لجريدة عمان:
2025-02-07@04:56:29 GMT

هل ماتت فكرة «السلام عبر التجارة»؟

تاريخ النشر: 3rd, October 2023 GMT

منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، انطلق الساسة الألمان في جولة اعتذار عن اعتماد بلادهم في الماضي على الهيدروكربونات الروسية والدعوة إلى التكامل بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في مجال الطاقة. وجاء رد المستشار الألماني أولاف شولتز على الاعتداء الروسي بإعلان «نقطة تحول» واتخاذ القرار أخيرا بإغلاق خط أنابيب نورد ستريم 2.

مع ذلك، لا يزال كثيرون ينظرون إلى المشروع باعتباره لطخة لوّثت شرف ألمانيا وفطنتها السياسية.

بعد مرور عام ونصف العام على بداية الحرب، لا يزال القادة الألمان يتصارعون مع أخطاء الماضي السياسية ويناضلون لاستخلاص دروس واضحة منها. ولأن اقتصاد ألمانيا القائم على التصدير يظل معتمدا بشدة على السوق الصينية، فإن النهج الذي تسلكه في التعامل مع الصين متضارب ومتناقض بدرجة كبيرة. ومن ثَـمّ، في أواخر يونيو، وبينما رفض الرئيس الأمريكي جو بايدن الاعتذار عن وصفه الرئيس الصيني شي جين بينج بالـ «دكتاتور»، قام رئيس الوزراء الصيني لي تشيانج بزيارة ودية إلى ألمانيا، حيث احتفل هو وشولتز بالدور الذي قد تلعبه العلاقات التجارية الصينية الألمانية في موازنة المنافسة الصينية الأمريكية المتزايدة التوتر. ولكن في سبتمبر، كررت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ذلك الوصف المهين، في حين أوضح مفوض الاتحاد الأوروبي التجاري فالديس دومبروفسكيس أن «الاتحاد الأوروبي ليس لديه أي نية للانفصال عن الصين».

ترى هل يبالغ الألمان، والأوروبيون في عموم الأمر، في الاعتذار، ولا يتعمقون في التفكير؟ قد يوافق على هذا منتقدو السياسة الألمانية ــ التي كثيرا ما يُـسـخَـر منها الآن باعتبارها «تجارية النزعة» (مركنتيلية)، وهو مصطلح لا يخلو من التورية هنا، حيث يُـقـصَـد به سياسات المستشارة السابقة أنجيلا ميركل. ومع ذلك فإن المبدأ القائل بأن الاقتصاد قادر على تشكيل السياسة بطرق مفيدة يستحق قدرا من الاحترام أكبر مما كان يتلقاه. كان هذا هو المبدأ الأساسي وراء السياسة الشرقية الألمانية «الـمعيبة»، التي رأت في تطبيع العلاقات الاقتصادية وسيلة لتأمين السلام أثناء الحرب الباردة وبعدها. وهي أيضا الفكرة الأساسية وراء العولمة الحديثة.

يزعم بعض المنتقدين أن السياسة الشرقية كانت دوما عاجزة بسبب عيوب شابت بعض أفراد بعينهم ــ مثل سعي المستشار الألماني جيرهارد شرودر الحثيث وراء المال، والذي تسبب في تحويله برغبته إلى دُمية في يد شركة جازبروم؛ أو حذر ميركل الـمُـفرِط، الذي يرجع في حد ذاته إلى نشأتها في ألمانيا الشرقية. لكن آخرين يرون في النهج الألماني نقيصة أكبر ترجع إلى السذاجة. على حد تعبير روبرت كاجان في مناسبة شهيرة قبل عشرين عاما، «الأوروبيون المغرمون العاطفيون» ينتمون إلى كوكب الزهرة، في حين ينتمي الأمريكيون (والروس والصينيون في الأرجح) الجامدون العمليون إلى كوكب المريخ. في أي الأحوال، تنتمي المجموعة الحالية من القادة في ألمانيا إلى تقليد قديم يشمل أيضا المستشارين كونراد أديناور (1949-1963)، وهيلموت شميت (1974-1982)، وهيلموت كول (1982-1998). بدأت عملية تمديد خطوط الأنابيب لتحسين العلاقات مع روسيا (أو الاتحاد السوفييتي) في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وقوبِـلَـت بالتشكك من جانب الولايات المتحدة منذ ذلك الحين. لكن التعاون الاقتصادي الذي نشأ عن مثل هذه المشروعات كان أيضا الأساس الذي قام عليه انفتاح الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل جورباتشوف.

