رؤية "عُمان 2040" نموذجًا
تاريخ النشر: 8th, October 2023 GMT
د. إبراهيم بن عبدالله الرحبي **
ibrahim1alrahbi@gmail.com
رابعًا: مرتكز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
استعرضنا في المقالات الخمسة السابقة أهمية اقتصاد المعرفة والمرتكزات الثلاثة الداعمة لاقتصاد معرفي مستدام. وسوف نوضح في هذا المقال أهمية تكامل المرتكز الرابع والأخير مع المرتكزات الثلاثة السابقة ضمن ممكنات التحول إلى اقتصاد المعرفة والمتعلق بتكنلوجيا المعلومات والاتصالات.
ويعد وجود بنية أساسية حديثة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، توفر خدمة الاتصال، ونشر المعلومات ومعالجتها على نحو فعال، أداة أساسية في وضع استراتيجية الاقتصاد القائم على المعرفة. وتشتمل البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات سهولة التوصل للمعلومة الموثوقة، وكفاءة أجهزة الحاسب الآلي، وشبكات الاتصالات، التي تربط إيجابا إنتاج المعرفة ونشرها واستخدامها لتكوين معرفة جديدة أو مبتكرة ذات قيمة اقتصادية.
وتؤكد الشواهد أهمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كونها المسؤولة عن الزيادة الكبيرة في الإنتاجية ونمو الإنتاج في الإقتصاديات الحديثة. فعلى سبيل المثال، ارتفاع مساهمة استثمارات منظمة التعاون والتنمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في زيادة النمو الاقتصادي لتبلغ 7 في المائة من متوسط ناتجها القومي الإجمالي. كما أن زيادة الاستثمار في القطاعات المنتجة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حقق تقدما جوهريا بهذه الدول، وحقق مكاسب كبيرة في عوامل الإنتاج الإجمالية لمعظم القطاعات الإقتصادية والتنموية على جميع المستويات. حيث أسهم استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى التغلب على الحواجز الجغرافية لتبادل المعلومات، والحد من انعدام الثقة، وخفض تكاليف المعاملات، وزيادة القدرة التنافسية عبر الحدود، وقد أدى ذلك كله إلى إيجاد ميزة تنافسية كبيرة للصناعات في هذه الدول.
وتكشف المفوضية الأوروبية لمجتمع المعلومات أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تمثل دوافع قوية نحو تحقيق النمو وإيجاد فرص العمل، حيث ساهمت بواقع 25 في المائة من نمو الناتج القومي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي و40٪ من نمو القطاعات الإنتاجية المتصلة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وتشير تقديرات منظمة التعاون والتنمية إلى أن أكثر من 60 في المائة من الإنتاج في هذه البلدان ينتجه العاملون في مجال المهارات المعرفية كالمهندسين والأطباء والتخصصيين، الذين يستخدمون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على نحو رئيس. وتشير التقديرات كذلك إلى أن 8 من كل 10 فرص عمل جديدة في بلدان منظمة التعاون والتنمية كان من نصيب عمال المهارات المعرفية. وبالتالي أصبح تكوين الثروة أكثر ارتباطا بقدرة البلدان على إيجاد القيمة المضافة عن طريق استخدام منتجات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخدماتها. وتدعم هذا الرأي أيضا دراسة أخرى أجريت بالولايات المتحدة تظهر أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات له أثر مضاعف في الاقتصاد الكلي بالمقارنة بالصناعات التحويلية. وتكشف هذه الدراسة تأثير منتج البرمجيات مايكروسوفت على الاقتصاد المحلي في ولاية واشنطن، إذ أن كل وظيفة إضافية في مايكروسوفت أوجدت ما متوسطه 6,7 وظيفة جديدة، في حين أن الوظيفة الواحدة في شركة بوينغ خلقت 3,8 وظيفة إضافية فقط.
ويقودنا الانتشار والتقدم المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى القول إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أضحت مرتكزا ضروريا من مرتكزات البناء الجوهري في التنمية الاقتصادية المستدامة، وتساهم إلى حد كبير في التحولات الأساسية في أي مجتمع حديث. حيث لم يعد العالم الذي نعرفه اليوم ذاته قبل سنوات عدة فهو يتغير باستمرار، الأمر الذي أدى بدوره إلى حدوث تغيرات جوهرية في أنماط الحياة بمختلف مجالاتها، وعلى جميع المستويات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية وخلق بالتالي أنشطة اقتصادية جديدة في غاية الأهمية فيما صار يدعى بالاقتصاد الرقمي.
