الباحثون عن السلطة والثروة والمتعة
تاريخ النشر: 1st, October 2023 GMT
الباحثون عن #السلطة و #الثروة و #المتعة
أ.د رشيد عبّاس
اختلف فلاسفة اليونان على ترتيب ثلاثة مفاهيم سعى ويسعى لها الإنسان أي إنسان منذُ ولادته وحتى وفاته في هذه الدنيا, فالبعض نادى بأن السلطة هي التي تجذب الثروة, والثروة هي التي تجذب المتعة, والبعض الاخر منهم عكس تماما هذه المفاهيم, حيث أن المتعة هي التي تجذب الثروة, والثروة هي التي تجذب السلطة, وعلى جميع الأحوال تبقى هذه المسألة مسألة جدلية, وربما أن لكل زمان ومكان في هذه الحياة ترتيباته لهذه المفاهيم الثلاث.
الإنسان في هذه الحياة قاتل وما زال يقاتل بشراسة وبكل ما أوتي من قوة وعزم من اجل (السلطة), فقد بدأ الإنسان يقاتل بالعصا ثم السيف ثم البندقة.. وصولاً إلى القتال بالقنابل الذرية والهيدروجينية والجرثومية, وما زال يبحث ويسعى باستمرار عن أسلحة أخرى أقوى وأشد فتكاً ليقاتل بها من اجل الولوج إلى السلطة.
والإنسان في هذه الحياة كافح وما زال يكافح أيضاً بكل ما أوتي من جهد وحركة من اجل (الثروة), فقد بدأ الإنسان بالخداع ثم الكذب ثم الخش.. وصولاً إلى التزوير والتمويه والدهلزة, وما زال يبحث دون تأني عن اساليب وطرق (رقمية) أخرى أكثر تلاعباً وتمويهاً ليحصل بها ويسيطر على أكبر كم ومساحة من الثروة.
وأكثر من ذلك.. الإنسان في هذه الحياة تلوّن وما زال يتلوّن من اجل بلوغ أعلى مراتب (المتعة), وأقصد بالمتعة هنا مرحلة ما بعد اشباع الغرائز, فقد بدأ الإنسان وحسب تطور أدواته الزمنية, بدأ بمتعة صيد الحيوانات في الغابة وفي محيطه, ثم أنتقل إلى متعة صيد الاسماك في البحر, ومن ثم صيد الطيور في الفضاء.. كل هذه المتع مارسها الإنسان بعد أن أكل وشبع وأخذ قسط من القيلولة, ثم مارس الإنسان بعد ذلك طقوس تعدد الزوجات متجاوزاً بذلك حاجاته ورغباته الجنسية, ووصل به الأمر إلى متعة زهق الارواح البشرية لتجريب أدواته الدوائية والحربية, ثم قام الإنسان بهواية خلع وقطع واقتلاع الاشجار, وهدم الكهوف والقلاع والقصور تحت غطاء حب الاستطلاع والاكتشاف.. مع انها تعبّر عن لذة الانتقام.
من جانب آخر, تنوعت أدوات الباحثون عن السلطة والثروة والمتعة, حيثُ أننا نجد أن الأحزاب الدينية في هذا الفضاء الواسع والتي ذمها الله في كتابه العزيز قائلا: (كل حزب بما لديهم فرحون) سعوا وما زالوا يسعوا للولوج للسلطة والثروة والمتعة بأقنعة دينية, فضلاً عن تفريق المجتمع, إضافة إلى الفِرق الدينية في هذا الكون الممتد أيضا تلك التي أشار اليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أن أثنين وسبعين فِرقة منها من اصل ثلاث وسبعين فِرقة ستكون في النار, حيث قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فِرقة كلها في النار إلا واحدة), فالمتفحص لهذه الفِرق يجد أنها تتزاحم بغطاء ديني للوصول إلى السلطة والثروة والمتعة, فضلاً عن تفريق المجتمع.
