YNP /  إبراهيم القانص -

انهار جدار الفصل العنصري، وذابت الأسوار العالية وتجمدت الكهرباء في شرايين الأسلاك الشائكة، والأجهزة عالية الحساسية المُعدّة بعناية فائقة لكشف أبسط التحركات بجوارها، وعلى بُعد مسافات منها، فقدت حاسة الشم فلم تُميّز رائحة كل ذلك البارود والدم الذي كان يغلي في أجساد من عبروا من هناك واقتحموا وأسروا ونكَّلوا،

وكاميرات المراقبة كانت غير قادرة على الرؤية، وكما لو أنها دخلت منطقةً جليدية عجزت تلك الكاميرات عن الشعور بحرارة الأجساد التي مرت من أمامها، أما الأسلحة الآلية التي تنطلق رصاصاتها بمجرد الحركة أمامها فقد تسلل إليها شللٌ لم يخطر يوماً في مخيلة صانعيها، كل ذلك حدث فجر السبت السابع من أكتوبر الجاري 2023م، حين قرر شباب المقاومة الفلسطينية وضع حدٍ لنفاق العالم المتحيّز للمحتل، وبدأوا قيامة الكيان الإسرائيلي من أطراف قطاع غزة حتى وسط مستوطناتهم الغاصبة.

 

كسرت المقاومة الفلسطينية شوكة جيش الاحتلال الإسرائيلي والأسطورة التي نُسجت حوله منذ زمن بأنه لا يقهر، ومرغت كبرياءه وانتفاخه الكاذب بعملية (طوفان الأقصى) التاريخية التي أُنجزت فجر أمس السبت، بمهارة عالية واستبسال لا نظير له، وهي عملية غير مسبوقة منذ اغتصب الصهاينة أرض فلسطين قبل خمسة وسبعين عاماً.

 

أحفاد الفلسطينيين الذين هُجِّروا بالقوة من منازلهم وأرضهم، أثبتوا للعالم أجمع، وللدول العربية على وجه الخصوص، أن بالإمكان تحرير الأرض المحتلة وإعادة الحق لأهله، وأن الوقت قد حان لاستعادة الحقوق والكرامة التي ظل العالم كله ولا يزال يساوم ويراوغ حتى لا يقول كلمة الحق.

 

أثبتت المقاومة الفلسطينية أن الأرض المحتلة أصبحت تمتلك الآن جيلاً لا تستطيع اختراقه وتدجينه المسكنات الشعاراتية التي ظلت تحقنه بها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، حتى سلبت بواسطتها حق الفلسطينيين في العيش على أرضهم وشردتهم في بقاع العالم، فقد فهم هذا الجيل جيداً أن شعارات التعايش والسلام وحل الدولتين كانت تعني العكس تماماً، وأدركوا ألّا جدوى من كل ذلك الضجيج، فالحق لن يعود إلا بالمهارات القتالية والتكتيكية العالية والخطط المحكمة، وفوق هذا كله الإيمان الذي لا يتزعزع بأن الأرض لأهلها وما على المحتل سوى الرحيل.

 

في بضع ساعات نفذ أبطال المقاومة عمليتهم التاريخية العظيمة، في مستوطنات غلاف غزة، وعلى مسارات عدة تم اقتحام المستوطنات والتنكيل بجنود الاحتلال وأسرهم وإعطاب آلياتهم، وأخذ المستوطنين رهائن، وكل ذلك في منطقة غلاف غزة التي ترابط حولها وعلى مداخلها قوات تُعدّ "النخبة" في جيش الاحتلال والأكثر مهارة والأعلى تدريباً وخط الدفاع الأول، وخلال ساعات تحولت إلى أكوام من الجثث وأسراب من الأسرى والرهائن، والأهم من ذلك أصبحت نكتة العام وستظل نكتة الدهر، فقد ظهرت بشكل لم يتوقعه أحد من الذل والمهانة والجُبن الذي طالما خبأته خلف معداتها وآلياتها والدروع التي ترتديها تحت ملابسها العسكرية، وقد سخر المتابعون من الفرار الجماعي للمستوطنين اليهود وعسكرهم واختبائهم داخل براميل القمامة.

