لجريدة عمان:
2025-04-03@03:10:56 GMT

حول مفهـوم النـظام الإقـليمي

تاريخ النشر: 4th, October 2023 GMT

اعتدْنا، منذ عـقود، على استخدام اصطلاح النظام الإقليمي لوصف حالةٍ سياسيّةٍ عربيّة جماعيّة بينيّة، أي تقع بين نظامٍ وطنيّ (قطريّ) قائم ونظامٍ قوميّ موحّـد لم يقم بعد؛ هي حالةُ اجتماعِ دولٍ عـدّة في نطاق رابطةٍ جامعة يُـرتِّـب الانتسابُ إليها على المنتسبين التزامات العمل بما تقضي به أحكامُها (نظريّـا على الأقـلّ).

هكـذا جرى وصْـفُ هـذه الحالة الجماعـيّة البينـيّة بالنّظام الإقليمي العربي، ووقع الانصرافُ -من حـينِها- إلى البحث في منظومة العلاقات والتّفاعلات التي تجري داخل ذلك النّـظام انطلاقاً من افتراضه نظاماً، ومن افتراض جامعة الدول العربية مسرحا لعلاقاته وتفاعلاته تلك وتجسيداً مؤسَّسيّـاً له، على مثال ما مثّـلـتْهُ منظّـمة الأمم المتّحدة -لدى قسمٍ كبيرٍ من الدّول والمؤسّسات- من إطارٍ مرجعيّ لِمَا دُعِـيَ باسم «المجتمع الدّوليّ»، ومن تجسيـدٍ مؤسسي لعلاقات أطـرافه.

من البيّن أنّ تسمية نظام العلاقات الجماعية العربية الرسمية نظاما إقليميّـا مرجعُها إلى وجودِ إطارٍ مؤسّسيّ جامع (= جامعة الدّول العربيّة) تنوجـد فيه دولٌ مستـقـلّـةٌ ذاتُ سيادة ولكـنّها -في الوقـت عينِه- تلتـقي على مشتَرَكات سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّـة عابرة لحدودها الجغرافيّة السّياديّـة من غير أن تُعطِّل مفعولَ أحكامِ سياداتها الوطنيّـة. ولكنّ الفارقَ كبيرٌ بين أن نُسلِّـم بوجود إطارٍ عامّ للتّـفاعل والتّبادل بين دولٍ محكومة بقوانينها الوطنيّة، وتعترف بها رابطتُها الجماعيّة المؤسّسيّة (= الجامعة) باستقلالها وسيادتها...، وأن نُطلق على هذا اسم نظامٍ إقليميّ؛ إذْ إنّ شرطَ وجودِ نظامٍ، أيّ نظام، هو أن يكون الإطـار المرجـعيّ لعناصره: يَحْكُمها ويفرض عليها سلطانَه بوصفه نظاما حاكما. يستوي في ذلك نظامٌ مجتمعيّ أو سياسيّ أو هندسيّ أو لغوي أو موسيقي...إلخ. وليست هذه الحالُ حالَ هذا الإطار الجامع للدّول العربيّة الذي يبدو إطارا لتنسيق السّياسات أكثر ممّا هـو نظامٌ على الحقيقة.

لدينا ما يكـفينا -ويفيض عن حاجتـنا- من الأدلّـة على افتقار هذا الإطار الجامع للمورد الأساس الذي يجعله نظاما حقّـا: مبدأ الحاكميّة؛ حاكميّةُ العلاقة العليا للعناصر أو حاكميّـةُ بنية الإطار الجامع لمكـوّناته. ولسنا نعني بهذه الأدلّـة على غياب النّظام في العلاقات البيـنيّـة العربيّة أنّ هذه العلاقات تقوم بين دولٍ مستقـلّة ذات سيادة؛ ذلك أنّ نظاما دوليّا، مثل نظام الأمم المتّحدة، ونظاماً إقليميّـاً، مثل نظام الاتحاد الأوروبي، مَبْـنَاهُـما على التّسليم باستقلاليّـة الدّول الوطنيّـة المكـوِّنة لكلٍّ منهما وسيادتها على مجالها الجغرافيّ-السّياسيّ. ليس هذا ما عَـنيْـناهُ بتلك الأدلّـة التي في حوزتنا، إنّما نعني -في المقام الأوّل- كلّ تلك الأدلّـة التي تشهد لحقيقةٍ واحدة: غياب مجالٍ عامّ أعلى في بنية العلاقات العربيّة- العربيّة يكون جامعا ومشتَرَكا ومستقلاّ، استقلالا نسبيّـاً، عن سياسات كلِّ دولـةٍ على حدة ويكون -في الوقتِ عينِه- مأهولاً بنظامٍ قانونيٍّ متمتِّـعٍ بقـدرٍ كبيرٍ من الإلزام: إلزام الدّول الشّريكة فيه بأحكامه.

هذا ما هو جـارٍ به العمل في الإطارين اللّـذيْن ألمحنا إليهما (= الدولي والأوروبي) - وهو هو الذي يصنع منهما نظامين - وهذا ما يفـتـقر إليه الإطارُ العربيّ المشتَـرَك؛ أعني إنتاج مساحة بينيّة مشتَركة وموحَّـدة محكومة بنظامٍ قانونيّ وتشريعيّ مرجعيّ من طبيعةٍ حاكمة، أي مبنيّ على الطّابع الإلزامي لقراراته وعابـرٍ للسّيادات على نحوٍ لا يخضع فيه لسياسات الدّول منفردةً بل مجتمعة. هذا المجال العامّ هو ما يفتقر إليه إطارُ العلاقات البينيّة العربيّة ولذلك يعجز هذا الإطار عن الصّيرورة نظاما بغياب شرطه التّحتيّ. نكتفي، في هذا المعرض، بدليلين اثـنيْن نستقيهما من تجربة العمل العربيّ المشتَرك في نطاق جامعة الدّول العربيّـة:

أوّلهما أنّ الإِلزامَ القانوني ليس قاعدة مَدْروجـا عليها في عمل جامعة الدول العربية وأجهزتها ومنظّماتها؛ لأنّه ليس مبدأً تعاقُـديّـاً يقوم عليه إطارُ الجامعة. حتّى قرارات مؤسّسة القـمّة العربيّة لا تُعتَـبر مُلزمة لدى أيّ دولة متى رأت أنّ مصلحتها الوطنيّة تقضي بعدم التزامها. والغالب على أكثر الدّول العربية أنّها تنخرط في «العمل العربيّ المشترَك» وهي مطمئنّـةٌ إلى أنّ ميثاق الجامعة يسلِّم بسيادتها الوطنيّة ولا يملك أيَّ إلزامٍ لها. لذلك غابت قاعدة التّصويت على القرارات بغالبيّة الأصوات واعْتِـيضَ عنها بمبدأ التّوافق الذي هو -على الرّغم من فوائده أحيانا- بابٌ مفتوح أمام كـلّ احتمالٍ بما في ذلك التّعطيل!

وثانيهما أنّ من مقتضيات أيّ نظامٍ -إقليميّ أو دوليّ- أن ينفِّـذ، في الحدّ الأدنى، ما اتّفق عليه أعضاؤُه من اتّفاقاتٍ أو معاهداتٍ ووقّـعوا عليها، والحال إنّ عشرات الاتّـفاقيّـات والمعاهدات أُبْرِمـت في جامعة الدّول العربيّة - على مدار الثّمانية وسبعين عاماً الماضية - ووقَع التّوقيع عليها، غير أنّ أكثرها ظلّ نصّـا مكتوبا لم يَشْـهد على أيِّ تنزيـلٍ ماديّ له!

نـتأدّى من السياق السابق إلى الاستنتاج بأنّ تسمية بنية العلاقات العربيّة البينيّة باسم النّظام الإقليميّ العربيّ هي إلى الاستعارة والمجاز أقرب منها إلى التّسمية المطابِقة؛ إذْ هي بنيةٌ خِـلْـوٌ من الموارد التي تتحوّل بها إلى نظامٍ إقليمي فعلي على مثال غيره من الأنظمة الإقليميّة. مع ذلك، مع خلُـوّه من الأسباب التي تجعله نظاما فعليّا ذا طبيعةٍ فعّالة وإلزامية، لا نبغي من هذه الملاحظة النـقدية أن تُـقْرَأ بوصفها مصروفةً إلى النَّـيْـل السّلبي من العلاقات العربيّة البينيّة ومن إطار جامعة الدّول العربيّة، بل من حيث هي تُضْمِـر حِرصا على الحاجة إلى تنمية هذه العلاقات -ومعها إعادة بناء الجامعة- على النّحو الذي يتأسّس به نظامٌ جامعٌ فعلاً يتّسع بقيامه المشتَـرَك البيني العربي، وتتعزّز فيه -شيئاً فشيئاً- إرادةُ تكوين مجالٍ عامّ عربي عابرٍ للحدود: يشغل مساحةً بينيّة معتَبَرة خاضعة لقانونٍ جماعيّ عربيّ عامٍّ ملزِم... مثلما هـو ملزِمٌ القانونُ الدولي السّائـد.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: ول العربی ة ة العربی

إقرأ أيضاً:

السيسي يؤكد لنظيره الإيراني هاتفيًا حرصه على خفض التصعيد الإقليمي

كتب- محمد أبو بكر:

تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، اتصالاً هاتفياً من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن الرئيسين تبادلا التهاني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك، حيث أعرب الرئيس الإيراني عن خالص تمنياته لمصر بدوام الإستقرار والتقدم والازدهار، وهو ما ثمنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، متمنياً أن يعيد المولى عز وجل هذه المناسبة على البلدين، وعلى الأمة الإسلامية، بالخير واليُمن والبركات.

وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، أن الرئيس الايراني وجه الشكر للرئيس السيسي على الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر للتوصل الى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة.

من ناحيته، أكد الرئيس السيسي حرصه على خفض التصعيد الإقليمي ومنع توسع رقعة الصراع في المنطقة، بما يضمن الإستقرار والأمان لكافة شعوبها.

اقرأ أيضًا:

الرئيس السيسى يشاهد فيلما تسجيليا بعنوان: "ذكريات العيد"

أمطار ورياح وأتربة.. الأرصاد تعلن تفاصيل طقس الـ6 أيام المقبلة

لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا

لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا

التصعيد الإقليمي إيران مصر السيسي مسعود بزشكيان

تابع صفحتنا على أخبار جوجل

تابع صفحتنا على فيسبوك

تابع صفحتنا على يوتيوب

فيديو قد يعجبك:

الأخبار المتعلقة السيسي يساعد أحد مصابي الشرطة على الصعود للمسرح باحتفالية عيد الفطر أخبار أستاذ علاقات دولية: الدور المصري حجر عثرة أمام مخططات إسرائيل في المنطقة أخبار الفنان حمزة العيلى يتساءل عن اختلاف الأهلة بين مصر والسعودية.. والإفتاء أخبار "قومي الطفولة" ينجح في إعادة طفلة إلى مصر بعدما تركتها والدتها بالإمارات أخبار

إعلان

هَلَّ هِلاَلُهُ

المزيد فتاوى متنوعة هل هي بدعة؟.. الإفتاء توضح حكم تداول رسائل توديع شهر رمضان المبارك دراما و تليفزيون بدلة وزنها 25 كيلو..رامز جلال يكشف كواليس برنامج رامز إيلون مصر أخبار تنبيه مهم من دار الإفتاء بخصوص صلاة العيد وصلاة الرجال بجوار النساء رمضان ستايل كيف تتخلص من دهون البطن والكرش في 8 خطوات "شهد هتوحشني".. منة عرفة توجه رسالة لمتابعيها قبل الحلقة الأخيرة من "وتقابل

إعلان

أخبار

السيسي يؤكد لنظيره الإيراني هاتفيًا حرصه على خفض التصعيد الإقليمي

أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات

© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى

إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك عاجل - وفاة الفنانة إيناس النجار بعد صراع مع المرض أمطار ورياح وأتربة.. الأرصاد تعلن تفاصيل طقس الـ6 أيام المقبلة 27

القاهرة - مصر

27 14 الرطوبة: 17% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رمضانك مصراوي رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك

مقالات مشابهة

  • «التوطين» تدعو الشركات للاشتراك في نظام الادخار الاختياري
  • التصعيد الأمريكي في اليمن يهدّد الأمن الإقليمي ويزعزع استقرار المنطقة
  • وزراء خارجية الناتو يجتمعون لبحث الإنفاق الدفاعي والأمن الإقليمي
  • العربي يعبر الساحل في كأس ولي العهد
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • الزراعة تعزز مفهوم الصحة الواحدة بندوات إرشادية وتوعوية
  • 6769 ندوة إرشادية خلال مارس.. الزراعة تعزز مفهوم الصحة الواحدة
  • مفهوم الدراما وفنيات الديكور في ورش ابدأ حلمك لشباب الإسماعيلية
  • العيدية في التراث العربي.. من النشأة إلى الزمن الراهن
  • السيسي يؤكد لنظيره الإيراني هاتفيًا حرصه على خفض التصعيد الإقليمي