متابعة بتجــرد: “المنوم” هو أحد أفلام الخيال العلمي الغريبة الأطوار التي تبرز في عالم السينما الأمريكية. تتميز لقطاته بمزجه المتقن بين العناصر الغامضة والإثارة دون أن يجعل المشاهد يشعرون بالملل أبدًا. يقوم الممثل بن أفليك بأداء مزدوج في دور شرطي من تكساس مضطرب، حيث يقودنا بمهارة إلى عقلية هذا الشخصية المعقدة.

القصة تبدأ بشكل حماسي في مشهد افتتاحي يبرز مطاردة مثيرة تكشف عن قدرات رورك كشرطي ماهر. وبالتالي، ينجح المشهد في وضعنا في عالمٍ مظلم مليء بالألغاز والتساؤلات حينما يتورط رورك عن طريق الصدفة مع مجموعة من اللصوص الذين يمتلكون قوى خارقة تتيح لهم التحكم في عقول الآخرين.

استخدام الزوايا الواسعة في معظم اللقطات، تجعلنا نشاهد الأجواء الفريدة والمعقدة التي يحاول المخرج والكاتب روبرت رودريغيز إيصالها. تساهم هذه الزوايا في تعزيز تقديم القصة وإيجاد تباين بين الواقع والتخيل بشكل فعّال. إن استخدام عدسات الكاميرا العميقة يغوص بنا في اللقطات ويساعد على تمييز العناصر الجوهرية في القصة.

يجد المشاهدون أنفسهم في تحدٍ مستمر لفهم اللحظات الغامضة والمحادثات العميقة، وهذا يعكس الأسلوب الفني والتوجه الذكي لروبرت رودريغيز في تقديم الحبكة الدرامية. حيث يعتمد على تفاصيل دقيقة وتركيز على الجوانب النفسية والعقلية، مما يجعل الفيلم مثيرًا للبحث والاستكشاف.

قاد المخرج والكاتب روبرت رودريغيز، المعروف بأعماله مثل “آليتا: محاربة الملاك” و”أربع غرف”، عملية إنتاج هذا الفيلم في مدينة أوستن بولاية تكساس، حيث اعتمد إلى حد بعيد على الجو والبيئة الفريدة التي توفرها المدينة. كي يتم التركيز أكثر على الأجواء والمكان من أجل نقل رسالته وأحداثه، وذلك بدلا من التركيز الرئيسي على القصة ذاتها.

تطرح أحداث الفيلم تساؤلًا إيحائيًا في عقل المشاهدين حول ما حدث لهذه المدينة الغريبة والملونة. هل كانت هذه المدينة حقًا موجودة من قبل؟ وتتابع هذه المشاهد وغموض اللقطات يجذب المشاهدين إلى عالم ميتافيزيقي. وتحديدًا من خلال تكرير الحقائق والإنجازات التي يحققها الشخصية الرئيسية، رورك.

يتعاون رورك مع ديانا كروز التي تؤدي دورها الممثلة أليس براغا، والتي يمكن وصفها بأنها عرافة رخيصة حسب تعبيره. تقوم ديانا بتوجيه رورك نحو الأبعاد الأكثر ظلمة في مدينة أوستن.

تتميز الحبكة الدرامية لهذا الفيلم منذ بدايتها بالغموض الذي يكتنف أوستن، المدينة التي لم يخطر في بال الشخصية الرئيسية رورك أبدًا أن يقوم بالتحقيق فيها. تتألق الصورة على نحو خاص من خلال التقنيات المبتكرة للتصوير التي تم استخدامها لجذب الانتباه نحو هذا السر الغامض. على الرغم من وجود بعض التشابهات الظاهرة بين هذا العمل وأعمال المخرج كريستوفر نولان البارزة، إلا أن “المنوم” يسلك مسارًا مختلفًا.

يقدم الفريق التمثيلي الممتاز، بقيادة الممثل الجذاب بن أفليك، أداءً رائعًا. ومع ذلك، يبدو أنهم لا يضيفون الكثير من الأبعاد والعمق إلى هذا العمل المثير للجدل. تتعرض أليس براغا بشكل مغري لبن أفليك وتقدم له كوبًا من ويسكي القمر الصافي، ثم تقدمه للمراقب التكساسي غير المعروف الذي يرتدي قبعة كاوبوي بيضاء وبدلة مُنسقة، وتُقدم له قهوته السوداء والكثيفة.

إذا كنت معجبًا بالمخرج رودريغيز، ربما تعجبك هذه اللمسات الشخصية الفريدة في شخصيات التنويم المغناطيسي، ولكن قد تكون مبالغًا فيها بعض الشيء. المزاج الفكاهي في بعض المشاهد ليس مثاليًا لجعله محبوبًا، بالمقارنة مع أداء الممثل دايو أوكيني في دور ريفر، الهاكر الذي يشعر بالقلق المفرط. دايو يقدم مشروب ماونتن ديو الذي صنعه بنفسه بعد تقديمه للوحة عقله المشوشة التي تربط كل شيء بفكرة التنويم، من بريكست إلى البابا. حيث يقول “إنها خلطتي الخاصة، وهي عضوية”، يفتخر ريفر بها بشدة بخصوص مشروبه الداي ديو الصناعي.

