عربي21:
2025-04-05@20:31:15 GMT

عن عباس كنموذج لبؤس مسار عقديْن.. كيف نتعامل معه؟

تاريخ النشر: 2nd, October 2023 GMT

ذات يوم كانت السياسة الفلسطينية تصدر حصراً من "فوّهة البندقية"، ثم جاء حين من الدهر أخذت معه بالتلوّن، وكان أول رقصاتها المُبتَدعة ما غرّد به ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، بكلمات منسوبة إلى شاعر الفلسطينيين محمود درويش الذي قيل إنه ساهم مع آخرين في كتابة خطابه آنذاك، بالتحديد تلك العبارة التاريخية الأشهر التي عَلِقت في الأذهان وفي الرأي العام والتي تقول: "إنني جئتكم بالبندقية في يد، وبغصن الزيتون في اليد الأخرى، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي".



وبعد ذلك سارت السياسة الفلسطينية في مروج من الزيتون الأخضر التي فارقت البندقية وطوت صفحتها. كانت ذروتها في المفارقة بليغة، عندما قاد أحد منظّري وفلاسفة "السلام" الفلسطيني (سري نسيبة) مسيرة تأييد وإسناد للوفد الذاهب إلى حضور مؤتمر مدريد في خريف 1991. وبينما كان الجمهور الذي تم حشده لهذا الغرض وهو يحمل أغصان الزيتون، وقد خرج من ساحة إحدى المدارس الخاصة في رام الله، قد صادف دورية حرس حدود إسرائيلية، واعتقد من اعتقد من هذا الجمهور بأنّ زمان السلام قد حلَّ (مع أن الانتفاضة كانت وتائرها آخذة بالدحرجة من موجة إلى موجة أخرى أشد وأعتى)، إذا بهؤلاء المبتهجين بالسلام يُقبلون على سيارة حرس حدود حاملين أغصان الزيتون وينْوُون تزيين السيارات العسكرية بها!

عند التفتيش والمراجعة لما كنا زرعناه في عمّان ثم في بيروت، ولاحقاً في تونس وأخواتها من العواصم، فماذا سنكتشف؟ هل كنّا حركة تحرير وطني كما زعمنا أم كنّا حركة حروب أهلية؟! هل كنا حركة طهرية تليق وترتفع إلى مستوى قضيتنا الحقة والعادلة أم كنا مضرب المثل في "فساد مستشرٍ" أصبحنا مدموغين به في العالمين؟! وعندما ذهبنا إلى طاولات المفاوضات وموائد الدول هل كنّا جديرين بقضيتنا أم أنّنا تمتعنا بأداء هابط ومخزٍ وذهبنا مَضحكة للأمم؟! ماذا فعلنا بأنفسنا وبقضيتنا؟
وهؤلاء "المطبّلون" لم تكن تسمح لهم سذاجتهم -أو إن شئت أوهامهم- بأن تكتشف أن قواعد الاشتباك المعطاة للجنود لم تتغير ولم تتبدل -وهي لا تزال بهذا اليوم لم تتغير ولم تتبدل- فما كان من عناصر حرس الحدود إلا أن قاموا بأداء دورهم المعهود وهو قمع كل من يقترب جسدياً منهم أو من آلياتهم، وقد انهالوا بالعصي على وجوه ورؤوس وأطراف "السلاميين الفلسطينيين"، حَمَلَة أغصان الزيتون!

وأذكر يومها أنه جاء أحد زملاء الدراسة في الجامعة وقد تنفخّت عيناه وتوّرمت، وعندما سألناه: ماذا جرى لك؟ أخبرنا والحسرة تأكله أنه كان من بين جموع المطبّلين والمزمّرين في تلك الواقعة، فما كان من أحد ألمع أساتذة العلوم السياسية الفلسطينيين إلا أن علّق بالمثل الفاضح "هيك مضبطة، بدها هيك ختم"! وهنالك اليوم من هؤلاء المطبّلين الغافلين أو المُستَغفلين الكثيرون ممن هم جاهزون للحضور وقت الاستدعاء لممارسة مثل هذه الطقوس، فالسياسة عندنا لا زالت تمارس بكل هذه الخفّة والغوغائية والحَمِيَّة القبلية!

