"وأعدوا لهم ما استطعتم"
تاريخ النشر: 11th, October 2023 GMT
محمد بن رامس الرواس
كان إنجازا غير مسبوق للمقاومة الفلسطينية مدعومًا بصمود جبار وضربة مُوجعة للعدو لم يستطع أن يفيق منها إلّا على صرخات الثكلى من نسائهم التي لا تشبه صرخات الثكلى من المؤمنات الفلسطينيات حين يعلمن باستشهاد أبنائهن الشجعان مقبلين غير مدبرين.
كثير ما تعرض الفلسطيني سواء بالقدس الشريف أو بغزة الصامدة أو بالضفة الغربية وغيرها من المدن الفلسطينية، لأزمات وصعاب وانتهاكا لحقوقه، سواء من مصادرة لداره أو أرضه بصفة مستمرة وممنهجة من الجماعات اليهودية مدعومين بجنود الاحتلال الإسرائيلي؛ وفي الفترة الأخيرة تم التركيز بشكل مستفز ولا يقبله مسلم على أهل المقدس وأهل غزة والذين نفذ صبرهم مما يشاهدوه ويسمعوه من استغاثات تردد صداها بالعالم أجمع عبر وسائل الإعلام، فلم يكن اختيار اسم المعركة "طوفان الأقصى" نابعاً من فراغ؛ بل عنوانا للسبب الرئيسي ودلالة على ما حدث ويحدث من انتهاكات إسرائيلية بالمسجد الأقصى ولأهل القدس أمام مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك أحد ساكنًا.
إن ما حدث قبل المعركة لم يكن ليدخل الصابرين والمرابطين من أهل الحق في حالة من الاستسلام واليأس لما أصابهم ولأنهم مؤمنون فقد تسلحوا أولا بالإيمان وثانيا بالصبر وثالثا بتجهيز أنفسهم وأخذوا بالأسباب وعندما توفر لديهم ما استطاعوا من العتاد وخططوا بفكر وتأنٍ وحانت ساعة الصفر التي اختاروها السابع من أكتوبر أقبلوا على التحدي فأرهبوهم بكل بسالة لأن أنفسهم لم تعد تطيق رؤية المقدسيات والجنود الإسرائيليين يركلونهن بأحذيتهم عند بوابات المسجد الأقصى وهنَّ يستغثن الله .
تحدي لا يعرف عقباه إلا الله لذا كان التوكل عليه عز وجل هو عنوان المعركة التي يخوضها أهل غزة وفصائل المقاومة، فمنذ اليوم الأول والفصائل الفلسطينية تشتبك مباشرة وبقوة جبارة وعزيمة واثقة بالله وجهًا لوجه متسلحين بالصمود وتجاوز التحديات.
لم تضعف مقاومة أهل غزة وشجعناها من كتائب القسام منذ اللحظة الأولى بل أخذوا بالأسباب فلم يكن لهم سوى خيار واحد النصر وثلاث مواقف: الإيمان والثبات والاستعداد بما استطاعوا من عتاد، ولقد كان لسبق المباغتة التي هي من خدع الحروب واقتنصتها المقاومة الفلسطينية الباسلة في ساعة استرخاء شديدة من العدو ميزة كبرى نقلتها إلى تحقيق أهدافها، ولأن فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس قد أيقنوا أن تغير موازين القوى أمر لا مفر لهم من تنفيذه فلم يكن للتثاقل والفتور مكان في أجندتهم فالخصم يتسلح بالعتاد والسلاح والأسوار والجدر العالية والدعم الدولي بجانبهم لكنهم بالمقابل يتسمون بالجبن وضعف القلوب والنفوس والخوف وهي صفات أنبأنا الله بها بالذكر الحكيم وفضح فيها أنفسهم عند اللقاء.
واليوم ونحن ننتظر ونرصد ما ستأتي به الأنباء غدًا من تطورات تجري على أرض فلسطين سواء من ثبات للمقاومة أو ردة فعل الخصم أو ما سيقدم عليه المجتمع الدولي من تدخل لإيقاف المعركة، لقد كان إنجازا غير مسبوق للمقاومة الفلسطينية وضربة موجعة للعدو مدعومة بصمود جبار لم يستطع أن يفيق منها إلا على صرخات لا تشبه صرخات ثكلى فلسطين المؤمنات حين يعلمن باستشهاد أبنائهن الشجعان مقبلين غير مدبرين .
