صحيفة أثير:
2025-03-31@22:58:51 GMT

نصر البوسعيدي يكتب عن أرمن دبا العُمانية

تاريخ النشر: 5th, October 2023 GMT

نصر البوسعيدي يكتب عن أرمن دبا العُمانية

أثير- نصر البوسعيدي

من الأمور المدهشة التي وجدتها في التاريخ العماني أيام الاستعمار البرتغالي الإسباني في سواحل عمان وجود جنسيات كانت تقيم معنا حتى قبل الاستعمار، والدليل هو وجود بعض المترجمين للغة العربية عملوا مع البرتغاليين في المدن العمانية التي عصف بها هذا الاستعمار ومن ذلك بعض الأرمن.

كان الحراك التجاري في القرون القديمة بمدن الساحل العماني قويًا للغاية واستقطب العديد من الأجناس بمختلف أديانهم، كالذي حدث مثلا في مدينة قلهات التاريخية التي كانت العاصمة العمانية لملوك هرمز وبلاد فارس في بعض فترات التاريخ قبل قدوم البرتغاليين لعمان، فكانت مدينة ثرية للغاية وفيها من القصور ما لا يتخيله أي زائر لها اليوم الذي سيشاهد قرية صغيرة تدمرت بأكملها نتيجة كارثة طبيعية مثلما يُحكى حيث لم ينجُ من هذا الدمار إلا أثر الأميرة بيبي مريم.


وخلال تتبعي لموسوعة الوثائق البرتغالية ببحر عمان وجدت بعض الأجناس حاضرة وبقوة في المدن العمانية التي وقعت تحت الاستعمار البرتغالي الإسباني الذي دون كل تفاصيل وجودهم في المنطقة لأكثر من 147 سنة، فهم يذكرون بأن مدن عمان الساحلية تضم اليهود والمسيحيين والبانيان والعرب والعجم والأرمن!
وقد شدني موضوع وجود الأرمن بهذه الكثرة في المنطقة وتحديدا في مدن الساحل العماني، وبالأخص حينما وجدت أكثر من وثيقة برتغالية مهمة تشير إليهم، والأعجب بأنني وجدت ما يشير في كتاباتهم إلى وجود إذن كتابي من ملك إسبانيا لنزوح أكثر من 12 ألف أرميني للسكن والإقامة في مدينة دبا العمانية!
فهل لكم معي أن تستوعبوا بتساؤل هذا المشهد؟!
وما الذي أتى بالأرمن إلى عمان وبهذا العدد الكبير ولماذا؟!
هنا من خلال رسالة ملك إسبانيا فليب الرابع لابن أخته ونائبه بالهند في 3 فبراير سنة 1635م سنكتشف شيئا فشيئا حقيقة أسباب هذا النزوح الكبير للأرمن اتجاه دبا حيث يقول:
” إلى الكوند ابن اختي ونائبي بالهند أنا الملك أبعث إليك تحيات كثيرة أخص بها من أحب… سبق لي أن أمرتكم في رسالتي المؤرخة في 6 يناير عام 1633م بالتراجع عن قراركم القاضي باستقبال أولئك الأرمن المقيمين في البصرة في المناطق التابعة لدولة الهند، والذين يلقبون بالمسيحيين التابعين للقديس ساو جواو لأنهم يعدون جميعا هرطوقيين تابعين للكنيسة الإغريقية، لذا لا يستحسن إيواؤهم في المستوطنات الجديدة للمسيحيين بتلك الربوع نظرا للخطورة التي يمثلها إدخال 12 ألف محارب أرمني دفعة واحدة بدعوى تعويض النقص الحاصل في عدد المحاربين، إذ من الممكن أن يتواطؤوا مع أعدائنا الأوروبيين وغيرهم، مما قد ينسف مكاسبنا، لهذه الأسباب سبق أن أمرتكم بألا تجندوا إلا الكاثوليك الخاضعين لكنيسة روما وفي عدد قليل لا يدعو إلى اتخاذ الحيطة والحذر وقد منعتكم من اتخاذ أي قرار في هذا الشأن قبل الأخذ برأي المستشارين الذي يساعدونكم، وإشعاري بما قر عليه عزمكم وانتظار ردي، ولقد أجبتموني برسالة مؤرخة في 6 أغسطس وأخرى في 7 أكتوبر من السنة الماضية 1634م نقلها القبطان أنطونيو دو سلدانيا أرفقتموها بالعقد الموقع مع المجموعة الأولى التي وصلت من البصرة والذين عينتم لهم منطقة دبا للاستقرار فيها، وقد بررتم قراركم ذاك بقلة المحاربين وبكون أولئك الأرمن من الكاثوليك وأنه يستحقون الثقة أكثر من المسلمين المقيمين داخل القلاع، كما بررتم قراركم بالأمر الذي قلتم إني وجهته للأسقف دون فري ألييشو دو منيزش حينما كان مسؤولا على شؤون الهند لكي يسمح لأولئك الأرمن بالنزوح، وبعد الاطلاع على تلك الحجج ومعرفتي بالخبرة التي أبدوها (الأرمن) في استعمال المدافع وركوب البحر وخوض المعارك فإني آمركم مرة أخرى باتخاذ الحيطة قبل الترخيص لأولئك الأشخاص بالاستقرار في المناطق الخاضعة لنفوذكم وأن تحرصوا على أن يكون الوافدون عليها من الكاثوليك وعددهم قليل لكي لا يمثلوا أي خطر على الأمن وأن تحرصوا ألا يتجاوز عدد المرخص لهم بالإقامة في دبا العدد المتفق بشأنه في العقد الموقع معهم، وابعثوا لي النسخة الأصلية لتنازل الملك محمد شاه عن منطقة دبا في أول سفينة تغادر الهند”.
وقد قام نائب الملك بالرد على الملك قائلا في رسالته في 15 فبراير من عام 1635م:
” تم تنفيذ تعليمات جلالتكم بشأن منع استقرار مسيحيين آخرين من الأرمن، وأوافيكم رفقته بنسخة من تنازل محمد شاه عن دبا للأرمن المذكورين تنفيذا لأمر جلالتكم”!
حينما نتمعن عزيزي القارئ هذه الوثائق المهمة لنزوح الأرمن نحو دبا فإننا بلا شك سنعي بأن البرتغاليين وملكهم الإسباني فليب الرابع كانوا حريصين كل الحرص على جمع العديد من الجنود والمرتزقة ليعملوا تحت إمرتهم لمساعدتهم في الحفاظ على مناطقهم الاستعمارية، فاتجهوا للتعاقد مع الأرمن كونهم موجودين بصورة كبيرة في البصرة ويجيدون استخدام السلاح وأقوياء كجنود في المعارك وأفضل لحياة ثقتهم من المسلمين، لكن المشكلة الوحيدة التي كانت تخيف الملك فليب الرابع هي ديانة هؤلاء الأرمن كونهم ينتمون للكنيسة الأرثوذكسية التي كانت في صراع دائم ودموي مع الكنيسة الكاثوليكية وهي ديانة البرتغاليين والإسبان، وكون المناطق الاستعمارية التي يحتلونها مهمة للغاية وتواجه خطر الهجمات الفارسية والإنجليزية والهولندية ومن بعدها الهجمات العمانية، فقد كان الملك فليب الرابع يخشى أن ينقلب عليه الأرمن في إحدى هذه المدن المهمة في ساحل عمان والتي تقع تحت نطاق سيطرته المباشرة كمسقط وصحار ومدن الساحل العماني كله، ولذا وبعد تفكير مطول ومشاورات معقدة فيما بينهم، قرروا أن يختاروا مدينة دبا العمانية كي تصبح المكان الحاضن للأرمن بعدما أقنعوا الملك محمد شاه وريث حكم هرمز وبعض مدن ساحل عمان أن يتنازل عن دبا لصالح الأرمن حيث تشير الوثائق البرتغالية إلى نزوحهم هناك وبالآلاف!
ومن الغريب جدا أن ترى كل هذه المؤامرات وإقطاع المدن العمانية من قبل ملك الإسبان الذي كان يعرف عن كل تفاصيلها وبمسمياتها ومواقعها وحجمها وطبيعة سكانها، فقد كان يأمر قادته مثلا برسم كل شيء هناك وكأنها صور فتوغرافية كي يشاهدها ويعرف تفاصيلها وهو على كرسي الحكم في مدريد!
وعلى كل حال فقد كانت دبا هي ضحية النزوح الأرمني في تلك الفترة بأمر من ملك إسبانيا وقادته!
فهل تتخيلون صدمة الأهالي في دبا وقتها من وجود الأرمن حولهم وبينهم وبالآلاف؟!
ألا يشبه هذا الوضع وعد بلفور المشؤوم، حينما أقدمت بريطانيا بإعطاء الصهاينة أرض فلسطين رغم اختلاف الأسباب؟!

المصدر: صحيفة أثير

إقرأ أيضاً:

محمد حامد جمعة يكتب: هزيمة كاملة

الدعم السريع إنهزم في الخرطوم . وخسر خسارة واضحة .وأيما قول خلاف هذا إما أنه معالجة تبريرية لمناصرة له .أو لموقف حقد من شخص كاره للجيش .هزيمة بدأت اشراطها منذ معركة جبل موية .في إكتوبر الماضي . حيث فشل في إستعادة المنطقة وسحق قبلها سحقا وفشلت بعدها حملة ونداء للإستنفار القبلي من قائده .إذ لم يهب إليه ألفا رغم الوعود بمليون ؟! بل أكثر من هذا أن قواته التي في نطاق ولاية سنار فشلت في تنظيم فزع والذي لم يأت كذلك من الجزيرة ولا الخرطوم .وتوالت بعدها بنفس الملاحظات الهزائم حتى معركة القصر وما تلاه إلى يوم عبور كوبري الجبل !
2
لا إتفاق بالانسحابات وبلا بطيخ (غلب راسو عديل ) وبمعارك ثمنها كان من رجال القوات المسلحة غال .وشباب عظماء . والغريب أنه في أيام تقدم الجيش من تجاه (شروني) للربط بين المدرعات والقيادة ومع كثرة عدد الشهداء كان بعض الناس يفكرون أياديهم فرحا وشماتة . وهم ذاتهم الان يقولون لم يكن من قتال ! وليبحث المجتهد من الباحثين عن تفاصيل معارك ضارية في شارع كترينا أو حول معمل إستاك ومواقع أخرى كانت نيرانها ضارية منذ تقدمات بحري وشرق النيل . وبالتالي معركة الخرطوم لم تكن نزهة .

وأما القول بأن قوة العدو تركت لتخرج .تلك تقديرات مختلف حول دوافعها ـ تقديرات المحللين ـ وشخصيا أعتقد أن هذا الأمر تقدير عسكري سليم . لانك كجيش لك هدف إستراتيجي ومهم مثل إستعادة العاصمة (وسنفصل في مكاسب هذا) وطالما أن عدوك تحت الضغط ويبحث عن منافذ للنجاة فالسليم أن تجري ما يمكن تسميته (فصد) أو جرح يسمح بسحب الدم وتدفقه وبمثال أن عدوك (اتلبش) وداخله خوف وارتبك وانفكت سيطرته وصار يرجو النجاة فالسليم أن تترك له بابا صغيرا .هذا أسلم من إجباره لمقاومتك مقاومة الباحث عن (نفس) تحت قبضة يد مميتة
3
الجيش كجهة تقاتل بوعي ومكاسب أكبر من النقاط الصغيرة .لن يكون كسبه المفضل كم قتل ومزق قدر ما أن تركيزه بالضروره على كليات ما يخطط له وهو التحرير الشامل والحصول على العاصمة (صرة في خيط) وبالتالي إن كان عدوك انت تمارس فيه إدارة نيرانك قتلا وسحقا .وهو يرتعب ويتخبط يرجو المنافذ فالسليم انك تسوقه أو تدفعه بنفس فكرة (الفصد) ليتدفق إلى مكان تجمع محدد .هذا يحقق لك أغراضك .يؤمن مواطنك المعزول والمنقطع في وسط الأحياء . وبعد هذا كله فصورة العدو المهزوم المنسحب . صورة ستبقى للتاريخ هي نفسها ستكون في بقية المعركة ذات أثر و فصل .

الدعم السريع إنهزم. بل اعتقد انه الان من عليه أن (يتصرف) تجاه مشكلة عناصره الذين ستكون قضيتهم الان مع قيادتهم . ومع من دفع بهم إلى هذا الجحيم ..والجيش قصبته متر

محمد حامد جمعة

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • صلاح الدين عووضة يكتب.. إلى متى ؟!
  • مطران الأرمن الأرثوذكس بمصر ينعى الأنبا باخوميوس
  • عمان الاهلية تهنىء بعيد الفطر السعيد
  • حسين خوجلي يكتب: حزب الأمة مقامات سادت ثم بادت
  • محمد حامد جمعة يكتب: هزيمة كاملة
  • هاري كين يكتب التاريخ مجددا في البوندسليغا
  • لواء رُكن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: عاوزين جدة!!
  • سلطنة عمان تُعلن الإثنين أول أيام العيد
  • أمانة عمّان تعلن الطوارئ المتوسطة
  • إسحق أحمد فضل الله يكتب: مقتل قرنق