متى تكون الحرب استثناء ضروريا تحتاجه الدولة لتضمن استقرارها؟ آراء فلاسفة
تاريخ النشر: 5th, October 2023 GMT
الكتاب: فلسفة الحرب، في ماهية الحرب ومسوغاتها عند الفلاسفة اليونان والمسلمين
الكاتب: رفقة رعد خليل
دار النشر: ابن النديم للنشر والتوزيع المحمدية- المملكة المغربية ودار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت، لبنان، 2015.
عدد الصفحات: 165 صفحة
ـ 1 ـ
ما الحرب، في كلّ عصورها وضمن كلّ أغراضها، غير تصيّد الأعداء وتصفيتهم جسديّا؟ ولا يجابه القتل إلاّ بالقتل.
وللحدّ من هذا الوجه القبيح للحرب حاول القانون الدولي أن يسيّجها بجملة من الضوابط الأخلاقية والقانونية كتجريم التعذيب واغتصاب النساء والتعدي على الممتلكات الشخصية وكتجريم الاعتداء على جثث الموتى وإخضاع الأشخاص للمعاملات المهينة أو اتخاذهم دروعا بشرية من قبل الجيوش أو توظيفهم قسرا للقيام بأعمال تساعدهم في عملياتهم ضد أعدائهم أو كتجنيد الأطفال والتهجير القسري والإبادة الجماعية.
ـ 2 ـ
ولعلّ وصف ميخائيل نعيمة الذي جربّها لما جُنّد ضمن جيش الولايات المتحدة في 1918 أن يتضمّن أفضل تشخيص لها. يقول "لو أن فظاعة الحرب توقفت عند تشويه الأجساد وإزهاق الأرواح وتخريب العامر من الأرض وتهديم الآهل من المدن والقرى، لكانت بعض الفظاعة وبعض البشاعة، ولكنها تشوِّه الروح في الجسد قبل أن تشوه الجسد. وتُزهق الحق في الروح قبل أن تُزهق الروح. وتُخرب العامر من العقول قبل أن تُخرب العامر من الأرض. وتهدم الضمائر الآهلة بالفضيلة قبل أن تهدم المدن والقرى الآهلة بالسكان. إنها الكره الصاخب وقد أنزل المحبة الصامتة عن عرشها فلبس تاجها وحمل صولجانها" (طنسي زكّا: قراءة سياسية لأدب أعلام المهجر، دار الفارابي ط1 بيروت 2015 ص 401).
كان الفيلسوف يجعل من التاريخ الإسلامي أصلا اعتباريا يوجّه فكره. فأصّل فكرة حتمية الحرب ضمن مفهوم الجهاد. وجعله آلية تحقّق المجتمع الفاضل الذي يتشكل من أمم مختلفة ويحكمه دستور عادل. ولكنه كان على بيّنة من أنّ العدل لا يتحقّق في الواقع دون وجود قائد مؤهل فطريا ونفسيا للجهاد والحرب.الحرب إذن موطن للكلّ المفارقات. فرغم وجهها القبيح تكون ضرورية أحيانا من أجل شيء من الجمال يُراد له أن ينتزع منّا قسرا. ورغم تحالفها مع الموت الدّمار تكون ضرورية أحيانا من أجل الأمل في الحياة. ورغم كونها هزيمة للإنسانية لا تنتصر قيم الخير أحيانا إلا بها. ولهذه التناقضات جميعا مثلت شاغلا مستمرا للبشرية جمعاء. ومن البديهي أن تتحول إلى موضوع فلسفي يبحث في أصولها وأسبابها العميقة. فطرحت أسئلة من قبل: هل أصيلة هي في النفس البشرية أم عارضة شأنها شأن السلم؟ وخاض الفلاسفة في مأتى شرعيتها، إن كانت من فعل الحرب ذاته أم من مواقف الفرق المتحاربة فيما بينها، أم لدواع منطقية أو دينية؟ فمثلت هذه الخلفيات جميعا الحوافز التي حثت الباحثة رفقة رعد خليل على دراسة الحرب ضمن إطار العقل الفلسفي العملي السياسي والتي غفل عنها الدرس الأكاديمي فيما تذكر. وخصّت بالبحث الفلسفتين اليونانية والعربية الإسلامية.
