزمنية ومواصفاتها.
لكن المجددين في الشعر العربي وضعوا البورتريه في ركن متقدم من أشعارهم. يكتب الشاعر عبد العزيز المقالح ديواناً كاملاً لصور متخيلة لأصدقائه، هو «كتاب الأصدقاء»، يؤشر لأبرز ما في شعرهم أو طبائعهم. فيقترب من عمل رسام البورتريه الواقعي، يمجّد الشعر من خلالهم وجلُّهم من الشعراء المعاصرين، بل يستحضر قدامى صحبتهم ذاكرته (المتنبي والمعري والنفري وشوقي..).
ومن سِير الآخر وصوره، ما كتبه محمود درويش عن إدوارد سعيد في قصيدته «طِباق»، وجرد فيها الكثير من طبائع سعيد وصفاته واهتماماته، وقبل ذلك أزمته الوجودية وسؤال الهوية واللغة والمكان، استمداداً مما كان سعيد يفضي به:
«نيويورك
إدوارد يصحو على جرس الفجر
يعزف لحنا لموتسارت
يركض في ملعب التنس الجامعي
يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز
يقرأ نيويورك تايمز
يكتب تعليقه المتوتر
يلعن مستشرقا يرسل الجنرال إلى نقطة الضعف
في قلب شرقية
يستحمّ
ويختار بذلته بأناقة ديك
ويشرب قهوته بالحليب
ويصرخ في الفجر: لا تتلكأ
على الريح يمشي
يقول:
أنا من هناك
أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا
ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم
لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات
ولي لغة من حوار السماء مع القدس
فضية النبر…
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني أنتمي لسؤال الضحية
لو لم أكن من هناك…
لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها..
ولو كنت أكتب شعرا لقلت:
أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة».
صور أخرى للبورتريه نؤجل معاينتها، منها البورتريه الشخصي. وفيه يرسم الشاعر لنفسه ما يشبه لوحة مهذبة ومشذبة، ويعبر إليها صريحاً باسمه، أو متخفياً في الكلام عن (قرين) يكثر في شعر الحداثة ويعادل ظلّاً يسير حيث تسير بالشاعر الخطوات. يتحدث عنه سعدي يوسف في «الأخضر بن يوسف ومشاغله»: نبيٌّ يقاسمني شقتي.. ويتابع شعراء الأجيال التالية معاينة قرينهم الذي يدخل معهم الحانة والمقهى والمعسكر، ويرى ما يرون من هول وتشرد وضياع.
المصدر: القدس العربي