 

الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بكل وضوح أنها ستدعم إسرائيل بكل ما تحتاجه، لما أسمته الدفاع عن نفسها، وكعادتها وصفت أصحاب الحق والأرض بالإرهابيين، وحذرت كل من يكن العداء لإسرائيل من استغلال الأوضاع المزرية لليهود، وهي تعني بدون شكٍ دول محور المقاومة، بدءاً بطهران ووصولاً إلى صنعاء، لكن الدول العربية التي يفترض أن يكون موقفها مسانداً للمقاومة، كما ساندت أمريكا الإسرائيليين، كان موقفها للأسف مخزياً ومخجلاً، فلم تجرؤ أيٌّ منها على تأييد العملية التاريخية، بل أصدرت بيانات مخجلة منحازة للصهاينة حتى وإن حاولت أن تجعل لغتها موازية مع الطرفين.

 

السعودية أصدرت بياناً حرصت فيه وبشدة على ألّا تجرح مشاعر اليهود الإسرائيليين، بل حرصت على جبر خواطرهم ضمنياً من خلال تقليلها من شأن العملية ومنفّذيها الأبطال، فقد حاول البيان إظهار العملية على اعتبار أنها خيار اتخذه مجموعة من الفلسطينيين وليست خيار الشعب الفلسطيني بأكمله، حيث قالت الخارجية السعودية في بيانها أنها تتابع تطورات الأوضاع بين عدد من الفصائل الفلسطينية وجيش الاحتلال، ولم تقل بين الفلسطينيين أو المقاومة الفلسطينية.

موقف السعودية ليس مستغرباً، فقد كان مؤسسها أول من صوّت مؤيداً لوعد بريطانيا بجعل فلسطين وطناً لليهود، وها هو حفيد المؤسس يناضل من أجل إحياء قيم جده، ويستعد لإعلان التطبيع مع الكيان المحتل، مواصلاً مشوار العار والخزي الذي اختاره أجداده منذ حوّلتهم بريطانيا إلى دولة كانت ولا تزال شرطي لندن في المنطقة، ومثلها الإمارات والبحرين وكل الدول العربية المطبّعة مع إسرائيل والتي تلزمها اتفاقيات التطبيع بالدفاع المشترك عن الكيان في حال تعرض لأي هجوم، ولا يستبعد أن تكون الإمارات أول المبادرين لدعم حليفتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، يؤكد مراقبون.

 

لكن صنعاء أعلنت- قيادةً وشعباً- الاستعداد الكامل لدعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بكل أوجه الدعم والمساندة، وعبّر الآلاف من اليمنيين الذين خرجوا، عصر السبت، تأييداً لعملية "طوفان الأقصى" استعدادهم لدعم كل تحتاجه المعركة ضد اليهود، وأعلن بيان المسيرة التي شهدها باب اليمن في العاصمة صنعاء  "حالة الاستنفار الشامل شعبياً وعسكرياً استعداداً لأي تطور ميداني يتطلب المشاركة المباشرة إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة".


المصدر: البوابة الإخبارية اليمنية

كلمات دلالية: المقاومة الفلسطینیة کل ذلک

إقرأ أيضاً:

الدويري: جيش الاحتلال يتجنب دخول المناطق السكنية بغزة خوفا من المقاومة

يرى الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء فايز الدويري أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى تقسيم قطاع غزة إلى 5 أجزاء متجنبا الدخول إلى عمق المناطق السكنية لأنها ستتيح الفرصة للمقاومة الفلسطينية للدخول في قتال معه.

