رولان لومباردى يكتب: لماذا يتخلى الغرب عن أرمينيا؟
تاريخ النشر: 9th, October 2023 GMT
ناجورنو كاراباخ تعانى مأساة رهيبة.. والديمقراطية الغربية انتقائية
فى الحقيقة، يعتبر عدوان أذربيجان على ناجورنو كاراباخ يشكل، إلى جانب المأساة الرهيبة التى تعرض لها الشعب الأرمني، دليلًا جديدًا على المشاعر الانتقائية للغاية التى تعانى منها الديمقراطيات الغربية. إن الصمت، وخاصة غياب الإجراءات الملموسة لوقف هذه المأساة، يكشف الكثير عن التناقض والافتقار إلى الشجاعة لدى الطبقة الحاكمة الغربية الحالية.
وهنا أطرح سؤالًا: أين تأثر أرواحنا الجميلة و"نخبنا" الغربية إزاء المذابح المستمرة بحق الأرمن فى ناجورنو كاراباخ، على الرغم من أنهم يسارعون إلى الشعور بالأسف على مصير المهاجرين فى البحر الأبيض المتوسط أو الأوكرانيين؟
وحتى البابا فرنسيس، خلال زيارته لمرسيليا قبل أيام، لم يقل كلمة واحدة عن هذه المأساة التى تطال شعبًا من الأمة المسيحية الأولى. والأسوأ من ذلك أنه فضل دعوة الشعوب والدول الأوروبية إلى الترحيب بأذرع مفتوحة بالمهاجرين غير الشرعيين والبؤس الأفريقى الذين يصلون إلى شواطئنا، وبالتالى التعجيل بالانتحار الحضارى للقارة القديمة!
فى فرنسا وأوروبا، كان الشتات الأرمنى وعدد قليل من المسئولين المنتخبين، مثل فاليرى بوير، وفرانسوا كزافييه بيلامي، وبرونو ريتيللو (وحتى عمدة باريس آن هيدالغو!)، والصحفيين، مثل فريديريك بونس، من بين آخرين، جان كريستوف بويسون، أو المثقفون والباحثون، مثل تيغران يجافيان، وأنيك أسو، وإليز بوغوسيان، ينقذون شرف الغرب ويحاولون بشجاعة منذ سنوات تنبيه وإيقاظ ضمائر قادتنا بشأن ما هو على المحك فى ناغورنو. - كاراباخ، وقبل كل شيء، الانتهاكات وجرائم الحرب (يتم تداول مقاطع فيديو مروعة على الإنترنت!) والتطهير العرقى الحقيقى الجارى فى هذه المنطقة. بدون جدوى !
أرمينيا، الخالية من البترول أو الموارد المعدنية الغنية التى يمكن تحقيق الدخل منها، وسكان آرتساخ الذين عاشوا فى هذا البلد منذ ألفى عام، وحيدون ومهجرون حقًا!
ولم يقدم إلا ملالى طهران، لمواجهة رغبات الأجداد الأتراك فى القوقاز، دعمًا خجولًا ليريفان. عار!
يمكننا أن نفهم، دون التغاضى عن ذلك أو تبريره، السخرية الجيواستراتيجية الإجرامية لإسرائيل أو السخرية الجيوسياسية لروسيا.
فى الواقع، فى حين أن غالبية الرأى العام الإسرائيلي، بسبب ماضيها المأساوي، حساس ومشمئز من هذه الإبادة الجماعية الجديدة، فقد اختار قادة الدولة العبرية لأسباب رسمية باردة ويفضلون بالتالى بيع الأسلحة إلى أذربيجان من أجل توطيد دعائمها. شراكتها الاستراتيجية مع باكو، وبالتالى ضمان الحفاظ على قواعد التنصت والاستخبارات السرية فى شرق البلاد لمراقبة عدو إسرائيل الأكبر، إيران.
أما بالنسبة لروسيا، التي، كما أشار الخبير تيغران يغافيان مؤخرًا، كانت حتى الآن الضامن الوحيد لحماية أرمينيا وبقائها (على الرغم من الاتفاقيات العديدة المبرمة مع تركيا وأذربيجان)، فقد اختارت عدم التدخل من أجل لحظة. بادئ ذى بدء، لدى موسكو سمكة أخرى لتقليها فى أوكرانيا، حيث يشن الناتو، من وجهة نظرها (لكن هذا صحيح إلى حد كبير)، بدماء الأوكرانيين، حربًا وجودية تهدد مستقبل إمبراطوريته؛ وبالمثل، بالنسبة للروس، فإن ذلك أيضًا، بطريقة أكثر سخرية ووحشية، هو بمثابة تلقين درس للقوة الأرمينية، التى على الرغم من المقترحات المتكررة من الكرملين بالعودة إلى الحظيرة الروسية، تصر على مطاردة محمية وهمية للغربيين. وخاصة الولايات المتحدة التي، كما نرى كل يوم يمر، لن تحرك ساكنًا تجاه الأرمن.
وبالمناسبة، دعونا نتذكر أن واشنطن لن تفعل أى شيء لإزعاج تركيا أردوغان، العضو فى الناتو والحليف الرئيسى لأذربيجان، والتى هى على وجه التحديد بيدق أساسى فى استراتيجيتها السخيفة والمناهضة لروسيا التى تعمل اليوم فى أوروبا. تحتاج إدارة بايدن أكثر من اللازم إلى سيد أنقرة، الذى ظل بذكاء شديد أحد آخر محاورى بوتين، وبالتالى يمكنه، كما فعل بالفعل، التفاوض بشأن الحظر الروسى على القمح أو إطلاق سراح المرتزقة الغربيين السجناء الروس فى الصراع الأوكراني. وقبل كل شيء، بالنسبة للأمريكيين، يجب علينا أن نتجنب تمامًا استخدام حق النقض التركى ضد انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو!
الاتحاد الأوروبي؟
تقاعسه وشلله يتحدثان عن نفسيهما!
وبغض النظر عن العاطفة التى لا نهاية لها والكلمات الجوفاء مثل العبارة الشهيرة "ندعو كل طرف إلى وقف القتال" (كان علينا أن نجرؤ!)، لم يتم تطبيق أدنى بداية للعقوبات بعد أشهر من المجازر! لا شىء !
لم يكن هناك رد فعل، حتى بعد أن كان الإجراء الأول للمنتصرين الأذربيجانيين هو إعادة تسمية الشارع الرئيسى فى ستيباناكيرت باسم أنور باشا، منظم الإبادة الجماعية للأرمن عام ١٩١٥!
صحيح أننا اعتدنا على هذه الهندسة المتغيرة المثيرة للشفقة لمشاعر المفوضية، والمجلس، ورؤساء الدول والحكومات الأوروبية.
تفضل السيدة فان دير لاين وأتباعها الفرنسيون وغيرهم، الذين أصبحوا أكثر خضوعًا لواشنطن من أى وقت مضى، مواصلة الانتحار الجيوسياسى والاقتصادى لأوروبا من خلال اتباع الاستراتيجية الأمريكية ضد "الدكتاتور الشرير" بوتين و"عمليته الخاصة" فى أوكرانيا بشكل أعمى. فبدلًا من مجرد إدانة "عملية مكافحة الإرهاب" (!) التى يقوم بها "الديكتاتور الطيب" الأذربيجانى علييف، الذى مع ذلك يقلب القانون الدولى ويفرض الأمر الواقع!
ينسى الاتحاد الأوروبى اليوم أنه ولد على وجه التحديد حتى لا تتكرر الإبادة الجماعية مرة أخرى، كما يشير بحق عضو البرلمان الأوروبى كزافييه بيلامي.
وكما هى الحال مع روسيا أو إسرائيل المذكورتين أعلاه، فمن الممكن أن نؤمن بسذاجة بوجود نوع من العقلانية من جانب الاتحاد الأوروبى الذى من شأنه أن يحافظ بالتالى على مصالحه الخاصة. الأمر ليس كذلك. بالنسبة للممثلين الأوروبيين، أصبحت أذربيجان "شريكًا موثوقًا به" (!) لأن الغاز الروسي، المهم جدًا بالنسبة للأوروبيين والذى نفتقر إليه الآن بسبب سياستهم غير المتسقة ضد موسكو، أصبحنا اليوم أكثر اعتمادًا على الغاز. باهظ الثمن (!) ويتم شراؤه باكو والتى غالبا… الغاز الروسي! وعلى هذا المستوى لم يعد الأمر يتعلق بأسباب الدولة بل بأبشع عدم الكفاءة وحتى بالطب النفسي!
ومع ذلك، ما الذى يمكن أن نتوقعه من هؤلاء السياسيين الأوروبيين الصغار الذين يتابعون منذ سنوات هرطقة بائسة أمام "الديكتاتور اللطيف" الآخر والأب الروحى لعلييف، السلطان الجديد أردوغان وابتزاز مجتمعه والمهاجرين؟
فى هذه الأثناء، فإن هذا "المعايير المزدوجة" الدنيئة والمنافقة فى الإدانات الأخلاقية الغربية يزيد من مصداقيتنا، بعد قائمة طويلة من الهجرات السابقة مثل تلك التى تعرض لها المسيحيون فى لبنان وسوريا والعراق.
فى الحياة اليومية كما فى العلاقات الدولية، عندما لا يدافع فرد أو أمة عن حقوقهم (أرمينيا، كما قيل، هى بالنسبة للغرب أحد مهد الحضارة اليهودية المسيحية)، فإنهم يفقدون شرفهم ويذلون أنفسهم ويخسرون. كل الاحترام لمن يراقبهم.
وفى السياق الدولى الحالي، ليس من المستغرب أن أفريقيا والعالم العربى الإسلامي، بل وبقية العالم، الذين يدققون فى تصرفات هذا الغرب المتدهور، قد بدأوا أخيرًا فى الابتعاد عن هذا الغرب!.
رولان لومباردى: رئيس تحرير موقع «لو ديالوج»، حاصل على درجة الدكتوراه فى التاريخ وأستاذ بالجامعات الفرنسية.. وتتركز اهتماماته فى قضايا الجغرافيا السياسية والشرق الأوسط والعلاقات الدولية وأحدث مؤلفاته «بوتين العرب» و«هل نحن فى نهاية العالم» وكتاب «عبدالفتاح السيسى.. بونابرت مصر».. يخصص افتتاحية العدد لأزمة أرمينيا ومنطقة ناجورنو كاراباخ.
المصدر: البوابة نيوز
كلمات دلالية: الغرب أرمينيا ناجورنو کاراباخ
إقرأ أيضاً:
كيف يستغل الغرب نقاط ضعف الدول للسيطرة عليها
بقلم د./ لولوه البورشيد
في كثير من الأحيان، عندما يضع الغرب عينه على بلد معين، لا يكون الهدف مجرد الضغط السياسي أو الاقتصادي، بل يتعداه إلى استراتيجية أعمق تهدف إلى إضعاف ذلك البلد وتفتيته من الداخل. هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل تكاد تكون نمطا متكررا في التاريخ الحديث، حيث يتم استغلال نقاط الضعف الداخلية للبلد المستهدف لخلق حالة من الفوضى تسهل في النهاية السيطرة عليه ونهب ثرواته.
أصبحت الدول الغربية – وخصوصا القوى الكبرى منها – تتبع استراتيجيات معقدة تهدف إلى السيطرة على البلدان الضعيفة أو المتعثرة. تتمحور هذه الاستراتيجيات حول فكرة أساسية أضعاف البلد المستهدف ، مما يجعل عمليات السيطرة عليه أسهل وأسرع. يتم تحقيق هذا الهدف من خلال تغذية الصراعات الداخلية، السياسية والطائفية، واستغلال الانقسامات القائمة في المجتمع .