الطبيب النفسي النمساوي (فرويد) فسّر أن أي سلوك للإنسان سواء كان ذلك مباشر أو غير مباشر منذُ ولادته حتى مماته بواحدة من تأثيرات السلطة أو الثروة أو المتعة, كل حسب مرحلة حياته, فالأطفال مثلاً متعتهم في اللعب, والشباب متعتهم في الثروة, والرجال متعتهم في السلطة, وأن جغرافيا وتاريخ السلطة والثروة والمتعة على امتداد هذا العالم تشير إلى أن الروس مثلاً يكافحوا من اجل السلطة, والأمريكان يقاتلوا من أجل الثروة, في حين أن العرب يسعوا وراء السلطة والثروة والمتعة معاً.
وتأسيساً على ذلك, فإن أدوات الباحثون عن السلطة والثروة والمتعة تتغير مع تطور العصر من زمن إلى آخر, ومن مكان إلى آخر, فتارة تجد أن هذه الادوات تندرج تحت ألوية القتال, وتارة أخرى تجدها تندرج تحت أقنعة الدين.
تاريخ الأمة والفتن التي اجتاحتها عبر القرون الماضية وما نتج عن هذه الفتن من مآسي, تجد أيضاً أن هناك خيوط رفيعة للباحثين عن السلطة والثروة والمتعة وقتها, وبدأ النقّاد اليوم يعرّوا هؤلاء دون أي تحفّظ.
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: السلطة الثروة المتعة فی هذه الحیاة الباحثون عن وما زال من اجل
إقرأ أيضاً:
الثروة تهطل حين تجف أرواح الناس.. كيف ظهر اثرياء من الرماد في كردستان؟- عاجل
بغداد اليوم - كردستان
في كل أزمة يمر بها أي بلد، ثمة من ينهار وثمة من يصعد. في كردستان العراق، حيث تتقاطع الأزمات المالية بالسياسية، وتتداخل المصالح الحزبية بالاقتصادية، باتت هذه القاعدة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فبينما يغرق الإقليم في دوامة تأخير الرواتب، وتراجع الاستثمارات، وتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسة، خرجت من رحم هذه الفوضى طبقة من الأثرياء الجدد، بعضهم يملك الآن ثروات بمليارات الدولارات، دون أن يمتلكوا تاريخًا اقتصاديًا معروفًا، سوى أنهم أحسنوا استغلال لحظات الانهيار.
مَن هم هؤلاء؟ وكيف استطاعوا تحويل الأزمات إلى فرص؟ ولماذا غابت المحاسبة؟ أسئلة تتصاعد مع كل أزمة جديدة تمر على الإقليم، لتكشف عن اقتصاد مشلول من جهة، وشبكة نفوذ محصّنة من جهة أخرى.
أزمات بوابة للثروة... حين تتحوّل السياسة إلى رأس مال
يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة حلبجة، خالد صابر، أن "الأزمات التي تضرب إقليم كردستان منذ سنوات لم تخلق فقط آثارًا سلبية على الواقع المعيشي، بل كشفت عن مسارات موازية لصعود غير مبرر لطبقات مالية جديدة، معظمها تدين بنجاحها للنفوذ السياسي والحزبي أكثر مما تستند إلى مهارات اقتصادية أو مشروعات إنتاجية حقيقية".
وقال صابر، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، إن "من المعروف في كل أزمة تظهر في بلد معين، أن هناك من يطلق عليهم (تجار الأزمات)، وهؤلاء يسعون إلى تعظيم أرباحهم في ظل الفوضى، وهذا ما حصل فعلًا في كردستان خلال السنوات الأخيرة".
ويضيف: "الإقليم شهد أزمات متداخلة، من تأخر دفع الرواتب، إلى تراجع الدعم الاتحادي، ثم تداعيات كورونا، والأزمات السياسية مع بغداد، وكل ذلك سمح لفئة من السياسيين والمتنفذين والمقربين من السلطة باستغلال الوضع، واحتكار السوق لصالحهم".
أسواق مغلقة بوجه المنافسة... ومفتوحة لتهريب الثروات
بحسب صابر، فإن أبرز أدوات تلك الفئة تمثلت في "التهرب من الضرائب، والتحكم الكامل بتدفق السلع والبضائع، والتعامل مع الأسواق على أنها إقطاعيات خاصة"، مشيرًا إلى أن "الكثير منهم يتعاملون بالتهريب المنظم، خصوصًا في قطاعات السيارات، السكن، الأجهزة الكهربائية، وحتى المواد الغذائية".
ويلفت إلى أن "التلاعب بالأسعار أصبح سياسة متفق عليها بين هذه الدوائر التجارية، ويتم التنسيق أحيانًا فيما بينها، ما أفقد السوق تنافسيته الطبيعية، وساهم في تعميق أزمة المواطن الذي يدفع الثمن من قوته اليومي".
ولم يقتصر الأمر على التجارة الملموسة فقط، إذ يشير صابر إلى أن "تجارة العملة نفسها أصبحت جزءًا من هذا التلاعب، حيث تجري مضاربات منظمة بعيدة عن الرقابة الحكومية، بما يحقق أرباحًا خيالية للمتنفذين، ويخلق فجوات مالية تهدد استقرار السوق".
الحكومة غائبة... أم مغلوبة على أمرها؟
أحد أبرز محاور الإشكال يكمن في غياب المحاسبة، أو بالأحرى، في انعدام الإرادة السياسية للمحاسبة. إذ يبيّن صابر أن "السلطات في الإقليم تعرف هؤلاء بالأسماء، لكن لا يمكن الاقتراب منهم لأنهم محميون بحصانات حزبية وعلاقات سياسية مع مراكز القرار".
ويتابع: "في ظل هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن سوق حر أو منافسة عادلة أو حتى ضرائب ترفد الخزينة العامة، لأن شبكات النفوذ تسيطر على مفاصل الاقتصاد وتتحكم به وفق مصالحها".
ضريبة المواطن.. عندما يتحوّل الشعب إلى وقود لتراكم الثروات
النتيجة النهائية، كما يراها صابر، هي "تفاقم معاناة المواطن، الذي يدفع الضريبة على شكل غلاء أسعار، وفقدان للثقة بالسوق، وتراجع في القدرة الشرائية، بل وحتى انسداد في آفاق العمل، بسبب احتكار الفرص من قبل جهات بعينها".
ويؤكد أن "ما يحصل اليوم في كردستان لا يختلف كثيرًا عن نماذج شهدتها دول تعاني من اقتصاد ريعي أو فساد هيكلي، حيث تنمو الثروات في يد قلة، وتتسع الهوة بين الطبقات، وتنهار قواعد العدالة الاقتصادية".
تحليل بياني: من يملك الثروة في كردستان؟
يكشف توزيع الدخل في إقليم كردستان عن فجوة طبقية صارخة، تُظهر حجم التفاوت بين طبقة صغيرة تسيطر على الاقتصاد وبين غالبية تكافح لتأمين لقمة العيش.
وبحسب تقديرات تقريبية مستندة إلى بيانات مراقبة السوق المحلية، فإن:
نحو 15% من السكان يعيشون في فقر مدقع، دون دخل يكفي لتغطية الأساسيات.
أكثر من 35% ينتمون إلى فئة الدخل المنخفض، وهم الأكثر تضررًا من تقلبات الأسعار واحتكار السوق.
30% يمثلون الطبقة المتوسطة، لكنهم معرضون للانزلاق إلى الفقر بسبب الأزمات المتكررة.
حوالي 15% يتمتعون بدخل مرتفع نسبيًا.