وقال إن الإستراتيجية العسكرية لجيش الاحتلال حاليا تختلف بشكل جوهري عن السابق، ويظهر ذلك في تجنب الدخول في المناطق المبنية قدر الإمكان، حيث يركز على محور نتساريم وموقع "كيسوفيم" ومنطقة شمال بيت لاهيا وبيت حانون والسياج الحدودي الشرقي ومحور فيلادلفيا.

وأضاف الدويري -في تحليل للمشهد العسكري في غزة- أن جيش الاحتلال يأخذ حاليا الإطار الخارجي لقطاع غزة مع ممرّين رئيسيين داخل القطاع، متجنبًا قدر الإمكان الدخول إلى عمق المناطق المبنية مثل الشجاعية وجباليا وغيرهما، آخذا في الاعتبار عمليات القتال التي جرت بينه وبين المقاومة قبل اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وأيضا عرض القوة الذي أظهرته المقاومة خلال تسليم الأسرى الإسرائيليين.

وقال إن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسعى حاليا إلى تحقيق إنجازات بكلفة بشرية محدودة جدا مدعومة بحصار مشدد على غزة من أجل الضغط على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتقديم التنازلات.

إعلان

وكشف موقع أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي أن الجيش سيوسع عمليته البرية في غزة لاحتلال 25% من القطاع خلال أسبوعين أو ثلاثة، وأن ذلك جزء من حملة ضغط قصوى لإجبار حركة حماس على القبول بإطلاق مزيد من الأسرى.

وفي تعليقه على إعلان كتائب القسام -الجناح العسكري لحركة حماس- عن أول عملية لها منذ استئناف الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، قال الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء فايز الدويري إن أوراق القوة المتاحة لدى المقاومة هي المسافة الصفرية، مشيرا إلى أن المدى الأقصى لقذائف الياسين و"التنادوم" و"تي بي جي" وغيرها يصل إلى 130 مترا فقط.

وكانت كتائب القسام قالت إن مقاتليها فجروا "أمس الأول دبابة صهيونية بعبوة قرب الخط الفاصل وقصفنا المكان بقذائف الهاون شرق خان يونس" جنوبي قطاع غزة.

وفي 20 من الشهر الجاري، قالت القسام إنها قصفت مدينة تل أبيب برشقة صاروخية "ردا على المجازر الصهيونية بحق المدنيين بغزة"، وذلك بالتزامن مع إعلان جيش الاحتلال بدء عملية برية على محور الشاطئ من جهة بيت لاهيا شمالي القطاع.

وكانت الحكومة الإسرائيلية قررت إغلاق معابر قطاع غزة، ومنعت وصول المساعدات والمواد الغذائية إلى أكثر من مليوني فلسطيني، وصعّدت من استهدافها للمناطق الحدودية، قبل أن تبدأ هجوما مباغتا استهدف عشرات المنازل السكنية، وأدى لاستشهاد وإصابة الآلاف من الفلسطينيين.

مقالات مشابهة

  • مندوب فلسطين لدى مجلس الأمن: إسرائيل تسعى لتهجير الفلسطينيين خارج غزة
  • برلماني: اقتحام الأقصى انتهاك صارخ وخرق واضح لجميع الاتفاقيات التي تهدف لترسيخ السلام
  • الأماكن المقدسة والدور الذي تقوم به اليمن في الحفاظ عليها
  • السعودية تعقب على اقتحام بن غفير للأقصى واستهداف عيادة (أونروا) بغزة
  • السعودية تدين اقتحام بن غفير للأقصى واستهداف عيادة أونروا بغزة
  • السعودية تدين قصف قوات الاحتلال عيادة تابعة لأونروا
  • غزة بين نار الإبادة والفوضى: الاحتلال يراهن على كسر إرادة الصامدين
  • تركيا و«إسرائيل» وسوريا واليمن وتداعيات الحرب
  • لجان المقاومة في فلسطين تنعي الصحفي البردويل
  • الدويري: جيش الاحتلال يتجنب دخول المناطق السكنية بغزة خوفا من المقاومة