ويُعرِّف البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي هذا الاقتصاد الجديد بأنَّه عبارة عن منظومة اقتصادية ممكنة بالاتصالات والتقنيات الحديثة لخفض التكاليف وتحسين العمليات ونمو الأعمال وتحسين جودة الخدمات والمنتجات وترتكز على الحكومة الذكية والمجتمع الرقمي وحوسبة الأعمال وهو أحد المكونات الرئيسة للاقتصاد المبني على المعرفة. وللدلالة على هذه الأهمية ما تظهره البيانات العالمية التي تقدر قيمة الاقتصاد الرقمي عالميًا بأكثر من 11 تريلون دولار ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 23 تريليون دولار بحلول عام 2025 ليشكل 24% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
لقد واكبت سلطنة عُمان التحولات الجوهرية في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات منذ أكثر من عشرين عاما عندما اعتمدت إستراتيجية الاقتصاد الرقمي من خلال عُمان الرقمية في عام 2003، مرورا بالإستراتيجية الوطنية للنطاق العريض في عام 2014، وصولا إلى الإستراتيجية الوطنية للاتصالات وتقنية المعلومات في عام 2017، والتي تعتبر المكون الرئيس للاقتصاد الرقمي بالسلطنة. حيث تسعى سلطنة عُمان من خلال ذلك إلى تحقيق عدة أهداف من شأنها المساهمة في بناء وتطوير اقتصاد رقمي مزدهر عبر مستهدفات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد المتصلة برؤية "عُمان 2040"، كالخطة التنفيذية للتجارة الإلكترونية والبرنامج التنفيذي للتحول الرقمي الحكومي وحوسبة الأعمال التجارية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء أملا بخلق صناعة تقنية مستقلة.
واعتمادًا على البيانات عن عام 2016، يمكننا القول إن الاقتصاد الرقمي في سلطنة عُمان يعد واعدًا إذا ما تهيأت له وسائل التمكين اللازمة ضمن مرتكزات اقتصاد المعرفة؛ حيث يمثل حاليا 2% من الناتج المحلي، بينما تصل هذه النسبة في المتوسط العالمي بين 5 إلى 15% اعتمادا على تقدم الدولة في هذا المرتكز.
كما إن اعتماد البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي ضمن رؤية عُمان 2040 سوف يكون بلا شك نقطة تحول داعمة وإيجابية في هذا الصدد؛ حيث السعي من كون التقنية عامل ممكن للقطاعات الاقتصادية لتصبح صناعة مستقلة بحلول عام 2040، خاصة وأن مؤشرات تقنية المعلومات والاتصالات المتصلة بمستهدفات رؤية "عُمان 2040" من قبيل جاهزية الشبكات، وجاهزية محركات الإنتاج، وتطوير الحكومة الإلكترونية تعتبر من بين أفضل 40 دولة على مستوى العالم.
لكن يبقى الطموح للوصول إلى مستهدفات عام 2040 لتكون سلطنة عُمان من بين أفضل 10 على مستوى العالم في مجمل مؤشرات هذا المرتكز ورفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى 10%، تحد ليس من السهل تحقيقه في ظل قلة الموارد المالية المستثمرة في هذا القطاع، والطبيعة الجغرافية للسلطنة، وضعف استخدام الفرد للتقنية، وقلة الكفاءة والمهارات التخصصية، وثقافة العمل الحالية ومقاومة التغيير التي يستدعي تخطيها إصلاح هيكلي في مجال تنمية الموارد البشرية، وإعادة تنظيم هيكلة الإدارة، وإجراء إصلاحات تشريعية متطورة ومستجيبة لهذا التحول الرقمي. كما يستوجب ذلك إشراك ودعم كافة القطاعات الاقتصادية بشكل تكاملي وعادل ومتوازن أسوة بما يحظى به القطاع الحكومي من اهتمام ودعم لتحقيق المستهدفات المطلوبة.
