لجريدة عمان:
2025-04-06@10:52:44 GMT

«الموتى لا يكذبون» «1-2»

تاريخ النشر: 10th, October 2023 GMT

تعدّدت قراءات قصة «الموتى لا يكذبون - Les morts ne mentent pas» للروائيّ والقاصّ الفرنسيّ غي. دو. موباسان، كما تنوّعت تحليلات هذا العمل الجميل مرهف المشاعر، باختلاف ترجماته من اللغتين الأصليّة الفرنسيّة أو الإنجليزيّة. وفي هذا السياق أخذ إعداد القصة وتحويلها إلى عمل مسرحيّ يغري المؤلّفين أو المخرجين أو المشتغلين بالدراماتورجيا على حدّ سواء.

أمامي على سطح المكتب كتابان، يعودان إلى الكاتب البحرينيّ حمد الشهابي. الكتّاب الأوّل مسرحيّة (الحبّ الأوّل في حياة نابليون بونابرت) وصدرت الطبعة الأولى عام 2017م. صورة غلاف هذا الكتاب للفنّانين الإنجليزيّين (بنجامين هايدون 1786-1846)، و(جورج رومني 1734- 1802) أمّا تصميمه فللفنّان المسرحيّ خالد الرويعي.

أمّا الكتاب الثاني، فمسرحيّتان أيضًا: الأولى (الموتى لا يكذبون)، والثانية (رقصة الباليه الأخيرة)، وصدرت طبعته الأولى عام 2018م، وراجع الكتاب أ. محمّد الجبّالي، أمّا التصميم والإخراج الفنّيّ فللفنّان زياد عيسى الشايجي.

بعد قراءتي للكتابين على فترتين ليستا متباعدتين، تساءلت عن فكرة الإعداد المسرحيّ وغياب بنات أفكار المؤلّف الأصليّة؟ إذ يبدو أنّ ظاهرة اهتمام الشهابيّ بتنوّع ينابيع التأليف هي ما دفعه إلى ظاهرة الإعداد. فالمؤلّف كما جاء في آخر صفحات الكتابين له (22) مسرحيّة، وكتب (4) أفلام سينمائيّة، كما أن له العديد من المسلسلات التلفزيونيّة (6) في البحرين، و(7) في الكويت، و(1) في قطر، و(3) في الإمارات العربيّة المتّحدة، و(3) في عمّان. كما تنوّعت إصداراته، فصدرت له أربع مجموعات قصصيّة قصيرة، وله رواية بعنوان (فان جوخ) سأتجاوز المقدّمة النقديّة الّتي كتبها الناقد والباحث الأدبيّ الدكتور محمّد الخزاعي، وكذلك كلمة المخرج والناقد والباحث المسرحيّ عبداللّه السعداوي، للولوج إلى المسرحيّة المكوّنة شخصيّاتها مما يزيد على (18) شخصيّة. تصوّر مسرحيّة (الحبّ الأوّل في حياة بونابرت) حدثًا صغيرًا ومركزيّا، يدور حول علاقة العاطفة المتناقضة الحاصلة ما بين الحبّ والكبرياء. أهدى المؤلّف كتابه إلى زوجه وبناته، وأتبع بعد صفحة الإهداء كلمة المؤلّف الّتي يضيء لنا فيها سبب اختياره للكتابة عن «نابليون القائد العسكريّ الفرنسيّ العظيم، هو الّذي ترك في داخلي ذلك الإشعاع...»، وتدور أحداث المسرحيّة في «مدينة مرسيليا الفرنسيّة، ... وتمثّل جزءًا محدودًا بسيطًا من مدّة حياته لا يتعدّى الشهر فقط، وهو في سنّ 21 سنة... ولأنّ نابليون خلق ليكون قائدًا عسكريًّا... فقد كان اختياريّ لهذه المادّة المسرحيّة...» وفي صفحة أخرى يوضّح لنا أنّ أحداث المسرحيّة تقع بين عامي 1789- 1790م، وتسلّط الضوء على هروب عائلة بونابرت من جزيرة كورسيكا مولّد نابليون، وقد هربت عائلته خوفًا من بطش النظام القائم فيها حينذاك، ويجري تركيز المكان أو الحدث الدراميّ ليجري بين بهو بناية المسيو كلاري أحد تجّار مرسيليا، وصالة شقّة عائلة نابليون الّتي انتقلوا إليها. أمّا عن عناصر الهيكل العامّ للمسرحيّة فتتكوّن من أربعة فصول، يضمّ الفصل الأوّل مشهدين، والفصل الثاني أربعة مشاهد، والفصل الثالث ثلاثة مشاهد، أمّا الفصل الرابع والأخير فيتضمّن مشهدًا فقط.