يرواح إيقاع الأحداث بين التسارع والإبطاء عن طريق تقنية الفلاش باك، إلا أنه يفتقر إلى التعمق والتفكير العميق الذي نجده في أعمال المخرج كريستوفر نولان المميزة.

يظهر هذا التناقض بجلاء في التصوير المبالغ فيه من الناحية البصرية وفي الحوارات الباردة التي تتداخل مع تعقيدات السيناريو. الفيلم يميل أيضًا إلى تمديد مدة المشاهد وزيادة تعقيد الحبكة بشكل زائد، ويبدو أنه يفعل ذلك لضمان عدم تفويت المشاهدين للتفاصيل المهمة.

التجربة تظل ممتعة ومثيرة إذا كنت تستمتع بعناصر السينما البسيطة والمألوفة التي تتجلى في هذا العمل الذي يمتلك لمسة خفيفة من الجودة السينمائية. ستبتسم بالتأكيد عندما يقدم بن أفليك أسطرًا مثل “هل أنا قمت بكل هذا من أجل التنويم؟”.

يظهر أسلوب المخرج في هذا العمل من خلال استخدامه للزوايا التصويرية الواسعة والعدسات العميقة على نحو بارع. حيث يهدف إلى توجيه انتباه المشاهدين وتعزيز التباين بين الواقع والعوالم الأخرى التي تستكشفها الشخصيات. ينشئ هذا الأسلوب جوًا غامضًا وغريبًا يثير تشويق المشاهدين واستغرابهم. ومن خلال التصوير والإخراج الصوتي، يقوم المخرج ببناء أجواء سينمائية فريدة تضيف عمقًا إلى الحبكة وتجعل القصة أكثر تعقيدًا.

يظهر المخرج أيضًا جرأة في استخدامه للزمان والمكان لنقل رسالته، حيث يتجاوز الحدود التقليدية للسينما من خلال تحدي الجمهور لفهم اللحظات الغامضة والمحادثات غير المفهومة. ويعزز هذا الاستخدام الجريء أيضًا تأخير استعراض المشاهد وتمديد تطوير الحبكة بقدر ما يلزم، وذلك للحفاظ على اهتمام الجمهور بالإشارات والمفاجآت الواضحة.

إنها تجربة معقدة نفسيا ولكن على نحو إيجابي، على الرغم من أنها قد تحمل مخاطر درامية حيث تمنح الأولوية لأداء متميز وأحداث غير تقليدية تأخذ الجمهور خارج حدود التوقعات المألوفة. قد لا يكون الفيلم ذكيًا أو معقدًا بما يكفي ليفتح آفاق تأمل عميقة، ولكنه يقدم تجربة ممتعة بأسلوبها الخاص والمثير ويلقي المشاهدين في عالم مليء بالإثارة والتفكير.

main 2023-10-10 Bitajarod

المصدر: بتجرد

كلمات دلالية: هذا العمل من خلال

إقرأ أيضاً:

مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة الأبحاث وأخلاقيات النشر العلمي

حظيت دراسة أنجزها بالكامل برنامج الذكاء الاصطناعي "غروك 3″، الذي ابتكرته شركة مملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، بإشادة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي من قبل المتشككين في قضايا التغير المناخي، بينما أبدى باحثون مستقلون مخاوف بشأن مصداقية تلك الأساليب وجدواها العلمية.

الدراسة، التي تحمل عنوان "إعادة تقييم نقدي لفرضية الاحترار المناخي المرتبط بانبعاثات ثاني أكسيد الكربون"، شككت في استنتاجات وتوقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، واستندت إلى دراسات لطالما أثارت الجدل بين المتخصصين في الأوساط العلمية. وقد انتشرت الدراسة على نطاق واسع عقب نشرها في نهاية مارس/آذار الماضي، حيث أعاد تداولها العديد من الشخصيات البارزة في أوساط المشككين بالمناخ، من بينهم عالم الكيمياء الحيوية الأميركي روبرت مالون، المعروف بمشاركته لمعلومات مضللة خلال جائحة كوفيد-19.

New Study by Grok 3 beta and Scientists Challenges CO2 ’s Role in Global Warming

March 21, 2025 – Lexington, MA, USA – A provocative new study led by artificial intelligence Grok 3 beta (xAI) and co-authors Jonathan Cohler (Cohler & Associates, Inc.), David R. Legates (Retired,…

— Nancy Pearcey (@NancyRPearcey) March 23, 2025

إعلان

وقال مالون في منشور عبر منصة "إكس" (تويتر سابقا) إن "استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الممولة من القطاع العام سيصبح أمرا شائعا، وستُحدّد معايير لاستخدامه في المجلات العلمية"، مضيفا أن الدراسة تمثل -على حد وصفه- "نهاية الخدعة المناخية"، وهو منشور تجاوز عدد مشاهداته المليون.

