في 30 سبتمبر 2000، تعرض الطفل الفلسطيني محمد الدرة للقتل الجبان على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. 

وقعت هذه الحادثة في بداية القرن الجديد، خلال فترة الانتفاضة الأقصى، التي شهدت احتجاجات تمتد إلى مناطق واسعة من الأراضي الفلسطينية والقدس الشريف، عاصمتها.

وثق مصور الأخبار الفرنسي شارل إندرلان، العامل في قناة “فرنسا 2”، لحظة احتماء الطفل محمد، الذي يبلغ من العمر اثني عشر عامًا، ووالده جمال، خلف برميل إسمنتي، أثناء وقوعهما في منطقة تشهد تبادل إطلاق النار بين الجنود الإسرائيليين وقوات الأمن الفلسطينية.

تسببت وفاة الدرة في استنفار النفوس وجعلت دموع الحزن تسيل في الوطن العربي، وبسبب ذلك، أبدع العديد من الشعراء العرب قصائد ترثي "الدرة"، وتم تضمينه في دواوين شعراء العرب، ليبقى ذكراه حاضرًا ومخلدًا في قلوب الناس.

ذكرى القديس جيروم.. السبب وراء احتفال العالم باليوم العالمي للترجمة في 30 سبتمبر هيئة الكتاب تصدر مختارات مسرحية للأطفال.. تفاصيل

وكان من بين هولاء الشعراء:

الشاعر الفلسيطنى الكبير محمود درويش

"محمد"   

"يعشعش فى حضن والده طائرا خائفا/ من جحيم السماء، احمنى يا ربي/ من الطيران إلى فوق! إن جناحي/ صغير على الريح.. والضوء أسود.. محمـــد، يريد الرجوع الى البيت، من دون دراجة .. أو قميص جديد/ يريد الذهاب إلى المقعد المدرسي/ إلى دفتر الصرف والنحو، خذني/ الى بيتنا، يا أبي، كى أعد دروسي/ واكمل عمرى رويداً رويداً/ على شاطئ البحر، تحت النخيل/ ولا شيء أبعد، لا شيء أبعد.. محمـــد، يواجه جيشاً، بلا حجر أو شظايا/ كواكب، لم ينتبه للجدار ليكتب، حريتي/ لن تموت . فليست له بعد، حرية / ليدافع عنها/ ولا أفق لحمامة بابلو/ بيكاسو وما زال يولد، ما زال/ يولد فى اسم يحمله لعنة الاسم، كم مرة سوف يولد من نفسه ولدا/ ناقصا بلداً ناقصا موعدا للطفولة؟/ أين سيحلم لو جاءه الحلم/ والأرض جرح.. ومعبد؟.. محمـــد،/ يرى موته قادماً لا محالة، لكنه / يتذكر فهداً رآه على شاشة التلفزيون،/ فهدا قويا يحاصر ظبيا رضيعا/ وحين دنا منه شم الحليب/ فلم يفترسه/ كان الحليب يروض وحش الفلاة/ اذن، سوف أنجو - يقول الصبى - / ويبكي، فإن حياتى هناك مخبأة/ فى خزانة أمي، سأنجو .. وأشهد .. محمـــد، ملاك فقير على قاب قوسين من / بندقية صياده البارد الدم/ من ساعة ترصد الكاميرا حركات الصبي/ الذى يتوحد فى ظله/ وجهه، كالضحى، واضح/ قلبه، مثل تفاحة،/ واضح/ وأصابعه العشر، كالشمع واضحة/ والندى فوق سرواله واضح../ كان فى وسع صياده أن يفكر فى الأمر/ ثانية، ويقول : سأتركه/ ريثما يتهجى/ فلسطينية دون ما خطأ.../ سوف أتركه الآن رهن ضميري/ وأقتله، فى غد، عندما يتمردا.. محمـــد،يسوع صغير ينام ويحلم فى قلب أيقونة / صنعت من نحاس/ ومن غصن زيتونة/ ومن روح شعب تجدد/ .. محمـــد، دم راد عن حاجة الأنبياء/ الى ما يريدون، فاصفد/ الى سدرة المنتهى/ يا محمـــد".

