د. صالح الفهدي
اللغة قوامُ الهُويَّة؛ إذ ليست مُجرَّد أحرفٍ تُكتب، وكلماتٍ تُنطق، وعباراتٍ تُنقش، وإِنِّما هي قبل كل شيء مشاعرَ تُنقل، وأحاسيس تُوصل، وأفكار تُبادل، وما نقوله هنا ليس بدعًا في القول، ولا نسطِّرهُ لأوَّل مرة، إنما قلناهُ مرارًا وتكرارًا، لما نشهده من ميول تفضيل التواصل في الجيل الحالي صغيره وكبيره إلى اللغة الإنجليزية أكثر من العربية، وهذا الأمر له عواقبَ خطيرة على مُستقبل هذا الوطن.
فالطفل الذي يتحدَّث الإنجليزية مُتقنًا إيّاها على حساب اللغة العربية؛ لغته الأم، لن يقتصر الأمر عليه في جانب التحدث وحسب؛ بل إنه يسهلُ عليه الاقتداء بأخلاق الشعوب المتحدثة بالإنجليزية، ويتقبَّل ما يأتي منهم أكان ذلك تقدمًا أم انحطاطًا!!
اُنظر إلى من يلبسُ لباسًا عسكريًا على سبيل المثال ستجده وقد تغيَّرت شخصيته ليتوافق مع طبيعة اللباس، وانظر إلى من يلبس ملابس أجنبية غير لائقة ستجدهُ وهو يتصرف بما يتوافق مع ما لبِس، فكيف بمن تكون اللغة الأجنبية هي لسانه التي يتحدث به، أَوَلا يكون أدعى أن يتلفَّظ بما يسمعه من كلماتٍ نابيةٍ تُحسب من الأسلوب العفوي والطبيعي لمتحدثي تلك اللغة؟!
فرنسا أدركت هذا الأمر في البلدان التي استعمرتها سابقًا، فأبقت احتلالها النفسي والعقلي بترسيخ اللغة الفرنسية في ما يقارب الثلاثين دولة وأنشأت رابطة أسمتها "الفرانكفونية" وتشمل الدول المتحدثة باللغة الفرنسية، حتى كان لهذه السياسة أثرها في الانتماء إلى الفرنسية عبر لغتها أكثر من الانتماء إلى الأوطانِ ذاتها، حتى استفاقت بعض الدول الأفريقية مؤخرًا ووعت أنها واقعة تحت تخدير اللغة الفرنسية، وأن فرنسا تنهبُ ثرواتها عبر اللغة التي تسوَّق لها على أنَّها لغة التحضُّر والأدب والفن، بينما هي في الحقيقة أداة استعمار ونهب للدول التي يُراد لها أن تعيش فقيرة..! على سبيل المثال: في النيجر وبعد الانقلاب بدأت الدولة في عرض مادة اليورانيوم بسعر (200) دولار للكيلو الواحد، في حين كانت فرنسا تدفع لها (80) بنسًا فقد كانت شركة "أورانو" الفرنسية تُهيمن على مُعظم احتياطيات البلاد!!
على كل حال أردتُ فقط أن أُبيِّن مآلات الانتماء اللغوي، وبيان أثرٍ من آثاره الوخيمة على الدول التي تظن أن اللغة الأجنبية إنما هي سلاح بين هي أداة استعمار، ولا تكونُ سلاحًا إلا عندما تكون اللغة الأم هي المتصدرة الأولى، وهذا ما فعلته دولة مالي بعد انقلابها وتحررها من الهيمنة الفرنسية بأن جعلت العربية- بصفتها دولة إسلامية- لغتها الأولى قبل الفرنسية وهو ما سيردُّ إليها هويتها التي فقدتها بسبب هيمنة الفرنسية على لسانها. وهنا أذكر أن مُعلِّما مغربيًا قال لي ذات مرة: أنه أوشك على الزواج من امرأة مغربية، وقد كان مدرسًا للغة العربية، فلمَّا عرفت أنَّه لا يتحدث الفرنسية رفضت الارتباط به مع أنهما يتحدثان اللهجة المغربية!! وهذا يُبيِّن أثر اللغة حتى في تفضيل من يتحدث الفرنسية على من يتحدث العربية في مجتمع عربيٍّ في الأساس، وكم يردد أبناء العربية هذه الأُنشودة:
بلادُ العُربِ أوطاني
منَ الشّامِ لبغدانِ
ومن نجدٍ إلى يَمَنٍ
إلى مِصرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعدُنا
ولا دينٌ يفرّقنا
لسان الضَّادِ يجمعُنا
بغسَّانٍ وعدنانِ
وتطوان مدينة مغربية، يُفترضُ أن تجمع العروبة لسان الضادِ بها، ولكن وضع الفرنسيون أياديهم على مستعمراتهم فاستعمروا العقول فكانت تلك غنيمتهم الكُبرى!
إنَّنا إن لم نُدرك خطر تفضيل هذه الأجيال للغة الأجنبية على العربية فإِننا سنقع في نفس مأزق هذه الشعوب التي لم تنتبه إلاَّ بعد عقودٍ وربما قرون، فالاعتزاز باللغة هو اعتزاز بالهوية التاريخية، والانتماء الوطني، وهذا يستدعي منَّا أن نقوم بخطواتٍ عملية في سبيل جعل اللغة العربية هي:
أولًا: ترسيخ اللغة العربية بصفتها مبعث فخر لأبنائها قبل قيمتها اللغوية
ثانيًا: نشر التوعية لدى الوالدين بأثر اللغة الأم على شخصية الأبناء.