لكن في المقابل، يجمع المجتمع العلمي على وجود رابط واضح بين استهلاك الوقود الأحفوري وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ما يصاحب ذلك من تفاقم للظواهر المناخية المتطرفة، مثل موجات الحر والفيضانات. ويثير هذا السياق تساؤلات عن مدى حيادية المحتوى الذي يُنتج عبر برامج الذكاء الاصطناعي، ومدى إمكانية توظيفه كأداة بحث علمي موثوقة.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ العلوم البيئية مارك نيف:

"هذه البرامج اللغوية الكبيرة لا تمتلك القدرة على التفكير، بل هي نماذج إحصائية تتنبأ بالكلمات أو الجمل استنادا إلى ما تدربت عليه، وهذا ليس بحثا علميا".

وقد أوضح المقال ذاته أن برنامج "غروك 3" كتب المسودة كاملة، لكنه تلقى توجيهات من مساهمين بشريين وصفوا بأنهم أدوا "دورا حاسما" في تطويرها. ومن بين هؤلاء، عالم الفيزياء الفلكية ويلي سون، المعروف بتشكيكه في قضايا المناخ، والذي سبق أن تلقى أكثر من مليون دولار من قطاع الوقود الأحفوري لتمويل أبحاثه.

كما ذكر المقال أن بعض الدراسات التي استشهد بها الذكاء الاصطناعي قد أُضيفت إلى التحليل بناء على طلب من الفريق المشارك في إعداد الدراسة، على الرغم من أن عددا من تلك الدراسات سبق أن خضعت للمراجعة النقدية أو الطعن من قبل علماء آخرين.

وتقول عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية المقيمة في كاليفورنيا والمتخصصة في النزاهة العلمية، إليزابيت بيك، "لا نعرف شيئا عن الطريقة التي طلب بها المشاركون من الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات والمصادر المذكورة".

إعلان "نزاهة الذكاء الصناعي"

من جهته، يؤكد خبير الذكاء الاصطناعي أشويني باندا أن التحقق من نزاهة مساهمة الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري يبقى أمرا مستحيلا، قائلا: "بإمكان أي شخص الادعاء بأن برنامجا ذكيا كتب دراسة ما بمفرده، وبالتالي اعتبارها غير متحيزة، بينما الحقيقة قد تكون غير ذلك تماما".

 كذلك، يُثير توقيت نشر الدراسة علامات استفهام، إذ أُنجزت وقُدمت إلى النشر، ثم نُشرت خلال 12 يوما فقط، وهي مدة قصيرة بشكل غير اعتيادي في عالم النشر العلمي، وتطرح شكوكا عن مستوى التدقيق والمراجعة العلمية. ويبدو أن المجلة أو الجهة الناشرة لا تتبع أي لجنة معنية بالأخلاقيات العلمية، بحسب بعض الباحثين.

في هذا الإطار، عبّر غافين شميت، عالم المناخ في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، عن استغرابه مما وصفه بـ"سهولة الذكاء الاصطناعي في تجميع مواد سيئة الجودة"، مؤكدا أن الدراسة التي رُوّج لها لا تحمل مصداقية تُذكر، شأنها شأن المراجع التي اعتمدت عليها.

أما ناومي أوريسكس، مؤرخة العلوم بجامعة هارفارد، فقد رأت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة ما هو إلا "خدعة جديدة لإضفاء طابع زائف من الحداثة والتجديد على حجج المشككين في أزمة المناخ".

ويحذر خبراء وأكاديميون من الآثار السلبية الناتجة عن الاعتماد المفرط على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إعداد البحوث العلمية والأكاديمية، مؤكدين أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل كفاءات الباحثين ومهاراتهم في التحليل والتفكير النقدي والإبداعي.

مقالات مشابهة

  • بين التشظي والتخيل.. عوالم علياء الجريدي في أسبوع فن الرياض
  • “مي عمر: لم أخف من تقديم دور الراقصة لأننا تناولنا الموضوع بشكل مختلف
  • الغموض المعرفي الاصعب ..ماذا يجري فلسطينيا…اقليميا وعالميا..
  • الغموض المعرفي الاصعب ..ماذا د يجري فلسطينيا…اقليميا وعالميا..
  • مخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على جودة الأبحاث وأخلاقيات النشر العلمي
  • شفاه بارزة وملامح حيوانية.. ما سبب شعبية الأطراف الاصطناعية في عالم الموضة؟
  • «بايتدانس» تدخل عالم الشخصيات الرقمية بقدرات غير مسبوقة
  • عالم بالأوقاف: أكل مال اليتيم يغضب الله ويوجب العقاب الشديد
  • الإمبراطورية الأمريكية في مواجهة عالم متعدد الأقطاب.. دراسة جديدة
  • صفحات مجهولة من حياة المستكشف البريطاني هوارد كارتر