الشاعر العراقى الكبير مظفر النواب

"أنت المحال الذى لا يباع"

"أنت المحال الذى لا يُباعُ/

لمْ تكُنْ /تتقى /وابل المجرمينَ / بظهرٍ أبيك / ولكن ترص عزيمتهُ / لاختراق الرصاص / ورغم صُراخِك/ كم كان صوتُك عذباً / كأن جميع الطيور لقد ذُبحت، / وهى تشدو /وبين الرصاص / لمحتُ حذاءك / كان صغيراً.. / ولكنه / حتفهم لا مناص / وغطى دمُ الوطن العربى قميصك / كل الرصاص يوجه للوطن العربي! / وما زالَ لم يفهم الأغبياءُ / بأن الرصاص طريقُ الخلاص!! / محمدُ! / قد كشفت قمة العُهر / عن كل عوراتها / خطبُ الذل باعت دماءك! / كلا... / فأنت المحالُ الذى لا يُباعُ / وأنت الترابُ الذى لا يُباعُ / وأنت السماءُ / وأنت القصاص"

"أفضحهم"

"لا تقهر انتفاضتي/ وموقعي/ فى موقعي/ ولا أزاح/ جهنم الحمراء/ ملك قبضتي/ أوجّه الزمان/ مثلما توجّه السفائن , الرياح/ أقتلع المحتّل/ والمختّل بالتطبيع/ والذين مارسوا الخنا/ إن علنا/ او خفية/ او بين وبين!!!/ هذا حجرى يوشك بالصياح/ أفضحهم./ قد غسلوا وجههم ببولهم/ بولوا عليهم./ علّهم يصحون من غبائهم/ ولست مازحا/ ارادة الشعوب تكره المزاح/ قد أذّن الدم الزكى :/ أن " محمد الدرة " من يؤمكم/ فيا رجال !/ يا رجال !/ وحدوا الصفوف خلفه/ حى على السلاح/ جئت من التاريخ كلّه/ وجاء من فراغه العدّو/ شاهرا فراغه/ وعقمه./ شهرت بندقيتى الشّماء للكفاح/ لا تقهر انتفاضتي/ وموقعى أدوس أنف من يشك/ أنّ بندقيتي/ تلقح الزمان/ أشرف اللقاح"

الشاعر المصرى عبد العزيز جويدة

"مُحمَّد الدُّرَّة"