يمكن القول -باطمئنان-: إن حمد الشهابيّ في هذين العملين ينتصر انتصارًا واضحًا للحكاية في المسرح، وهذا ما يعزّز القول إنّ المؤلّف يحسب حسابًا لمناطق بدء الحدث وتطوّره ونموّه عبر الحفاظ على تسلسله الدراميّ. ففي الفصل الأوّل بمشهديه يجري تحديد مكان الحدث بدقّة واضحة: «المسرح ظلام.. نسمع صوت عربة منطلقة بأحد شوارع مرسيليا...»، ثمّ نتعرّف على الشخصيّات الرئيسة عائلة نابليون؛ أمّه، وأخوه (ماريا وجوزيف ونابليون) يتحدّثون عن استئجارهم لشقّة كبيرة وظروفهم الماليّة لا تساعدهم، ليكشف لنا المؤلّف عن جزء من أبعاد شخصيّة نابليون ونظرته إلى المشكلة الملقاة على عاتق هروب أسرته: «إنّ السكن في شقّة لمدّة ستّين يومًا دون أن نحصد خلالها مبلغًا من المال عن طريق وظيفة أو عمل نقوم به بمقابل، فهذا يعني أنّنا بلهاء...».

إنّ ظهور شخصيّة المرأة الغجريّة المدعوّة (ناتاشا) وهي كما يعرفها المؤلّف: «المشعوذة، والساحرة، والخادمة» سيبنى عليه حدوث تبدّل مهمّ في زمن الأحداث وتحوّل الشخصيّات. فالغجريّة تنتمي إلى عالم الشعوذة الّتي ورثتها كمهنة عن أمّها وجدّتها. من شأن وجود هذا العنصر أن يضفي على الحدث حيويّة يصعب التكهّن بها؛ فالغجريّة في لقائها مع نابليون للمرّة الأولى تنظر في عينيه قائلة: «إنّي أرى في وجه هذا الشابّ شيئًا لا تراه أنت... أيّها الشابّ أنت مختلف.. أنت شابّ مشعّ لك في الحياة دور ما ليس لغيرك.. سوف أقول لك عن نفسك أشياء كثيرة وجميلة.. هل تريد أن...».

ومن أجل ائتلاف عناصر الحكاية في بنائها التقليديّ، على شخصيّة البطل، أن تكون ذات مسارين؛ الأوّل أن نراها مهتمّة بعالم الشعوذة مرحّبة بالساحرات والغرق في مسارات طقسهنّ كما فعل شكسبير مع ماكبث، أو نرى الشخصيّة رافضة وغير مؤمنة بعالم ما وراء الوجود.

يختار حمد الشهابي المسار الثاني لشخصيّة نابليون، فنراه بعدما استطاعت الغجريّة الدخول للعمل كخادمة في شقّتهم بلا مقابل بل نظير «وجبة مكوّنة من قطعة خبز وشاي فقط»، يعزّز المؤلّف من طاقات الغجريّة التنبّؤيّة بالغيب؛ فتخبره في لقائها الثاني: «شكلك يوحي بمستقبل باهر.. عظيم.. سوف تنال شهرة كبيرة في جميع أصقاع الأرض..»، فيخبرها نابليون في المشهد الثالث للفصل الثاني بازدراء أنّ أشياء مهنتها الّتي ورثتها: «شعر الأسد الإفريقيّ، وجلد الذئب الروسيّ، وعظام الهرّ الإسبانيّ الصغير، وعين الثعبان السحريّة» هي أشياء تافهة وموجودة في كلّ بقعة على الأرض، ثمّ في موضع ثان يكشف المؤلّف عن اعتقاد القوى الراسخة فيما يؤمن به، ويفعل ذلك في غير تراخ أو نفور أو حزم بل يفسح مكانة للشخصيّة أن تختار ما تؤمن به من مزايا، فيقول نابليون للغجريّة: «لك حقّ الإدلاء بما تفكّرين به، ولي حقّ التصديق أو عدم التصديق.. ولست راهبًا لأحكم عليك بالحياة أو الموت أو بالصدق والكذب».

في المقابل، هناك شخصيّة «ديزديه» حبيبة نابليون وابنة المسيو كلاري الصغرى. أجاد المؤلّف تكوين بناء شخصيّتها، وما يعتمل في داخلها من قوّة وصلابة واعتداد بالذات، فهي تظهر لتقدم على الفعل ثمّ ما تلبث أن تتراجع، تساوم تارة دون ضعف ولا تقبل أنصاف الحلول. حتّى في لحظات فشل علاقتها فإنّ القارئ يستطيع بسهولة كشف مآلها. لقد قدّم ذلك المؤلّف بسهولة ويسر على يد الغجريّة ومن داخل كبريائها الّذي لا حدود له. وإذ ينتصر نابليون للثورة والنضال من أجل الوطن، دون مراجعة لعواطفه الّتي يكنّها لمحبوبته، ما يشير إلى أنّ المؤلّف قد وضع الشخصيّتين في محور واحد بحيث لا تستطيع إحداهما التخلّي لأجل الأخرى أو التنازل، نراها تقول لنابليون: «هكذا أنا ولدت أحمل طبعي هذا ورضعت من ثدي مرّ لو شرب منه غيري لمات وتربّيت في كنف والد غلفني بديمقراطيّة الرأي ترك لي حرّيّة التصرّف ولم يعلّمني كيف أرضخ أو أوافق على كلّ شيء...».

تتّسم حوارات شخصيّات المسرحيّة بالإطالة، واستوقفني حوار جاء على لسان الغجريّة عندما قالت لنابليون ما جعلها في الواقع تبدو شخصيّة مثقّفة من طراز عال، وكأنّها تتكلّم بلسان المؤلّف حمد الشهابي، حيث تستخدم بعض مفردات علم النفس أو تحليل علم الجريمة فتقول: «لقد قلت لك إنّ الشيطان يقع بين البصر والدماغ، والّذي دفع هذا المجرم إلى الفعل السيئ ليست الرغبة ولا المرض ولا الجنون، حتّى لو كانت هذه الصفات موجودة لديه في السابق فالشيطان يحثّه بقوّة على فعل الشرّ لأنّه دخل مع المشهد الذي رآه وحوّله إلى دماغه وتمّ الأمر من خلال غرفة العمليّات بالدماغ بالهجوم الإجراميّ».

ما الدافع إلى جعل غجريّة فقيرة الحال أن تقول ذلك؟ ما المؤهّلات الّتي تملكها؟ ألا ينطبق حال المثل القائل «باب النجّار مخلع» على حال ناتاشا الّتي لم تقدر بسحرها أن تصلح من شأنها، فإذا بها تتنبّأ بحال قائد عسكريّ حلم يومًا باحتلال العالم؟!

وللحديث بقيّة..

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ة نابلیون المسرحی ة المؤل ف مسرحی ة الأو ل شخصی ة

إقرأ أيضاً:

مهرجان أفينيون المسرحي الفرنسي يحتفي بالعربية لغة النور والمعرفة

باريس "أ.ف.ب": تخصص الدورة التاسعة والسبعون لمهرجان أفينيون التي تقام في جنوب شرق فرنسا في يوليو المقبل حيّزا رئيسيا للعربية، بوصفها "لغة النور" و"المعرفة"، إذ يرغب المنظمون في "الاحتفاء بها" في مواجهة "تجار الكراهية".

ويتضمن هذا المهرجان المسرحي الدولي الذي يقام ما بين 5 يوليو المقبل و26 منه 42 عملا يُقدَّم منها 300 عرض، بينها 32 عملا من سنة 2025، بحسب برنامجه الذي أعلنه الأربعاء مديره تياغو رودريغيز في أفينيون وعلى صفحات المهرجان عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ويتسم "بالمساواة التامة" على قوله.

واختير لافتتاح المهرجان في قاعة الشرف بقصر الباباوات عرض بعنوان "نوت" Not مستوحى من "ألف ليلة وليلة"، لمصممة الرقصات من الرأس الأخضر مارلين مونتيرو فريتاس التي تُعدّ أحد أبز وجوه الرقص المعاصر، ونالت جائزة الأسد الذهبي في بينالي البندقية عام 2018.

وقال رودريغيز إن فريتاس التي درست الرقص في لشبونة وبروكسل فنانة تعرف كيف تخترع "صورا وقصائد بصرية على المسرح"، ملاحظا أن رقصاتها "تمزج بين العلاقة الملتهبة مع الجسد وكثافة الفكر الفلسفي".

اللغة العربية ضيفة المهرجان

وإذ وصف مدير المهرجان من مدينة أفينيون اللغة العربية بأنها "لغة النور والحوار والمعرفة والنقل"، رأى أنها "كثيرا ما تكون، في سياق شديد الاستقطاب، رهينة لدى تجار العنف والكراهية الذين يربطونها بأفكار الانغلاق والانطواء والأصولية".

وأضاف أن اختيار العربية لتكون ضيفة المهرجان "تعني اختيار مواجهة التعقيد السياسي بدلا من تجنبه، والثقة في قدرة الفنون على إيجاد مساحات للنقاش والتفاهم".

وأشار إلى أنه كذلك "احتفاء باللغة الخامسة في العالم والثانية في فرنسا من حيث عدد المتحدثين بها".

ويتضمن برنامج المهرجان 12 عرضا أو نشاطا مرتبطا باللغة أو التقاليد العربية، ومن بين الفنانين الذين يقدمونها المغربية بشرى ويزغن (أداء تشاركي) واللبناني علي شحرور (رقص، موسيقى، مسرح) والتونسيان سلمى وسفيان ويسي (رقص)، والمغربي رضوان مريزيكا (رقص)، والفرنسية العراقية تمارا السعدي (مسرح)، والفلسطينيان بشار مرقص وخلود باسل (مسرح) أو السوري وائل قدور (مسرح).

وستكون "كوكب الشرق"، المطربة المصرية أم كلثوم التي توفيت قبل 50 عاما، محور عمل موسيقي من إخراج اللبناني زيد حمدان بمشاركة المغنيتين الفرنسية كاميليا جوردانا والفرنسية الجزائرية سعاد ماسي ومغني الراب الفرنسي الجزائري دانيلن بعد حفلة أولى في مهرجان "برينتان دو بورج".

كذلك تقام أمسية من الحفلات الموسيقية والعروض والقراءات بعنوان "نور" بالتعاون مع معهد العالم العربي في باريس.

ويلحظ البرنامج أيضا تنظيم مناقشات ومؤتمرات و"مقاهي أفكار"، تستضيف مثلا الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني والصحافي اللبناني نبيل واكيم والكاتب الفلسطيني إلياس صنبر.

وعلى مسرح في مقلع بولبون للحجارة، تحية إلى المغني البلجيكي الراحل جاك بريل يقدمها الثنائي المكون من مصممة الرقص البلجيكية آن تيريزا دي كيرسماكر والراقص الفرنسي سولال ماريوت، الآتي من عالم البريك دانس.

وبالتعاون مع مهرجان فيينا (جنوب شرق)، يحيي الكاتب المسرحي سيرفان ديكل والمخرج ميلو رو أمسية من القراءات الممسرحة للمحاكمة المتعلقة باغتصابات مازان المرتكبة في حق الفرنسية جيزيل بيليكو التي كان زوجها السابق يخدّرها ليغتصبها غرباء.

ومن ضيوف المهرجان مخرجون مسرحيون بارزون كالألماني توماس أوستيرماير الذي سيقدم "البطة البرية" The Wild Duck لهنريك إبسن، والسويسري كريستوف مارثالر الذي يقدم عمله لسنة 2025 "القمة".

ويعود إلى أفينيون أيضا "المسرح الجذري" لفرنسوا تانغي الذي توفي عام 2022.

كذلك يعود إلى قاعة الشرف في قصر الباباوات العمل المسرحي البارز في تاريخ مهرجان أفينيون "حذاء الساتان" Le Soulier de satin لبول كلوديل، من إخراج مدير مسرح "كوميدي فرانسيز" إريك روف.

وفي الوقت نفسه، "يقدم أكثر من نصف الفنانين (58 في المئة) عروضهم للمرة الأولى"، بحسب تياغو رودريغيز، كالراقصة الدنماركية ميته إنغفارتسن والفنان الألباني المتعدد التخصصات ماريو بانوشي.

ويقدم مدير المهرجان أحدث أعماله بعنوان "المسافة" La distance، وهي مسرحية سوداوية تروي قصة جزء من سكان الأرض أصبحوا فريسة لعواقب الاحترار المناخي ولجأوا إلى المريخ.

مقالات مشابهة

  • رئيس الشاباك يُفجِّر قنبلةٌ من العيار الثقيل: الحرب تخدم نتنياهو شخصيًا
  • نقل الأموال عبر سيارات الموتى ورشاوي ضخمة.. تفاصيل مثيرة جديدة في قضية بلدية إسطنبول
  • المسرحي ياسر أسلم لـ عُمان: من بعثنا من مرقدنا كان دافعه الأول انتحار زميلتي
  • شكراً ابننا وتلميذنا محمد علي جمال فقد وضعت وساما علي شخصي الضعيف
  • تبرئة مفتي سوريا السابق بعد التحقيق والشرع يتولى رعايته شخصيًا
  • السفير الروماني بجورجيا يشهد العرض المسرحي كنت وكان
  • مصرع شخص صدمته سيارة بالشرقية
  • مهرجان أفينيون المسرحي الفرنسي يحتفي بالعربية لغة النور والمعرفة