ـ 3 ـ
حاولت الباحثة القيام بتأصيل فلسفي لمفهوم الحرب، فقدرت انطلاقا من مرجعياتها المختلفة أنها نزاع مسلح بين طرفين أو أكثر يستهدف فيها الطرف المحارب حماية حقوقه أو فرض مصالحه أو وفرض واقع جديد على الأرض عبر مواجهة الطرف الآخر عسكريا. فتخوض غمارها الجيوش النظامية لحسم النزاعات التي تخفق في حلّها المساعي الدبلوماسية أو إيجاد تسوية سلمية لها. ويمكن للحرب أن تتمثّل في قتال بين كيانات سياسية. أما الإستراتيجيون فيحدّدونها بكونها استمرارا للسياسة بوسائل أخرى. وعليه فهي أداة من أدوات السياسية وشكل من أشكال استمرارها وبكونها ممارسة فريدة يمكن من خلالها تحقيق مقومات الإنسان الأخلاقية والفكرية . إنها "خفقان منتظم للعنف تتفاوت سرعته في إرضاء توتراته ونزف قواه". ومن التدابير والإجراءات العسكرية التهديد بالعنف والتدمير أولا ثم الانخراط فيها بمستويات مختلفة.
ثم تعرض الباحثة خوض الفلاسفة في طبيعتها وشرعيتها، عند بحثهم في أسبابها وتقديرهم لشروطها، فتبحث في بعدها السياسي أو صلتها بالواجب الديني والمجتمعي والطبيعي وتصنيفها إلى حروب شرعية أو غير شرعية، بحسب ما تطمح له الحرب من غابات وما تعتمد من الوسائل.
ـ 4 ـ
مثل منجز الفلاسفة اليونانيين مدخلها لمقاربة الحرب فلسفيا. وقسّمت مباحثها إلى ما قبل سقراط وما بعده. فوجدت في فلسفة هيراقليطس بحثا في الحرب على اعتبارها جوهرا سياسيا وميتافيزيقيا في الوقت نفسه. فقد مثلت عنده قانوناً إلهياً إنسانياً مصدره العقل الكلي. وعليه كان العالم عنده يستمدّ عدالته من تحقّقها؛ لأنه قائم بذاته عليها. ولكن لا يمكن لها أن تخاض دون سبب يحكمها، ولا بدّ لها من موانع تحول دون وجودها اللاشرعي. أما أنباذوقليس فكانت تحركه، وفق الباحثة، نزعة صوفية تسلّم بأن الكون مسيّر من قبل نظام أزلي محكوم بالآلهة. وهذا ما أفضى به إلى القول إن الشياطين هي المسبب الرئيسي لأي نزاع. ومن هذا المنطلق انتهى إلى أنّ الحرب تستمدّ شرعيتها لديه وفق قانوني الاتفاق والضرورة، كونهما قانونيين إلهيين أزليين.
وتختزل مرحلة ما بعد سقراط في فكر أفلاطون وأرسطو خاصّة. فالحرب أصيلة متجوهرة متمثلة في الجزء الغضبي من النفس الإنسانية وفق أفلاطون. والقسوة جزء من الطبيعة الإنسانية، يمكن لها أن تتحول إلى شجاعة أو خشونة أو جبن أو تهور، بحسب الظروف الملائمة لكل صفة من هذه الصفات. وتظهر هذه الأصالة في نظام الجند الذين يحرسون الدولة ويدافعون عنها، فضلاً عمّا يتمتع به رئيس المدينة الفاضلة من نظام عسكري صارم بوصفه قائداً للدولة وفيلسوفاً في آن واحد. ومع ذلك عمل أفلاطون على تسييجها بشروط. فربط قيامها أو فرض السلم بدلا من خوضها بطبيعة التربية والإعداد للإنسان في الدولة المثالية التي يدعو إليها.