لكن فِـكرة أن التجارة تُـفضي إلى السلام، والسلام يُـفضي إلى التجارة، ليست جديدة. ففي منتصف القرن التاسع عشر، رأى كثيرون من الألمان أن الوحدة الوطنية مرغوبة في المقام الأول بسبب الفوائد الاقتصادية التي قد تجلبها. وكما أوضح أوجست لودفيج فون ريتشاو، وهو الرجل الذي صاغ مصطلح «السياسة الواقعية» في ذلك الوقت، فإن توحيد ألمانيا لم يكن «مسألة عاطفية؛ بل كان من منظور الألمان في الأساس عملا تجاريا بحتا».

بعد قرن من الزمن، خلقت ذات الفلسفة أوروبا الحديثة. بدأ مشروع الاتحاد الأوروبي في أوائل خمسينيات القرن العشرين باعتباره «جماعة» لربط الفحم الألماني وخام الحديد الفرنسي. وكان التكامل الاقتصادي أول خطوة نحو نزع فتيل العداء القديم الذي أدى إلى ثلاثة صراعات كارثية خلال الفترة من 1870 إلى 1945. في ضوء نجاح هذا المشروع، ليس من المستغرب أن تُـرشِـد التجربة ذاتها استجابة أوروبا لانهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الشيوعية. وقد دعا هذا التحدي الجيوسياسي الكبير إلى لفتة كبيرة بالقدر ذاته من جانب أوروبا. كان التنسيق الدفاعي أحد الخيارات (والذي باتت فوائده واضحة عندما نسترجع أحداث الماضي)، لكن الساسة الأوروبيين اختاروا المال والعملة الموحدة -اليورو- لاستعراض التزامهم تجاه بعضهم بعضا. ولأن هذا المشروع الاقتصادي نجح في دمج أوروبا والحفاظ على السلام بين أعضائها، فمن المفهوم أن يحاول كثير من الأوروبيين تطبيق النموذج ذاته على نطاق عالمي أكبر. الواقع أن إيمان ألمانيا بالترابط الاقتصادي يعكس موقعها الجغرافي.

تاريخيا، كان الموقع المتوسط الذي تحتله في شمال أوروبا، مع افتقارها إلى الجبال التي لا يمكن اختراقها وغير ذلك من الحدود الطبيعية الواضحة، سببا في إنتاج نوع من الهشاشة لا تعرفه القوى المنعزلة الواقعة على المحيط مثل المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. فمن السهل أن تتقدم الجيوش عبر سهل مفتوح بقدر ما يسهل على التجار استخدام الطرق الساحلية والبرية للربط بين الناس. وعلى هذا فقد كان الألمان دوما منجذبين بين مارس (إله الحرب) وعطارد (إله التجارة). يعني هذا التأطير بين «إما أو» ضمنا أن كل شيء سيعتمد على الاقتصاد إذا أصبحت الحرب احتمالا غير وارد. لكن العكس أيضا صحيح؛ فإذا تعثرت قصة التنمية، تصبح العودة إلى الصراع أكثر ترجيحا.

برغم أن الحرب في أوكرانيا كانت مدمرة، فإن الاستجابة لها بالحظر المالي وحظر الطاقة، وليس التصعيد النووي، تشكل في حد ذاتها انتصارا للبشرية. حتى الآن، كان التدمير المادي الشديد القسوة محصورا في دولة واحدة. وعلى هذا فإن الحرب تنطوي على دروس مهمة لمن يفكر في الكيفية التي ينبغي بها لأوروبا ــ وأمريكا ــ أن تستجيب للصين. هل ينبغي للمخاوف من تكرار الأخطاء التي ارتُـكِـبَـت مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن أن توجه استراتيجية التعامل مع شي جين بينج، أو أن الاستمرار في التعامل مع الصين يقدم أفضل فرصة لكبح جماح روسيا؟ بما أن الإجابة ليست واضحة بأي حال من الأحوال، فلا ينبغي للأوربيين أن يعتذروا عن إجراء مثل هذه الحسابات الاستراتيجية. في وقت سابق من هذا العام، عندما احتفل كبار الساسة وصناع الرأي بالذكرى المئوية لميلاد هنري كيسنجر، أكدوا على حقيقة مفادها أن كيسنجر ــ وواقعيته الأصيلة ــ كان مُـنـتَـجا ألمانيا أمريكيا مشتركا أسهم بشكل حاسم في تشكيل ألمانيا الديمقراطية المستقرة. وكانوا محقين في الاحتفال بتلك المناسبة. فقد صاغ كيسنجر نموذجا قادرا على تحقيق نتائج قوية وعظيمة الفائدة ــ حتى وإن كان يحمل في طياته دوما احتمال الفشل.

