تقرير من إعداد نادين إبراهيم، ضمن نشرة الشرق الأوسط البريدية من CNN. للاشتراك في النشرة (اضغط هنا)

(CNN)-- بعد مرور ما يقرب من 5 أشهر منذ أن مدت الدول العربية غصن الزيتون للرئيس السوري بشار الأسد، هناك دلائل تشير إلى أن بعض مهندسي المبادرة الرئيسيين يشككون بشكل متزايد بشأن التزامه بالاتفاق.

قال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي هذا الأسبوع إن تهريب مادة الكبتاغون المسببة للإدمان من سوريا إلى الأردن ازداد بعد محادثات التطبيع التي أدت إلى عودة الأسد إلى الجامعة العربية في مايو.

طُردت سوريا من جامعة الدول العربية في العام 2011، في أعقاب حملة قمع وحشية شنها النظام على قوى المعارضة التي سعت إلى الإطاحة بالأسد.

وكان الأردن أحد أكبر المؤيدين لإعادة تأهيله، كونه أحد الضحايا الرئيسيين لتجارة المخدرات في سوريا، لكنه يشعر الآن أن النظام إما غير راغب أو غير قادر على قمع هذه التجارة.

ونقل موقع "المونيتور" عن الملك قوله الأسبوع الماضي: "يقاتل الأردن على الحدود للتأكد من عدم دخول المخدرات إلى البلاد. بشار (الأسد) لا يريد صراعًا مع الأردن... لا أعرف إذا كان يسيطر على الأمور بشكل كامل."

كانت أحد المطالب الرئيسية للدول العربية من سوريا مقابل إعادة تأهيلها أن يساعد الأسد في قمع تجارة الكبتاغون. ويُعتقد أن الغالبية العظمى من الإمدادات العالمية في صناعة الكبتاغون البالغة قيمتها 57 مليار دولار تأتي من سوريا، حيث تكون الدول المجاورة ومنطقة الخليج وجهتها الرئيسية.

لقد حولت هذه التجارة سوريا إلى دولة مخدرات سمحت لنظام الأسد بتجديد خزائنه بعد سنوات من الحرب والعقوبات ومنحته نفوذاً هائلاً على جيرانه، وكان ذلك مسؤولاً جزئياً عن جلبهم إلى طاولة المفاوضات مع الأسد.

وفي علامة أخرى محتملة على الاستياء العربي من الأسد، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط المملوكة للسعودية هذا الشهر أن اللجنة الوزارية العربية المكلفة بالإشراف على التطبيع العربي السوري جمدت اجتماعاتها مع دمشق بسبب عدم استجابتها لخارطة الطريق المرسومة لتطبيع العلاقات العربية السورية.

في حين نفى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي هذه التقارير. وقال زكي لشبكة CNN يوم الجمعة: "إنها غير صحيحة."

وقال إميل حكيم، مدير الأمن الإقليمي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في لندن، إنه ليس من المستغرب أن تصل جهود إعادة ادماج سوريا إلى طريق مسدود.

وقال حكيم لشبكة CNN: "لم يتم إنجاز أي شيء جوهري بينما حقق الأسد نصراً رمزياً"، مضيفاً أنه من الصعب أن نرى كيف "يمكن التراجع عن قرار مايو وكيف يمكن استخدام العصا لإجبار سوريا على الامتثال."

وفي مقابلة مع سكاي نيوز عربية الشهر الماضي، بدا الرئيس السوري واثقًا وأشار إلى أنه ليس في عجلة من أمره للتصالح مع الجيران حتى يتغيروا. وألقى باللوم في عدم إحراز تقدم في التطبيع مع الدول العربية على عدم كفاءة السياسة العربية. وقال إن العرب يجيدون "النظريات" وليس "التطبيق".

وقال الأسد إن تهريب المخدرات يتفاقم مع الحرب، وبالتالي فإن مسؤولية مشكلة الكبتاغون في سوريا تقع على عاتق "الدول التي ساهمت في الفوضى في سوريا، وليس الدولة السورية". وأضاف أن سوريا، وليس جيرانها العرب، هي التي اقترحت حل أزمة المخدرات لأن ذلك "يحقق منفعة متبادلة".

خبراء يقولون إن عملية إعادة تأهيل سوريا كانت معيبة.

وقال إتش إيه هيللير، الباحث في مركز كارنيغي للسلام الدولي: "المشكلة هي أنه لا توجد في الواقع آلية للمساءلة فيما يتعلق بمبادرة التطبيع."

