جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@20:14:08 GMT

المواطنة والاستدامة

تاريخ النشر: 4th, October 2023 GMT

المواطنة والاستدامة

 

فاطمة الحارثية

أدركتُ منذ أن كنتُ في المرحلة الإعدادية أنني لا أستطيع أن أغيِّر رأي جماعة ورثت معتقدًا ما، وعليّ أن أمضي بصمتٍ لأنني كلما حاولتُ إظهار حقيقة أو حتى منطق وبكل البراهين لا يمكن أن يصغوا، أو يقبلوا تصحيح آرائهم، فتعلمتُ الصمت وأن أمارس دور الشاهد، وأتابع الأمور بتدبر وتفكر، وهنا بنيتُ الفضول في داخلي ومتابعة خيارات الناس وإلى أين يقودهم فكرهم، وبأي حال ومصير ينتهون، لا أستطيع أن أقول إنها متابعة ممتعة لكنها تورث الحكمة.

المواطنةُ أصالةٌ ومبدأٌ وقيمٌ، فهل نحن نمارسها كإرثٍ أو تقليدٍ أو تأقلمٍ؟ العولمة ضربت بالكثير من التقاليد والعادات عرض الحائط؛ بل وزحفت إلى أن وصلت للأديان وسلامة المصير، وبات الإنسان يبحث عن إنسانيته، وأصالته وانتماءه، فهل يواكب متغيرات مرهِقة قد يخدع نفسه بها، وبأن يتأقلم بحكم أن التغيير لا بد منه؟ أم يثبت على مبادئ وقيم إنسانية، تُريح معاشه وترضي ذاته التي جُبل عليها؟ أم يجمع بين مسؤولية التطور مع الحفاظ على عراقة فكره، وسلامة سلوكه الحضاري والبيئي والمجتمعي، ويقبل بوحدة الهوية؟ الهوية تفرد تميز الشعوب والمجتمعات، وهي ما تصنع المقامات في المجتمع الدولي، لكن هل يمكن تطورها وتجددها لتواكب مفهوم الاستدامة، مع الحفاظ على سلطة المقام المرغوب به؟

لنلمس محاور المواطنة في ظل مفهوم الاستدامة، ولكن لن أشرح الأمر؛ بل سوف أشارككم بعض الأمثلة حتى يسهل عليَّ إيصال بعض فكر أتدبره منذ بعض الوقت.

أيدولوجية المواطنة تكمن في تطبيقٍ بيّنٍ يُحقق الملكية والسلطة الفكرية أكثر منها طقوس وعلامات ورموز ولغات وموروثات، أي هو حكم سلوك جماعي رغم أن الأفعال فردية، وروح كامنة تحاول أن تستمر في العيش وصناعة أمان ليطيب المقام.

المثال الأول: مواطنة المحافظات، ولقد أتت الفكرة واضحة من خلال قراءة الكثير من الأقلام المهتمة في هذا الجانب، هوية المحافظات الاقتصادية والاجتماعية تحتاج إلى جرأة وقدرة على الموازنة حتى تصل إلى تحقيق رؤية متجدده ومستدامة، مع القدرة على الحفاظ على هوية عمانية نقية أصيلة، وأرى أن لكل محافظة القدرة على الوقوف بذاتها اقتصاديًا وممارسة التدوير الاقتصادي بعيدًا عن الرعوية المالية، مع تمسك وحدة المجتمع حتى نحقق التوازن المطلوب؛ على المحافظة نيل قسط مناسب من جهدها الاستثماري للتعمير والبناء، وتحقيق المنافسة الإيجابية مع بقية المحافظات، وكُل حسب جهده على أن تكون ثمة رقابة ومتابعة للأداء بشكل مباشر، ولا بأس من بعض الفروقات والتباين في البدء حتى تستطيع كل محافظة استيعاب إمكانياتها وقدراتها وأيضا بناء الحوار الفكري وتعلم المحافظات بين بعضهم البعض. ومن التحديات الجديرة بالذكر انبلاج ما يُسمى بالفوضى الخلاقة التي ما هي إلا بيئة تسمح لصانعها بذكاء قيادة وتوجيه التغيير مع الإبقاء على ثوابت الهوية.

مواطنة المناطق الحرة، وهنا نتحدث عن تعاون مشترك بين شركات المناطق الحرة كنوع من الخدمة المجتمعية؛ حيث يشكلون لجانًا للتعاون فيما بينهم لدفع عجلة الاستثمار الاجتماعي/ المجتمعي، وهذا يصنع وحدة الأداء ويقلل من التكلفة الفردية على كل شركة وأيضًا اتساق المشاريع وتوجيه المجتمع الكائن حول المناطق إلى الاستفادة القصوى من أفضل الخدمات والمشاريع والدعم، وأيضا سهولة التنفيذ والتقليل من مشكلات التشغيل في مثل هذه المشاريع، وأرى أن إدارة المحافظات لهذه المشاريع استثمار جانبي من قبلها حتى تواكب رؤية المحافظة التي هي فيها واستراتيجياتها المتوسطة والطويلة المدى.

مواطنة المجتمع، إن أساس التغيير في أي مجتمع يبدأ من الطفل، الذي ننمي فيه ما يكبر عليه ويطبقه من عادات ومعتقدات وغيرها من فكر وسلوك، ومن هنا علينا التفكر جيدًا ليس فقط في المناهج؛ بل أيضًا سلوكيات وعقليات هيئات التدريس والمدربين والمؤثرين المجتمعيين، والاستفادة من ذلك لغرس سويٍّ يحافظ على روح المسؤولية والوعي والحكمة الاجتماعية؛ وأيضا العمل على صناعة بصمة وطينة من خلال برامج مكثفة تؤكد للمجتمع أن الهوية جزء من وحدة المصير ورفاهية البقاء في عالم يضج بالمتناقضات والخوف والتذبذب وعدم الاستقرار.  

سمو...

مراقبة الذات أهم من مراقبة الغير، فقد تنجرف في التقليد الأعمى وأنت مُنهمك بمنع الناس عن فعل ما بت تفعله معهم.

الخوف أمر مؤقت، لكن الندم حياة مؤرِّقة، فلنعي ونكُف أيدينا عن أذى يمتد إلى أبعد مما قد يُعتقد، ففي الأخير لا يحصل إلّا أمر الله في خلقه.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

همسات القلم في زمن الجوع: نداء المعلم السوداني لحماية الهوية

بكائية المعلمين على قيم الإنسانية ومقام العلم في حياة السودانيين ليس من أجل المال
العلم نبض في جسد الأمة في بلد تتعارك فيه الرصاصات والأحلام يقف المعلم كشجرة الهجليج في قفر قاحل ينتج الظل والثمر ويشرب المر والحصى ليس العلم في السودان حرفة لكسب القوت بل رسالة تحملها أرواح تؤمن بأن المعرفة سلاح لبناء الوطن ولكن كيف لهذه الأرواح أن تواصل العطاء وهي ترزح تحت نير الجوع والانتهاك الفصل الأول المعلم حارس الذاكرة الجماعية لم يكن المعلم السوداني مجرد ناقل لحروف الكتاب بل كان حاملا لمشعل الحكاية يلقن الأبجدية بلغة الأجداد وينقش في أذهان الطلاب أساطير النوبة والفونج ويعلمهم أن العلم وراثة من يمتلكها يمتلك القوة في زمن المدارس الطينية كان الراتب زهيدا لكن الهيبة كانت عظيمة المعلم فكيه يحكي التاريخ ومعلم القرآن يربط بين الدنيا والآخرة العلم كان مسجدا ومدرسة في آن الفصل الثاني انكسار القامة حين يصير المعلم عاطلا الآن تحت شمس العسرة تاهت هيبة المعلم راتب لا يجاوة ثمن كيس دقيق يقف المعلم في طابور الخبز قبل طابور الفصل ويبيع كراسات التلاخيص ليدفئ أطفاله مدارس بلا سقوف يدخل المطر من شقوق الجدران فيذوب الطين وتغيب الكلمات بين قطرات الماء صوت الرصاص أعلى من صوت القلم في مناطق النزاع تغلق المدارس ويصير المعلم لاجئا يحمل تذكارات الفصل في حقيبة بالية الفصل الثالث ليس المال غاية ولكن أين الكرامة
يروي المعلمون حكاياتهم بصوت مكبوت أقسم راتبي الشهري ٥٠ ألف جنيه على أيام الشهر فلا يبقى لي إلا أن أطلب من طلابي أن يشتركوا في شراء طباشير معلمة من جنوب كردفان عملت ٢٠ عاما وما زلت مساعد معلم ليس العيب في بل في نظام لا يرى العلم إلا رقما في جدول معلم من شمال السودان أرسلت أطفالي إلى الخليج ليتعلموا أنا أعلم أبناء الناس وأبنائي لا يجدون مقعدا معلم من الخرطوم الفصل الرابع العلم في زمن العوصاء بين التضحية والانتحار لا ينحسر الأمل معلم القرى النائية يمشي ساعات تحت لهيب الشمس ليصل كلمة واحدة إلى طفل المعلمات في داخل النزاع يدرسن تحت أصوات القنابل كأنهن يرتلن قصيدة في وسط العاصفة شباب الثورة يفتتحون مدارس شعبية في الخيام مؤمنين أن التعليم سلاح المستقبل نحيب الوجدان ليس صمتا ولكنه في الاحوال كلمات لمن لا يعقلون كارثية الوضع أيتها الأرض التي
حملت قرطاس العلم ورضعت من حبر الأجداد أيتها السماء التي سمعت صدى أصوات المعلمين في زمن كان الفكيه فيه كالنجم الساطع أما ترين اليوم كيف صار حامل القلم يحمل جوعه على ظهره كحمار يحمل أحجار البناء أما تسمعين صرير الطباشير وهو يكتب آخر سطور الأمل قبل أن ينكسر إن بكاء المعلمين ليس دموعا تسيل بل دماء تنزف من شرايين أمة تموت ببطء إن صرخاتهم ليست طلبا للمال بل استغاثة أمام عالَمٍ صمَّ آذانه عن أنين الحروف إنهم لا يبكون لأن الرواتب تأخرت بل لأن القيمة ضاعت والمعنى تبخر فمن يشتري منا العلم إذا صار سلعة في سوق النهب ومن يقرأ تاريخنا إذا صار المعلمون أطيافا في زمن لا يعرف إلا لغة الرصاص يا من لا تعقلون أتحسبون أن الجوع يقتل الجسد فقط إنه يقتل الحروف قبل الأجساد ويذرو الهوية كرماد في مهب الحروب فإذا كان المعلم جائعا فاعلموا أن الأمة بأكملها أصبحت طفلة تتسول عند أبواب الغرباء

 

zuhair.osman@aol.com  

مقالات مشابهة

  • مواطن من البصرة يدعو لمشاركته احتفالاً موسيقياً على أنقاض بناية تم هدمها
  • الرياض تحتضن النسخة الرابعة من المنتدى العالمي لإدارة المشاريع
  • من 17 إلى 19 مايو 2025.. الرياض تستضيف النسخة الرابعة من المنتدى العالمي لإدارة المشاريع
  • ملتقى المجالس الاستشارية الطلابية يستعرض مسؤولية الطلبة في تعزيز المواطنة الرقمية
  • المراكز الصيفية الحوثية... قنابل فكرية موقوتة تهدد الهوية اليمنية وتغذي الإرهاب الطائفي
  • مواطنة تقاضي محافظ البصرة ومدير البلدية بعد هدم بنايتها في شارع الوفود
  • مقترح بتفعيل أنشطة توعوية وثقافية لشباب المنيا لتعزيز قيم المواطنة
  • «رسالة سلام من المنيا»: المحافظ وبيت العائلة يؤكدان على نبذ التعصب وتعزيز المواطنة
  • همسات القلم في زمن الجوع: نداء المعلم السوداني لحماية الهوية
  • تحيد موعد جديد لانجاز هذه المشاريع في بغداد