القيادي في ” أنصار الله ” علي القحوم في حوار مع حيروت الإخباري : الوضع المزري سينتهي بالتغييرات الجذرية وهناك مبالغة في تقدير حالة الإحتقان
تاريخ النشر: 3rd, October 2023 GMT
حاوره / مجدي عقبة
يرى علي القحوم ، وهو عضو المكتب السياسي لحركة ” أنصار الله ، بأن سلطة صنعاء تعمل على تحقيق السلام العادل والمستدام ، ويؤكد بأن الملفات الإنسانية ومن ضمنها صرف مرتبات موظفي الدولة المنقطعة منذ أكثر من سبع سنوات تعد أولوية بالنسبة لها .
وفي حواره مع موقع “حيروت الإخباري” ، وصف القحوم التفاهمات مع الجانب السعودي بأنها كبيرة ، وهي لاتزال في مرحلتها الاولى في تنفيذ الملفات الانسانية والاقتصادية ووقف العدوان وفك الحصار وخروج القوات الاجنبية وإعادة الإعمار وجبر الضرر .
وحول الشارع اليمني في مناطق سيطرة ” أنصار الله ” والسخط الذي ينتابه نتيجة تردي الوضع المعيشي ومحاولات بعض المنتميين للحركة المساس بالثوابت الوطنية كما ظهر مؤخراً أثناء احتفالات ذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ، يعتقد القحوم وجود مبالغة بمسألة وصف ذلك ب “الإحتقان” ، حيث يرى وجود أخطاء ووجود معالجات لها ، لكن ” الأوضاع المزرية ” ، وهو الوصف الذي أطلقه زعيم الحركة على الحالة الإدارية والخدمية في صنعاء واستخدمه القيادي القحوم خلال الحوار ، يبدو أنه يتعدى مفهوم الأخطاء إلى ” الفشل ” الكارثي الذي استوجب الإعلان عن ” تغييرات جذرية” استؤنفت بإقالة حكومة ابن حبتور .
في الحوار تطرق القحوم إلى العديد من القضايا المتصلة بكثير من الملفات اليمنية الشائكة
*بعد قرابة العامين من الهدنة والمفاوضات لم يلمس الشعب أي نتائج سواء على المستوى السياسي أو المعيشي
– صنعاء الدولة والقيادة تعمل جاهدة في تحقيق السلام العادل والمستدام ورؤيتها للسلام واضحة ومعلنة ووطنية وهي مطالب الشعب اليمني والاولوية للملفات الانسانية ووقف العدوان وفك الحصار وخروج القوات الاجنبية واعادة الاعمار وجبر الضرر وصرف المرتبات كأولوية انسانية ملحة لمعالجة الوضع الانساني ورفع معاناة الشعب اليمني جراء العدوان والحصار مع تمكين اليمنيين من حل مشاكلهم بدون وصاية خارجية مع احترام سيادة ووحدة واستقلال اليمن وهناك جهود ووساطة عمانية تبذل وهي مشكورة مع تفاؤل بنجاح الجهود والوساطة العمانية في تحقيق السلام.
كما أن هناك جهود في تحقيق ما يقدر عليه في تقديم الخدمات وتحسين الوضع المعيشي وتحسين الإقتصاد والإنتاج الصناعي والزراعي والنمو الإقتصادي وتحسين الأداء المؤسسي للدولة ومؤسساتها وهذا سيتحقق إن شاء الله بالتغييرات الجذرية التي أعلنها وسيشرف عليها قائد الثورة سماحة السيد القائد يحفظه الله وبتفويض شعبي مليوني كبير في مناسبة المولد النبوي الشريف..
*المفاوضات إلى أين وإلى متى وما هو سقف توقعاتكم للمرحلة القادمة؟
-المفاوضات والتواصلات جارية والتفاهمات كبيرة ونأمل لها النجاح وهي ماضية في تحقيق السلام العادل والمستدام وهي في مرحلتها الاولى في تنفيذ الملفات الانسانية والاقتصادية ووقف العدوان وفك الحصار وخروج القوات الاجنبية وإعادة الإعمار وجبر الضرر وصرف المرتبات بشكل مستدام ودائم وتوقعاتنا للمرحلة القادمة انها مرحلة سلام وهذا فيه مصلحة مشتركة لليمن والسعودية وللمنطقة برمتها في تحقيق الأمن والاستقرار ورعاية المصالح المشتركة وحسن الجوار وعلاقات متكافئة وانتهاء للمشاكل الداخلية والخارجية وعودة الوئام واللحمة الوطنية وتحقيق الشراكة الوطنية الحقيقية..
*بعد توقف الحرب واستمرار المفاوضات من أجل السلام ما هي رؤيتكم السياسية لإعادة اللحمة الوطنية والقضاء على حالة التفتت والتشرذم كذلك رؤيتكم السياسية في موضوع شكل الدولة؟
-العدوان والحصار حتماً سينتهي وينقشع غبار الحرب ويعاد الإعمار وجبر الضرر وخروج القوات الأجنبية وترفع الوصاية الخارجية واليمن سيتعافى ويبنى مجدداً بسواعد اليمنيين وسيتحقق الإجماع الوطني لإعادة اللحمة الوطنية وتنتهي حالة التشظي والتشرذم بالحوارات الداخلية مع كل اليمنيين وعنوانها الوطن وسقفها اليمن والثوابت والمكتسبات الوطنية في تذويب الجليد وانهاء الاختلاف والتقارب الوطني الجامع لعملية البناء والوئام للحمة الوطنية والشراكة الوطنية الحقيقية وتشكيل معادلة سياسية وطنية الجميع فيها اخوة وهذا وطن الجميع والمضي قدما برؤية وطنية جامعة مشتركة لصناعة المستقبل المنشود والذي يلبي تطلعات الشعب اليمني العظيم وتضحياته الجسيمة وتطلعاته المستقبلية واليمنيون بحكمتهم وتجاوزاتهم للجراح سيصنعون المستقبل وينهضوا بالدولة اليمنية الى مصافي الدول الكبرى وبرؤيتهم الوطنية المشتركة سيتفقون على كل شيء في بناء الدولة اليمنية الضامنة لكل اليمنيين وبحواراتهم وتفاهماتهم سينطلقون صوب المستقبل والعمل الوطني للنهوض بدولة وبشكلها الوطني المتوافق عليه من كل اليمنيين مع ان يقف العدوان ويرفع الحصار وتنتهي التدخلات الخارجية والوصاية الخارجية وتعود لحمة الدولة اليمنية والمصالحة الوطنية وإعادة النسيج الاجتماعي والحفاظ على الهوية اليمنية والسيادة والوحدة والاستقلال والثوابت والمكتسبات الوطنية وباجتماع اليمنيين بالحوار والتفاهمات الداخلية سيتحقق الامن والاستقرار والرخاء الاقتصادي والنهوض المؤسسي للدولة ومؤسساتها باذن الله
*أين ترون الاختلالات التي بموجبها أعلن السيد القائد البدء بتغييرات جذرية وما هو دور القوى السياسية في موضوع التغييرات الجذرية؟
-سماحة السيد القائد يحفظه الله قائد الثورة أعلن عن مرحلة جديدة من التغييرات الجذرية عنوانها الكفاءات والتي ستكون مرتكز التغييرات على كل المستويات الفوقية والأفقية والعمودية وفيها مرتكزات واضحة تبنى عليها ،وأساسها الهوية الإيمانية الوطنية اليمنية والرؤية الجامعة والمشتركة والشراكة السياسية الوطنية التي تتعدى كل الأطر المذهبية والمناطقية والعنصرية والحزبية والنظام الجمهوري والدستور والقانون اليمني والاحزاب السياسية الوطنية مع السيد القائد يحفظه الله في كل توجهاته وقيادته لبناء الدولة اليمنية وقد باركوا ذلك في بيانات رسمية وسيكون دورها مهم في المراحل القادمة مرادفة ومشاركة وفاعلة ومفوضة لقائد الثورة في مراحل التغيير الجذري الذي يحقق المصلحة الوطنية ويوسع الشراكة الوطنية الحقيقية التي ستنبني عليها كل مسارات البناء والاصلاح وعودة اللحمة الوطنية وبناء الدولة اليمنية لكل اليمنيين.
*أثير الكثير من اللغط حول موضوع التغييرات الجذرية ومدى مواءمتها مع الدستور… هل ما زال دستور الجمهورية اليمنية صالحا وهل تتمسكون به؟
-من يحاول أن يشوه توجهات الإصلاح والتغييرات الجذرية ويصطاد في العكر هو لا يدرك عظمة وحكمة قائد الثورة وتوجهاته الوطنية وجهوده الكبيرة في النهوض باليمن وشعبها العظيم وبناء الدولة اليمنية وكان خطاباته واضحة بان لا مشكلة مع الجمهورية ولا الدستور وأن أي تغييرات في مسارات البناء والإصلاح ستكون مبنية على اسس على القرآن الكريم كتاب الله وهو جامع لليمنيين ولا يثير مخاوف الاخرين فهو كتاب الله ولا قلق من ذلك وايضا ستكون مبنية على قاعدة وطنية جامعة مشتركة تؤسس لشراكة وطنية حقيقية ولهذا كل الحديث عن تغييرات للدستور هي كاذبة وغير صحيحة ومحاولات فاشلة في التقليل من الانجاز الكبير في تاريخ اليمن في التغييرات الجذرية وبناء الدولة اليمنية التي تحقق الامن والعدالة والمساواة والشراكة الوطنية الحقيقية والنمو الاقتصادي والانتاج الصناعي والزراعي وتنقل اليمن الى مصافي الدول العظمى..