ويجد أرسطو أن الحرب تكون مشروعة عند اندلاعها لضرورة حماية الدولة وحفظ أمنها الداخلي أو الخارجي، وهذا ما جعل وجود الأسلحة وكفايتها ضرورة لا يمكن للدولة الاستغناء عنهما. ويؤكد حقيقتين رئيسيتين، تقول الأولى بجوهرية الحرب في ثنايا النفس الإنسانية، ولاسيما في جزئها الغضبي الذي يتسم بالعدوانية أحيانا. أما الثانية فهي على صلة بالبعد الجغرافي وموقع الإقليم والمناخ وأثرهما في سلوك البشر من حيث اكتسابهما للشجاعة أو الخوف، أو حبهم للحرية أو قبولهم بالاستبداد والذل. وهذا لا يعني أن تتجرد الحرب من عدالتها، فغايتها في النهاية هي السلام.
ـ 5 ـ
حمل المبحث الأخير من الكتاب عنوان طبيعة الحرب وشرعيتها عند الفلاسفة المسلمين. فاختارت نماذج معينة من فلاسفة المشرق العربي والمغرب الإسلامي، اعتماداً على ما برز لديهم وفي نصوصهم من طبيعة الحرب وشرعيتها بشكل لافت. فعرض مؤلفها من فلاسفة المشارقة منجز الفارابي وابن سينا خاصّة. فقد وجدت في الفارابي المنظر والفيلسوف والسياسي بامتياز ، ووجدت في تيمة الحرب مبحثا ملازما لأغلب مؤلفاته السياسية والفلسفية.
شرع ابن سينا الحرب الهجومية في حالة الحاجة؛ لامتلاك العبيد واستعبادهم، ومنطلقه في ذلك وجود عبيد بالطبع أو بالفطرة، ضعيفي العقول، يسكنون الأقاليم غير الشريفة.وعامّة كان الفيلسوف يجعل من التاريخ الإسلامي أصلا اعتباريا يوجّه فكره. فأصّل فكرة حتمية الحرب ضمن مفهوم الجهاد. وجعله آلية تحقّق المجتمع الفاضل الذي يتشكل من أمم مختلفة ويحكمه دستور عادل. ولكنه كان على بيّنة من أنّ العدل لا يتحقّق في الواقع دون وجود قائد مؤهل فطريا ونفسيا للجهاد والحرب. فقد لا تستجيب بعض المجتمعات لكلمته إلا بالإكراه تماما مثل بعض الأفراد البوهيميين. وقد تكون مجتمعات أخرى ذات طبائع عدوانية بحكم بيئتها الجغرافية والمناخية التي تؤثر في الطبيعة الإنسانية. وقسمها إلى عادلة وأخرى جائرة. وحاول أن يحد من مخاطرها ويمنع الاندفاع إليها بطريقة عشوائية. ومن الحروب العادلة تلك التي تخاض ضد ذوي الطبع البوهيمي من سكّان المدن المتوحّشة. فيجب إخضاع هؤلاء بالقوة. فيستعبدون وينتفع منهم أو يقتلون.
وما يثير استغراب الباحثة مفارقة استعصت على فهمها في نسق تفكير الرّجل. فهو يقول بصعوبة اجتماع الشرور كلّها في إنسان واحد حتّى يتحول إلى متوحش يباح قتله. ويطلب في مواطن أخرى إخراج كل إنسان مُعد بالطبع نحو الشر من المدينة دون قتله. وبالمقابل فهو يشرّع قتل سكان المدن المتوحشة ممن كانت لديهم نزعات شريرة كما هو الحال عند بعض سكّان المدينة الفاضلة. وتتساءل: "لماذا لم يسع إلى إصلاح التوحش الإنسي إذا كان الإنسان نفسه يمتلك استعداداً طبيعياً نحو الخير"؟
ـ 6 ـ
أما ابن سينا، ففضلاً عن كونه فيلسوفاً، فقد كان يمارس السلطة السياسية في المقام الأول وتولى رئاسة الوزراء. فاجتمع في كتاباته التي تناولت الحرب النظريُّ مع العملي التطبيقي. وشغل موضوعها مكانة خاصّة في فلسفته. فقد أدرك أهميتها وأهمية التنظيم العسكري ضمن مدينته الفاضلة التي يتحدد الاجتماع فيها بدلالة الشريعة الإسلامية في كل ما يخص أنظمتها التشريعية. ويعتمد على ضرورة نشر النظام الإلهي والشريعة السماوية التي غايتها تحقيق نظام فاضل عادل وضرورة تطبيق هذا النظام على كل فئة بشرية سواء أكانت حاملة للسيرة الجميلة أم من أهل الضلال حسب تعبيره، فإذا استوجبت الأمور بإهلاك أهل الغلال تم ذلك، أو بالخروج على الخليفة حينما لا يستوفي الشروط اللازمة لتسلمه زمام الحكم كخليفة للمسلمين، وهنا يأخذ فعل الثورة عدالته. ولم يخل فكره من تأثير للفلسفة الإغريقية. فقد عد المؤثر المناخي والجغرافي من جهة والقوة الغضبية في الإنسان من العناصر المولدة للعدوانية من جهة أخرى من مولّداتها. ووسم بعض الأقاليم دون الأقاليم الأخرى بصفات الوحشية أو الشجاعة والجلد.
