«بورتريه».. الحياة لا يحكمها إطار
تاريخ النشر: 8th, October 2023 GMT
هناك من يبني تصوّراته اليوم على أن الحرب (الروسية/ الأوكرانية) ستكون آخر الحروب التقليدية؛ فالحروب التقليدية لن تكون عنوانا لحلول للخصومات التي تقوم بين الدول؛ فالعالم متّجه نحو أنواع أخرى من الحروب الحديثة؛ حروب تقوم على المنابع والروافد الاقتصادية، وعلى الصناعات الإلكترونية، وعلى الذكاء الاصطناعي؛ بما فيها الحروب الإلكترونية، وأخرى سيحتضنها المجال الثقافي، وأخرى تحت مظلة المجال الاجتماعي، ونظر أكثر على أن المجالين الثقافي والاجتماعي سيتحمّلان أعباء أكثر في تكلفة الحروب القادمة -وإن كان هذان المجالان حاضرين طوال أزمنة التاريخ- وقد شهدا تغيّرات وتغريبات في بعض جوانبها وإن علل ذلك على أنه من أثر عمليات التأثير والتأثر القائمة بين الشعوب وإن لم تكن بارزة إلى درجة الدخول بها كحرب معلنة.
وفي ظل تداخل المفاهيم، وتنازع القوى وفق ما جاء أعلاه؛ وبدء انحسار مفهوم «القطب الواحد» يستلزم الأمر إعادة تعريف الكثير من المفاهيم التي كانت سائدة حتى مطلع القرن الحالي، فما هي الوسائل التي تعمل على إزالة المفاهيم العالقة القديمة، والتي لا تزال القوى العالمية تعتبرها منفذها الوحيد للهيمنة والتسلط وفرض الرأي الواحد؛ وبالقوة القاهرة، حيث محاولة العودة إلى الإرث الاستعماري البغيض؟ تذهب الإجابة هنا إلى العودة للمعرفة؛ فالمعرفة هي من لها القول الفصل في كل التغييرات التي تحدث في الكون البشري المباشر، و«الكون البشري» مقصود به هي مساحة الاشتغال المتاحة لبني البشر، وهي المنضمة تحت مفهوم (إعمار الكون) وهي المهمة الموكلة للإنسان في هذه الحياة، وللاقتراب أكثر من تجلية الصورة، تكون ظروف الحياة هي الملزمة للبشر الذين يعيشون فيها ويتفاعلون من خلالها حيث تفرض أجنداتها على واقع الناس، وحتى الأنظمة السياسية التي أوكلت الكثير من المهمات إلى المجالس التشريعية، ومؤسسات المجتمع المدني، هي بذلك تعلن بصورة غير مباشرة على أنها تتنازل عن شيء من المفهوم التقليدي للنظام الذي كان سائدا ردحا من الزمن.
حالة الصمت التي عانت منها الشعوب طوال فترات التاريخ؛ مكرهة في تواطئها مع الظالم، لن يمتد عمرها في ظل ما تشهده الحياة من تغيرات في مختلف جوانبها، فمع كل فترة تاريخية تمر، هناك رقي في الفكر، وتبلور في الشخصية الطبيعية؛ حيث يحل المستند القانوني الذي تتمتع به الشخصية الطبيعية لاكتساب الحقوق منفذا مهما للتحرر، والانعتاق من أية وصاية كانت اجتماعية أو إدارية، إذن هناك تبدّل في الأفكار، وهناك تنوع في المحتوى الذي يوجه الناس نحو تصويب مساراتهم اليومية، صحيح أن أحداث التاريخ غير متوقفة، وأن ترقي الإنسان عبر ما يتاح له من معرفة غير متوقف، إلا أن كل ذلك مرهون بالمساحة المتاحة لهذا الإنسان لكي يبدع ويترقى؛ فالمساحة الآمنة للتفاعل تفتقد معززات نموها في كثير من الأحيان بسبب البيئة التي ينشأ فيها الإنسان؛ فبيئات الحروب، وبيئات الأنظمة السياسية المتسلطة، وبيئات الفقر المدقع، وبيئات انحسار الأمن الاجتماعي، كل هذه معوقات؛ لا تتيح التحرك الآمن للمعرفة، ولكن؛ هل استسلم الإنسان عند هذا الحد؛ ولم يحاول الخروج من شرنقة هذه المسارات، أو لم يستطع أن يتجاوز النفق المظلم؟ الإجابة تقول: لا، وإلا لما وصلت البشرية اليوم من تقدم ورقي؛ في مختلف العلوم؛ حيث تعيش البشرية أزهى عصورها، وإن كان هذا الازدهار بنسب متفاوتة بين شعوب الأرض، ففي النهاية هناك تسجيل سبق، وإنجاز ملموس، وترق غير منكور، وهل كل هذا له علاقة بتغير المفاهيم؟ الإجابة تقول نعم؛ هناك تغيرات جذرية تعيشها الأجيال، ويلمس هذه التغيرات من يعيش في المنطقة الواصلة بين كل جيلين، حيث شهد هؤلاء ما كان عليه الوضع طوال سني أعمارهم، وما يحدث اليوم من تغيّر وتبدل في مختلف المفاهيم والرؤى، وإن كان هذا التبدل والتغير يثير كثيرا من التحفظ، ويثير كثيرا من التصادم بين الأجيال، ويخلق حالة من عدم الرضا لدى الطرفين، ويحدث هذا ليس فقط لجانب أخلاقي بحت، ولكن لجوانب موضوعية في الحياة، ولذلك فهو يتصادم مع ما اعتادت إليه النفوس؛ من ناحية؛ ومع هاجس الخوف الذي ينتاب الإنسان عادة؛ من كل جديد، ولكن لأن هذا يدخل في الحالة الوجودية للبشرية -أي الديمومة والاستمرار- فإن الأمر سيستمر، ولن يتوقف، فالتغير والتبدل هو حالة وجودية لا أحد ينكرها، أو يتجاوزها.
ما يعيشه العالم من تحولات جذرية في كثير من مناشط الحياة اليوم، ولعل الشق الاقتصادي يأخذ الصدارة؛ هو ما ينبئ أن القوى التقليدية، التي هيمنت ردحا من الزمن؛ على مناشط الشعوب الحرة، والتي لا تزال تدفع الغالي والنفيس لزحزحة هذه الهيمنة، ومحاولة استنشاق عصر جديد، يعود عليها بالكثير من الحمولات الإنسانية المفقودة، طوال القرنين الماضي، ومطلع القرن الحالي، وما يحدث في شرق آسيا، وفي القارة الأفريقية، ما يعكس شيئا من الانحسار والتحول، ووفق مجريات التاريخ، تحتاج المسألة إلى وقت، ولأن المحاولات بدأت في قضم ثمرة الازدهار التي هيمنت عليها الدول المستعمرة، فإن الظروف ستتوانى للأطراف؛ التي كانت مغلوبة على أمرها؛ وستحتل الصدارة، ولن يكون هناك تراجع، وعلى الدول الاستعمارية أن تعد أكفان طموحاتها، حيث ستوارى في مزبلة التاريخ، والصورة أعلاه حقيقة وجودية، حيث لا بقاء سرمدي لأي مظهر من مظاهر الحياة، وبقدر اشتغال الإنسان على نفسه؛ وهو المطالب به دائما؛ يحدث التغيير، ومعنى هذا أن الأنظمة التي تراهن على البقاء السرمدي للهيمنة، وفرض الأمر الواقع على الشعوب، ستتلاشى شيئا فشيئا بفعل محكمة التاريخ، التي لن تحابي أحدا على أحد، وإن حاولت البشرية أن تطمس بعض المعالم «الحقائق» فالتاريخ سيكشفها ويعرّيها، وما نعيشه في حاضرنا، وما عايشناه طوال سنوات العمر المنصرمة لا يصدمنا بهذه الحقيقة، بل قد يضعنا على مرتبات الاستشراف لما سيكون عليه الحال بعد فترة من الزمن، ولعل للمسافة الزمنية التي تقضيها الشمس في مسيرتها اليومية من المشرق إلى المغرب -بقدرة الله وتدبيره- ما ينبئ عن حالات التبدل والتغيّر، وحالات التأمل، والتفكر، فالنفوس تستشعر أفق هذه الإضاءة، فتترجمها إلى المضي قدما نحو التغير والتبدل، ويمكن قياس هذه المسألة حتى على المستوى الشخصي للفرد نفسه، فمن يعقد مقارنة موضوعية لما عليه الحاضر، وما كان عليه الماضي يجد ذلك واضحا وضوح هذه الإشراقة الكونية للشمس، وهذا الأمر متحقق لدى جميع الناس؛ بلا استثناء؛ والاستثناء الوحيد هو عند من خرج من دائرة العقلاء.
فالـ «بورتريه» -وفق التعريف- صورة الشخص في وضع ثابت، بينما الفكرة هنا تجنح بعيدا، إلى حيث الرؤى الاستشرافية لآفاق الغد، فالحياة وجدت لتتسع للآمال والطموحات، والرؤى، ولا تؤمن إطلاقا بالثبات الذي يعرقل مسيرة الشعوب عن الوصول إلى ما تطمح إليه، وتنظر الفكرة إلى أن مجموعة العراقيل التي تعترض مسيرات الشعوب الحية، تظل موقوفة بظرفها الآني؛ لا أكثر.
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: على أن
إقرأ أيضاً:
39 ألف طفل يتيم يواجهون قسوة الحياة دون سند أو رعاية
الثورة / متابعات
قال الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني: إن قطاع غزة يواجه أكبر أزمة يُتْم في التاريخ الحديث؛ جراء حرب الاحتلال الإسرائيلي الدموية عليه.
وأوضح “الإحصاء” في تقرير نشره أمس الخميس، عشية يوم الطفل الفلسطيني (5 أبريل)، أنّ حرب الإبادة خلّفت 39 ألف طفل يتيم.
وأشار إلى أنّ المجاعة وسوء التغذية تهددان حياة الأطفال في قطاع غزة، حيث أن هناك 60 ألف حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد، مؤكدا عودة شلل الأطفال إلى قطاع غزة.
وأشار إلى أن قوات الاحتلال اعتقلت منذ السابع من أكتوبر 2023م أكثر من ألف و55 طفلًا، في انتهاك منهجي لحقوق الطفولة وخرق صارخ للقانون الدولي.
وحتى بداية مارس 2025م، لا يزال الاحتلال يحتجز أكثر من 350 طفلاً أسيراً.
وواجه أطفال فلسطين، خلال 534 يوماً من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (7 أكتوبر 2023 – 23 مارس 2025م)، كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث شكلوا مع النساء أكثر من 60% من إجمالي الضحايا، وفق التقرير.
وأسفر العدوان عن استشهاد 50 ألفًا و21 فلسطينيًا، بينهم 17 ألفًا و954 طفلًا، منهم 274 رضيعاً ولدوا واستشهدوا تحت القصف، و876 طفلاً دون عام واحد، و17 طفلاً ماتوا جراء البرد في خيام النازحين، و52 طفلاً قضوا بسبب التجويع وسوء التغذية الممنهج.
كما أصيب 113 ألفًا و274 جريحًا، 69% منهم أطفال ونساء، بينما لا يزال أكثر من 11 ألفًا و200 مواطن مفقود، 70% منهم من الأطفال والنساء.
أما في الضفة الغربية، فقد استشهد 923 مواطناً، بينهم 188 طفلاً، و660 جريحاً من الأطفال منذ بدء العدوان الإسرائيلي وحتى تاريخ إصدار هذا البيان.
وكشفت التقديرات عن أن 39,384 طفلاً في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما بعد 534 يوماً من العدوان، بينهم حوالي 17,000 طفل حرموا من كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أو رعاية.
وأشار “الإحصاء” إلى تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عن واقع كارثي عاشه أطفال قطاع غزة ذوو الإعاقة نتيجة العدوان، رصد إصابة 15 طفلاً يومياً بإعاقات دائمة بسبب استخدام أسلحة متفجرة محظورة دولياً.
ووصل إجمالي الإصابات إلى 7 آلاف و65 طفلًا، بينهم مئات فقدوا أطرافهم أو بصرهم أو سمعهم، كما سجلت 4 آلاف و700 حالة بتر، 18% منها (ما يعادل 846 حالة) بين الأطفال، ما زاد من تعقيد المأساة.
وهؤلاء الأطفال يواجهون كارثة مزدوجة بسبب الإعاقات الجسدية والنفسية، إضافة إلى انهيار النظام الصحي نتيجة تدمير المستشفيات، ومنع دخول الإمدادات الطبية والأطراف الصناعية، كما أدى انتشار سوء التغذية إلى تفاقم التشوهات العظمية وإعاقة التئام الجروح.
إلى جانب ذلك، يحاصر خطرُ الموت نحو 7 آلاف و700 طفل من حديثي الولادة بسبب نقص الرعاية الطبية، حيث عملت المستشفيات المتبقية بقدرة محدودة جداً، ما يعرّض حياة الأطفال للخطر، ومع نقص الحاضنات وأجهزة التنفس والأدوية الأساسية، تدهورت الظروف الصحية، ما يزيد من احتمالات وفاتهم.
وشهد قطاع غزة تفشي فيروس شلل الأطفال للمرة الأولى منذ 25 عاماً في يوليو 2024م، بسبب انخفاض نسبة التطعيم من 99% إلى 86% نتيجة الأوضاع الصحية الصعبة.
وتوقع تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للفترة من نوفمبر 2024 إلى أبريل 2025م، أن حوالي 1.95 مليون شخص في مختلف أنحاء قطاع غزة يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، والمصنفة ضمن المرحلة الثالثة أو أعلى (أزمة أو أسوأ).
ويشمل ذلك ما يقرب من 345 ألف شخص من المحتمل أن يواجهوا انعداماً غذائياً كارثياً (المرحلة الخامسة من IPC).
ومن المتوقع تسجيل حوالي 60 ألف حالة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 59 شهراً خلال الفترة من سبتمبر2024م إلى أغسطس 2025م، وهو ما يعني أن هؤلاء الأطفال يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية التي تؤثر بشكل كبير على صحتهم ونموهم.
ومن بينهم 12 ألف حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أسوأ أشكال سوء التغذية، وقد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تشمل الفشل العضوي أو الموت.
كما ستحتاج 16 ألفًا و500 امرأة حامل ومرضع إلى العلاج بسبب سوء التغذية الحاد، ما يؤثر بشكل كبير على صحتهن وصحة أطفالهن، وقد يؤدي إلى مضاعفات صحية أثناء الحمل والولادة.