البوابة نيوز:
2025-04-06@09:26:22 GMT

النظر فى مآلات الأفعال

تاريخ النشر: 13th, October 2023 GMT

ذكر الإمام الشاطبى [أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمى الشاطبى (ت ٧٩٠ هـ)]  فى كتابه الموافقات جملة من الواجبات التى يجب على المجتهد ملاحظتها والاعتناء بها أثناء قيامه بعملية الاجتهاد، ومن ذلك قاعدة النظر فى مآلات الأقوال والأفعال، يقول الشَّاطبي: (النظر فى المآلات من متممات النظر المقاصدى لأحكام الشرع)، وقال عن خصائص المجتهد: (أنه ناظر فى المآلات قبل الجواب على السؤالات).

والمآلات فى اللغة جمع مآل، وأصل الكلمة آل الشيء يؤول أوْلًا ومآلًا، بمعنى رجع، والموئِل المرجع، قال [الفيروزآبادي] فى "القاموس المحيط": (آلَ إليه أوْلًا ومَآلًا: رَجَعَ)، وقال [ابن فارس] متحدثًا عن التأويل فى "فقه اللغة": "واشتقاق الكلمة من المآل وهو العاقبة والمصير".

والمراد بالمآلات عند الأصوليين ما يترتب على الفعل بعد وقوعه، والمراد بالنظر فى المآلات: ملاحظة ما يرجع إليه الفعل بعد وقوعه من مصالح ومفاسد، وما يترتب عليه، وآثاره الناتجة منه، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فيأخذ الفعل بهذا النظر حكمًا يتفق مع ما يرجع إليه ويؤول إليه ذلك الفعل، سواء قصده الفاعل أم لا، فقد يرى أن الفعل مشروع لمصلحة فيه، أو ممنوع منه لمفسدة فيه، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإطلاق القول فى الأول بالمشروعية دون نظر إلى مآله، وفى الثانى بالمنع دون نظر إلى مآله تعجل لا ثمرة له، إذ قد يؤدى الفعل الأول إلى مفسدة مساوية، أو زائدة على المصلحة التى رُئِيت فيه فى بادئ الأمر، وكذلك الفعل الآخر فقد يؤدى إلى دفع مفسدة مساوية أو زائدة، قال الشاطبي: (والشريعة مبنية على الاجتهاد، والأخذ بالحزم، والتحرر مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة). وقد عمِل العلماء بهذا الأصل، فالإمام [مالك] عوَّل عليه فى سد الذرائع، كما عمل بهذه القاعدة حينما أفتى [المنصور] حين استشاره أن يهدم البيت، ثم يبنيه على قواعد إبراهيم - عليه السلام - فقال له مالك: (لا تفعل، لئلا يتلاعب الناس ببيت الله)، فصرفه عن رأيه سدًّا لمآل فاسد، وهو أن يتخذ التلاعب بالبيت سنَّة تابعة لاجتهادات الحكام وآرائهم فلا يستقر على حال.

وقد اشترط مالك أن يكون الناظر فى المصلحة مجتهدًا، وما ذلك إلا ليكون (متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعُه عما يخالفها)، فلا ينسب لها ما ليس منها، ومن نسب للشريعة مصلحة، وكان مآلها إلى مفسدة كان مفتريًا عليها، وقد قال [العز بن عبدالسلام]:(وكذلك ما نهى عنه من المصالح المستلزمة للمفاسد لم ينهَ عنه لكونها مصالح، بل لما تستلزمه من تلك المفاسد، ولذلك ما يؤمر به من المفاسد المستلزمة للمصالح لم يؤمر به لكونها مفاسد، بل لما تستلزمه من تلك المصالح)، وهذا فيه إشارة إلى اعتبار المآل، فإن المفسدة قد تؤول إلى مصلحة، فالشارع يأمر بها لِما فيها من المصلحة المترقبة، وكذلك العكس. ولا شك أن الترجيح بين المفاسد والمصالح قد يرتبط بالأمر الواحد باعتبار الحال والمآل، وقال العز أيضًا: (المصالح ضربان؛ أحدهما: حقيقي، وهو الأفراح واللذات، والثاني: مجازي، وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها، أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح)، ثم قال: (وكذلك المفاسد ضربان؛ أحدهما: حقيقي، وهو الغموم والآلام، والثاني: مجازي، وهو أسبابها، وربما أسباب المفاسد مصالح، فنهى الشرع عنها، لا لكونها مصالح، بل لأدائها إلى المفاسد).

لا شك أن العمل بهذه القاعدة دقيق الاستعمال، وهو عرضة لزلل الأقدام، وتعثر الأفهام، فقد يصعب تقدير المآل، خاصة فيما كان من شؤون الحياة المتشابكة والمعقدة، وإن كانت نتائج تقدير المآل خاطئة آل الأمر إلى تغيير فى الحكم على الفعل، بتجويز الممنوع ومنع الجائز، كما جاء فى قول الإمام الشاطبي: (وهو مجال للمجتهد صعب المورد)؛ لذلك كان واجبًا على أهل العلم إحاطة استعمال هذه القاعدة بجملة من القيود والضوابط، ترشيدًا للنظر، وتجنبًا للزلل، ومن أهم هذه الضوابط: 

تحرى المقصد الذى من أجله شُرع الحكم الشرعى فى الواقعة المراد النظر فيها، فإذا تبين عدم تحقق المقصد عُدل بالحكم الأصلى إلى غيره.

التحرِّى فى أيلولة الواقعة المراد النظر فيها: هل سيتحقق المقصد الشرعى من الحكم الشرعى عند تطبيقه على هذه الواقعة أم لا؟، فعلى المجتهد بعد دراسة الأحكام الشرعية ومعرفة مقاصدها أن يتحرَّى فيما ستؤول إليه هذه الأحكام عند تطبيقها. وأحكام الشريعة فى الغالب تؤول إلى تحقيق مقاصدها عند تطبيقها على الأفعال، وقد تتخلف أحيانًا لأسباب ومؤثرات عدة، وعلى المجتهد أن يكون على بصيرة بها.

وأخيرًا قد يبدو حديثنا أنه عن قاعدة دينية ولكنه فى الحقيقة حديث عن قاعدة عامة للحياة، فالنظر فى المآلات هو أمر واجب فى كافة مجالات الحياة سياسيبًا واجتماعيًا واقتصاديًا بل وأمنيًا، ولعل فى الأحداث الأخيرة التى نشاهدها فى منطقتنا خير دليل، فكم من الأفعال التى تبدو للوهلة الأولى أنها تحقق مصالح ولكنها فى الحقيقة تؤول إلى مفاسد بل إلى كوارث.

* كاتب معنى بقضايا التنمية البشرية

 

المصدر: البوابة نيوز

إقرأ أيضاً:

بعد قرار ترامب | هل يؤثر على التجارة العالمية.. وهذه ردود الفعل الدولية

قبل شهرين، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ رؤيته الاقتصادية بشأن فرض رسوم جمركية على بعض الدول، بدءاً بكندا والمكسيك والصين، قبل أن يعصف الطوفان بدول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى بلغت أكثر من 200 دولة وجزيرة وإقليم، فيما وصفه ترامب بـ "يوم التحرير".

خطوة تصعيدية تزيد من التوترات فى الأسواق والتجارة الدولية

في هذا الصدد قال أحمد التايب الكاتب الصحفي والمحلل السياسي  إن اعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فرض تعريفة جمركية شاملة على جميع الواردات لعدد كبير من الدول خطوة تصعيدية تزيد من التوترات فى الأسواق والتجارة الدولية، وينذر بحروب تجارية دولية،  واضطراب فى البورصات العالمية، لذلك جاءت ردود الفعل الدولية غاضبة وسريعة، غير الحديث عن العمل على بناء تحالفات جديدة والاستعداد للرد بفرض تعريفات جمركية انتقامية على الصادرات الأمريكية، خاصة في قطاع الخدمات والتكنولوجيا.