شرع ابن سينا الحرب الهجومية في حالة الحاجة؛ لامتلاك العبيد واستعبادهم، ومنطلقه في ذلك وجود عبيد بالطبع أو بالفطرة، ضعيفي العقول، يسكنون الأقاليم غير الشريفة. وتجد رفقة رعد خليل عسرا في فهم نسق تفكير ابن سينا بدوره. فبحثه في الفطرة ينتهي بها إلى التسليم بعدم وجود من هو عاقل بالطبع أو غير عاقل بالطبع،" فيمكن للخُلق غير الشريف الفاسد أن يصبو إلى التمدن إذا ما عولج ضمن الأقاليم الشريفة، أو ضمن مجتمع متمدن متحضّر، لذلك طرحنا سؤالنا حول الأسباب السابقة في استعباد فئات معينة من البشر، فهل يكفي كونهم من سكان الأقاليم [غير] الشريفة لاستعبادهم؟"
واختتمت أثرها بدراسة آراء فلاسفة المغرب الإسلامي. فاختارت نماذج تناولت طبيعة الحرب شأن ابن رشد وابن خلدون. وانتهت دون إفاضة في الدّرس، إلى أنّ الحرب كانت وسيلة، وليست بغاية، وأن الحالة السياسية الاعتيادية هي حالة السلم. ومع ذلك عُدّت أداة ضرورية تخدم الدولة، في الوسط السياسي والمجتمعي لا يمكن الاستغناء عنها.
ـ 7 ـ
مثلت مختلف المواقف من الحرب نسقا متوافقا مع المنظومات الفلسفية لأصحابها بشكل عام. ومع ذلك فقد اشتركت في قواسم معينة، منها كونها وسيلة واستثناء يقيّد بشروط، لأن الأصل هو السلم. ولكنها استثناء ضروري وقار تحتاجه الدولة لتضمن استقرارها وتحفظ مصالحها. ورغم تأثر الفلسفة الإسلامية بخلفياتها الدينية فإنها لم تخل من صدى للفلسفة الإغريقية، ما تعلّق منها بأثر العوامل الطبيعية في سلوك البشر أو ما تعلّق بتصوّرهم للمدينة الفاضلة المناقضة للمدينة المتوحّشة، خاصّة.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب النشر لبنان لبنان كتاب رأي نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار تغطيات سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ابن سینا قبل أن ت لا یمکن
إقرأ أيضاً:
الحرب على غزة وتجديد الإمبريالية
ارتبط مصطلح الإمبريالية بمراحل التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار، وظل اليسار الراديكالي يستعمله حتى الآن. لم تعد الإمبريالية شائعة في الخطاب السياسي العربي، لذا فإننا نحتاج إلى تذكير القارئ بمدلولها.
الإمبريالية هي سياسة تهدف إلى توسيع نطاق حكم دولة ما على حساب دول أخرى وشعوبها، وذلك بغرض زيادة نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي.
ارتبطت الإمبريالية تاريخيًا بنشأة وصعود الدولة القومية الأوروبية والصراع فيما بينها، لكن ما نشهده في عالم اليوم، ومنذ عقد من السنين، هو إعادة تشكيل المنافسة على المصالح الاقتصادية والجيوسياسية (والتعاون بشأنها) باعتبارها منافسة بين "دول حضارية" لا قومية.