كانت السياسة الألمانية الأوروبية «المعيبة» السابقة رهانا على العولمة، والعولمة دائمة التغير. ورغم أنها ستستمر دون شك في التطور في اتجاهات جديدة وغير متوقعة، فإن هذا ليس سببا لرفض فكرة أن الاتكالية المتبادلة تدعم غالبا السلام والرخاء.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبی

إقرأ أيضاً:

بكثير من الفرح والأمل.. نازحو ود مدني يعودون لبيوتهم التي هجروها بسبب الحرب

في طريق عودتهم إلى "ود مدني" التابعة لولاية الجزيرة تفيض مشاعر النازحين العائدين إلى بيوتهم فرحا، فقد انتهت رحلة نزوحهم التي استمرت شهورا طويلة بسبب الحرب.

ووفقا لما قاله بعض العائدين لمراسل الجزيرة الطاهر المرضي، فقد عانى هؤلاء ظروفا صعبة في المناطق التي نزحوا إليها منذ عام أو أكثر.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عملية حاجز تياسير تحدث اضطرابا داخل إسرائيلlist 2 of 2أوروبا تبحث الدفاع المشترك مجددا بعد عودة ترامبend of list

وقد عاد نحو 10 آلاف ممن تقطعت بهم السبل وتخاطفتهم المخيمات إلى بيوتهم بعد استعادة الجيش السيطرة على ود مدني التي كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.

وبدأت الحياة بالعودة تدريجيا إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فقد عادت مياه الشرب والكهرباء بشكل أفضل كما قال والي الجزيرة الطاهر الخير.

عودة تدريجية للحياة

ومع تراجع صوت الرصاص وخطر الموت بدأت الخطى تدب مجددا في الشوارع، وفتحت البنوك أبوابها أمام العملاء الذين تدفقوا عليها بقوة، وفق ما أكدته مديرة بنك الخرطوم- فرع مدني هويدا الحسن.

وفي شارع النيل -وهو أحد شوارع المدينة الرئيسية- استعادت المقاهي زبائنها الذين استأنفوا الجلوس فيها لارتشاف الشاي والقهوة وتجاذب أطراف الحديث.

وسيكون على هؤلاء العائدين عيش حياة جديدة في بيوتهم التي عادوا إليها أو ما تبقى منها، في ظل واقع جديد لم تتكشف كل ملامحه بعد، لكنه يبدو لهم أفضل مما كانت عليه الأمور خلال شهور القتال.

إعلان

ونجح الجيش السوداني في استعادة السيطرة على المدينة وسط البلاد بعد معارك ضارية خاضها خلال الأيام الماضية مع قوات الدعم السريع التي بدأت انسحابات متتالية في عدد من المدن.

مقالات مشابهة

  • الدنمارك عن خطة تهجير أهالي غزة: ليست فكرة واقعية
  • ألمانيا: تركيا فاعل مهم للغاية في إرساء السلام بالمنطقة
  • ضياء الدين بلال يكتب: القوة الخفية التي هزمت حميدتي (2-2)
  • وزير الدفاع الأمريكي: سنجهز إسرائيل بالذخائر التي لم تُمنح لها سابقًا
  • أستاذ علوم سياسية: فكرة ترامب عن غزة خالية وتكرس منهج الترحيل
  • بكثير من الفرح والأمل.. نازحو ود مدني يعودون لبيوتهم التي هجروها بسبب الحرب
  • 160 منظمة تدعو الاتحاد الأوروبي إلى حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية
  • على خطى ترامب.. أكبر أحزاب ألمانيا يسعى لتشديد سياسية اللجوء
  • هل تقلل الأسواق المالية من خطورة الحرب التجارية التي أشعلها ترامب؟
  • تفاصيل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين