قدمت في المقال الأول خلفية تاريخية لظهور مصطلح المركزية الديمقراطية. ناقش المقال الثاني حول الكيفية التي تشكلت بها المركزية الديمقراطية في ظل الثورة الروسية والتأثير الطاغي لأفكار لينين. اليوم أقدم تلخيصا لآراء من يتبنوها، ونقد من يرفضونها، ثم تحليلا لها.

اطروحات التأييد:
تتركز اطروحات دعاة المركزية الديمقراطية في انها انسب الاشكال لتنظيم الأحزاب الثورية.

والسبب الأساسي ان تلك الأحزاب معادية، في معظم الحالات، للأنظمة القائمة مما يعرضها للحظر والمطاردة وكافة اشكال القمع. كما ان أجهزة السلطات تستخدم كل الأساليب المتنوعة والحيل الماكرة لاختراق تلك الأحزاب وتدميرها من الداخل بخرق الصراعات او مصادرة الأجهزة والأموال واعتقال القادة والكوادر النشطة او المؤثرة.
يكتب التجاني الطيب، أحد أشد المدافعين عن المركزية الديمقراطية حماسا، مؤكدا ان المركزية هي المبدأ الأساسي لوحدة وتماسك المجموعات: "عبر مسار التطور كان المبدأ الأساسي لوحدة الجماعات وتماسكها هو المركزية التي تطورت من شكلها البسيط ممثلا في زعيم العائلة والعشيرة الى اشكالها المعقدة ممثلة في الملكيات والامبراطوريات التي تحكم مجموعات بشرية كبيرة ومتنوعة" .
اهم سمات المركزية الديمقراطية هي وجود مركز واحد قوى تلتزم كل العضوية بتنفيذ قراراته ويكون مسئولا عن كل ما يتعلق بالتنظيم. من ناحية اخري يملك الأعضاء حق انتخاب القيادات ومحاسبتها في الاجتماعات الدورية. كما لهم كامل الحق في مناقشة كافة المسائل الحزبية، كبيرها وصغيرها، عندما تعرض للنقاش وان يتم ذلك بحرية تامة. وقد وصفها لينين بكلمات شهيرة " حرية المناقشة ووحدة التنفيذ".
ويرفضون النقد الموجه للجمع بين المركزية والديمقراطية المتعارضتين. ويطرحون ان المركزية الديمقراطية تتكون، فعلا، من نقيضين، ولكن حسب قوانين الجدل بالصراع بين الضدين ثم وحدة الضدين فيمكن ان يجتمعا معا. وفلى حالة وحدتهما سيكون أحدهما نقيض صاعد والاخر نقيض هابط. فعند سيطرة المركزية، النقيض الصاعد، تنكمش الديمقراطية وتسيطر الأوامر من اعلي بشكل بيروقراطي مقيت. اما في حالة السماح سيطرة الديمقراطية، حينها تكون النقيض الصاعد، فتنتعش الحياة الديمقراطية داخل التنظيم وتتمدد الممارسات التي تعطي هامشا أكبر للأعضاء للمشاركة في تسيير التنظيم وتقرير سياساته.

اراء رافضي المركزية الديمقراطية:
يركز من يرفضون المركزية الديمقراطية على تدعيم نقدهم بما برهنت عليه الممارسة العملية التي استمرت لعقود من الزمن وانتجت مركزية مطلقة. وان المركز، في ظل المركزية الديمقراطية، قابض على كل مفاصل العمل الحزبي ولا يعطي هامش ديمقراطي للعضوية لتشارك، فعلا لا قولا، في تسيير التنظيم وتقرير سياساته. وتتحول العضوية في ظلها الي مجرد تروس وأدوات تنفذ أوامر وتوجيهات القيادة وان الديمقراطية هي مجرد ممارسات شكلية او نصوص لا تفعل في معظم الأحيان.
هذا الشكل التنظيمي وليد زمن وظروف تخطاها الزمن والوعي العام والخاص وصارت تشكل قيدا ثقيلا مكبلا لكل خطوات تطوير وتجديد الحزب ويصبح للجهاز الحزبي (أعضاء القيادة المركزية والكادر المتفرغ) السلطة المطلقة على كل ممارسات الحزب.
تتحكم اللجنة المركزية او مكتبها السياسي في اختيار اللجنة المركزية الجديدة عن طريق تقديم قائمة بأسماء المرشحين والتي جري العرف والتقليد ان يجزيها المؤتمر.

تحليل المركزية الديمقراطية:
المركزية الديمقراطية هي جزء اصيل واساسي من الاسهامات التي اضافها لينين للماركسية حول نظرية الحزب وتنظيمه. ونبعت وتطورت من خلال الممارسة النضالية، بكل تعرجاتها صعودا وهبوطا، في مقاومة الحكم القيصري المطلق والصمود امام أدوات قمعه. وكذلك الصراع الفكري المستمر مع التيارات الماركسية الأخرى داخل وخارج حزب العمال الروسي. ثم تأسيس الدولة في ظل حرب أهلية قاسية وتدخل 14 دولة لاقتلاع الدولة الوليدة من جذورها. واخذت المركزية الديمقراطية، من كل تلك التطورات والاحداث، منحي سوفيتي، شكلا ومضمونا. وفى ظل التأثير والسيطرة، المباشر وغير المباشرة، وقوة النموذج الأول لبناء الاشتراكية والهالة التي أحاطت بصمود الحزب خلال الحرب الاهلية ونجاحه في بناء ثاني أقوى دولة في العالم. ارتباط المركزية الديمقراطية بالتجربة السوفيتية وكيف بدأت ونجحت في معاركها حتى سيطر حزب واحد علي الدولة ثم كافة التطورات التي مرت بها من حرب أهلية والسياسة الاقتصادية الجديدة والسياسة الزراعية والتصنيع السريع الخ. لكل ذلك أصبحت المركزية الديمقراطية، كما نعرفها ومارسناها، نبتا سوفيتيا ترعرع مع تطور الحزب والدولة واختراعا لينينيا اصيلا. ويجب النظر لها بهذا الفهم وفي سياقه التاريخي.
اعتقد ان المركزية الديمقراطية تلعب دورا أساسيا في حماية الأحزاب اليسارية في ظل الأنظمة الدكتاتورية وطغيان مناهج وأساليب العمل السري وضرورة الحفاظ على الأحزاب من الاختراق. وتلعب دورا في اعداد ورسم الاستراتيجية والتكتيك الملائم لمواجهة مهام المرحلة كما يساعد على وحدة الفكر والإرادة وجماعية التنفيذ.
الأساس الفلسفي للمركزية الديمقراطية ينبي على صراع الاضداد ووحدة الضدين. وهذا صحيح مبدئيا، ولكن معظم الآراء تهمل قانون الحركة وانه لا شيء ثابت بما في ذلك المؤسسات الاجتماعية والآراء والأيدولوجيات. فكيف يتم القبول بثبات مبدأ واحد، بلا تغير، لأكثر من قرن من الزمان في ظل تحولات عاصفة وسريعة اعادت تشكيل العالم في أكثر من وجهة. والشيء الثاني ان قانون الصراع يشمل الأحزاب والأفكار، ولكن المسالة الهامة والأساسية، بعد الاعتراف بذلك الصراع، كيف يتم ادارته والمناهج المستخدمة في ذلك. اما مسألة وحدة الضدين فهي تعني خروج شكل ارقي واعلي من مكوناته فهل يشمل ذلك ما أشرنا اليه سابقا.
وفى رأيي ان اهم نواقص المركزية الديمقراطية هي طغيان المركزية. وقد أشرنا لتجارب خروتشوف وغورباتشوف واهمها تغيير الاسم الي الديمقراطية المركزية، ولكن الحفاظ على جوهرها. ويتجلى ذلك القصور في تحكم المركز في صياغة السياسات والبرامج الحزبية خلال كافة مراحلها. ابتداء من مرحلة تكليف من يعد المسودة الأولية ثم عرضها على القيادة المركزية لتجري فيها ما تراه من تعديلات وارسالها في صورتها تلك للعضوية للتوحد حولها وتنفيذها ويمكن مناقشتها ورفع الرأي حولها والذي يمر بهيئات وسيطة (وما إدراك ما الهيئات الوسيطة والتي يمكن ببساطة تسميتها حراس المعبد) وهي تملك حق التلخيص والاختصار والتأجيل في رفعها الي اعلي. واما في حالة المسائل الأكبر التي ستعرض على المؤتمرات فتتم بنفس المراحل فقط يقوم المركز بتحديد عدد المناديب وكيفية تمثيل الهيئات المركزية التي يتم الاختيار لها من قبل المركز نفسه وهكذا يملك المركز القائم سلطة السيطرة على المؤتمر حتى قبل قيامه.
وتؤدى ظروف عمل الحزب ونوع قيادته وتخلف وبدائية أساليبه لتعطيا المركزية الديمقراطية ونقتطف هذه الفقرة من تقرير المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني " وبينما حياة حزبنا تتأثر بالاتجاهات اليسارية، وتخلف الأداء والتنفيذ وبدائيتهما، تعقم تلك الحياة وتضعف المركزية الديمقراطية خاصة وان الديمقراطية بأسرها مصادرة من الحياة السياسية. ولقد ادي ضعف المركزية الديمقراطية في الحزب الشيوعي وعدم اشراك عضوية الحزب اشراكا نشطا في حياته الداخلية وفي حياة فروعه الي انكماش كبير في عضوية الحزب لدرجة عاقت قدرات الحزب الذاتية وهو يواجه مهام ثورة أكتوبر" .

ومثال اخر هو قضية الصراع الفكري ففي ظل المركزية الديمقراطية المركز هو من ينظم الصراع الفكري ويحدد اطره وقضايا ومتي يفتح ومتي ينتهي وهو من يستخلص نتائجه وهكذا فالقبضة المركزية واضحة وضوح الشمس ولا يمكن لعضو حزب او فرع حزب ان يبادر بفتح صراع فكري لأنه عليه فقط ان يرفع مقترحات للمركز بذلك ولا يحق له الاتصال بأعضاء اخرين او فروع اخري والا يسمي ذلك تكتلا ويقع تحت طائلة سيف اللائحة البتار. وانظر لتجربة المناقشة العامة حول قضايا العصر وما انتهت اليه الا يصح وصفها بالفيل الذي تمخض فولد فأرا!
والآثار الضارة للمركزية الديمقراطية لا تقف عند حدود التنظيم الحزبي، أو قضايا الصراع الفكري فقط، وانما تمس جوانب أخري لم تجد حظها من النقاش. فمثلا في الحركة الشيوعية العالمية منذ أيام الأممية ثم الكومنتيرن وأخيرا الاجتماعات العامة للأحزاب الشيوعية والعمالية، نجد للحزب السوفيتي موقعا مميزا ويسيطر على كافة مقابض الحركة. وتشمل الهيمنة السوفيتية المنظمات السياسية والعسكرية والنقابية والطلابية الخ كحلف وارسو ومنظومة الكوميكون واتحاد النقابات العالمي وبقية المنظمات العالمية التي لا تتبع للغرب.
وأيضا قضية الاقتصاد الوطني المبني على التخطيط المركزي المفرط والاوامر التي تأتي من اعلي بواجبات جاهزة وبفترة زمنية محددة سلفاً. ولقد تساءل نقد بصدق: " كيف يتحرر الاقتصاد الاشتراكي من جمود التخطيط ومركزية الإدارة الموروثة من مرحلة الانتقال الاولي حتى يستقبل تحولات الثورة العلمية التي تشترط الديمقراطية الاقتصادية ومبادرة العاملين في مؤسسة معينة في اتخاذ القرار دون أوامر من أعلي؟"
وكان الحزب الشيوعي، في الدول الاشتراكية، يسيطر على كافة المنظمات الجماهيرية والعامة مما يقتل روح الابداع وسطها ويفرغها من روحها. وقد رأينا وضع النقابات أو منظمات الكتاب والفنانين وكيف تحولت لواجهات حزبية ميتة.

siddigelzailaee@gmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: المرکزیة الدیمقراطیة ان المرکزیة

إقرأ أيضاً:

وزير الأوقاف ينعى والد رئيس الإدارة المركزية لشئون مكتب الوزير

يتوجه وزير الأوقاف بخالص العزاء والمواساة إلى الدكتور طارق عبد الحميد -أحد قيادات الوزارة ورئيس الإدارة المركزية لشئون مكتب الوزير- في وفاة المغفور له بإذن الله -تعالى- والده الكريم، الذي وافته المنية اليوم الجمعة.

ووجه وزير الأوقاف فورا بتوجه فضيلة الشيخ خالد خضر رئيس القطاع الديني وفي معيته مدير مديرية أوقاف الشرقية فضيلة الشيخ مجدي بدران لحضور مراسم الدفن وتقديم العزاء نيابة عن معالي الوزير.

ويتقدم وزير الأوقاف وكافة أبناء الوزارة إلى فضيلة الدكتور طارق عبد الحميد بخالص العزاء سائلين الله -عز وجل- أن يتغمد الفقيد الكريم بواسع رحمته، وأن يسكنه مع السابقين أعلى فراديس الجنان، وأن يرزقه صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

داعين لابنه البار الدكتور طارق وللأسرة الكريمة خالص العزاء وصادق المواساة وندعو الله لهم بالصبر والسلوان.

مقالات مشابهة

  • اعتقال 5 إسرائيليين عقب محاولة الاعتداء على قائد القيادة المركزية
  • وزير الأوقاف ينعى والد رئيس الإدارة المركزية لشئون مكتب الوزير
  • أنصار الله: استهدفنا قاعدة "نيفاتيم" الجوية للكيان الإسرائيلي في النقب المحتل
  • خزروني: “نعتذر من أنصار المولودية ونعدهم بالتعويض مستقبلا”
  • رئيس الإدارة المركزية للتعليم العام: " المدرسة هي الحياة للطالب"
  • وابدي: “أعتذر من أنصار شبيبة الساورة وأعدهم بتحقيق نتائج ايجابية مستقبلا”
  • محافظ بني سويف يوجه بزيادة الإنتاجية بمشروعات الدواجن المركزية
  • الجنائية الدولية تسجن قياديا سابقا في أنصار الدين بمالي
  • توقعات بخفض بنوك أفريقيا المركزية للفائدة قبل بدء رئاسة ترمب
  • خليل الحية: نبحث في كافة الأبواب والطرق التي يمكن من خلالها وقف العدوان