اللافت أن الإمبريالية تعود سيرتها الأولى، وتستعيد تقاليد الغزو المباشر واحتلال الأراضي، وطرد أو تهجير السكان، كما يجري في أوكرانيا الآن، وكما يتطلع ترامب لضم بنما وغرينلاند. أما غزة فالمطروح لها ليس ضمها لإسرائيل وبناء المستوطنات من جديد، ولكن تهجير سكانها واحتلال أرضها بالاستثمارات العقارية.
لكن ما المقصود بالدولة الحضارية التي تحل بالتدريج محل الدولة القومية التي نشأت منذ معاهدة وستفاليا (1648)؟ وما موقع الحرب على غزة من إعادة تشكيل طبيعة الصراعات العالمية؟
إعلان هجوم دولة الحضارةفي تقديري، إن الدولة الحضارية لها سمات أربع تميزها عن الدولة القومية التي بدأت بنظام وستفاليا:
1- تجاوز مفهوم الدولة القوميةوهو المفهوم الذي فصل الهوية الثقافية عن السياسة، والمصالح عن القيم، أو لنقلْ إنه صنع هوية جديدة، قوامها المواطنة. أساس الصراع في الدولة القومية هو الأفكار السياسية والمصالح الوطنية والقومية، وليس الاختلافات الدينية أو الثقافية.
مفهوم الدولة الحضارية يتأسس– كما يرى ماسيس وزير الدولة البرتغالي للشؤون الأوروبية سابقًا – على: "أن الدول القومية اختراع غربي، وهي بطبيعة الحال عرضة للتأثير الغربي. أما الحضارات فهي بديل للغرب".
إن إدارة مودي، من خلال التأكيد على أن الهند حضارة، تحيل المعارضة – المؤتمر الوطني الهندي – إلى قوة غربية عازمة على قياس نجاح الهند بمقياس نظام أجنبي.
والواقع أن أفكار العلمانية والعالمية، التي كانت سمة لصيقة تاريخيًا بحزب المؤتمر الوطني الهندي، يُنظر إليها الآن باعتبارها واردات ثقافية يتعين على الهند أن تحرر نفسها منها.
المشاريع العسكرية والسياسية التركية في جنوب القوقاز والشرق الأوسط لها صدى تاريخي، فهي دليل على عظمة تركيا، وتُظهر أن تركيا ستكون حيثما يقول الرئيس رجب طيب أردوغان إنها يجب أن تكون.
2- انتفاء القيم العالميةوهي القيم التي كان جوهرها بعد الحرب الثانية، هو النظام الليبرالي الغربي. يقول المدافعون عن الدولة الحضارية: "إن البحث عن القيم العالمية قد انتهى، وإننا جميعًا يجب أن نقبل أننا نتحدث فقط نيابة عن أنفسنا ومجتمعاتنا".
تقاوم روسيا فلاديمير بوتين والصين شي جين بينغ المطالبات العالمية للنظام العالمي الليبرالي. وهذا الرفض، بدوره، يدفع الغرب أيضًا إلى تصور وجوده في العالم من منظور حضاري.
يناشد بوتين الروس ألا يتبعوا أغنية الغرب المتمثلة في التعبير الفردي عن الذات، بل أن يساعدوا بدلًا من ذلك في جعل روسيا عظيمة مرة أخرى.
إعلانويتحدّث الرئيس الصيني بنبرة مماثلة عن مشروع الصين العظيم للتجديد الوطنيّ، والذي يحتفل بالثقافة الصينية باعتبارها متميزة عن الفردية الغربية. أما الرئيس التركي فيرفض القيم الغربية فيما يخصُّ قضايا المرأة، ويدعم الأسرة الطبيعية.
حاول البعض أن يصوّر الحرب على الإرهاب – التي بدأت عام 2001، وكان مسرحها العالم الإسلامي، أو ما أطلق عليه الشرق الأوسط الكبير- باعتبارها صراعًا حضاريًا بين الغرب والإسلام، إلا أنه سرعان ما تم التراجع عن هذا الوصف. نُظر إليها باعتبارها نشرًا لقيم الديمقراطية.
بذل جورج دبليو بوش قصارى جهده مرارًا وتكرارًا للتأكيد على أن الحرب العالمية ضد الإرهاب وتغيير النظام في العراق تتم وفقًا لشروط نهاية التاريخ – أي هيمنة النظام الليبرالي، وليس منطق صراع الحضارات – كما أعلن هنتنغتون.
صرّح بوش الابن (2001- 2009) قائلًا: "عندما يتعلق الأمر بالحقوق والاحتياجات المشتركة للرجال والنساء، فلا يوجد صراع بين الحضارات"، كما قال: "إن متطلبات الحرية تنطبق بالكامل على أفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم الإسلامي بأسره. إن شعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق نفس الحريات والفرص التي يتمتع بها الناس في كل دولة. وينبغي لحكوماتها أن تستمع إلى آمالها".
حملت الحرب على الإرهاب – بالتأكيد – أبعادًا ثقافية؛ إلا أن جوهرها كان صراعًا تُختبر فيه القوى الدولية المختلفة توازنات القوة فيما بينها في ظلّ امتزاج شديد للمصالح والتغيرات الجيوسياسية بالأبعاد الثقافية والقيمية للصراع.
منذ 11 سبتمبر/ أيلول؛ استخدمت واشنطن قوتها لإضعاف القيود المفروضة على استخدام القوة. أدت الحرب على الإرهاب بعد عام 2001 إلى تآكل النزعة الدولية، حيث استخدمت الولايات المتحدة تفوقها لإرغام الدول أو إقناعها أو تملقها للانضمام إلى حملاتها العسكرية، مع القليل من الاهتمام بكيفية إلحاق تصرفات واشنطن الضرر بالعلاقات الأميركية مع العالم غير الغربي.
إعلانمنذ الأزمة المالية العالمية في عام 2009 على الأقل، أصبحت القوى الصاعدة في الجنوب العالمي، وهي مجموعة من البلدان التي يمكن تعريفها تقريبًا على أنها "تلك البلدان التي تعتقد أن النظام القائم على القواعد هراء"، صريحة بشكل متزايد في إحباطها بشأن النفاق في قلب النظام العالمي.
لم تقدم السرديات الروسية والصينية المضادة للغرب سوى المفردات لدول الجنوب العالمي لوصف ما شعرت به منذ فترة طويلة: أن النظام القائم على القواعد كان مجرد غطاء أخلاقي للقوة والسيطرة والمصالح الغربية.
3-صعود الدولة الحضاريةوباعتبارها مرتبطة بحضارة، فإن الدولة لديها مهمة أساسية تتمثل في حماية تقاليد ثقافية محددة. ويشمل نطاقها جميع المناطق التي تهيمن عليها تلك الثقافة.
الدولة الحضارية منظمة حول الثقافة وليس السياسة أو الحدود. إن دولة بحضارة ما، تقع على عاتقها المهمة الأساسية المتمثلة في حماية تقاليد ثقافية محددة، وبالنسبة لدولة حضارية، فإن الروابط الثقافية قد تكون أكثر أهمية من مجرّد الوضع القانوني للمواطنة.
انطلقت الولايات المتحدة في معظم حروبها من مقولات وأهداف ذات صبغة ثقافية لا لبس فيها؛ كنشر القيم الديمقراطية (الأميركية)، أو نشر الثقافة الرأسمالية، ولكنها كانت تحرص على أن تطرح هذه الشعارات كأهداف محايدة ومنافع عامة، وليس كتبريرات ثقافية تناسب بعض الشعوب فيما تتعارض مع أخرى.
الجديد مع عالم ترامب، ووفق مشروع 2025 الذي يعد منفيستو حكمه، فإن المطلوب هو استعادة روح أميركا التي قامت على عدد من الأسس أهمها: إحياء التقاليد اليهودية المسيحية – استعادة الأسرة الطبيعية المكونة من ذكر وأنثى باعتبارها محور الحياة الأميركية، والدفاع عن سيادة الأمة وحدودها ومواردها ضد التهديدات العالمية.
كان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 بمثابة قطيعة صريحة، ورفض ظاهري لإحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الليبرالي، ألا وهي أن حدود الدول القومية لا ينبغي إعادة رسمها بالقوة.
إعلانومن اللافت للنظر أن بوتين برر تحرّكه على أسس "حضارية" صريحة، بحجة أن شبه جزيرة القرم كانت دائمًا جزءًا من "العالم الروسي". لكن اللافت في هذا الصدد أن روسيا الأرثوذكسية ضد أوكرانيا الأرثوذكسية أيضًا، وليس ضد تركيا المسلمة، كما جرى تاريخيًا، وهذا يعني أننا لسنا بخطوط صدع ثقافية أو دينية جامدة، كما قال صاحب مقولة صراع الحضارات.
وعلى نحو مماثل، كانت إزاحة ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا لحزب المؤتمر التعددي في عام 2014 في إطار أيديولوجية الهندوتفا، التي قدمت الهند كدولة حضارية قائمة على الديانة الهندوسية (بغض النظر عن مئات الملايين من الهنود غير الهندوس).
ظهر شي كزعيم أعلى مهتم بشكل متزايد بالمواجهة الأيديولوجية المباشرة مع الغرب، ومتطلع لوحدة الأراضي الصينية- كما جرى في هونغ كونغ، وما يسعى إليه في تايوان.
في فبراير/ شباط 2025، انضم حزب الليكود الحاكم في إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – كعضو مراقب – إلى التحالف اليميني المتطرف: الشراكة من أجل أوروبا (Partnership for Europe).
برزت الأحزاب اليمينية المتطرفة كثالث أكبر مجموعة سياسية في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في يونيو/ حزيران 2024. بموجب هذا المنطق الجديد، سيصبح اليهود والأوروبيون ضحايا "للإسلام الفاشي" الصاعد، مما يؤدي إلى تشكيل تحالف جديد بين إسرائيل واليمين المتطرف في أوروبا لمواجهة هذه التهديدات المزعومة.
4- دور الدولة الجديدةإن التعريف الحقيقي للدولة الحضارية، هو تعزيز أسلوب حياة واحد والدفاع عنه في مواجهة كلّ البدائل.
كانت المشكلة في العولمة الغربية مزدوجة، على حد قول رئيس تحرير مجلة NOEME:
أولًا، بدت القيم الغربية في نظر العديد من الناس الذين يعيشون في آسيا أو أفريقيا مجرد بديل واحد بين بدائل أخرى عديدة. وكان الوعد بالحفاظ على أساليب الحياة التقليدية في مجتمع ليبرالي مجرد وهْم قاتل. إعلانفإذا استوردت تركيا أو الصين أو روسيا المجموعة الكاملة من القيم والقواعد الغربية، فإن مجتمعاتها سرعان ما ستصبح نسخًا طبق الأصل من الغرب وتفقد استقلالها الثقافي.
ورغم أن هذه العملية كانت تُعد الثمن الضروري للتحول إلى مجتمع حديث، فإنه في الآونة الأخيرة، تزايدت الشكوك حول ما إذا كان من الضروري حقًا تقليد الدول الغربية من أجل اكتساب كل فوائد المجتمع الحديث.
وكانت هناك صعوبة ثانية: إذ لا تزال القيم والمعايير الغربية في حاجة إلى تفسير وتنفيذ، وكانت الدول الأكثر قوة في الغرب تستولي على هذه المهمة على الدوام.في ظلال الدولة الحضارية؛ فإن العالمية هي أيديولوجية الغرب لمواجهة الثقافات الأخرى. وبطبيعة الحال، فإن كل شخص خارج الغرب، كما زعم هنتنغتون، ينبغي له أن ينظر إلى فكرة العالم الواحد باعتبارها تهديدًا. وحينئذ فلماذا يمتنع الآخرون عن فعل الشيء نفسه؟ ولماذا يمتنعون عن بناء دولة حول مفهومهم الخاص للحياة الطيبة، دولة تدعمها حضارة كاملة؟
في هذا العالم، تتسم الحضارات المختلفة بأنها عالمية في الممارسة العملية؛ إن لم تكن في الطموح، وقد تتنافس فيما بينها على القوة العالمية، ولكنها تنتمي جميعها إلى مشهد سياسي واقتصادي مشترك ومتكامل على نحو متزايد، وهو ما من شأنه أن يغير طبيعة صراعات المستقبل، وهو ما يستحق المتابعة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline