محمد عبده.. عقلنة النص الديني وأثره على التفكير الإسلامي
تاريخ النشر: 9th, October 2023 GMT
الإسلام.. جاء لإصلاح المعتقدات الدينية والسلوك الإنساني، مقررا أن سعادة الإنسان الدنيوية ونجاته الأخروية في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح؛ أي في حقيقة الإيمان لا في اسم المعتقد: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:62].
هذا مبدأ كلي.. وهناك تفاصيل تستتبعه، تتداخل معها المؤثرات الاجتماعية، فكان القرآن يتنزل بالقصص والعِبر والتوجيهات والأحكام التي تخدم ذلك المبدأ. ولما أن الأوضاع الاجتماعية تتغير بتغيّر الزمان والمكان؛ فقد احتاج المجتمع المسلم إلى «حركة اجتهادية»، ابتدأت منذ العهد الراشدي، ثم تطورت حتى نهاية القرن الرابع الهجري، وتتوجت بنظرية معرفية للتفكير الإسلامي ذات ثلاث شعب: الرواية، وأصول الفقه، وعلم الكلام، وهذه هي «مرحلة التوهج المعرفي» لدى المسلمين، وفيها نشأت المذاهب الإسلامية، ولا غروَ في هذا التوهج إذ كان قبضة من أثر الرسول.
ثم دخل الفكر الإسلامي «مرحلة الجمود»، التي لم يشعر بها المسلمون، ولبثوا في كهف سباتهم حوالي تسعمائة سنة، لم تتطور هيكلة دولهم وبُنية مجتمعاتهم كثيرًا، فاستطاعت تلك النظرية المعرفية -بما لها وعليها- أن تمد المسلمين بالأجوبة الوجودية والفكرية والفقهية والأخلاقية. ولكن ما إن نهض الغرب نهضته الكبرى، وبسط نفوذه في العالم بآلته الاستعمارية المتدرعة بالنار والمتذرعة بالعلم، حتى تفاجأ المسلمون بأن هناك تغيرات كبيرة في العالم، امتد تأثيرها إليهم، وأنه لا بد لهم من إعادة النظر في مناهجهم القديمة، فانطلقت مرحلة مراجعة الموروث وتحرير الفكر؛ عرفت بـ«الانبعاث الإسلامي»، ابتدأت منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وكان من رادتها محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني(ت:1897م). المقال.. يتحدث عن عقلنة عبده النص الديني، وأثره على المسلمين.
محمد عبده حسن خيرالله.. فقيه وقاضٍ ومفكر مصري، ولد عام 1849م، وتوفي 1905م، عاش عمرًا قصيرًا، لكنه مثرٍ بأعماله ومديدٌ بأثره، فالتفكير الإسلامي.. بعده ليس كقبله، فقد أصبح مصبوغا بمداد عقله وممهورا ببصمة تفكيره. جاء عبده وسُدَف الاستعمار تخيّم على ديار المسلمين، ومصر ترزح تحت وطأة الاستعمار الإنجليزي الذي أعقب الاستعمار الفرنسي. كما أن الدولة العثمانية قد شاخت وشرعت في تفسخ مفاصلها، حتى نعتت بـ«الرجل المريض». ومحمد عبده.. قبل أن يقدم رؤيته للمسلمين هو ذاته كان يبحث عن رؤية لنفسه، حيث بدأ متعلمًا بالطريقة التقليدية وفقا للدروس الأزهرية، في جامع الأحمدي بطنطا، لكنه نفر منها، فانصرف عن نهر العلم وغاص في بحر الحياة، لولا أن خال والده المتصوف درويش خضر تداركه، فأعاده إلى الدراسة، وكان يتخوله بالمتابعة والتربية، حتى نفث في روعه روحًا من تصوفه، ثم ما لبث أن انضم إلى الأزهر.
وجد محمد عبده المسلمين على ثلاثة توجهات متنافسة: توجهين آفل نجمهما.. فقه جامد وتصوف مخدِّر، جمّدا العقول، حتى لم تعد مدركة لزمنها. وتوجه مفتون بالحضارة الغربية؛ منساق وراءها، لا يرى في الدين إلا ماضيًا أثقل كاهل الحياة عن تقدمها. وبينما عبده يرقب هذا التنافس البعيد عن ساحة الواقع والمجدب من مقتضيات العقل؛ إذ طلع عليه جمال الدين الأفغاني فيلسوف الشرق والثائر على الأنظمة القديمة، فاتخذه أستاذا له، فأخرجه من أوهام الماضي، وحرّر عقله بمفاتيح الفلسفة والعقل، ونبهه على قضايا السياسة وحبائلها. فعملا معًا، واشتغلا بالسياسة، وكان عبده ممن أسس «الحزب الوطني» وكتب دستوره؛ الذي جاء في مواد تعريفه بأنه (حزب غير ديني)؛ أي غير منحاز لدين بعينه، ولمّا فشلت الثورة العرابية عام 1882م نفي من مصر، فاتجه إلى لبنان، وألقى هناك دروسه، ثم تبع أستاذه الأفغاني إلى باريس، فأسسا «جمعية العروة الوثقى» عام 1885م، وأصدرا مجلة «العروة الوثقى».
لم يلبث محمد عبده طويلا حتى تبيّن له بأنه لم يُخلق ليردد أقوال الفقهاء، أو يتواجد مع همهمات المتصوفة، أو يخوض مغامرات الساسة، بل وجد نفسه في ميدان إصلاح التفكير الديني. غير أنه لم يتجاوز في إصلاحه النظرية المعرفية القديمة، فقدّم رؤيته على ضوئها، وانتقدها، وأعاد صياغة كثير من مقولات الفقه وعلم الكلام. وإن كان عبده لم يتجاوز هذه النظرية؛ فإنه كذلك لم يأتِ بأداة جديدة في عملية الإصلاح، بل عمد إلى أداة عقلية مستعملة لدى المسلمين؛ منذ الصدر الأول للإسلام فتبناها، وهي التأويل، وبما أن التأويل منساح بين المدارس الإسلامية؛ فإنه مال به إلى مدرسة الرأي الاعتزالية، ولذلك؛ قام التأويل لديه على ثلاثة عناصر؛ كانت معتبرة عند المعتزلة:
- القرآن.. التنزيل الإلهي المبين، وهو مجمع عليه بين المسلمين، وقد تعامل معه على أساس «الوحدة الموضوعية» من غير تعضية الآيات، أي بالرجوع إلى ما يدل عليه مجموع الآيات، وليس بإنزال الحكم أو الاستنباط من آيات مقتطعة من سياقها.
- البيان العربي.. لسان التنزيل، فتقيّد في تأويله القرآن بالدلالة البيانية للعربية، ولم يتجاوز ما ترسّم في معاجم اللغة ودواوين الشعر وأسفار النثر.
- العقل.. أداة الفهم، وقد دعا القرآن نفسه إلى تعقله وتفقه آياته. بيد أن المسلمين هجروا مقتضيات العقل دهرًا، حتى هيمنت عليهم الخرافات وأحاطت بهم الأوهام، فعمل عبده على ردهم إلى تدبر القرآن. ومع ذلك؛ لم يكن في تدبره منفلتًا من دون قيد، بل جعل العنصرَين السابقَين ضابطيه في تأويل النص الديني والاستنباط منه.
محمد عبده.. قدّم الكثير من الآراء الإصلاحية، وقد انصبّ إصلاحه على التوفيق بين النص القرآني وحركة الواقع ومقتضى العقل، فالتأويل لديه.. لم يكن صوفيًّا شاطحًا، ولا باطنيًّا مُغْرِبًا، ولا فلسفيًّا محضًا، بل أعاد قراءة النص وفق تفكير العقل في الواقع؛ بما تسمح به اللغة.