فيما تتركز الثروة الحقيقية بيد 5% فقط من السكان، يشكّلون ما يمكن تسميته بـ"نخبة الأزمة"، وهم من ازدهرت أرصدتهم في ظل الانهيارات الاقتصادية.
هذا التوزيع لا يعكس فقط أرقامًا باردة، بل يُترجم إلى واقع اجتماعي هشّ، تضعف فيه الطبقة الوسطى، وتتسع فيه الفجوة بين الغني والفقير، ما يُنذر بتحولات اجتماعية خطيرة إذا لم يُعاد النظر في السياسات الاقتصادية ويفعَّل مبدأ العدالة والرقابة.
فجوة الثروة... تهديد صامت للاستقرار الاجتماعي والأمني
لا يقف التفاوت الطبقي في كردستان عند حدوده الاقتصادية، بل يمتد ليشكّل تهديدًا صامتًا لاستقرار المجتمع ككل. فحين تتكدّس الثروة بيد قلة نافذة، وتُترك الأغلبية تصارع من أجل البقاء، تتآكل الثقة العامة بالمؤسسات، ويولد شعور جماعي بالتهميش والإقصاء.
هذا الخلل يُنتج بيئة خصبة للاحتقان، تتغلغل فيها مشاعر الغضب، وتنهار فيها منظومة القيم التي تقوم على العدالة والتكافؤ. ويُحذّر خبراء اجتماعيون من أن استمرار هذا الوضع قد يُفضي إلى اضطرابات اجتماعية، سواء على شكل احتجاجات، أو عزوف عن المشاركة السياسية، أو حتى انجراف فئات شبابية نحو خيارات أكثر راديكالية.
كما أن اختلال التوازن في توزيع الموارد يُضعف هيبة الدولة، ويُرسّخ قناعة بأن السلطة ليست سوى أداة بيد طبقة متنفذة لحماية مصالحها، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي الهشّ أصلًا في الإقليم، خاصة مع تنامي البطالة وتراجع الخدمات الأساسية.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة جذرية للنموذج الاقتصادي في كردستان، ووضع سياسات واضحة لكسر احتكار السوق، واستعادة التوازن المفقود بين السلطة والثروة، قبل أن يتحوّل التفاوت الطبقي إلى أزمة تفوق كل الأزمات السابقة.
بين ثروة السلطة وسلطة الأزمة... أي مستقبل ينتظر كردستان؟
إن ما يجري في إقليم كردستان لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الذي أفرز هذه الطبقة الاقتصادية الجديدة. فالثروة لم تكن وليدة الاستثمار أو التخطيط طويل الأمد، بل نتاج شبكة من المصالح الحزبية والمراكز النافذة التي تعاملت مع الأزمات كفرص لإعادة توزيع السوق وفق منطق القوة لا العدالة.
وحين تُصبح الثروة حكرًا على من يملك النفوذ السياسي، تتحوّل المؤسسات الاقتصادية إلى واجهات شكلية، ويصبح الاقتصاد محكومًا بقرارات غير مرئية تصدر من غرف مغلقة. في هذه اللحظة، لا يعود المواطن جزءًا من معادلة التنمية، بل يتحوّل إلى مجرد "أثر جانبي" لأزمة يتقاسم نتائجها وحده.
وما لم تُكسر هذه الحلقة الجهنمية التي تربط السلطة بالمال، وتُستعاد قواعد الشفافية والمحاسبة، فإن الإقليم يتجه نحو مزيد من التفكك الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والانغلاق السياسي، ما قد يعمّق من عزلة كردستان عن بغداد وعن بيئته الإقليمية أيضًا.
الطريق إلى الإصلاح يبدأ من الاعتراف بعمق الاختلال، ومن ثم الشروع بخطوات عملية تعيد رسم ملامح اقتصاد يخدم الناس، لا الطبقات. وإلا فإن الثمن سيكون باهظًا... ولن يدفعه سوى أولئك الذين لم يملكوا يومًا سلطةً ولا ثروة.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات