شكّلت مبادرات خفض الانبعاثات في القطاع الصناعي لدولة الإمارات محوراً ثابتاً في الخطط المستدامة الرامية إلى بناء منظومة متكاملة تتيح للمنشآت الصناعية بالدولة المساهمة الفعالة في تحقيق الحياد المناخي، عبر الاعتماد على نهج استباقي يقوم على مبدأين أساسيين يتمثلان في تعزيز الاعتماد على حلول الطاقة النظيفة، ورفع معدلات استخدام التكنولوجيا المتقدمة التي تدعم نمو الصناعات المستدامة الصديقة للبيئة.

وتسريعاً لإدماج هذه الحلول في استراتيجيات المنشآت الصناعية؛ بادرت دولة الإمارات عبر اعتماد الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، التي تشرف وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تنفيذها، إلى دعم الاستثمار المستدام، وإتاحة المجال أمام القطاع الصناعي ليمارس دوره الحيوي التنموي، فضلاً عن مساهمته في مواجهة تحدي التغير المناخي ، وكان من أبرز هذه الخطوات الحكومية تشجيع التوجه نحو الصناعات المستقبلية الصديقة للبيئة بما في ذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة النظيفة والمتجددة، واحتجاز وتخزين الكربون للمساهمة في خفض مسببات تغير المناخ، وتحلية المياه، وتبني حلول التنقل الذكية، كما دعت المنشآت الصناعية إلى وضع خطط للاستفادة من الحلول التكنولوجية بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والروبوتات والبلوك تشين، بالتوازي مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير في الحلول المستدامة إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031.

وعبر منظومة متكاملة من المبادرات والبرامج والمشاريع الوطنية تعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تعزيز تحقيق الاستدامة في القطاع الصناعي وزيادة مساهمته في جهود خفض الكربون والوصول للحياد المناخي، ومن هذه المبادرات والبرامج، “برنامج التحول التكنولوجي” الداعم لتأسيس 1000 مشروع تكنولوجي ومستدام في الدولة بحلول عام 2031، و”برنامج القيمة الوطنية المضافة” الذي يحفز الشركات على الاستدامة من خلال استحداث علاوة إضافية بواقع 5% تضاف إلى تقييم الشركات المنضمة للبرنامج.

كما أطلقت الوزارة حافزاً إضافياً تحت مسمى “القيمة الوطنية المضافة الخضراء “Green ICV” للشركات الملتزمة بتطبيق معايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة الخاصة بها، بالإضافة إلى مبادرة “اصنع في الإمارات” التي تركز على تحفيز الاستثمار المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاع الصناعي الوطني المعتمد على تطبيق أعلى معايير الاستدامة.

وتنسجم جهود دولة الإمارات في تطوير قطاع صناعي وطني قائم على التكنولوجيا المتقدمة والبحث والتطوير، لخفض الكربون مع محور “الطريق نحو تحقيق الحياد المناخي” ضمن حملة “استدامة وطنية| التي تم إطلاقها مؤخراً تزامناً مع الاستعدادات لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ ”COP28″ الذي يُعقد خلال الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر من العام الجاري في مدينة إكسبو دبي. حيث تحظى دولة الإمارات بسجل حافل في مجال الاستدامة من خلال مبادرات ومشاريع رائدة تعكس القيم الراسخة للحفاظ على البيئة والتقاليد المجتمعية، وغيرها من القيم التراثية الأصيلة.

 

التزام القطاع الصناعي

وتماشياً مع الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، يلتزم القطاع الصناعي في دولة الإمارات بمتطلبات خفض الانبعاثات والعمل بشفافية ومسؤولية للمساهمة في تحقيق الحياد المناخي، وتمثل ذلك في إبداء المنشآت الصناعية في الدولة التزامها بمستهدفات برنامج التحول التكنولوجي، ومعايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة والتي تشرف عليها وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى التزامها بمبادرة “تعهد الشركات المسؤولة مناخياً”، التي أطلقتها وزارة التغير المناخي والبيئة، العام الماضي للحد من آثار التغير المناخي وتقليل الانبعاثات، حيث انضمت للتعهد حتى الآن 106 شركات من مختلف القطاعات في الدولة، منها 28 شركة صناعية مثل الإسمنت والحديد والألومنيوم، كما وقعت 29 شركة عاملة في قطاع العقارات والإنشاءات من جميع أنحاء الدولة على التعهد المناخي للقطاع العقاري الذي يعد مكمّلاً لـ”تعهد الشركات المسؤولة مناخياً”، ويلتزم الموقعون على هذه التعهدات بالعمل على تبادل الخبرات لاستكشاف أفضل الوسائل الكفيلة بتحقيق استراتيجية خفض الانبعاثات في القطاعات المعنية، والإبلاغ عنها بشفافية تامة، ووضع خطط عملية لتقليل البصمة الكربونية.

وفي إطار مشاركة وزارة الصناعة و التكنولوجيا المتقدمة في دعم نقل التكنولوجيا والممارسات المتقدمة ومساعدة الصناعة في مجالات خفض التلوث البيئي فقد انضم قطاع المواصفات والتشريعات في الوزارة إلى عضوية اللجنة الفنية الدولية رقم ISO/TC 197 الخاصة بتكنولوجيا الهيدروجين للاستفادة من التجارب الدولية والمشاركة في تطوير مواصفات قياسية دولية (ISO Standards)، إلى جانب الانضمام إلى اللجنة الفنية الدولية ISO/TC 265 لمواصفات احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون، ونقله وتخزينه.

وقد قام قطاع المواصفات والتشريعات باعتماد العديد من المواصفات القياسية في هذين المجالين وتوفيرها للاستخدام والتطبيق على المستوى الوطني باعتبارها إحدى أدوات دعم الصناعة وتحقيق الاستدامة ونقل وتطبيق أحدث التكنولوجيا في هذا المجال، كما تم اعتماد النظام الإماراتي للمركبات الهيدروجينية.

 

حوارات وطنية

ولتفعيل التواصل البنّاء بين الجهات المعنية في حكومة دولة الإمارات من جهة، والمنشآت الصناعية العاملة في القطاعين العام والخاص من جهة ثانية، نظمت وزارة التغير المناخي والبيئة 11 حواراً وطنياً من مبادرة الحوار الوطني حول الطموح المناخي، بمشاركة ممثلين عن القطاعين الحكومي والخاص، حيث أطلقت هذه الاجتماعات عدداً من الحلول لوصول القطاعات المستهدفة إلى المعدلات المطلوبة لخفض الكربون، كما اقترحت 4 مبادرات لخفض الكربون في قطاع صناعة الإسمنت في الدولة تضمنت مبادرة تقليل الاعتماد على حجر الكلس في إنتاج الإسمنت والاعتماد على بدائل أخرى صديقة للبيئة، كما حددت 5 فرص لقطاع البناء والتشييد بهدف تخفيف آثاره على التغير المناخي، وهي ضمان تبني ممارسات الشراء الأخضر من خلال اعتماد معايير الشراء التي تعزز الشراكة مع موردي المنتجات منخفضة الكربون؛ وتحديث أنظمة البناء للمباني الجديدة؛ والعمل على تحديث المباني القائمة بهدف تحسين كفاءة الطاقة؛ والتركيز على استخدام الطاقة الشمسية الحرارية وأنظمة التبريد الأقل استهلاكاً للطاقة في المناطق السكنية؛ وأخيراً الحد من توليد النفايات والتشجيع على إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم.

 

التحول التكنولوجي

وتشير الدراسات المتخصصة إلى ضرورة تبني الصناعة لحلول التكنولوجيا المتقدمة ومصادر الطاقة المستدامة للتعامل مع الانبعاثات، حسبما أكد ذلك تقرير معرفي أصدرته مؤسسة القمة العالمية للحكومات 2022، حيث دعا التقرير صناع السياسات لاستكشاف الخيارات الممكنة لتحقيق أهداف الحياد المناخي، وتعزيز المعرفة والوصول إلى التكنولوجيا التي تدعم التحول نحو مستويات منخفضة من الانبعاثات، ما يتطلب توسيع مجالات الاستثمار في هذه التقنيات على مدار العقد المقبل.

وتعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية المعنية، على تعزيز النمو الاقتصادي المستدام وتشجيع مبادرات تدعم هذا التوجه أبرزها إطلاق “اصنع في الامارات”، وبرنامج التحول التكنولوجي، وبرنامج القيمة الوطنية المضافة، ومبادرات استدامة البنية التحتية للجودة التي تدعم جاهزية القطاع الصناعي لتبني التكنولوجيا المتقدمة من خلال المواصفات القياسية والتشريعات الفنية الاستباقية، وتعزيز مكانة علامة “صنّع في الإمارات” والترويج للمنتجات الوطنية وزيادة صادراتها، ووضع آليات تبني حلول الثورة الصناعية الرابعة.

وتسير خطط الوزارة لتطوير القطاع الصناعي في دولة الإمارات جنباً إلى جنب مع توفير متطلبات الحياد المناخي وخفض الانبعاثات في القطاع الصناعي، ويظهر ذلك في الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة “مشروع 300 مليار” والتي تستهدف تعزيز نمو وتطور القطاع الصناعي الوطني، وتعزيز تنافسيته، وتبني حلول التكنولوجيا المتقدمة وتسريع وتيرة التحول الرقمي والتكنولوجي والترويج لمكانة دولة الإمارات كمركز إقليمي وعالمي للتصنيع والابتكار المستدام، بما يدعم توجهات دولة الإمارات واستراتيجياتها نحو تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، والوصول للحياد المناخي بحلول 2050.

وفي مجال تحفيز الابتكار وتبني التكنولوجيا المتقدمة في الصناعات الحديثة، تعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تطوير البرنامج الوطني للتحويل الكهربائي للمركبات، حيث تهدف الوزارة الى التقليل من الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل وتقليل عدد المركبات العاملة على الوقود الاحفوري المستخدمة على الطرقات وتحويلها الى مركبات تعمل على لطاقة الكهربائية.

 

تكنولوجيا خضراء

ونظمت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة ثلاث جلسات متخصصة لدعم وتعزيز ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا الخضراء الداعمة لجهود العمل المناخي، وتعزيز شراكة القطاع الخاص في تحقيق الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية، وذلك ضمن فعاليات ملتقى “الإمارات لتكنولوجيا المناخ” الذي عقد في مايو الماضي.

وتحت مظلة برنامج التحول التكنولوجي، أطلقت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة أيضاً مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي، بالتعاون مع دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي في فبراير الماضي، لدعم الشركات على رفع كفاءتها التشغيلية، وتسريع تحولها الرقمي، وتعزيز مساهمتها في تخفيض الانبعاثات الكربونية، واعتمدت الالتزام بمعايير وبنود المؤشر كعلاوة إضافية بقيمة 5% تضاف لتقييم الشركات المنضمة لبرنامج القيمة الوطنية المضافة.

كما أطلقت الوزارة ضمن برنامج القيمة الوطنية المضافة حافزاً إضافياً للشركات المنضمة للبرنامج، وهو القيمة الوطنية المضافة الخضراء للشركات الملتزمة بتطبيق معايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة الخاصة بها.

وأجرت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بالتعاون مع وزارة الطاقة والبنية التحتية، وشركة شنايدر إلكتريك، العضو في (شبكة رواد الصناعة) التابعة لبرنامج التحول التكنولوجي، تقييما وطنيا للشركات الصناعية حول جاهزيتها الذكية والمستدامة، بهدف قياس نضج مرافق التشغيل، وتصنيفها بحسب معدل وطبيعة استهلاك الطاقة، وتحديد أولوياتها لتحولات الطاقة والاستدامة، بما يعزز من مساهمة القطاع الصناعي في تحقيق الحياد المناخي.

كما قامت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بتقييم المنظومة التشريعية الخاصة بالمواصفات والتشريعات الفنية والسماح باستخدام البلاستيك المعاد تدويره لتغليف وتعبئة المواد الغذائية لتعزيز الاستدامة البيئية وخفض الانبعاثات الكربونية والمساهمة في خفض التكاليف على القطاع الصناعي وفق متطلبات وشروط واجب توفرها في المنتجات لضمان صحة سلامة المستهلك.

 

تعاون عالمي

وتسعى دولة الإمارات إلى تعزيز التعاون العالمي وتوحيد الجهود للوصول إلى حلول ناجعة لقضايا المناخ، وزيادة التأثير الإيجابي للقطاع الصناعي في خفض الانبعاثات، وتقوم بتنظيم العديد من المؤتمرات المتخصصة وإبرام الاتفاقيات التي تعزز هذا الاتجاه، حيث نظمت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بالشراكة مع كل من شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل “مصدر”، ملتقى الإمارات لتكنولوجيا المناخ بمشاركة 1500 من صناع السياسات والرؤساء التنفيذيين والخبراء والمختصين وقادة قطاع التكنولوجيا والمستثمرين من حول العالم، وشهد الحدث بحث آلية تعزيز التعاون حول الحلول المبتكرة لتسريع جهود خفض الانبعاثات في جميع القطاعات.