ثالثًا: التأكيد على فكرة أن اللغات الأجنبية مهمة جدًا ولكن ليس على حساب اللغة العربية.
رابعًا: تقريب اللغة العربية من أبنائها من خلال المنهج الدراسي.
خامسًا: إقامة الفعاليات والمسابقات المحفزة للغة العربية وما يرتبط بها من فنون وآداب وعلوم في المجتمع.
سادسًا: جعل اللغة العربية هي لغة التواصل في المؤسسات إذا لم يكن استخدامها مؤثرًا على نظام العمل.
ويُمكن زيادة هذه المقترحات التي تهدف إلى تعزيز اللغة العربية، والاعتزاز بها لدى أبنائها، حتى لا نرى أجيالنا القادمة وقد خلعت عنها رداء الهوية العربية وتلبَّست رداء الأجنبية فكانت كالشعوب التي تعتقد أنها قد تحررت من الاستعمار بينما يرطنُ لسانها بلغته، وتفتخرُ بأنها تنتسبُ إليه لسانًا، والانتسابُ لسانًا يعني الانتماء هويةً، والتعلُّق قلبًا.
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية
في المحاضرة الرمضانية الـ 12 للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، أشار إلى حقيقة صارخة لا يمكن إنكارها: الفرق الشاسع بين الدعم الغربي لأوكرانيا في مواجهة روسيا، وبين تعامل الدول العربية مع القضية الفلسطينية، هذه المقارنة تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المواقف السياسية، ومعايير “الإنسانية” التي تُستخدم بمكيالين في القضايا الدولية.
أوروبا وأوكرانيا.. دعم غير محدود
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سارعت الدول الأوروبية، مدعومةً من الولايات المتحدة، إلى تقديم كل أشكال الدعم لكييف، سواء عبر المساعدات العسكرية، الاقتصادية، أو حتى التغطية السياسية والإعلامية الواسعة، ولا تكاد تخلو أي قمة أوروبية من قرارات بزيادة الدعم لأوكرانيا، سواء عبر شحنات الأسلحة المتطورة أو المساعدات المالية الضخمة التي تُقدَّم بلا شروط.
كل ذلك يتم تحت شعار “الدفاع عن السيادة والحق في مواجهة الاحتلال”، وهو الشعار الذي يُنتهك يوميًا عندما يتعلق الأمر بفلسطين، حيث يمارس الاحتلال الإسرائيلي أبشع الجرائم ضد الفلسطينيين دون أن يواجه أي ضغط حقيقي من الغرب، بل على العكس، يحظى بدعم سياسي وعسكري غير محدود.
العرب وفلسطين.. عجز وتخاذل
في المقابل، تعيش فلسطين مأساة ممتدة لأكثر من 75 عامًا، ومع ذلك، لم تحظَ بدعم عربي يقترب حتى من مستوى ما قُدِّم لأوكرانيا خلال عامين فقط، فالأنظمة العربية تكتفي ببيانات الشجب والإدانة، فيما تواصل بعضها خطوات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في تناقض صارخ مع كل الشعارات القومية والإسلامية.
لم تُستخدم الثروات العربية كما استُخدمت الأموال الغربية لدعم أوكرانيا، ولم تُقدَّم الأسلحة للمقاومة الفلسطينية كما تُقدَّم لكييف، ولم تُفرض عقوبات على إسرائيل كما فُرضت على روسيا، بل على العكس، أصبح التطبيع مع الكيان الصهيوني سياسة علنية لدى بعض العواصم، وتحول الصمت العربي إلى مشاركة غير مباشرة في استمرار الاحتلال الصهيوني وجرائمه.
المقاومة.. الخيار الوحيد أمام هذه المعادلة الظالمة
في ظل هذا الواقع، يتجلى الحل الوحيد أمام الفلسطينيين، كما أكّد السيد القائد عبدالملك الحوثي، في التمسك بخيار المقاومة، التي أثبتت وحدها أنها قادرة على فرض معادلات جديدة، فمن دون دعم رسمي، ومن دون مساعدات عسكرية أو اقتصادية، استطاعت المقاومة أن تُحرج الاحتلال وتُغيّر قواعد الاشتباك، وتجعل الاحتلال يحسب ألف حساب قبل أي اعتداء.
وإن كانت أوكرانيا قد حصلت على دعم الغرب بلا حدود، فإن الفلسطينيين لا خيار لهم سوى الاعتماد على إرادتهم الذاتية، واحتضان محور المقاومة كبديل عن الدعم العربي المفقود، ولقد أثبتت الأحداث أن المقاومة وحدها هي القادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسار القضية الفلسطينية، بينما لم يحقق التفاوض والتطبيع سوى المزيد من التراجع والخسائر.
خاتمة
عندما تُقاس المواقف بالأفعال لا بالشعارات، تنكشف الحقائق الصادمة: فلسطين تُترك وحيدة، بينما تُغدق أوروبا الدعم على أوكرانيا بلا حساب، وهذه هي المعادلة الظالمة التي كشفها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حيث يتجلى التخاذل العربي بأبشع صوره، ما بين متواطئ بصمته، ومتآمر بتطبيعه، وعاجز عن اتخاذ موقف يليق بحجم القضية.
إن ازدواجية المعايير لم تعد مجرد سياسة خفية، بل باتت نهجًا مُعلنًا، تُباع فيه المبادئ على طاولات المصالح، بينما يُترك الفلسطيني تحت القصف والحصار. وكما أكد السيد القائد عبدالملك الحوثي، فإن المقاومة وحدها هي القادرة على إعادة التوازن لهذه المعادلة المختلة، مهما تعاظم التواطؤ، ومهما خفتت الأصوات الصادقة.