واضاف خلال تصريحات لــ"صدى البلد " ان فرض هذه الرسوم الجمركية وبهذه الطريقة الاستعراضية، فإن واشنطن تنتهك بوضوح مبدأ عدم التمييز الذي يعد أحد الركائز الأساسية لمنظمة التجارة العالمية، ما يضعف مصداقيتها على الساحة الدولية ويفتح المجال أمام إعادة تشكيل نظام اقتصادي عالمي بعيدا عن الهيمنة الأمريكية، ما يعنى أنه الولايات المتحدة على المستوى البعيد هى الخاسر من هذه الخطوة ، وما يؤكد ذلك أن اتفاقيات تجارية إقليمية بدأت تحل محل النظام العالمي المتعثر. 

وتابع: الصين تسعى لاستغلال تراجع النفوذ الأمريكي لتعزيز علاقاتها التجارية إضافة إلى توجه دول للتنسيق فيما بينها لاتخاذ إجراءات انتقامية للرد، ما ينبئ باندلاع حرب تجارية واسعة النطاق قد تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، والذى يبدأ بالبحث عن بدائل من خلال تبنى ترتيبات جديدة تقلل من الاعتماد على الطلب الأمريكي وللحماية من فائض الإنتاج الصيني في ظل التوترات التجارية المتصاعدة وفى ظل احتدام الصراع بين الصين وأمريكا، مع الاعتماد على تعزيز الشراكات الإقليمية وفقا لاتفاقيات الشراكات الثنائية والاتفاقيات الإقليمية.

ردود الفعل الدولية

توالت ردود الفعل الدولية عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الأربعاء فرض رسوم شاملة على الواردات الأمريكية، وفقا لقاعدة المعاملة بالمثل مع مختلف دول العالم، بهدف دعم قطاع التصنيع في الولايات المتحدة، في حين سترفع هذه الزيادة مخاطر ارتفاع الأسعار وإثارة حروب تجارية.

وقال ترامب، خلال مؤتمر صحفي: "سنفرض رسوما جمركية على الدول التي تفرض علينا رسوما مماثلة، وسأوقع على أمر تنفيذي برسوم جمركية مضادة، كما سأوقع خلال لحظات على أمر تنفيذي بشأن التعريفات الجمركية المتبادلة".

وخلال أقل من ساعة من إعلان ترامب رسومه الجمركية، قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، إن الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية خاطئة ولن تفيد الولايات المتحدة.

وكتبت في بيان على فيسبوك: "سنبذل كل ما في وسعنا للعمل من أجل التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، بهدف تجنب حرب تجارية ستضعف حتما الغرب لصالح أطراف عالمية أخرى"، وفقا لما ذكرته الغد.

وأضافت: "في كل الأحوال، سنعمل كالمعتاد لصالح إيطاليا واقتصادها، وسنتواصل أيضا مع الشركاء الأوروبيين الآخرين".

قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الخميس، إن كندا ستتصدى للرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإجراءات مضادة.

وقال للصحفيين قبيل اجتماع لمجلس الوزراء لمناقشة رد كندا: "من الضروري العمل بعزم وقوة، وهذا ما سنفعله".

لكن رئيس الوزراء الكندي، استدرك قائلا: "إن إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية حافظ على عدد من العناصر المهمة في علاقتنا".

قالت المكسيكية كلاوديا شينبوم، إن المكسيك لا تخطط لفرض رسوم جمركية مضادة على الولايات المتحدة.

وأضافت أن المكسيك ستعلن الخميس عن برنامج شامل، وليس فرض رسوم جمركية بالمثل.بريطانيا تتعهد بالتزام الهدوء تعهد وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز، بالتعامل بهدوء مع قرار الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية 10% على الواردات من بريطانيا، في إطار سعي بلاده للتوصل إلى اتفاق اقتصادي مع واشنطن.

وقال رينولدز: "الولايات المتحدة هي أقرب حليف لنا، لذا فإن نهجنا هو التزام الهدوء وإبرام هذا الاتفاق، الذي نأمل أن يخفف من آثار ما أُعلن عنه اليوم".

وأضاف: "لدينا مجموعة من الأدوات المتاحة، ولن نتردد في اتخاذ أي إجراء، سنواصل التواصل مع الشركات البريطانية، بما في ذلك تقييمها لأثر أي خطوات أخرى نتخذها".

  ألبانيزي، الخميس، أن الرسوم الجمركية التي فرضها لتوه الرئيس ترامب غير مبررة بتاتا، ومن شأنها أن تغير علاقة بلاده بالولايات المتّحدة.وبعد أن فرض ترامب رسوما جمركية بنسب مختلفة على سائر شركاء بلاده التجاريين، ومن بينها أستراليا التي بلغت نسبة الرسوم على صادراتها إلى الولايات المتحدة 10%، قال ألبانيزي: "إن هذه الرسوم ليست غير متوقعة، لكن دعونا نكون واضحين: إنها غير مبررة بتاتا.

وشدد على أن هذه الرسوم ستكون لها عواقب على نظرة الأستراليين لهذه العلاقة.

وقال ترامب مساء الأربعاء خلال الإعلان عن الرسوم الجمركية، إن الكثير من الدول تفرض علينا رسوما جمركية.وأكد أن الاتحاد الأوروبي يفرض علينا رسوما جمركية تقدر بـ39%، وبالتالي فهو يستغل الولايات المتحدة، كما أن الصين تفرض علينا رسوما جمركية تقدر بـ67%.وقال: "لن نستسلم كما حدث في العقود الماضية، وسنحارب كل من يحاربنا".

وأكد أن الولايات المتحدة تعاني عجزا كبيرا في الميزانية، لكن العصر الذهبي لأميركا سيعود من جديد، والأسعار ستنخفض أمام المستهلكين خلال الفترة المقبلة.

وتابع: "الولايات المتحدة ستفرض رسوما جمركية بنسبة 25% على واردات السيارات، وستفرض رسوما جمركية على الصين بنسبة 34% وعلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 20%".وقال: "سنفرض رسوما جمركية بنسبة 31% على الواردات من سويسرا، ورسوما جمركية بنسبة 24% على الواردات من اليابان".

وطالب: "باقي الدول بتخفيض الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية حتى نعاملهم بالمثل".

وشدد على أن الرسوم الجمركية الأميركية ليست انتقامية، مشيرا إلى أن الكثير من الوظائف فقدت في عهد جو بايدن، مؤكدا أن أمريكا تستورد كل ما يتعلق بأجهزة الحاسب الآلي.

وأكد الرئيس الأمريكي: "أن الولايات المتحدة ستشهد خلال الفترة المقبلة وظائف لم تشهدها من قبل، إذ ستزيد المصانع في أمريكا".موعد التنفيذمن ناحية أخرى، أعلن البيت الأبيض، أن الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة التي أعلن عنها ترامب ستدخل حيز التنفيذ في 5 و9 أبريل الجاري.

وأعلن مسؤول كبير في البيت الأبيض أنه سيتم فرض رسم أساسي بنسبة 10% على جميع الدول ورسوم متبادلة أعلى على قائمة أسوأ المخالفين، التي تضم نحو 60 دولة.

مقالات مشابهة

  • “النمر” يحذّر: قلة النوم أثناء القيادة تعادل شرب الكحول في خطورة ردّات الفعل
  • خبير علاقات دولية: تطابقً وجهات النظر بين مصر وفرنسا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية
  • ردود الفعل العالمية على تعريفات ترامب الجمركية في 10 اقتباسات صريحة
  • ولايتي:نرفض تهديد إيران لكونها تمثل “استقرار المنطقة”!
  • استقلال العراق عن إيران.. رؤية أمريكية تعرقلها مصالح الميليشيات
  • مدعومة بالذكاء الاصطناعي.. تطوير جيل جديد من «النظارات الذكية»
  • “Meta” تطور نظارات مزودة بالذكاء الاصطناعي
  • الجميع خاسرون.. أبرز ردود الفعل العالمية على الرسوم الجمركية الأمريكية
  • تعرف على أبرز ردود الفعل الدولية على رسوم ترامب الجمركية
  • بعد قرار ترامب | هل يؤثر على التجارة العالمية.. وهذه ردود الفعل الدولية