كما وقعت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على هامش فعاليات الدورة الثانية من “منتدى اصنع في الإمارات”، اتفاقية مع شركة “شاحن”، التابعة لـ NEV Enterprise، المؤسسة البارزة في منطقة الخليج، بهدف إطلاق شراكة استراتيجية تركز على تطوير وصيانة وتشغيل مصنع لمحطات الشحن الخاصة بالمركبات الكهربائية في دولة الإمارات، لتلبية الطلب المتزايد محلياً على البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية، وتدعم الاتفاقية التزام الدولة بخفض الانبعاثات الكربونية ورفع مساهمة القطاع الصناعي في جهود تحقيق الحياد المناخي، حيث تهدف شركة “شاحن” إلى تلبية 40% من الطلب على شحن التيار المباشر في دولة الإمارات بحلول عام 2030.

ووقعت الوزارة مذكرة تفاهم مع مركز “MEXT” للتكنولوجيا التابع لنقابة صانعي المعادن في تركيا MESS بهدف تطبيق مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي لأول مرة خارج دولة الإمارات، وهو ما ينعكس إيجاباً في رفع تنافسية القطاع الصناعي الدولي، وتسريع جهود خفض الانبعاثات الكربونية، عبر تسخير التقنيات المتقدمة وتعزيز كفاءتها وإنتاجيتها.

كما وقعت الوزارة في مايو الماضي 4 مذكرات تفاهم مع كل من شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك”، ومجموعة “إيدج” إحدى المجموعات المتخصصة عالمياً في مجال الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، ومجموعة “كيزاد” التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي، ومدينة دبي الصناعية لاعتماد مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي في شركاتها الصناعية ومورديها بهدف المساهمة في تسريع خفض وإزالة الانبعاثات الكربونية من القطاع الصناعي، وتعزيز تبني وتطبيق ممارسات الاستدامة والتحول الرقمي.

 

ترسيخ التنافسية

وعززت دائرة التنمية الاقتصادية- أبوظبي، ممثلة في مكتب تنمية الصناعة التابع لها، نهج الاستدامة في مختلف القطاعات الصناعية ومراحل التصنيع كافة على مستوى المنشآت الصناعية في إمارة أبوظبي، بإطلاق مشروع “الاستدامة في القطاع الصناعي” من أجل توفير كل السبل والممكنات لتحسين الكفاءة وجودة المنتجات الصناعية وفق نهج مستدام يواكب توجهات حكومة أبوظبي نحو تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة في مختلف المجالات، وبما يعزز قدرتها التنافسية إقليمياً وعالمياً من خلال خلق نموذج رائد للصناعات القائمة على الاستدامة.

ويرتكز مشروع استدامة القطاع الصناعي على إصدار “الدليل الإرشادي للاستدامة الصناعية”، ويستهدف المباني والمنشآت والمستودعات الصناعية ومختلف عمليات التصنيع في أبوظبي، كما يتضمن المشروع مساحات التخزين ومباني الإدارة والمكاتب التي تمتد على مساحة أقل من 2000 متر مربع.

ويركز المشروع على فهم ممارسات الاستدامة على مستوى القطاع الصناعي في أبوظبي وجمع البيانات وتحليلها وتقييمها وإجراء الدراسات المعيارية، وتحديد الأهداف والفرص، وتطوير مجموعة من المبادئ التوجيهية لاستدامة الصناعات في أبوظبي، ونشر الوعي وتنفيذ المهام المطلوبة لمجالات الصناعة المختلفة.

جدير بالذكر أن التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، أكد أن جميع دول العالم يجب أن تعمل على خفض الانبعاثات بنسبة 43% بحلول عام 2030 إذا أردنا تفادي تجاوز الارتفاع في درجة حرارة الأرض مستوى 1.5 درجة مئوية، وفي الوقت نفسه، سيتواصل ازدياد الطلب العالمي على الطاقة، حيث سيزداد عدد سكان العالم بنحو نصف مليار شخص بحلول 2030.

وتعمل دولة الإمارات بمنهجية عملية وواقعية لخفض الانبعاثات الكربونية، وتحفيز ريادة الأعمال والبحث والتطوير والابتكار في تكنولوجيا المناخ، سعياً إلى أن تتحول إلى مركز عالمي للصناعات المستدامة والتكنولوجيا المتقدمة.وام

 

 

 


المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

سندات الأثر الإنساني.. نقلة نوعية في مبادرات تمويل المشروعات الخيرية

في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، التي تفرض ضرورة البحث عن وسائل تمويل مستدامة وفعالة لدعم المشروعات الخيرية والاجتماعية، ظهرت على الساحة العالمية "سندات الأثر الاجتماعي والإنساني" كأداة مبتكرة في بدايات عام 2010، تجمع بين الاستثمار والهدف الاجتماعي. وتتيح هذه السندات توفير التمويل اللازم بآلية مختلفة عن التبرعات التقليدية، حيث تعتمد على استثمار رأس المال، وتحقيق النتائج الملموسة لضمان استمرار الدعم المالي.

فما هي سندات الأثر الاجتماعي والإنساني؟ وكيف يمكن الاستفادة منها في تمويل المشروعات الخيرية؟ وما أبرز التجارب الدولية الناجحة في هذا المجال؟

سندات الأثر الاجتماعي والإنساني هي أداة مالية تهدف إلى جذب رؤوس الأموال لتمويل مشروعات تعالج قضايا اجتماعية محددة، وتقوم هذه السندات على مبدأ الدفع بناءً على النتائج، إذ يحصل المستثمرون على عوائد مالية إذا تحققت الأهداف الاجتماعية المتفق عليها، بينما يتحملون الخسائر في حال فشل المشروع في الوصول إلى تلك الأهداف. هذا النموذج يخلق توازنًا بين تحقيق العائد المالي وإحداث تأثير اجتماعي إيجابي.

تتطلب آلية عمل هذه السندات تعاونًا بين عدة جهات، الجهة الأولى هي الحكومة أو المؤسسة الممولة التي تحدد المشكلة الاجتماعية، وتتعهد بالدفع عند تحقق النتائج. الجهة الثانية هي المستثمرون الذين يقدمون التمويل اللازم لتنفيذ البرامج. أما الجهة الثالثة فهي المنظمات التنفيذية التي تتولى تنفيذ المشروع على أرض الواقع. وأخيرًا، هناك جهة مستقلة تتولى مراقبة الأداء، وتقييم مدى تحقيق الأهداف.

تتيح سندات الأثر الاجتماعي والإنساني فرصًا كبيرة للمؤسسات الخيرية والاجتماعية. فهي توفر مصدرًا متجددًا للتمويل بدلاً من الاعتماد على التبرعات الموسمية، وتدفع نحو تطوير حلول مبتكرة للتحديات الاجتماعية، كما أنها تعزز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتشجع على تبني نهج يعتمد على الأداء والنتائج، مما يزيد من كفاءة إدارة الموارد المالية، ويعزز الشفافية.

على سبيل المثال، يمكن لمنظمة غير ربحية تعمل على الحد من التسرب المدرسي أن تطلق برنامجًا تعليميًا لدعم الطلاب المهددين بترك الدراسة. إذا تمكن البرنامج من خفض نسب التسرب وفقًا للمستهدف، يحصل المستثمرون على عائد مالي بينما تحقق الجهة الداعمة أهدافها الاجتماعية. هذه الآلية ليست مجرد وسيلة للتمويل بل هي نموذج لتعزيز المساءلة، والشفافية في تنفيذ المشروعات الاجتماعية.

شهدت العديد من الدول تجارب ناجحة في تطبيق سندات الأثر الاجتماعي والإنساني. ففي مدينة بيتر بورو بالمملكة المتحدة، أُطلقت أول تجربة في 25 يونيو 2010 بهدف تقليل معدلات عودة السجناء السابقين إلى السجن. استثمرت جهات خاصة في تمويل برامج إعادة التأهيل، وعندما انخفضت معدلات العودة إلى السجن بنسبة 9%، حصل المستثمرون على عوائد مالية.

وفي الولايات المتحدة، أطلقت ولاية يوتا في 30 أغسطس 2013 مشروعًا لتمويل التعليم المبكر عبر سندات الأثر الاجتماعي. استهدف المشروع تحسين الأداء الأكاديمي للأطفال المحرومين، وعندما أظهرت النتائج تحسنًا ملموسًا، تم تعويض المستثمرين بينما وفرت الحكومة جزءًا من تكاليف الرعاية الاجتماعية.

أما في أستراليا، فقد أُعلن في 15 مايو 2016 عن استخدام سندات الأثر الاجتماعي لتمويل برامج الصحة النفسية. ركزت المبادرة على تقديم دعم نفسي للأفراد الذين يعانون من أمراض عقلية، وأسهمت هذه البرامج في تحسين جودة حياة المرضى، وخفض نفقات الرعاية الصحية.

في اليابان، وتحديدًا في مدينة يوكوهاما، تم تطبيق نموذج مشابه في 27 أكتوبر 2017 بهدف تحسين الرعاية الصحية للمسنين. مول المستثمرون برامج للوقاية من الأمراض المزمنة، مما ساعد في تقليل معدلات دخول المستشفيات، وتحقيق تحسن في جودة حياة كبار السن. استفاد المستثمرون من عوائد مالية بينما حققت الحكومة أهدافها في خفض النفقات الصحية.

وفي خطوة متقدمة، أصدر البنك الدولي منذ عام 2021 ثلاثة سندات بارزة لدعم مبادرات إنسانية مختلفة. تمثل الأول في سندات الكربون التي مولت مشروع أجهزة تنقية المياه في فييتنام، حيث تم تصنيع وتوزيع 300 ألف جهاز على 8000 مدرسة، مما وفر مياهًا نظيفة لما يقرب من مليوني طفل. أما السند الثاني فكان مخصصًا لحماية الحياة البرية، من خلال مشروع الحفاظ على وحيد القرن في جنوب أفريقيا. والسند الثالث خُصص لدعم منظمة اليونيسيف في جهود مكافحة جائحة كورونا.

على الرغم من النجاح الذي حققته هذه السندات في العديد من الدول، إلا أن تطبيقها لا يخلو من التحديات. فهي تتطلب معايير دقيقة لقياس التأثير الاجتماعي وتقييم مدى نجاح البرامج. كما أن المستثمرين يتحملون مخاطر خسارة أموالهم إذا لم تتحقق الأهداف، وتحتاج هذه السندات إلى أطر قانونية وتنظيمية معقدة لضمان التنفيذ الناجح، إضافة إلى أهمية تعزيز الثقة بين الأطراف المعنية لضمان الالتزام بالنتائج.

تشكل سندات الأثر الاجتماعي والإنساني تحولًا نوعيًا في تمويل المشروعات الخيرية، حيث تجمع بين تحقيق الربح والأهداف الاجتماعية. ومن المتوقع أن يستمر انتشار هذا النموذج عالميًا ليشمل مجالات أوسع في التعليم، والصحة، والبيئة، مما يفتح المجال أمام تعاون أعمق بين القطاعين العام والخاص. فهل تصبح سندات الأثر الاجتماعي والإنساني الأداة المفضلة لتمويل المشروعات الإنسانية في المستقبل؟

مقالات مشابهة

  • البصمة الكربونية لكرة القدم.. البطولات والمباريات الدولية تزيد الانبعاثات 50%.. السفر الجوي أكبر المساهمين
  • مدير عام مصرف الرافدين: التكنولوجيا المالية مستقبل القطاع المصرفي في العراق
  • معرض هانوفر الصناعي الدولي ينطلق اليوم
  • سندات الأثر الإنساني.. نقلة نوعية في مبادرات تمويل المشروعات الخيرية
  • بميزات احترافية ومواصفات رائدة ..إليك أفضل سماعة لاسلكية في الأسواق
  • العيد في الإمارات.. القطاع السياحي بكامل طاقته وسط حجوزات قياسية
  • مساعد وزير الخارجية للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة يشارك في مؤتمر «الذكاء الاصطناعي والأمن والاستخدام المسؤول»
  • وزير الصناعة والثروة المعدنية يهنئ القيادة بحلول عيد الفطر
  • اختتام الملتقى الوطني للعمل الإنساني الطبي
  • الابتكار في الطاقة والتنمية: نماذج رائدة لحلول اقتصادية واجتماعية ناجحة