وقال هيللير لشبكة CNN: "إذا تجاهل الأسد ببساطة مطالب الدول العربية، حتى لو أشار في الأصل إلى أنه سيأخذها على محمل الجد، فلن تكون هناك إجراءات لمعاقبته على أي انتهاكات.

ازدهار تجارة الكبتاغون

ويقول الأردن إن تجارة الكبتاغون تزدهر، حيث يستخدم المهربون تكنولوجيا متقدمة بشكل متزايد لتهريب الأمفيتامين من سوريا إلى البلدان المجاورة.

وقال وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي: "لقد وعد السوريون بالعمل معنا على مواجهة هذا التحدي، لكن الوضع على الأرض لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا. نشهد زيادة في عدد العمليات وبناء على ذلك نقوم بما يتعين علينا القيام به."

ووصف الصفدي تجارة الكبتاغون بأنها "عملية منظمة للغاية، حيث يتمكن تجار المخدرات من الوصول إلى تكنولوجيا متقدمة للغاية" بما فيها الطائرات بدون طيار والرؤية الليلية. وقال الصفدي إنه مقابل كل عمليتي ضبط أو ثلاثة، يمر اثنان أو ثلاثة آخرون عبر الحدود.

ويرى الأردن، الذي يشترك في حدود طولها 378 كيلومتراً مع سوريا، أن عدم الاستقرار مع جارته يضر بأمنه القومي.

تقوم دول الخليج والأردن بشكل روتيني بالإبلاغ عن عمليات ضبط المخدرات، حيث يتم العثور على كميات هائلة من المخدرات في كل شيء بدءًا من ألواح البناء وحتى شحنات البقلاوة.

وقالت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الشهر إنها أحبطت محاولة لتهريب 13 طنا من الكبتاغون -تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار- مخبأة في شحنة من الأبواب وألواح البناء المزخرفة. وتقوم القوات المسلحة الأردنية بشكل روتيني بإسقاط طائرات بدون طيار تحلق من سوريا وتحمل الأمفيتامينات.

ويقول الخبراء إن طرفي اتفاق التطبيع العربي السوري يفشلان في تلبية توقعات بعضهما البعض. ربما لم يجد الأسد حافزًا قويًا بما يكفي للتخلي عن تجارة المخدرات المربحة. وما يريده قد يكون من الصعب تحقيقه.

وقال حكيم: "ما أراده الأسد دائمًا لم يكن شيئًا يمكن أن تقدمه أو ستقدمه الدول العربية: دعم سياسي غير مشروط، ومساعدات مالية ضخمة، فضلاً عن الضغط العربي لرفع العقوبات الغربية."

وقد تجد الدول العربية نفسها الآن محاصرة في الزاوية.

وقال حكيم إن "هامش مناورتهم محدود،" وأضاف أن الإكراه المباشر والواضح غير مطروح على الطاولة، والعديد من الدول لا تهتم بما يكفي لبذل الجهد ورأس المال السياسي في سوريا"، مشيرًا إلى أن سياسة الأسد العنيدة قد تؤدي "ببعض الدول إلى الاستسلام ببساطة".

الأردنسورياالمخدراتبشار الأسددول الخليجنشر السبت، 30 سبتمبر / ايلول 2023تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتكوبونز CNN بالعربيةCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2023 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: المخدرات بشار الأسد دول الخليج الدول العربیة سوریا إلى من سوریا فی سوریا إلى أن

إقرأ أيضاً:

خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي

الكتاب: خمسون خريفًا على سوريا... بين حركات عسكرية وتدخلات دولية (1949 - 1999)
الكاتب: محمد عبد الرحمن عريف
الناشر: دار نشر: مرايا- الإمارات، 2025م.


عاشت المنطقة العربية بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي قدر من التفاعلات الداخلية التي لا يمكن إغفالها عن وقائع الأحداث التاريخية التي عرفتها، وهي تتوافق في البلدان النامية كافة مع انتشار الحركات القومية ومساعي أتباع الملكية للبقاء في السلطة، مقابل إصرار التيارات الحزبية اليسارية واليمينية على حد سواء، في الاستيلاء على سدة الحكم والإمساك بها عبر شتى السبل، بما في ذلك اللجوء إلى الكفاح المسلح الذي كان استثناء في المنطقة، مقابل القاعدة العامة وهي الاستعانة بوحدات الجيوش النظامية الحديثة وقادتها لبلوغ طموحاتها في الحكم.

غلب الطابع العسكري على غالبية الحركات التي شهدتها المنطقة، بل يمكن القول إن الانقلابات السياسية أيضًا كانت غالبًا ما تفرز حكمًا يكتسب شرعيته من رجال الجيش الذين عادة ما ينضمون إلى النظام الجديد فيحتلون مراتب وزارية كما فعل حافظ الأسد حين تولى حقيبة وزارة الدفاع إثر الإطاحة بأمين الحافظ عام 1966م، فبدّل بزّته العسكرية بأخرى مدنية حتى أصبح رئيسًا للدولة إثر احتدام الصراعات على السلطة بين البعثيين أنفسهم. وهذا هو حال أحمد حسن البكر وصدام حسين الذي أجبره لاحقًا على الاستقالة، كذلك حال البقية الباقية من الانقلابيين العرب وصولًا إلى آخر انقلاب عرفه العرب مع نهاية القرن العشرين.

شهدت معظم الدول العربية الحديثة مجموعة متغيّرات مأساوية لأنظمة الحكم فيها خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية عند وقوع أول انقلاب في العالم العربي بسورية عام 1949 م من رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم، فما لبث أن تبعه الجيش العراقي فأنهى حكم الهاشميين في انقلاب قاده عبد الكريم قاسم عام 1958، لتتوالى الانقلابات التي وُصف بعضها بالأبيض والآخر بالأسود والدموي، ولكن الثابت فيها أن الجيش كان في الغالب محور التغير.

لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.أشار عريف في دراسته إلى أن أغلب مشاهد الانقلابات التي تكررت في بلدان العالم، قد شهدت ظاهرة اتهام دول عربية وإقليمية أخرى في الإعداد لها أو التآمر مع الانقلابيين أو ضدهم حسب التحالفات الإقليمية المطلوبة، هذا ما شوهد في أدوار لعبتها مصر والسعودية والعراق في بعض منها، فيدفعنا ذلك لاعتبار المشهد الإقليمي في بعض الانقلابات من العناوين الرئيسية للانقلابات، فعلى المستوى السوري ورد في الوثائق المتعلقة بانقلاب سامي الحنّاوي في سوريا عام 1949، المتمثل في علاقة العراق بالانقلابيين، وارتباطه بفكرة الكونفدرالية التي كان ينادي بها الهاشميون في بغداد، وما إلى هنالك من مخاوف وأطماع توسعية إقليمية مشابهة وقفت وراء الكثير مما عرفته المنطقة من انقلابات.

لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.

يضيف الكاتب: "جاءت الانقلابات العسكرية والسياسية بأشكال وأعذار مختلفة. وتحوّل الانقلابيون فيها إلى زعماء أقاموا هيئات ومجالس عينوا أنفسهم قادة عليها وعملوا من خلالها على تحويل مجريات الأحداث السياسية في البلاد، بعد أن منحوا أنفسهم الحق المطلق في امتلاك الرأي السديد في توجيه البلاد وتحديد مستقبلها".

الحقيقة التي يقرها الكاتب هنا أن الحركات العسكرية ليست حدثًا عفويًا أو ردود أفعال وقتية، بل هي مخططات مرسومة من إجهاض إيمان الشعوب في أن خلاصهم السياسي في استكمال مسيرتهم نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، من خلال فرض وصاية غير شرعية بنكهة عسكرية على الإرادة الشعبية. فـ(البرجماتية العسكرية) هي التي تبرر هذا الوثوب اللا أخلاقي على إرادة الشعوب، ومصادرة اختياراتها، وهي شارع طويل المدى، شاحح الملامح، صامت المعاني، أصم المنافذ لا مداخل فيه ولا مخارج، ولا مجال فيه للبحث والتفكير والالتفات، لكن دائمًا وأبدًا تنظر للأمام حتى لو على حساب سحق الشعوب، وقتل اختياراتها.

تحدث الكاتب عن الانقلابات العربية بقوله: "قد يكون خطط البعض كي تبقى المنطقة ساحة تناحر وتطاحن، لإقامة توازنات إقليمية جديدة في حينها، حدث تغير لمعالم المنطقة من جديد بعد 1948، مع تواجد الكيان الإسرائيلي، وهنا خطط البعض لوأد أي تغيير عن طريق أزمات اقتصادية، وتطاحن (إثني وقبائلي وطائفي)، وصناعة (الصراع المذهبي) في بعض دول المنطقة، وقد يكون بالتدخل المباشر أو عن طريق مندوبين، على أن يتم تتويج ذلك بسيناريوهات الحركات العسكرية".

عندما عانى حافظ الأسد من مشاكل قلبية في عام 1983م، قام بتشكيل لجنة من ستة أعضاء لإدارة البلاد، ولم يكن اسم شقيقه رفعت الأسد مدرجًا على القائمة، في حين أن يتألف من أنصار حافظ الأسد المقربين من المسلمين السنة، بدأ عدد الضباط ذوي الرتب العالية بالالتفاف حول رفعت الأسد، حاولت قوات رفعت الأسد فرض السيطرة على دمشق، بمحاولة واضحة لخلافة شقيقه حافظ، كانت التوترات بين القوات الموالية لرفعت الأسد والقوات الموالية لحافظ الأسد شديدة، ولكن بحلول شهر سبتمبر/أيلول عام 1984 كان حافظ الأسد قد تعافى وتولى السلطة، عندها احتشد معظم الضباط حوله، وأصبح رفعت الأسد نائباً للرئيس بالإضافة إلى المسؤولية عن الشؤون الأمنية، فيما بعد أُرسل رفعت الأسد إلى الخارج في زيارة عمل مفتوحة حيث تم تطهير الجيش السوري وحزب البعث من مؤيدي رفعت الأسد الذين لم يثبتوا ولائهم لحافظ الأسد، فيما بعد بقي رفعت الأسد في المنفى ما بين فرنسا وإسبانيا، وبقي محتفظاً بلقب نائب الرئيس حتى عام 1998، عندما تم تجريده من اللقب.

بدأ الترويج لوارثة بشار الأسد السلطة، بتسليمه ملفات مهمة، مثل ملف لبنان، وتدخله في العديد من القضايا الداخلية، بالرغم من أنه لم يكن يشغل أي موقع وظيفي رسمي في الدولة، وهذا ينطبق على طبيعة الأنظمة الملكية، وليس الجمهورية الدستورية. يقول الكاتب:" كانت غاية تدخله في بعض الملفات الداخلية هي إظهاره كرجل تغيير وإصلاح، طالما انتظره السوريون كي يكون أملًا لهم، وأطلقوا تعبير: “باسل المَثَلْ وبشار الأمَلْ”. وشمل بشار باهتمامه قضايا الإدارة والاقتصاد، ووجد من قدّم له فكرة “الإدارة بالأهداف”، وهي أحد مناهج الإدارة التي تهدف إلى تحسين أداء الشركة، عبر وضع استراتيجية عامة لفترة زمنية محددة"، في عام 1999، فاز الأسد بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الذي جرى على تجديد ولايته الدستورية الرئاسية لسبع سنوات، وهو ذات العام 1999، الذي جرت حملة اعتقالات واسعة النطاق على يد قوات الأمن السورية لأنصار وأقارب رفعت الأسد. ومن ثم أغلقت العديد من مصالح رفعت الأسد.

من واقع طرح الكاتب لفصول هذه الدراسة هناك ثقافة متجذرة في المنطقة العربية هي ثقافة الحركات العسكرية، التي لها أعوان وأنصار وأولياء وخدم وعبيد لا يرون عزهم إلا في ركاب العسكر، ولا يتحقق سلطانهم وولايتهم إلا بفوهة البنادق ومن على ظهور الدبابات، ومن العراق شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن سوريا شمالًا إلى اليمن والصومال وجزر القمر جنوبًا، كانت الحركات العسكرية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وكانت لها كلمة الفصل في وأد تجارب الديمقراطية الوليدة في منطقة أريد لها دائمًا أن تظل أسيرة النظم السلطوية الشمولية، ومن وسط زخم كبير لتجارب الحركات العسكرية ركز الكاتب على سوريا، فكان لكل انقلاب عسكري فيها مذاق مختلف عن الآخر.

العريف ربط الحركات العسكرية في بعض الدول بالقضية الفلسطينية، وهذا ما وضع النهضة في طريق مسدود في بعض الأحيان؛ فإما الارتماء في حضن الدكتاتورية العسكرية، أو في حضن القومية السياسية. وهذا ما خلق التناقض بين القومية نفسها، بعد أن قامت النهضة على التفاعل بين هذين المفهومين طوال القرن التاسع عشر. حيث تقدم الكواكبي في بلاد الشام بصيغة الديمقراطية الدستورية، وإقامة الخلافة العربية على هذه القاعدة الديمقراطية، وفصل الدين عن السياسة، وإن أطبقت نظم الدكتاتوريات العسكرية “التقدمية” على العالم العربي.

تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيب، أما انقلاب الشيشكلي الثاني عام 1951 أدى إلى تسلّمه السلطة منفردًا حتى خلع بنتيجة احتجاجات 1953، تليها فترة ربيع الديمقراطية 1954-1958م، التي تميزت بسوء العلاقات مع تركيا، وتصاعد النفوذ الناصري الذي وصل ذروته بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام 1958 بضغط من ضباط الجيش، وهو نفسه وبنتيجة «أخطاء الوحدة» أعلن فك الارتباط معها بانقلاب عام 1961م.

كذلك عرض الكاتب الجمهورية الثانية، بداية بانقلاب 1963، عندما قامت فرق بعثية في الجيش بالانقلاب على الحكم في 8 مارس، وهو ما أدى إلى إلغاء الدستور، وحل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونفي غالب الطبقة السياسية إلى خارج البلاد، وتميزت السنوات اللاحقة بالصراع داخل أجنحة البعث المختلفة، ما أدى إلى انقلابين آخرين الأول هو انقلاب 1966م، الثاني هو الحركة التصحيحية عام 1970م التغييرية في الجمهورية العربية السورية، والخطة المحبوكة التي أوصلت وزير الدفاع حافظ الأسد إلى السلطة، وتخلل الانقلابين خسارة الجولان خلال حرب 1967، بينما أفضت حرب 1973 إلى استعادة أجزاءٍ منه أهمها القنيطرة. من ثم كرس دستور عام 1973م، نظام الحزب الواحد باعتبار البعث "قائدًا للدولة والمجتمع".

عانت سوريا من أزمة اقتصادية وكساد في الأسواق بين عامي 1985 - 1990. ومن ثم شاركت عام 1991م في مؤتمر مدريد الذي قبلت به بالسلام مع إسرائيل مقابل إعادة الجولان، إلا أنها لم تستكمل مفاوضاتها، كذلك أخذت تتجه تدريجيًا نحو التخلّي عن المبادئ الاشتراكية باتجاه السوق المفتوحة، وإن لم تطرأ تغييرات تذكر على نظام الحزب الواحد.

تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيبانتهجت الكثير من الدول العربية خطى مصر بعد عام 1952، مع تقديم الدعم والتأييد إلى تلك الحركات راغبة في نشر فكرها الاشتراكي وتكوين وحدة عربية قومية تستطيع أن تقوم دورًا هامًا في السياسة الدولية؛ إلا أن فتح ذلك الباب لتلك الحركات لم يغلق أبدًا، وتحول الأمر من رغبة في تقديم نموذجًا موحدًا إلى الرغبة في السلطة والاستئثار بها دون الآخرين، فأصبح الحكام العرب يتفردون بالسلطة ويقتلون الحياة السياسية وينتهكون حقوق الإنسان من أجل مصالحهم الشخصية، كما أن أحوال تلك الدول لم تتحسن أبدًا فيتذيَّل اقتصادها اقتصاد العالم، وأصبحت تابعة لسياسات الدول الكبرى التي تقدم لها الدعم الاقتصادي وانهكت ثرواتها، فالكل أدعي أنها ثورات من أجل الشعوب إلا أن الشعوب وحدها من دفعت ومازالت تدفع ثمن الحركات.

نعم هي الحركات العسكرية، أحد أفرع فلسفة (البرجماتية العسكرية) التي تحكم فكر معظم القيادات العسكرية المسيطرة على جيوش العالم الثالث عامة وجيوش محيطنا الإقليمي خاصة. فالانقلاب هو عملية عسكرية بحتة يقوم بها بعض المغامرين العسكريين في جيش تقليدي محترف، من أجل التدخل في مسار العملية السياسية، والتحكم في مقاليد السلطة لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى معينة، سواء داخلية أو خارجية؛ من أجل تأمين وضعية سياسية تجهض محاولات الخروج عن الخطوط المرسومة والنطاقات المحجوزة إقليميًا ودوليًا لهذا البلد، وتعيده مرة أخرى للسير على الدرب القديم والأطر المرسومة سلفًا، أو بعبارة أخرى العودة بالدولة لسياسات النخبة الموروثة.

ختم عريف دراسته بحقيقة راسخة لدى الجميع بأن الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بقناعتها بضرورة تدعيم نفوذها وحماية مصالحها البترولية في المنطقة فضلاً عن ضمان آمن ووجود "إسرائيل" أيدت تشكيل حلف بغداد عام 1955م، قد ضغطت على سوريا لحملها على الاشتراك فيه، مما أدى إلى تعكر العلاقات (السورية-الأمريكية)، وقد تفاقمت تلك العلاقات أكثر مع توقيع سوريا على صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفيتي الأمر الذي انطوى عليه تطور خطير –من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين –ومن ثم دفعهم ذلك إلى البحث عن السبل الناجعة بهدف منع سوريا من التوجه أكثر نحو الكتلة الشرقية، فالولايات المتحدة أيدت وساهمت بالاشتراك مع بريطانيا في بعض المحاولات الانقلابية التي لم يكتب لها النجاح، وتزامن ذلك مع فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وانحسار نفوذ بريطانيا وفرنسا، وعلى الرغم من علاقات التحالف الأمريكية – البريطانية التي تجسدت بعملية (ستراغل)، إلا أن تلك العلاقات كانت تتضمن بعداً تنافسياً تفاوتت حدته خلال تلك المرحلة، ومن ثم أدى إلى فشل تلك المحاولات.

مع زيادة الهموم العربية في أوقات المحن الكبرى والأزمات الضاغطة، كان لا بد أن يتجه تفكير الإنسان العربي إلى مصادر همومه ليدرك أن هناك فجوة حضارية -ليست بالمعنى الإيجابي- ولكنها بالقراءة الثقافية البحتة، فنحن العرب لا ندرك الدلالات الحقيقية للفوارق الثقافية التي تنعكس على أنماط السلوك وطرائق التفكير وأساليب التعامل مع المشكلات، فالغربي بحكم احتكاكه الأكثر بالتقدم الصناعي وحضارة عصر النهضة ثم الثورة الإلكترونية يكاد يكون أكثر استعدادًا بالضرورة للتعامل مع ما يحيط به والدخول في إطار المشكلات دون عواطف جياشة أو مشاعر متأججة بعكس الشرقي العربي الإفريقي المسلم أو المسيحي الذى يتعامل مع الأمور كما يراها وليس كما يتخيلها، فالخيال يعطى بعدًا طويلًا للقرارات، ويسمح لأصحاب الإرادة بممارسة قوة الخيال التي تسمح باستشراف المستقبل وقراءة الواقع بطريقة سليمة.

أوصى الكاتب بنهاية دراسته"خمسون خريفًا على سوريا" بضرورة إعادة النظر في ثنائية (المدني والعسكري) فهما ليس بالضرورة متناقضان بل ما يجمعهما أكثر بكثير من الاختلاف بينهما، والفروق لا تظهر إلا في ظل تدهور المؤسسية في المجتمع.

القارئ لفصول الكتاب يلاحظ أن كاتبها حاول عمل سرد بأسلوب مشوق بلغة الحوار ودقة المعاني والقدرة على التصوير الإيحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الصورة والحدث تفاعلًا إيجابيًا، ومن هنا يتسم الجهد بدرجة عالية من الوعي والإخلاص والتفاني العلمي.

مقالات مشابهة

  • إسرائيل تستهدف قواعد سورية قبل تمركز تركي محتمل
  • تركيا وإسرائيل وحماس.. كيف تغيرت موازين القوى في سوريا؟
  • حرب إسرائيل في سوريا
  • سوريا: 700 قتيل وجريح بانفجار ألغام وذخائر منذ سقوط الأسد
  • من هي الدول العربية التي طالتها التعريفات الجمركية الأمريكية وما قيمة صادراتها لواشنطن؟
  • إيكونوميست: ارفعوا الحصار عن سوريا
  • خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي
  • إعادة تأهيل النمر | قرار النيابة بشأن حادث سيرك طنطا.. تفاصيل
  • طالب بإجراءات لمنع تهريب المخدرات..عون: نسعى لاستعادة ثقة الدول العربية في لبنان
  • القمة الثقافية - أبوظبي تلقي الضوء على العلاقة الحيوية بين الثقافة والإنسانية