** متخصص في اقتصاد المعرفة
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
جامعة أبوظبي توثّق أكثر من 4 آلاف ورقة بحثية في مؤشر «سكوبس» العالمي
أعلن مكتب البحث العلمي في جامعة أبوظبي، عن تحقيق الجامعة إنجازاً بارزاً جديداً في مسيرتها البحثية والأكاديمية، بتوثيق أكثر من 4 آلاف دراسة بحثية في مؤشر سكوبس العالمي، والذي يُعد قاعدة بيانات عالمية معروفة ومتخصّصة في الأبحاث العلمية المرموقة. ويعكس ذلك التزام جامعة أبوظبي الثابت بتطوير بحوث عالية التأثير، تُسهم في تعزيز الحوار العالمي، وتُعالج التحديات المجتمعية المُلحة في مختلف المجالات، ومنها الهندسة والتكنولوجيا والأعمال والإدارة والاقتصاد والعلوم الصحية والرياضيات والعلوم الفيزيائية. وتمضي جامعة أبوظبي قدماً في ترسيخ مكانتها وتأثيرها الأكاديمي العالمي، إذ يُصنَّف 16.9% من أبحاثها ضمن أكثر 10% من المنشورات العلمية الأكثر استشهاداً في العالم، بينما يظهر 27.5% منها ضمن أبرز 10% من المجلات العلمية وفقًا لـ«سايت سكور» (CiteScore). وحصدت أبحاث الجامعة مجتمعةً 77445 استشهاداً، بمعدل استشهاد ملفت بلغ 19.4 لكل منشور، ما يعكس مدى عمق وأهمية إسهاماتها في المجال الأكاديمي العالمي. وقال البروفيسور منتصر قسايمة، نائب مدير الجامعة المشارك للبحث العلمي والابتكار والتطوير الأكاديمي في جامعة أبوظبي، إن جامعة أبوظبي، مدعومة بتعاون دولي واسع النطاق، تواصل ترسيخ مكانتها الرائدة في مجال البحث العلمي، حيث تجاوز عدد منشوراتها المفهرسة في «سكوبس» 4000 بحث، وحرصت جامعة أبوظبي، منذ انطلاق مسيرتها، على تعزيز قدراتها البحثية وتوسيع تأثيرها العالمي، بما يعكس التزامها الدائم بتطوير المعرفة وموجهة أبرز التحديات العالمية. وأضاف أن أعضاء هيئة التدريس والباحثين في الجامعة، يستمرون في دفع حدود المعرفة العلمية والمساهمة في تبادل المعرفة على المستوى الدولي، من خلال نسج شراكات استراتيجية وتشجيع الأبحاث متعددة التخصّصات، وتأتي هذه الجهود تماشياً مع رؤية دولة الإمارات لبناء مستقبل قائم على الابتكار، حيث تسهم جامعة أبوظبي بفاعلية في إحداث تأثير ملموس على المستويين المحلي والعالمي. وتحقق جامعة أبوظبي معدل تأثير استشهادات ميدانية قدره 2.55، متجاوزة بذلك المعايير العالمية، ما يعكس التأثير الكبير لمبادراتها البحثية. ويُعزى هذا التميُز إلى شبكة تعاون دولية واسعة، حيث أُنجز 67.6% من منشوراتها بالتعاون مع 2471 مؤسسة أكاديمية حول العالم. وشملت هذه الشراكات مؤسسات أكاديمية وبحثية مرموقة، مثل جامعة تكساس إيه آند إم في الولايات المتحدة، وجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، وجامعة لويزفيل الأميركية، وأسفرت عن إنتاج 2336 منشوراً بحثياً مشتركاً، ما يجسّد التزام الجامعة بتعزيز البحث متعدّد التخصّصات ودفع عجلة الابتكار العلمي على المستوى العالمي. وتواصل جامعة أبوظبي ترسيخ مكانتها في مجال التميز البحثي الدولي، من خلال تعزيز بيئة أكاديمية حيوية، وتوسيع نطاق شراكاتها الإستراتيجية عالمياً، والمساهمة في إثراء المعرفة على المستوى الدولي. كما تلتزم الجامعة بدعم الباحثين لإطلاق أبحاث مؤثرة تعالج القضايا المحلية والعالمية، ما يعزّز دورها مركزاً رائداً للإبداع والابتكار العلمي.
أخبار ذات صلة