ولن أحدّثك هنا عمّا رواه "أبو مازن" في كتابه "طريق أوسلو"، ولا الآخرون الذين كتبوا مذكراتهم عن تلك اللحظة البائسة وهم يصوّرون حال زملائهم المبتهجين -وهم في الطائرة- للمشاركة في طقوس ومراسم احتفال توقيع اتفاق أوسلو في واشنطن (13 أيلول/ سبتمبر 1993). لن أحدّثك أيضاً عن كلمات الرثاء الحارقة التي كتبها محمود درويش عن "الكمنجات التي تبكي الذاهبين إلى الأندلس- مدريد" في ديوانه الذي سجّل مرثية الذهاب إلى مؤتمر مدريد "أحد عشر كوكباً على آخر مشهد أندلسي".

ولقد مرّ حينٌ من الدهر على مَنْ أخذ يفقهّنا ويُتحفنا بحكمته الأثيرة ونظريته المبتكرة بأن "البندقية تزرع والسياسة تحصد"؛ فعند النظر إلى هذا الحصاد البائس على مدى خمسة عقود ماضية، يتساءل المرء عن أي نوع من الزروع تلك التي زرعناها؟ هل فعلاً كنا نزرع حقولنا بزرع مفيد ونافع أم كنا نزرعها بالشوك والعلقم؟! فقديماً قالوا: "من يزرع الشوك لا يجني العنب!". عند التفتيش والمراجعة لما كنا زرعناه في عمّان ثم في بيروت، ولاحقاً في تونس وأخواتها من العواصم، فماذا سنكتشف؟ هل كنّا حركة تحرير وطني كما زعمنا أم كنّا حركة حروب أهلية؟! هل كنا حركة طهرية تليق وترتفع إلى مستوى قضيتنا الحقة والعادلة أم كنا مضرب المثل في "فساد مستشرٍ" أصبحنا مدموغين به في العالمين؟! وعندما ذهبنا إلى طاولات المفاوضات وموائد الدول هل كنّا جديرين بقضيتنا أم أنّنا تمتعنا بأداء هابط ومخزٍ وذهبنا مَضحكة للأمم؟! ماذا فعلنا بأنفسنا وبقضيتنا؟ وما نصيبنا الشخصي المتعلق بنا فيما آل إليه انطفاء وهج قضيتنا في أروقة السياسة الدولية؟!!

السياسة التي يعتنقها الرجل تعيد اجترار الفشل من دون كلل أو ملل، كما أنه مثابر على افتقاد الشرعية الشعبية الداخلية. ونجده لا يبني مع شعبه إلا الخصومة والمناوأة والمجافاة، وهو لا يتوقف عن مفارقة ومعاكسة طموحات وتطلعات شعبه -هذا الشعب الذي لا يزال يسطّر رجاله ونساؤه أروع صفحات البطولة ويجترح العجائب- ويقف أبو مازن بكل صلف وعناد ضد مظاهرة المقاومة التي هي علامة الهوية الأساسية للشعب الفلسطيني
لعل محمود عباس (أبو مازن) بصفاته ومناقبه السياسية "الفذّة" التي يتمتع بها داخلياً وخارجياً؛ فهو الضعيف (الذي لفتت درجة ضعفه انتباه الرئيس "الليبرالي والمثقف" أوباما)، والعاجز، وعديم الحيلة، و"المستسلم النموذجي".. لعله هو دون غيره من يختزل واقع وحال السياسة الفلسطينية العليلة في العقدين الأخيرين، وهو المسؤول بدرجات كبيرة عن حالة الانسداد والفلترة والتعثر والتقويض.

فالسياسة التي يعتنقها الرجل تعيد اجترار الفشل من دون كلل أو ملل، كما أنه مثابر على افتقاد الشرعية الشعبية الداخلية. ونجده لا يبني مع شعبه إلا الخصومة والمناوأة والمجافاة، وهو لا يتوقف عن مفارقة ومعاكسة طموحات وتطلعات شعبه -هذا الشعب الذي لا يزال يسطّر رجاله ونساؤه أروع صفحات البطولة ويجترح العجائب- ويقف أبو مازن بكل صلف وعناد ضد مظاهرة المقاومة التي هي علامة الهوية الأساسية للشعب الفلسطيني، وهو لا يحتقرها ويعاديها ويلاحقها وينزع الشرعية عنها ويحطّ من قيمتها فحسب، بل هو يُحافظ على خطّه السياسي النابذ والمناوئ لها.

كما يُحافظ على طقوسه الخطابية السنوية في الأمم المتحدة التي يتسوّل فيها "دولة"، وهو في سبيله ذاك لم يرتكس من خندق التحرير الوطني الذي كان مرابطاً فيه ذات يوم، إلى حيث الاكتفاء بالمطالبة السياسية "خذ وطالب" على ما جرت عليه قيادة موسى كاظم الحسيني التاريخية قبل ثورة 1936، وهو أيضاً لم يكتفِ بالهبوط إلى ما مثّلته "النشاشيبية السياسية" من تعامل حذر مع الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، بل نجده يقطع أشواطاً كبيرة في التورط والتآمر على شعبه ومقاومته بالتعاون المادي والمعنوي مع العدو.

ويبني محمود عباس الكثير من توجهاته السياسية على قدرته في إحداث تأثير أمام حائط مبكى الأمم المتحدة ومؤسساتها التي هي إجمالاً في طور الأفول، تنتظر ميلاد نظام عالمي ودولي جديد. مع ذلك، يحافظ على طقسه السنوي في الوقوف أمام ممثلي الدول، ويتّخذ من خطاباته السنوية تلك برنامجه السياسي! والغريب أنه لا يملّ ممارسة هذا الطقس الذي غدا مستهلكاً وفاقداً لقيمته، بل غدت خطاباته مجالاً للتندر ومؤشراً على البؤس الذي بلغته الممارسة السياسية الفلسطينية.

ربما سيسجل التاريخ أنه لا يوجد زعيم لشعب من الشعوب فاقد لدليله وتائه إلى هذا الحد كأبي مازن الذي يُعلن عن حيرته وفقدان دليله وتيهه؛ ليس في ميدان معركة عسكرية فيها الضغوط والإكراهات، إنما يُمارس ذلك على الملأ وفي الهواء الطلق وبكامل وعيه في المنتديات والصالات والمنابر السياسية والإعلامية على اختلافها.

إذا كان من مهمّات القائد الرائد قومه أن يشق الأفق والطريق لشعبه ومن يقودهم، فإن أبا مازن يعتقد أنه يفعل ذلك من خلال منع شعبه من الثورة والانتفاضة، باعتبارها طريقاً لا تأتي إلا بالتعب والعَنت والشقاء، وهو يسعى من خلال ذلك -كما يعتقد- إلى تجنيب شعبه الويلات المجانية
وإذا كان من مهمّات القائد الرائد قومه أن يشق الأفق والطريق لشعبه ومن يقودهم، فإن أبا مازن يعتقد أنه يفعل ذلك من خلال منع شعبه من الثورة والانتفاضة، باعتبارها طريقاً لا تأتي إلا بالتعب والعَنت والشقاء، وهو يسعى من خلال ذلك -كما يعتقد- إلى تجنيب شعبه الويلات المجانية. والمفارقة أن سياسته العوراء والحولاء والعمياء هذه برهنت خطلها وخطأها المرة تلو الأخرى، لا بل إن أطماع العدو زادت، والأنكى أن الويْلات التي يُوقعها في شعبنا أصبحت تتلطّى خلف سياسات ومواقف أبي مازن ومنظومته السياسية والأمنية والإدارية المتعاونة والوكيلة.

إن أبا مازن المصرّ على إعادة اجترار الفشل هو علّة علل بؤس السياسة الفلسطينية، وإن استمرار وجوده على رأس الحالة الفلسطينية يُنذر ليس فقط بمراوحة المكان إلى أجل غير مسمّى، بل مراكمة الأزمات لأن الطبيعة تأبى الفراغ، والتدافع المكبوت اليوم سينفجر في لحظة ما بصورة قيح وحديد يفقأ الدمامل!

باعتقادنا أن التحرر مما يمثّله أبو مازن هو خطوة أولى من أجل تغيير دفّة السياسة المُتعَبة. هذا لا يعني بالضرورة الصدام الخشن معه ومع سلطته -كما أشرنا- ولكن ليس أقل من رفع الغطاء السياسي والوطني والقانوني والمعنوي والعمل على عزله، وهذا سلوك بالإمكان فعله، وهو خطوة مهمة على طريق طيّ صفحته السياسية السيئة والبائسة والكارثية.

إذا كانت السياسة الفلسطينية ذات يوم تنبع من فوّهة البندقية، فإنها غدت هذه الأيام تنبع من فوّهات ميكروفونات الأمم المتحدة والمؤتمرات الصفراء والمجالس السياسية والإعلامية الصفراء أيضاً. وإننا لنرجو أن يُعيد الفعل الانتفاضيّ والمقاوم السياسة الفلسطينية إلى جادّتها في إحقاق الحق، وأن تبقى الرهانات الجديدة على ذلك.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه السياسة الفلسطينية السلام محمود عباس المقاومة فلسطين محمود عباس السياسة السلام المقاومة مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة السیاسة الفلسطینیة أبو مازن من خلال ة التی کان من التی ی

إقرأ أيضاً:

السياسة.. فن إدارة التوقيت والتقاط الإشارات

أنجبت الثورات جيلا من السياسيين يمكن أن نطلق عليهم "ساسة الضرورة"، فهم لم يختاروا السياسة، بل وجدوها قد اختارتهم في لحظة فارقة. هؤلاء عاشوا في ظلال أنظمة أغلقت الأبواب والنوافذ، فلم يختبروا العمل السياسي، ناهيك عن دراسته أو إتقانه.. والنتيجة؟ قرارات متعثرة، ومواقف متخبطة، وأخطاء تثير الدهشة أحيانا والابتسامة أحيانا أخرى. ومع ذلك، لا لوم عليهم، فقد أُلقي بهم في معترك السياسة دون بوصلة. لكن حان الوقت ليضعوا المرآة أمام أنفسهم، ويطرحوا السؤال الصعب: "كيف نصبح ساسة عن جدارة، لا عن ضرورة؟".

الجرأة ضرورة أحيانا

هناك مواقف يكون فيها الصمت بمثابة تواطؤ، والتردد ضعفا، مما يجعل الجرأة ضرورة لا خيارا. عندما يكون هناك تهديد مباشر للحياة أو الحقوق الأساسية، لا يمكن للسياسي أن يقف متفرجا. اتخاذ موقف واضح في هذه الحالات ليس مجرد قرار سياسي، بل واجب أخلاقي. كذلك عندما يكون هناك زخم شعبي أو سياسي داعم، يصبح اتخاذ موقف جريء أكثر فاعلية. السياسي الذكي لا يعاند الواقع، لكنه يعرف متى يستغل اللحظة ليحقق أكبر تأثير ممكن.

المصداقية واتخاذ القرار الجريء

 المصداقية تلعب دورا حاسما في تحديد الحاجة إلى الجرأة، السياسي الذي يبني صورته على المبادئ الواضحة يجب أن يكون مستعدا للدفاع عنها، لأن التراجع عن موقف أساسي قد يكلفه أكثر مما يكلفه اتخاذه. ومع ذلك، الجرأة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون مدعومة برؤية وخطة واضحة للتعامل مع تداعياتها. السياسي الناجح لا يقفز في المجهول، بل يتحرك وفق استراتيجية محسوبة. كما أن هناك لحظات مفصلية لا تتكرر، وإذا لم يستغلها السياسي، فقد يفقد فرصة تغيير مسار الأحداث إلى الأبد.

متى يكون الانتظار أكثر حكمة؟

هناك حالات يكون فيها الانتظار أو العمل بصمت أكثر حكمة من المواجهة المباشرة. أحيانا تكون الظروف غير ناضجة لاتخاذ موقف، والتحرك في توقيت خاطئ قد يؤدي إلى فشل محقق. في أوقات أخرى، يكون رد الفعل المتوقع لموقف جريء أسوأ من الفعل نفسه، مما يجعل الانتظار حتى تهدأ الأوضاع خيارا أكثر ذكاء. لا يعني ذلك التراجع عن المبادئ، بل اختيار اللحظة المناسبة للدفاع عنها بأقصى قدر من الفاعلية.

خطورة الانسياق وراء العاطفة

من أكبر المخاطر التي يقع فيها السياسي هي التحرك وفق العاطفة مع محاولة خداع النفس بأن القرار مبني على تحليل سياسي عقلاني. كثير من السياسيين يقعون في هذا الفخ، حيث تدفعهم مشاعر الغضب، أو التعاطف، أو حتى الإحساس بالذنب إلى اتخاذ مواقف متسرعة، ثم يحاولون لاحقا تقديم تبريرات عقلانية لها. المشكلة هنا أن التبرير لا يحول القرار العاطفي إلى قرار سياسي حكيم، بل يجعله أكثر خطورة، لأنه قد يمنح صاحبه شعورا زائفا بالصواب، ويمنعه من التراجع حتى عندما تصبح العواقب واضحة. السياسي الناضج هو من يدرك هذه الفخاخ النفسية ويتعلم كيف يميز بين التحليل الموضوعي والرغبة في الدفاع عن النفس أو إثبات صحة موقفه بأي ثمن.

الفرق بين السياسي والناشط الاحتجاجي

وهنا يجب التفريق بين الناشط الاحتجاجي والسياسي المسؤول. الناشط الاحتجاجي يتحرك وفق منطق التصعيد المستمر، حيث يمارس الرفض والمشاغبة على مدار الساعة لتجييش الرأي العام حول قضيته، وهو يرى أن مهمته الأساسية هي إحداث أكبر قدر من الضجيج والضغط دون اعتبار للتوقيت أو العواقب. أما السياسي، فيعمل وفق رؤية واستراتيجية لتحقيق أهداف سياسية تخدم الصالح العام، وليس مجرد تسجيل المواقف أو تأجيج المشاعر. السياسي الحقيقي لا يمارس السياسة وكأنها شجار في المقاهي والأحياء الشعبية، بل يتعامل معها كفن إدارة الصراعات وتحقيق المكاسب الواقعية للمجتمع، لديه مسؤولية أخلاقية تجاه الناس، فهو لا يخدعهم بشعارات رنانة ولا يورطهم في معارك خاسرة، بل يسعى إلى تحقيق التغيير الحقيقي الذي ينعكس على حياتهم بشكل إيجابي ومستدام.

اختيار المعارك بذكاء

السياسي الناجح هو أيضا من يختار معاركه بعناية، ويعرف خصومه جيدا وقادر على فرزهم وتصنيفهم بدقة وفق مستوى التنافر والخصومة. ليس كل الخصوم يشكلون تهديدا، ولا يتساوون في درجة العداء. بعض المواقف قد تكون اضطرارية وليست اختيارية، وأحيانا تكون نوعا من المناورة وليست تعبيرا عن قناعة راسخة. لذلك، لا يمكن الحكم على خصم أو منافس بناء على موقف واحد، بل يجب قراءة مواقفه في ضوء مدى زمني ممتد يسمح بفهم توجهاته الحقيقية. من الخطأ أن يخوض السياسي كل المعارك مع كل الخصوم على مدار الساعة بنفس الحماسة والأهمية، لأن ذلك يؤدي إلى استنزاف طاقته وتبديد موارده في صراعات قد لا تستحق المواجهة.

السياسة فن تقدير الأولويات

السياسي الناجح ليس من يختار دائما الجرأة، ولا من يفضل دائما الانتظار، بل هو من يعرف متى يستخدم كل منهما في الوقت المناسب. ليست كل مواجهة بطولة، وليست كل مهادنة ضعفا. والفرق بين القائد الحقيقي والسياسي العابر هو القدرة على قراءة اللحظة السياسية بدقة، واتخاذ القرار الذي يخدم المصلحة العامة بأقصى قدر من الفاعلية. في النهاية، السياسة ليست مجرد لعبة مواقف، بل فن تقدير الأولويات، والنجاح فيها لا يكون لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتحرك بكل قوته ليغير مسار الأحداث.

ختاما: السياسة ليست حلبة ملاكمة، وليست مسرحا للخطابات النارية، ولا جلسة فضفضة عاطفية، إنها فن إدارة التوقيت، والتقاط الإشارات، ومعرفة متى تتحرك، ومتى تتراجع، ومتى ترفع الصوت، ومتى تكتفي بنظرة ذات مغزى. السياسي الناجح ليس من يخوض كل المعارك، ولا من يختبئ في كل الأزمات، بل من يفهم أن بعض المواقف تحتاج إلى هدوء لاعب الشطرنج، بينما أخرى تتطلب اندفاع المحارب.

الذين يصرخون طوال الوقت ينتهون إلى أن لا أحد يسمعهم، والذين يلتزمون الصمت دائما يُنسون مع الزمن. النجاح ليس في أن تكون الأكثر شراسة، ولا في أن تكون الأكثر تحفظا، بل في أن تعرف متى تتحول من هذا إلى ذاك دون أن تفقد توازنك أو هويتك.

مقالات مشابهة

  • نهاية رحلة مولر مع بايرن ميونخ.. واللاعب يوضّح: الفريق رفض تجديد عقدي
  • الدرقاش: أردوغان يمارس السياسة بقيمها الإسلامية
  • رواد عمل خيري: العالم ممتن للعطاء الإماراتي المستمر كنموذج للتضامن الإنساني
  • سوريا.. الأمن العام في حمص يعتقل كامل عباس المتورط في مجزرة التضامن
  • فلسطين: الحكومة تنسَب للرئيس عباس بحل 5 مؤسسات حكومية غير وزارية
  • السوداني يوجه بإزالة التعارضات في مسار أنبوب غاز بسماية
  • هل تتحوّل الاحتجاجات ضد حماس إلى مسار حقيقي؟
  • كاريكاتير محمود عباس
  • مناوي والحركات ككل من أهم أمثلة السياسة كسوق أعمال
  • السياسة.. فن إدارة التوقيت والتقاط الإشارات