* هناك تراجع ملحوظ في الحريات العامة والشخصية عما كانت عليه في عهد الحرب بينما يفترض أن يكون العكس لأن هناك ما يبررها في زمن الحرب…
الحريات المكفولة بالدستور والقانون إلى اين وماهو سقفها؟
-أعتقد إن هناك فهم مغلوط لمفهوم الحرية فالحرية ليست التحريض والتأليب والنقد المغرض والمشوه والذي يخدم اعداء الوطن في استغلال ذلك وافتعال البهرجة الاعلامية وتقديم مادة دسمة للاعداء للنيل من ضرب التماسك الشعبي والجبهة الداخلية وينسجم مع ما تردده ابواق العدوان الظلامية وناشطيهم وكتابهم المأجورين من النيل في حرف الوعي الوطني والشعبي وتوجيه بوصلة العداء والحقد والتشوية الى الداخل ونسيان ما يعمله الأعداء والمتآمرون باليمن أرضاً وإنساناً وجرائمهم الفظيعة ومؤامراتهم المستمرة والمهولة واطماعهم الإستعمارية وهنا لابد من التفريق بين الحرية التي يسمح بها القانون ويعمل بها والتي تبني وتنقد نقد بناء وتدفع وتحرص للبناء والتغيير والإصلاح ومعالجة الأخطاء وبين من يحرض ليلا ونهارا وبشكل خبيث في تشويه وتعريض وتقليل من كل شيء ويدعي أنها حرية وهنا لابد من التفريق بين من يخدم بلده ويعمل على مواقف وطنية ويفضح مؤامرات الأعداء ويقف في موقف الوطن وبين من يعرض بلده وشعبه بتعمد في استهداف وتشويه والتحريض والتأليب المستمر بالاعتقاد الخاطئ لمفهوم الحرية وهنا لابد من الحذر وسوء الفهم لهذا المفهوم لانه لابد للدولة وبحسب القانون ان تجرم وتوقف وتحاسب من يخل بالقانون ويعمل في اتجاهات غير وطنية وينال من تضحيات الشعب اليمني العظيم وشهدائه ومن يدافع عن ثغور الوطن واسرهم العظيمة ويتعرض للاعراض والناس ويطلق الشتائم الغير لائقة والتخوين واطلاق العبارات الغير لائقة وبعد ذلك يريد من الدولة ان تحميه من ردات الفعال الشعبية ويتهرب من المساءلة القانونية اعتقد ان هذا ضرب من الخيال ولهذا لابد من فهم هذا المصطلح الحرية في إطارها الصحيح والسليم والابتعاد عن الخلط للأمور والتصورات غير الوطنية.
* الاحتقان بالشارع هل هو احتقان مبني على مسببات واقعية أم هو احتقان مدفوع من الخارج
-هناك مبالغة ، فالموضوع ليس كما يصور ، هناك أخطاء وهناك أيضاً معالجات لتجاوز مرحلة الوضع المزري ،ومرحلة التغيير الجذري التي أعلنها ويقودها قائد الثورة ستتجاوز كل هذا وسيتم معالجة الإختلالات والأخطاء، وستبنى دولة لكل اليمنيين يسودها النظام والقانون وهي مرحلة جديدة عنوانها الكفاءات وبناء مؤسسي سليم يرتقي بالوزارات والمؤسسات لدورها المطلوب وهي مطلب شعبي وضرورة وطنية ملحة كما أن دول العدوان تراهن على أن تثير السخط والاحتقان وأن تستثمره في توجهاتها التآمرية ضد اليمن حيث ادركت ان العمل العسكري والخشن غير مجدٍ ، فتحولت إلى مرحلة جديدة ناعمة تعمل وتسعى للإسقاط من الداخل ، وهو خيال وأحلام ستتلاشى بوعي أبناء الشعب اليمني وحكمة القيادة يحفظها الله وسوف تفشل كل مؤامراتهم وتنتهي حتماً وستبقى اليمن وشعبها وقيادتها وجيشها ورجال أمنها ،كما أن المرحلة حساسة وخطيرة وتتطلب تضافر الجهود الوطنية والشعبية في تجاوز هذه المرحلة ومواجهة التحديات والمخاطر المحدقة باليمن كل اليمن..
*هل تتوقعون ان يساهم إعلان تشكيل الحكومة في تخفيف احتقان الشارع وماهي أولويات الحكومة المرتقبة؟
-من المؤكد أن ينتهي الوضع المزري بالتغييرات الجذرية وستكون الحكومة الجديدة معنية بالنهوض بالعمل المؤسسي إلى الاداء المتميز والمطلوب وتحقيق العدالة والامن والنمو الاقتصادي والانتاج الصناعي والزراعي وتخفيف المعاناة وإيجاد الحلول الإقتصادية وتوفير متطلبات المرحلة .
*إلى أين وصلت مشاورات تشكيل الحكومة وما نوع الشراكة التي تؤسسون لها؟
-هناك تواصلات مكثفة ولقاءات مستمرة مع الطيف السياسي والأحزاب والمكونات السياسية والقيادة يحفظها الله مهتمة بذلك لتأسيس شراكة وطنية حقيقية في إدارة الدولة اليمنية مع الدفع بالكفاءات للعمل الحكومي كما أن الشراكة ليست كما يفهم في الشراكة الوظيفية أو المحاصصة بل شراكة مبنية على العمل الوطني والنشاط السياسي والتوافق على بناء مؤسسي ،الأولوية للكفاءات وهي كثيرة في الطيف السياسي اليمني..
.
*هل تتوقعون أن تهيئ التغييرات الجذرية للسلام مع السعودية وفتح أبواب الحوار بين اليمنيين؟
-التغييرات الجذرية ومسارات بناء الدولة اليمنية لكل اليمنيين التي أعلنها ويقودها قائد الثورة سماحة السيد القائد يحفظه الله هي رسالة سلام وصناعة علاقات طيبة ومتكافئة مع المحيط العربي والاسلامي والدولي ودول الجوار..
المصدر: موقع حيروت الإخباري
إقرأ أيضاً:
طوفان غزة ووهم الدولة الوطنية
عملية خلط الوقائع بالأماني مستمرة في أغلب مقالات الكتاب العرب بمختلف المواقع، فكثير من الأقلام تنوي الحديث فيما هو كائن فتكتب في ما ينبغي أن يكون، لذلك نقع جميعا في حالة من التحفز لوضع جديد مريح بينما نحن ماكثون في حفرة السوء العربية المسماة دولة وطنية. دولة الكيان لن تنهار غدا ونصر العرب بسورة الأحزاب ليس حقيقة علمية (وهذا موضوع غالب على أقلام كثيرة)، ولذلك فإن تأمل دروس غزة يصير أولوية منهجية نرتب بها أفكارنا للمستقبل وربما تساعدنا على حركة سلمية في الزمن القادم.
أضع في مقدمة دروس غزة أن الدولة العربية المسماة وطنية هي مخفر شرطة صهيوني؛ مهمته قمع المواطن العربي وإهدار كرامته وبدون مقابل لصالح قوى الهيمنة وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. أما الدرس الثاني (الدرس الأول في الحقيقة) فهو أن إزالة الوهم مقدم على بناء الحقيقة.
مجاملة الفلسطيني للتخلص منه
كانت هذه سيرة الدولة العربية منذ انطلاق حركة التحرر الفلسطيني ومرورها بمراحل مختلفة؛ شعارات تضامن وأغان ثورية ومقعد في الصف الأول للقيادة وتسمية شوارع بأسماء أبطال أو مواقع مقدسة وبعض الدولارات لخبز المخيمات. لكن ذلك كان في عمقه تخلصا من الفلسطيني الذي لا يريد أن يستسلم ويغلق الملف، وكان من يذِّكر الساسة العرب بأن معركة تحرير فلسطين ليست فلسطينية بل عربية وإسلامية، وأن وجود الخازوق الصهيوني في تلك البقعة ليس موجها للفلسطيني وحده،النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف بل لأمة وتاريخ وثقافة يُدْمَغُ بخطاب أولوية تنمية الداخل الوطني استعداد للمعركة الحاسمة التي تجمع العرب الأقوياء (بلغة دولة البعث السوري، تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو). لذلك يستوي في هذه الخطاب أنظمة قُطرية رجعية عميلة وأنظمة قومية ثورية صامدة ومتصدية.
النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف. وتناور الدولة العربية لتمرير البرشام المر لشعوبها في الأخير: "الفلسطيني أخونا ومرحبا به ولنغلق الملف".
لم تطور الدولة العربية شعبها ولم تحرر فلسطين لكنها تطورت حتى صارت هي نقطة الحراسة المتقدمة للكيان. نحن هنا وهذه حقيقة صقلتها معركة طوفان الأقصى، نحن ممنوعون حتى من التضامن اللفظي في السوشيال ميديا مع غزة ومعركتها الشريفة.
هل ننسف المكاسب القُطرية؟
السؤال الصواب هنا والآن: كم كانت كلفة الكيان الصهيوني على تاريخ العرب الحديث وكم ستكون كلفته على مستقبلهم المنظور؟ ما نثمنه كمكاسب قُطرية نسميها تنمية اقتصادية واجتماعية ونسميها سيادة وطنية ومقعد بين الأمم (الخ)، هي قليل من كثير لم يتحقق لأن الكيان "يخوزق" الأمة منذ قرن. بإمكان المرء أن يحسب مقدار الخسارات قياسا إلى الإمكانات المتاحة (نظريا)، فالتقييم الحقيقي هو كم خسرنا مما كان متاحا لنا أن نكسب؟ فما كسبناه قليل قياسا إلى عمر الدولة العربية وأعمار شعوبها وإمكاناتها البشرية والطبيعية المتاحة.
نقول في الإمكانيات المهدرة لقد كان بالإمكان تحرير فلسطين باستعمال قناة السويس كورقة سياسية دون الإنفاق على قطعة سلاح واحدة، لكنني أسمع اللحظة تهمة المثاليات الرومانسية. ليكن الوجه الآخر لدرس غزة وكنا نعرفه ونغض الطرف حتى لا تنفجر مراراتنا، الدولة العربية تحتاج وجود الكيان لتعيش من وهم مقاومته.
نحن لا نستطيع السير في الشوارع متضامنين مجرد تضامن لفظي مع غزة لأن حكومتنا تمنعنا، وهي تفعل ذلك بمقابل من الصهاينة وداعميهم "اقمعوا شعوبكم لصالحنا سنحميكم من شعوبكم"، هكذا بمثل هذا التبسيط. أين الدولة الوطنية إذن؟ أين مكاسبها؟ وأين كرامة شعوبها؟ تتضح الصورة أكثر، تلازم التحرير مع بناء الديمقراطية في الأقطار.
لا مهرب لنا
توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية
نحن أيضا، أعني الشعوب الثرثارة، نحتاج الكيان ليقمع الفلسطيني فنثرثر بالتضامن، خاصة بعد أن مُنحنا وسائله الرخيصة فنحرر القدس في إكس وفيسبوك وأخواتهما. لكن فينا أمل أو نظنه، نحن ننظر إلى الدولة العربية (الوطنية) بوعي ما بعد الطوفان. ونجزم بأن أسباب بقائها قد انتهت، لقد انكشف الوهم فلا تنمية ولا تحرير ولا ديمقراطية. غير أن هذا الوعي لا يتحول حتى اللحظة إلى مشروع طوفان لأن هناك معركة أخرى محلية تقف دونه، هي المعركة ضد النخب التي وقف وعيها عند الدفاع عن الإدارة التي تمنحها رواتبها كل شهر.
النخب العربية أو نخب الرواتب هي التي ما زالت تبيع وهم الدولة الوطنية بعد حرب الطوفان، وقد عاينت في أكثر من مرة أنها ممنوعة حتى من مظاهرة رفع عتب في شارع ضيق. هناك أولوية تاريخية، خوض المعركة المحلية للتحرر من النخب الوطنية والتي ليست إلا أبواقا للأجهزة الأمنية المسماة دولة وطنية، وهي في حقيقتها مخفر شرطة صهيوني.
يوجد شيء من الأحلام العاجزة في ما نقول هنا، فهل يمكن إعادة تأسيس الدول؟ لكن توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية.
لحظة الانفلات الشعبي ضد مخافر الشرطة الصهيونية تلوح في الأفق، وعسى أن تبدأ بكنس النخب التي تحرص على إيهام الشعوب بوجود دول وطنية لتضمن رواتبها. هل خلطت الأماني بالوقائع؟ نعم، لكن الأمل في وصول الطوفان إلى أبعد من حدود غزة لم يفارقنا منذ الرصاصات الأولى، فلم نر الطوفان معركة غزاوية بل معركة إنسانية.