تبدأ الخطة عادة بتغذية الصراعات الداخلية، سواء كانت سياسية أو طائفية أو حتى اجتماعية. يتم تعزيز الانقسامات الموجودة أصلا، أو خلق انقسامات جديدة إن لزم الأمر. الغرب، بما يملكه من أدوات إعلامية وقدرات اقتصادية ونفوذ سياسي، يعمل على تضخيم الخلافات بين الأطراف المحلية، مما يجعلها تتصارع فيما بينها بدلاً من الاتحاد ضد التدخل الخارجي. وفي هذا السياق، يبرز دور القادة المحليين الذين يتم اختيارهم أو دعمهم بعناية. غالبًا ما يكون هؤلاء القادة أشخاصًا تفتقر رؤيتهم إلى الحكمة أو العمق الاستراتيجي، فيصبحون أدوات في يد القوى الخارجية دون أن يدركوا ذلك.
عندما يتم تفكيك الدولة وخلق فوضى داخلية، يسهل على القوى الغربية صناعة قادة يتسمون بالجهل أو الضعف. هؤلاء القادة لا يمتلكون رؤية استراتيجية واضحة، ويميلون إلى تحقيق أهدافهم الشخصية والمكاسب السريعة، دون التفكير في مصلحة البلد على المدى البعيد. يتحول هؤلاء القادة إلى أدوات بيد القوى الخارجية، يزجون بلادهم في حروب وصراعات لا طائل منها، مما يساهم في زيادة الفوضى و ينجرفون في نزاعات داخلية، ويزجون شعوبهم في حروب أهلية أو فتن تُنهك البلاد وتدمر بنيتها التحتية. في خضم هذا الصراع، يجد الغرب الفرصة المثالية للتدخل، سواء تحت ستار "المساعدات الإنسانية" أو "إرساء الاستقرار"، بينما الهدف الحقيقي هو وضع يده على الموارد الطبيعية والثروات الاستراتيجية للبلد، كالنفط أو الغاز أو المعادن النادرة.
بدون أن يلاحظ المواطنون. ينتج عن ذلك تدهور اقتصادي متزايد، حيث يُحرمون من خيرات بلادهم نتيجة الفساد والفوضى التي تخلقها القوى الغربية.
والمثير للسخرية أن هؤلاء القادة، بعد أن يؤدوا دورهم في تدمير بلادهم، غالبًا ما يتم التخلص منهم من قبل الغرب نفسه. فبمجرد أن تتحقق الأهداف، تصبح حاجتهم إليهم منتهية، فيتركون لمصيرهم، إما بالإطاحة بهم أو التخلي عنهم في مواجهة شعوبهم الغاضبة. التاريخ حافل بأمثلة من هذا القبيل، حيث تحول حلفاء الغرب في لحظة من أدوات نافعة إلى أعباء يجب التخلص منها.
و مع مرور الوقت، عندما تصبح الأوضاع متدهورة، قد تقرر القوى الغربية التخلص من هؤلاء القادة الضعفاء. قد يبدو ذلك كالخروج من أزمة، لكن في الحقيقة هو خطة مدروسة لاستبدالهم بآخرين يمكن السيطرة عليهم بسهولة أكبر. يضمن هذا النوع لدوائر صنع القرار في الغرب الاستمرار في الهيمنة على البلد وتحقيق مصالحهم دون الاضطرار إلى التعامل مع القادة الأقوياء أو المستقلين.
تكمن المأساة في أن البلد المستهدف يخرج من هذه العملية ضعيفا، مفككا، ومستنزفًا، بينما تتراكم الثروات في أيدي القوى الخارجية التي خططت لهذا السيناريو منذ البداية. إنها لعبة قديمة، لكنها تتكرر بأشكال مختلفة، وتبقى الخسارة الأكبر على عاتق الشعوب التي تدفع ثمن طموحات قادتها الفاشلين ومخططات الخارج المحكمة.
يجب أن يتعين على الشعوب أن تكون واعية لهذه الأساليب، وأن تسعى لبناء وطن يتسم بالتنمية والاستقرار، حيث يمكن للجميع أن يعيشوا بكرامة بعيدا عن صراعات الفتنة والمصالح الشخصية. التصدي لهذه الاستراتيجيات يتطلب توحيد الجهود والعمل على تعزيز الوعي الوطني والمجتمعي وتطوير القيادات القادرة على مواجهة التحديات.