"للقدسِ رائحةُ الترابِ/ إذا احترَقْ/ ولِكلِّ طِفلٍ ـ فى يديهِ حجارةٌ ـ/ حجَرٌ سيقذِفُهُ ../ وآخرُ/ من يدينِ صغيرتينِ/ سينزَلِقْ/ وقتَ انحِناءِ الطفلِ/ يلتقِطُ الحجرْ/ صوتُ الرَّصاصِ يفوحُ/ بالموتِ المُباغِتِ/ تخرُجُ الروحُ البريئةُ/ مثلَ ضوءٍ قد بَرَقْ/ يا معشَرَ الشُهداءِ/ لا تتوقفوا/ إنْ لم تموتوا ../ لن نعيشْ ../ حتى نرى وطنًا يلوحُ من الأُفُقْ؟/ هو ذا الصغيرُ/ الآنَ يُبلِغُكم جميعًا أنَّهُ/ فى الصُّبحِ لن يأتى لمدرستِهْ/ هو ذا الصغيرُ الآنَ يعتذِرُ/ هو لن يُصافحَكُمْ،/ ولن يجلسْ../ بمجلِسِكمْ/ ليسألَهُ مُدرِّسُهُ :/ فهمتَ الدرسْ ؟/ يجيبُ مُحمدُ الدُّرَّة : نعَمْ .. أُستاذْ/ وعندَ خُروجِهِ المُعتادِ للبيتِ/ يُفكِّرُ سائلاً نفسَهْ/ لماذا دونَ خلْقِ اللهِ/ لمْ نعرفْ لنا وطنًا/ ولا علَمًا/ وكلُّ هُوِيَّةٍ فينا/ يُدَوَّنُ فوقَها ../ "لاجئْ" / لماذا دونَ خلقِ اللهْ/ بيوتُ الناسِ عاليةٌ/ ونُدفَنُ نحنُ ../ فى ملجأْ ؟/ لماذا دونَ خلقِِ اللهِ/ لم تسكُنْ مدائنَنَا عصافيرٌ/ تُزقْزِقُ فوقَ شبَّاكى ؟/ وكلُّ نسائمٍ تأتي/ يُفتِّشُها الغُزاةُ الصُّفرُ/ قبلَ دخولِها أرضي/ فتختَبِئُ ../ تُخوِّفُها بنادقُهمْ/ تخافُ السُترَةَ الكاكي/ فيبتسِمُ الصِغارُ السُّمرُ فى ضَجَرٍ/ لصوتِ مُحمدِ الباكي/ ويفْتَرشونَ فى مَللٍ حقائبَهُمْ/ وفوقَ تُرابِ أرضِهُمُ/ يَمُدُّ مُحمدٌ يدَهُ/ ليأخذَ حِفنةً منها/ ويصرُخُ فى فضاءِ الكونِ : يا أرضي/ أنا لا شيءَ لولاكِ/ ويرسُمُ فى الفضا علمًا ويرفعُهُ/ "يُؤديهِ تحيتَهُ"/ ويفعلُ مثلَهُ الأطفالُ/ يبتَهِلونَ يا قُدسُ/ عيونُ اللهِ ترعاكِ/ فمُدّى لى يديكِ الآنَ/ يا قدسُ/ فواحدةٌ أُقبِّلُها ،/ وفى الأخرى/ ُكَفّنُ وجهَ قتلاكِ/ لأنَّ مُحمّدَ الدُّرَّة/ لهُ عينانِ يسكُنُ فيهما وطني/ لهُ شَفتانِ لونُهما بلونِ القدسْ/ ورأسٌ دائمًا مرفوعْ/ يُشابِهُ قُبَّةَ الأقصى/ إذا اهتَزَّتْ لِصوتِ مؤَذِّنٍ للفجرِ/ صدَّاحٍ/ تئنُّ حجارةُ الأقصى بكلِّ خُشوعْ/ هُنا المَسْرى/ هُنا "طهَ" تَعانَقَ نورُهُ الأبدى فى يومٍ/ بِنورِ "يسوعْ"/ قليلٌ كلُّ هذا الدّمِّ يا قدسُ/ ليبقى صوتُ قُرآنِكْ/ وقُدَّاسِكْ ../ هنا مسموعْ/ بَكتْ "مرْيَمْ"/ بَكتْ فى الليلِ نخلَتُها/ فهزَّتها ../ تساقطْ ../ وجهُ قتلانا/ وقالوا : قتْلُنا مشروعْ/ لأنَّ مُحمدَ الدّرّة/ تراءى لي/ وحدَّثَنى من الجنَّةْ/ ثيابٌ سُندُسٌ خُضرٌ/ ونهرُ دموعْ/ وقالَ : اللهُ واساهُ ،/ وطمأنَ قلبهُ المفجوعْ/ بأنَّ الأرضَ عائدةٌ/ وأنَّ المسجدَ الأقصى/ سندخلُهُ/ وخلفَ جدارِهِ نسمعْ/ فحيحًا .. /إنها الأفعى/ تئنُّ ورأسُها مقطوعْ/ أنا آتٍ إليكِ أيا فَلسطينُ/ وصدرى للرصاصِ الحى مفتوحٌ/ بغيرِ دُروعْ/ فإنْ مِتُّ .. / شهيدًا أفتدى قُدسي/ وإن عُدتُ ../ أعودُ ورأسُنا مرفوعْ/ يظلُّ محمدُ الدرة/ شُهودَ عِيانْ/ على زَمنٍ من التقتيلِ والتَّنكيلِ/ والطُّغيانْ/ سيبقى وَصْمَةَ العارِ/ التى حلَّتْ على العالمْ/ ولن تُمحى بأى زمانْ/ لأنَّ مُحمدَ الدُّرَّة/ هو الوطنُ/ هو القُدسُ/ هو الأرض/ هو العِرضُ/ فكيفَ لنا تركناهُ/ تجرَّعَ وحدَهُ الجُرحَ ،/ وهدَّتْ أمَّهُ الأحزانْ ؟/ يُطلُّ مُحمدُ الدُّرَّة/ بوجهٍ كالنبيينَ/ نوارى وجهَنا منهُ/ فأى هَوانْ !/ ويصرُخُ فى ضمائِرِنا ../ هُنا بُركانْ :/ أغيثونى أنا إنسانْ/ أغيثونى أنا إنسانْ/ سلاماتٍ سلاماتٍ/ إلى المفجوعَةِ الثَّكْلى/ تُقَبِّلُ أوجُهَ القَتلى/ لأنَّ القُدسَ غاليةٌ/ بذلنا روحَنا الأغلى/ بذلنا الذَّاتْ/ سلاماتٍ إلى أرضٍ ،/ إلى شعبٍ ../ يُقدِّمُ عُمرَهُ مَهرًا/ ليرفعَ رايةً حُرةْ/ سلاماتٍ لكلِّ حِجارةٍ سَقطتْ/ وكلِّ قذيفةٍ عَبرتْ/ لتفتحَ فى جِدارِ الليلِ/ نحوَ شموسِنا ثَغرَة/ ولن نهدأْ ،/ ولن نعبأْ ../ بتهديدٍ لنا ووعيدْ/ فأهلاً يا سنينَ الحنظلِ الآتي/ نعمْ أهلاً ../ بكلِّ حياتِنا المُرَّةْ/ فإنَّا لا نهابُ الموتَ بالمَرَّةْ/ فليسَ الموتُ فى العُمرِ ../سوى مَرَّةْ/ سنزرعُ أرضنا حَجَرًا/ نُحَرِّرُها/ وإنْ عادتْ فُلُولُ الشَّرِّ فى يومٍ/ نُعيدُ عليهِمُ الكَرَّة/ سنزرعُ أرضَنا شُهداءْ/ لتطرحَ دائِمًا وطنًا/ بِلونِ مُحَمَّدِ الدُّرَّةْ"

الشاعر الفلسطينى عبد الوهاب زاهدة

"وصية محمد الدّرة"

"هو مشهدْ/ لمحمدْ/ كل يومٍ يتجدد/ كان زهره/ ساطعا يشبهُ درّه/ فى صرير الريحِ يهوي/ مثلَ قنديلٍ بمعبد/ يتمدد/ يتشّهد/ يسألُ الكونَ ليشهد/ أن هولاكو .. تنمرد/ خردقوهُ .. بالرصاص / مزّقوهُ .. لا مناص/ إنّه وقتُ الخلاص/ فتلوى .. وتلوى/ عجباً منهُ .. تروّى/ موصياً .. قولوا لماما/ أن بابا/ صدّ عنى بالضلوع/ والدموع/ قد تشبثتُ يا ماما/ أتحامى/ إنما كانّ هناك/ دراكولا وباراك/ قطّعوني/ ذبحوني/ حقدهم كالفحم أسود/ وأنا .. واللهُ نشهد/ وغفا من فوقِ أحضانِ أبيه/ والدما .. سيلٌ وأنهارٌ .. بفيه... المدى يعلنُ موتَه/ والصدى يُرجِعُ صوتَهْ/ أينَ أمي/ هى حبي/ ليتها اليومَ بقربي/ كى ترانى أتشهد/ أسألُ الكونَ ليشهد/ دراكولا قد تجدد"

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: محمد الدرة الاحتلال الاسرائيلي الأراضى الفلسطينية الجنود الإسرائيليين القدس الشريف الذى لا ی محمد الد

إقرأ أيضاً:

الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب

” يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك
فى إي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
فى وجودى أحبك وغيابي
ياحليلك ويا حليل أيامك ”
ويا حليل ، تلك الغنائية الممتلئة بنغم الشجن المضئ ، الذي أودي بالمطرب الفنان ” سيد خليفة ” ملتقط الفرائد من النصوص الغنائية ، فأسكرته حتى جعل منها منبعا من منابع الإنتماء الوطني الخالص من عصبيات الإيدولوجيات المقيتة الخانقة للبراءة .
ترى أي شاعر من الشعراء إستطاع أن يولد من جوانيته تلك المعاني الباذخة في الحنين إلى الوطن ؟
قطعا لغير العارفين قد يترائى إليهم أنها لشاعر سوداني !
لا والله .
بل هي لشاعر مصري أصيل ، اسمه إبراهيم رجب ، صدق القول ، وأحسن الوصف فبهر .
عاش إبراهيم رجب في الخرطوم سنوات من عمره ،
مدرسا ضمن هيئة المدرسيين التابعين للبعثة المصرية التعليمية في السودان أوان ذاك .
مصر المعرفة والحب ، علاقة السوداني بها كعلاقة الروائي الطيب صالح الذي قال :
” علاقتي بمصر ، وعلاقتي بالقاهرة بالذات ، ولا تزال كغيري من السودانيين علاقة تستند إلى الأزمنة التي تختزلها ، وإلى قياس الإمتدادات التي مثلتها وتمثلها بالنسبة إلى كل الأقطار العربية الأخرى ”
وهل غير النبلاء ” المشاؤون على صراط الجمال ”
من يقدرون على الوفاء ؟
وأي شاعر رائع من غير أبناء النيل يمكن أن يقول عن الخرطوم :
( كانت أيام يا وطني
زى الأحلام يا وطني
بتذكر فيك عهد صبايا
على شاطئ النيل
حبيبى جالس حدايا
أسمر وجميل
انا بفخر بيك يا وطني
بالروح افديك يا وطني )
فكيف انتمي إبراهيم رجب إلى الخرطوم ، ليصفها بوله يشبه وله التجاني يوسف بشير الذي قال في حبها :
” ضفافُها السحريّة المورقة
يخفق قلبُ النيلِ في صدرها
تحسبها أغنيةً مطرقة نَغّمها الحسنُ على نهرها ” ..
أن ينتمي المرء إلى هذا الوطن البعيد المنال – كما جاء في تعبير الطيب صالح – ذلك أمر عسير :
” أن تكون سمعت زغاريد النساء في الأعراس ،
ورأيت انعكاسات الضوء على وجه النيل وقت الشروق ووقت الغروب .
أن تتذكر تمر القنديل أول الموسم ،
ولبن البقر الغريض ، ورغوته ، معقودة عليه في الحلابات ، ذلك أمر عسير ) .
سادتي !!
وهل وقف حب شاعر غير سوداني للخرطوم عند إبراهيم رجب فقط !
لا ابدا والله !
وإليك يا قارئي أبيات من قصيدة أخرى للشاعر العماني ” علي بن سهيل حاردان – رحمه الله وغفر له – وهو شاعر لا يعرفه غالب الجمهور من السودانيين . إلا أنه شاعر كبير في عمان ، وصوت شاهق من أصوات الحركة الثقافية في موطنه .
قال عن سيرته الذاتية :
” سيرتي مكتوبة على جدران قلبي ،
من أراد أن يعرفها فليقرأ جدران قلبي بتمعن .
حزبي هو انتمائي إلى خير أمة .
وشعاري من أراد أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” ..
وقال في قريض خاص عن الخرطوم :
” سمراء أدري هواك كان مشكلتي
وكان أسري ولكن كان منطلقي
وكان خارطتي طرا وأشرعتي
منجى من التيه والذوبان والغرق
وكان بأسي ذا المزروع في جسدي
حقلا من الصبر بل نهرا من الدفق
حتى توحدت بالنيلين مثلهما
غسلت أقدامك الطهراء بالعرق
أنا ونيلاك ، والعشاق ما تعبوا
سعيا إلى الوصل ، خضنا كل مفترق ”
هكذا يركض على بن سهيل من عمان إلى الخرطوم ، والزمن فرس رهان لا يزل له قدم حتى يبلغ نهاية الشوط ويناجي :
” كوني كما أنت يا سمراء أنّ لك
عمرا نغذيّه بالأعمار فانطلقي
زيدي احتراقاتنا احتلي الصّبا أبدا
زيدي احتراقاتنا نزداَد في الألق
نزداد كبرا إذا أشرقت سافرة
زهوا بقاماتنا هزءا بمرتزق
طالي السّماء بنا في كل مئذنة
في كل أغنية في كل معتنق ”
ابن سهيل الشاعر الشاعر العماني كأني به هنا في صورة البروفيسور عبد الله الطيب :
” وحيا الله بالخرطوم روضاً
بحيث تعانق النيلان نيلا
يميناً إن بين شعاب قلبي
لعبئاً من فراقكم ثقيلاً ”
وشهادات شعراء العرب عن الخرطوم تترى ، ليبرز الشاعر السوري الكبير نزار قباني ، بل يقر ويعترف أنه ما تعرّف على شعره ، والنيل إلا في الخرطوم فيقول :
” نصف مجدي محفور على منبر لويس هول والشابل في الجامعة الأمريكيّة في بيروت ، والنصف الآخر مُعلق على أشجار النخيل في بغداد ، ومنقوش على مياه النيلَين الأزرق والأبيض في الخرطوم ، طبعًا هناك مدن عربيّة أخرى تحتفي بالشعر وتلوح له بالمناديل ، لكن بيروت وبغداد والخرطوم تتنفس الشعر وتلبسه وتتكحّل به ، إن قراءتي الشعريّة في السودان كانت حفلة ألعاب ناريّة على أرض من الرماد الساخن ” ..
ويقرأ نزار قباني خيرية السودان ويقول مستدراكا :
” في ” دار الثقافة ” في أرض أم درمان ، كان السودانيون يجلسون كالعصافير على غصون الشجر ، وسطوح المنازل ، ويضيئون الليل بجلابياتهم البيضاء ، وعيونهم التي تختزن كل طفولة الدنيا وطيبتها ، هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء خرافي ، شيء لم يحدث في الحلم ولا في الأساطير ، شيء يشرّفني ويُسعدني ويبكيني ، أنا أبكي دائمًا حين يتحوّل الشعر إلى معبد والناس إلى مُصلين ، أبكي دائمًا حين لا يجد الناس مكانًا يجلسون فيه، فيجلسون على أهداب عيوني ، أبكي دائمًا حين تختلط حدودي بحدود الناس ، فلا أكاد أعرف من منا الشاعر ومن منا المُستمع ، أبكي دائمًا حين يصبح الناس جزءًا من أوراقي ، جزءًا من صوتي ، جزءًا من ثيابي ، أبكي لأن مدينة عربيّة، مدينة واحدة على الأقل لا تزال بخير ، والسودان بألف خير ، لأنه يفتح للشعر ذراعَيه ، كما تفتح شجرة التين الكبيرة ذراعَيها لأفواج العصافير الربيعيّة المولد ”
ويضيف نزار قباني قائلا :
” لم أكن أعرف – قبل أن أزور السودان – أي طاقة على السفر والرحيل تملك الكلمات ، ولم أكن أتصوّر قدرتها الهائلة على الحركة والتوالد والإخصاب ، لم أكن أتخيل أن كلمة تكتب بالقلم الرصاص على ورقة منسية قادرة على تنوير مدينة بأكملها ، على تطريزها بالأخضر والأحمر ، وتغطية سمائها بالعصافير .
أشعر بالزهو والكبرياء حين أرى حروفي التي نثرتها في الريح قبل عشرين عامًا تورق وتُزهر على ضفاف النيلَين الأزرق والأبيض.
هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء لا يصدّق ”
تلك هي الخرطوم بعيون نزار قباني .. هي مفترعة ” اللاءات الثلاثة ” في تاريخ الحركة السياسية العربية في مناصرتها للرئيس جمال عبدالناصر سنوات انتكاسته .
كما هي أكثر عواصم أوطان الشعوب المسلمة إصغاء لدقات قلب الأمة ، شدت في أفراح بلدانهم وبكت في أحزانهم ، وغضبت في غضباتهم .
وحسبنا حديثا عن ذلك المعنى ، مقال قديم للبروفيسور علي المك إذ قال :
” الخرطوم بين قريناتها كواسطة العقد وكحسناء الحي كل يشتهي وصلها و” كل يدعي وصلا بليلى” ..
لا السامبا ولا الرمبا تساويها
لا التانغو ولا سوينغو يدانيها
ولا طبل لدى العربان يوم الثار ولا رقص الهنود الحمر حول النار .
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بما فيها ، تساوي رقصة الخرطوم يوم النصر يا سمرا .
ولا هذى ولا تلك
ولا الدنيا بما فيها
تساوى ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا ” ..
وعن روافد تكوين الخرطوم ومغذياتها في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي ..
قال ” علي المك ” :
” كانت الخرطوم أم المدائن ، بل وعروسها ، تعلمها جامعة الخرطوم والمؤتمر ووادي سيدنا ومحمد حسين والأهلية ..
ويشنف آذانها بذكر الله صديق أحمد حمدون وعوض عمر وعبدالله الطيب ويزلزل منابرها الشريف الهندي والفضلي ونقد الله وعبد الخالق والترابي ” ..
هذه هي الخرطوم يعيدها الجيش إلى أهلها مرفوعة الرأس لعناق ” الأزرق للأبيض ” …
وأخيرًا الخرطوم للجميع.. لجميعِ السودانيين إلا الجنجويدي المغولي اللقيط الذي اتاها غازيًا .
فلن تكون الخرطوم للجنجويد ،
الخرطوم لعشاقها ،
ولن تكون للمسخرين لخرابها .
الخرطوم هي صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب .
د. فضل الله أحمد عبدالله
أم درمان ” حي الواحة ” 31 مارس 2025م
#معركة_الكرامة
#كتابات_سودانية

الدكتور فضل الله أحمد عبدالله

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • السيد القائد يكشف مصدر الغارات ويدعو العرب للكف عن اليمن في مواجهة العدوان
  • التغريبة الغزاوية.. تجويع وتهجير وإبادة لم تلامس نخوة العرب
  • كواليس ليلة دايم السيف: محمد عبده يتألق برفقة نجوم الطرب.. فيديو
  • صرخة من والد الشهيد محمد الدرة على الوضع في غزة: سامحونا نحن تحت القصف
  • الشيخ محمد أبو بكر يشكر وزير الأوقاف لنقله لمسجد الفتح
  • تحالف بحري يعلن مصادرة شحنة مخدرات في بحر العرب
  • حبس سيدة 4 أيام لحيازتها مواد مخدرة قبل ترويجها في الإسكندرية
  • الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
  • محمد طاهر أنعم: في وقت الحرب لا ينفع العمل السياسي
  • رصد اقتران القمر مع عنقود الثريا بسماء رفحاء