والسؤال: هل نجح محمد عبده في مشروعه الإصلاحي؟
النجاح.. لا يعني تمثّل المشروع ذاته، أو تبني آراءه. بل فيما يقدم من رؤية جديدة للحياة، تنتقل بالأمة إلى مرحلة أفضل من التفكير والعمل. ورغم أن رحيل عبده منذ 118 سنة؛ فإننا لا نستطيع أن نحكم بنجاح مشروعه أو فشله، وذلك؛ أن شجرة الإصلاح قد تأخذ قرونًا حتى تؤتي ثمارها؛ كما حصل في الإصلاح الكنسي بالغرب، لكننا حتى الآن نلاحظ نتيجتين حاسمتين:
- تشظي التفكير المسلم.. فقد ظهرت بعد محمد عبده عشرات التوجهات الفكرية في التعامل مع النص الديني؛ سواءً القرآن أم الرواية النبوية، وما زال العقل المسلم يعيش هذا المخاض، دون أن يتمخض عن مدرسة فكرية متماسكة، يمكن أن تقدم للمسلمين نظرية معرفية جديدة تتجاوز النظرية التقليدية التي انتهى زمانها.
- النكوص السلفي.. الذي قذف بالمسلمين خارج فلك عصرهم، بل أدى إلى موجة عنف ما زالت تعصف بالمسلمين، ومن المفارقة؛ أن تلميذ عبده وناقل علمه محمد رشيد رضا(ت:1935م) أول الداعين إلى الرجوع للمنهج السلفي.
وهذا يعني؛ أن عقلنة النص الديني عبر آلة التأويل ليست هي الدواء الناجع لداء الأمة المزمن، ومع ذلك؛ فإن حركة الإصلاح أيقظت المسلمين من نومهم العميق، وأدركوا حقيقة موقعهم في خريطة العالم، وزرعت فيهم الرغبة لمعالجة أوضاعهم: الفكرية والسياسية والاجتماعية والعلمية.
خميس بن راشد العدوي كاتب عماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين»
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: محمد عبده
إقرأ أيضاً:
سمية أبو العينين: الأزهر قبلة الوسطية في العالم وندعم جهوده في نشر الإسلام السمح
د.عباس شومان: القرآن الكريم نور لهداية الشباب وسط عالم مليء بالفتن
سمية أبو العينين: الأزهر الشريف هو قبلة الوسطية في العالم وندعم جهوده في نشر الإسلام السمح
د.نهلة الصعيدي: الأزهر الشريف يقدم كل الدعم للطلاب الوافدين
د.عبدالدايم نصير: المسابقة حث للطلاب الوافدين على إتقان اللغة العربية
احتفلت اليوم، المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، بختام فعاليات المسابقة العالمية لحفظ القرآن الكريم، والتي أقامتها المنظمة بالتعاون مع "مؤسسة أبو العينين الخيرية"، وذلك بحضور أ.د عباس شومان، رئيس مجلس إدارة المنظمة، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، والسيدة سمية أبوالعينين، نائب رئيس "مؤسسة أبو العينين الخيرية"، وأ.د. نهلة الصعيدي، مستشار شيخ الأزهر للوافدين، وعضو مجلس إدارة المنظمة، وأ.د عبدالدايم نصير، الأمين العام للمنظمة، اللواء وائل بخيت، نائب رئيس مجلس إدارة المنظمة.
في البداية، رحب أ.د.عباس شومان، بحفظة القرآن الكريم، وقال: إن الأزهر الشريف يرتكز في الأساس على تعليم القرآن الكريم، حفظا وفهما، لما لهذا الكتاب العظيم من مكانة عظيمة في الدنيا والآخرة، مضيفا أن القرآن الكريم هو النور الذي يجب أن يتمسك به شبابنا، للوصول إلى الهداية والنجاح والرشاد، في ظل عالم مليء بالفتن، مشيدا بما تقدمه "مؤسسة أبو العينين" لحفظة كتاب الله، من دعم يحث شباب العالم على حفظ كتاب الله قراءة وحفظا وفهما.
وأضافت السيدة سمية أبوالعينين: أن الأزهر الشريف هو قبلة العلم منذ أكثر من ألف عام، حيث يفد إليه طلاب العلم من كل أنحاء العالم، بسبب منهجه الوسطي المستنير، الذي ينشر علوم الإسلام بلا إفراط أو تفريط، مشيدة باهتمام الأزهر الشريف والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر بحفظة كتاب الله، الأمر الذي دفع مؤسسة أبو العينين لدعم هذا الدور المحوري، لما له من إضافة للقوة الناعمة المصرية بالعالم أجمع، عبر هذا الصرح الشامخ.
مستشار شيخ الأزهر: حينما نرى حفظة القرآن من الوافدين نقول "الدنيا بخير"
سمية أبو العينين: نفتخر بالطلاب الوافدين حفظة القرآن الكريم
وأشارت د. نهلة الصعيدي، مستشار الإمام الأكبر لشئون الطلاب الوافدين، إلى أن الأزهر الشريف لا يدخر جهدا في تقديم كل الدعم للطالب الوافد في مجالات التعليم المختلفة، وعلى رأسها خدمة كتاب الله تعالى حفظا وفهما وسلوكا.
وأضاف د. عبدالدايم نصير، الأمين العام للمنظمة: أن المسابقة ضمت وافدين من كل أنحاء العالم، ومنهم من يحفظ القرآن الكريم بدون أن يكون ملما باللغة العربية، وهو ما يثبت الإعجاز لهذا الكتاب المكرم، الأمر الذي يدفع المتحدثين بالعربية إلى إتقان حفظ القرآن الكريم.
جدير بالذكر أنه تم تقسيم المسابقة هذا العام إلى ثلاثة مستويات، المستوى الأول: حفظ القرآن الكريم كاملا، والمستوى الثاني: حفظ نصف القرآن الكريم، والمستوى الثالث: مسابقة الأصوات الحسنة، فيما تقدم للمشاركة بالمسابقة: ما يزيد على 1000 طالب وطالبة من جامعة الأزهر من الطلاب الوافدين، كما تم تشكيل سبعة لجان لإجراء الاختبارات، ثلاثة لجان لإجراء الاختبارات للمستوى الأول، ومثلها للمستوى الثاني، ولجنة واحدة للأصوات الحسنة.
وقد كُرم اليوم: 35 فائزا، من إجمالي عدد المتقدمين، وفي نهاية الحفل تم توزيع الجوائز على الفائزين، والتقاط الصور التذكارية.
اسماء الفائزين بالقرآن كاملاً
نجيب مختار حافظ – نيجيريا
عبدالرحمن إبراهيم عبده- النيجر
عمر أبوبكر على- نيجيريا
محمد يوسف عظيموف – قيرغيزستان
شريف الله منصور- أفغانستان
سهل عبدالله إبراهيم- النيجر
رئيس أكمل رشيد- أندونيسيا
حسن عمر- النيجر
ثانى لول- نيجيريا
بشير عثمان إمام – نيجيريا
عبدالرحمن أحمد عبدالله- نيجيريا
ميمونه محمود يايا- نيجيريا
إسحاق إدريس- النيجر
عبدالله شيخ محمد – نيجيريا
أسماء الفائزين بنصف القرآن الكريم
هارون محمد فليجى- تشاد
حسن سيسى إمام- نيجيريا
محمد مغيث أحمد- باكستان
محمد مدافق الحق – أندونيسيا
محمد عبدالرفيع طارق – نيجيريا
حمزة خالد ويدروغو - بوركينا فاسو
شمس الرحمن فياز محمد – أفغانستان
أمين إبراهيم محمد – نيجيريا
أحمد عبدالله الأزهر - بنجلاديش
سلمى كريمة –بنجلاديش
مهدي عبدالرحمن محمد – نيجيري
محمد عثمان- بنجلاديش
محمد عاقل حنيف - أندونيسيا
أسماء الفائزين بالأصوات الحسنة
سيد نعيم خطيبي - أفغانستان
تنوير أحمد- بنجلاديش
يمانى داتوكالى حاج عثمان- الفلبين
محمد عبدالله يناس - السنغال
سيد عبدالجواد على - الهند
إسراء السيد عطية - فلسطين
فاطمة الزهراء ايدين- تركيا
نفيسية صفا همزة - الهند.