ختامًا.. إنه صراع تاريخي له جولات وصولات، صراع أزلي بين الحق والباطل بين صاحب الأرض والمحتل يشهده الزمان والناس أجيالًا تلو أجيال، فليكن لنا موقف يسجل في صحائفنا يوم الدين سواء بالكلمة أو المال فغدًا سيحتاج أهل غزة بشدة إلى الدواء والغذاء لتتواصل المعركة وتستمر المرحلة تلو المرحلة من الصراع حتى يأذن الله بوعده كما جاء في محكم الذكر المبين.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الوعد الإبراهيمي والمأساة الفلسطينية
#الوعد_الإبراهيمي و #المأساة_الفلسطينية
د. #حفظي_اشتية
في خضمّ هذه الحرب الضروس الظالمة التي تُشنّ على غزة وفلسطين عامة ودول الجوار العربي، يتساءل المرء : لماذا يدعم الغرب المسيحي الكيان اليهودي في اعتدائه ويشاركه في هذا الظلم دون رحمة رغم ما استقرّ في الذهن من عداء مستحكم ممتد بين الديانتين اليهودية والمسيحية؟؟!!
الحديث في هذا الأمر متشعب ذو شجون، لكن يمكن تناوله باختصار يؤمل أن يكون مفيدا:
مقالات ذات صلةيُنسب اليهود إلى يعقوب “واسمه إسرائيل” وهو ابن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. كان ليعقوب اثنا عشر ابنا، أحدهم يوسف الذي تآمر عليه إخوته في القصة المعروفة، وقد أصبح فيما بعد صاحب الشأن في مصر، فاستقدم أباه وإخوته إلى مصر، وعاش نسلهم مئات السنوات هناك، واضطهدهم الفراعنة، فبعث الله منهم موسى عليه السلام الذي أنقذهم وأخرجهم من مصر، لكنهم انحرفوا فغضب الله عليهم، ثم استطاعت فئة مؤمنة منهم دخول فلسطين أرض الكنعانيين، وقامت لهم دولة واحدة هناك ثم انقسمت، وامتد وجودهم بضع مئات من السنين تعرّضوا خلالها إلى بطش البابليين في القرن السادس قبل الميلاد، فتمّ سبيهم إلى بابل، ثم عادوا بمساعدة الفرس. وبُعث منهم السيد المسيح عليه السلام الذي كانوا ينتظرونه ليخلصهم، لكنهم كفروا به وتآمروا عليه، وشُبّه لهم فقتلوه وصلبوه. وظلوا يثيرون الفتن لأتباعه إلى أن فتك بهم الرومان في القرن الأول الميلادي، واستأصلوهم من فلسطين، فتشرّدوا في أرجاء الأرض: في الجزيرة العربية وما جاورها، وفي أجزاء متعددة من أوروبا.
وظل أتباع المسيح ينتظرون عودته ثانية، وظل اليهود ينتظرون ظهور المسيح الحقيقي لأن الأول في نظرهم دعيّ مزيَّف، وظل المسيحيون يكرهون اليهود واليهود يكرهون المسيحين، وظل الفريقان جميعا يكرهون المسلمين.
إلى ما قبل القرن السابع عشر الميلادي، عاش اليهود في أوروبا المسيحية منعزلين في مجمعات خاصة بهم، وكانوا مضطهدين في دينهم، ويضطر كثير منهم إلى الفرار إلى البلدان الإسلامية.
كان المسيحيون قد انقسموا إلى كاثوليك وأرثوذوكس، وظهرت حركات إصلاحية نتج عنها مذهب البروتوستانت. في بداية القرن السابع عشر بدأ الأوروبيون المسيحيون وبخاصة البروتوستانت يدرسون الكتاب المقدس “العهد القديم والعهد الجديد” دراسة معمقة، وبدا لهم كأنهم يفهمونه فهما جديدا، وقد وقفوا مطوّلا على بعض نبوءاته التي تشير إلى أن اليهود مشتتون بحكم الله لعصيانهم أمره، وأنّ خلاصهم مرهون بعودة المسيح الذي سيؤمنون به حقا، وسيجمع شتاتهم، ويلمّ شملهم، ويعيدهم إلى فلسطين التي وعدهم الله بها ليقيموا مملكتهم العالمية الموعودة، وأنّ ذلك سيكون إيذانا بنهاية العالم. ونتيجة هذا الفهم الجديد بدأ الأوروبيون يتعاطفون مع اليهود، ويستشعرون أنهم ظلموهم، وحمّلوهم وهم بين ظهرانيهم وفي عصرهم ذنب قتل السيد المسيح قبل آلاف السنين.
ووقفوا طويلا عند عهد الله لإبراهيم عليه السلام الذي ورد في مواضع عدة متفرقة في العهد القديم: فقد ورد في سفر التكوين، الإصحاح الثاني عشر، ما يصف أمر الرب لإبراهيم أن يترك العراق موطنه الأول ويتوجه إلى فلسطين. ( وقال الرب لأبرام” يعني إبراهيم”: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة وأبارك مبارِكك، ولاعنك ألعنه…. فأتوا إلى أرض كنعان، واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم…. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض.) وورد في الإصحاح الثالث عشر: ( وقال الرب لأبرام بعد اعتزال لوط عنه: ارفع عينيك، وانظر في الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لأن جميع الأرض التي أنت ترى، لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد.) وورد في الإصحاح الخامس عشر:
( في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات.)
هذا العهد ثوّر أفكارا قدسية في النظرة إلى اليهود وإلى مظلوميتهم وعقاب الله لهم، ثم عنايته بهم وفق خطة ربانية تسير عبر مراحل إلى أن تتحقق. ورغم ظهور حركات ليبرالية في أوروبا رفضت هذا التفسير الحرفي للعهد القديم إلا أن الغلبة كانت للمحافظين الذين أصروا على التفسير اللفظي، وأن الكلام وحي الله الثابت لا تحريف له.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين ظهر هذا التيار المحافظ في أمريكا، وبدت الحماسة له أقوى وأشد. وقد صاحب ذلك ظهور بذور الحركة الصهيونية على يد هيرتزل 1897م، ثم وعد بلفور 1917م، وسلطة الانتداب البريطاني على فلسطين، فاستوت الفكرة على ساقها واشتد عزمها، وتوالت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تحت نظر بريطانيا وتشجعيها. ثم كانت المحرقة في ألمانيا “دون الخوض في تفاصيلها والخلاف حول الأعداد”، كانت سببا إضافيا عظيما لدعم هجرة اليهود. وظهر الإنجيليون (يوجد اضطراب في هذا المصطلح زمانا ومكانا) الذين آمنوا تماما بالعهد الإبراهيمي، والتفسير الحرفي لكلماته، فتبنوا أفكار الصهيونية وتحمسوا لها أكثر من اليهود أنفسهم.
وعندما قامت دولة “إسرائيل” سنة 1948م ازدادت القناعة بصدق العهد وبداية تحققه. وتجلّى الأمر أكثر عندما احتلت “إسرائيل” كامل القدس سنة 1967م، فبدا كأن العهد قد تحقق. وبدأ زعماء هذا المذهب، بل بعض المذاهب المسيحية الأخرى أيضا ينتظرون الأحداث العظيمة التي تسبق عودة المسيح، واكتمال اجتماع اليهود في فلسطين، وإعادة دولتهم وهيكلهم “المزعوم”، فكثُر المؤيدون للفكرة، ولا سيما من رؤساء أمريكا، فالمتابع المدقق سيجد أن معظمهم منذ جيمي كارتر قبل نصف قرن كانوا من أنصار هذا المذهب، مثل ريغان، وجورج بوش الأب، والابن، وأشدهم في ذلك ترامب في ولايته الأولى والآن.
ولعل هذا يفسر لنا هذا العمى في أبصارهم وبصائرهم وهم يناصرون هذا العدو المحتل بكل الباطل والظلم. يتناسون أفكارهم عن الدولة المدنية، وفصل الدين عن الدولة، وأصول المواطنة الحقة. يتحصنون بتفسير حرفي ساذج لنص مضى عليه أربعة آلاف عام، ويجنون بذلك على شعب كامل يملك الأرض ويعيش فيها، فيغصبونه أرضه ويقتلونه أو يسجنونه أو يشردونه دون أدنى رحمة لأنهم ــ وفق عقولهم العليلة ــ يطبقون تعاليم الرب وينفذون وعده.
إن قلت لهم: ما ذنب هذا الشعب المسكين؟! سارعوا إلى تحميله المسؤولية بكل ذريعة واهية. وإن سألت: ما جنايته عندما شردتموه سنة 1948م ؟! قالوا : لأنه رفض استقبال أهل الأرض الموعودين ولم يتعايش معهم، والآن هو يُقتل أيضا لأن هذا هو حكم الرب النافذ الذي لا رادّ له. وإن صرخت: أين العدل في فكرة التهجير الجديد؟! قالوا: هو حق إلهي نعيده إلى أصحابه. وإن قلت: لماذا تلوموننا إذا تعصّبت منا لديننا الصحيح وقاومتكم؟! قالوا: ومن قال: إن دينكم صحيح ؟! وإن قلت: نحن بشر مثلكم لنا حقوق إنسانية. قالوا: لستم بشرا. أنتم حيوانات بشرية، قتلكم حلال وتقرُّب إلى الرب. فإن قلت الأرض موعودة لنسل إبراهيم، ونحن من نسله. قالوا: الوعد لأبناء أبينا إسحاق وليس لأبناء أبيكم إسماعيل. فإن قلت: ثمّة تفاسير روحية لهذا النص لا توافق تفسيركم اللفظي الساذج الحرفي. قالوا: تفسيرنا هو الحق، وما سواه كله باطل!!!!!
إنه العمى التامّ الذي يطمس كل حقيقة، ويعادي عدالة الرب الذي لا يمكن أن يكون ــ كما يصورونه ــ عنصريا يُعلي شأن فئة من خلقه مع ظلمهم، ويبطش بالأخرين المظلومين.
إننا في مواجهة أعداء سفهاء، وطبعا لهم أهدافهم السياسية والاقتصادية وأطماعهم، ولا بد لنا من الصمود والصبر والدفاع إلى أن يتنزّل العدل بحكم السماء. لهم وعدهم، ولنا وعدنا، والأيام بينا.