لطالما كان الروائي والفيلسوف الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو صاحب رواية «اسم الوردة» من أوائل الذين انتبهوا إلى خطورة ما يضخه فيسبوك من إغراء بامتلاء كاذب في نفوس مستخدميه متى ما نفخ أولئك المستخدمون ريشهم من أثر الأوهام التي تضخها اللايكات والتعليقات؛ حين قال ذات مرة: «أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فورا.
ربما يحسب البعض هذا الكلام تعاليا من الفيلسوف على حق مطلق للبشر في أن تكون لهم منابر مجانية خاصة للتعبير، لكن متى ما تأملنا فيه سنجد أن إيكو يشير إلى أمر آخر، وهو: خطورة أثر الوهم الخادع الذي تضخه تحديثات مستخدمي فيسبوك على البسطاء بطريقة تتغير معها نفوسهم حتى عما جبلت عليه من قبل ذلك!
ربما كان فيسبوك لهذه الناحية متاهة كبيرة لا يمكن لمن يتأمل فيها أن يعرف حقا ولا باطلا حيال الهوية الحقيقية لهذه المنصة! ففي فيسبوك الذي يحاول محاكاة نثر الحياة وهوائها بكل ما فيه إلى درجة قد تشبهه بالسوق أو المقهى، لكن حالة فيسبوك حيال هذه المقارنة، إذا ما طبقنا عليها قياس إمبرتو إيكو، سنجد حتى المقهى أو السوق يعكسان هوية مادية مشخصة تمنع الحرية المطلقة لأي فرد يريد أن يمارس شتما ضد مرتادي المقهى جميعا مثلا، فهو في هذه الحالة ثمة أشياء كثيرة تمنعه من ذلك، كهويته الشخصية وخوفه من الفضيحة، وغير ذلك من الموانع التي تمنع الحرية المطلقة.
هذه الحرية المطلقة يتيحها فيسبوك كما يتيح معها خاصية إخفاء الهوية الأمر الذي يستفز في البعض أشواقا لممارسة بعض الجنون العاري، لاسيما مع الإغراء المحفز لمتابعة أصداء ذلك الجنون حين يطلقه شخص من حسابه تجاه الآخرين، فيتتبع قياس الأثر بنشوة عارمة ومتجددة عبر زيادة اللايكات والتعليقات التي تجعله متشوقا باستمرار لرصد ردود فعل الجنون الذي كتبه ضد آخرين لا يعرفونه لكنهم قد يشبهونه في فعل الجنون والتفاعل معه!
ونظرا للفضاء الأسفيري المهول في أعداد مستخدمي فيسبوك الذين يقترب عددهم حول العالم اليوم من ملياري مستخدم، سيكون ذلك الفضاء العددي العمومي العريض لمستخدمي فيسبوك هو محيط التأثير الذي يفرض مزاجه ذاك على كل من يقبل بقواعد اللعبة في فيسبوك -على ما في تلك القواعد من هوية هلامية لمعنى الحرية- في استخدامات المنصة.
وهكذا ما إن يتوهم أحد أن ثمة إمكانية لقياس ما يكتبه في فيسبوك وفق معايير الشهرة التي يمكن أن يرصد أرقامها المهولة في اللايكات والتعليقات على حسابات من يسمون بطبقة «المؤثرين» في السوشيال ميديا، إلا أصابه أمراض السوشيال ميديا بسبب ما قد توهمه ذات يوم من إمكانية للشهرة عبر أثر لايكات وتعليقات دونها أصدقاء على حسابه مرة أو مرتين ومضوا!
هكذا سيجد المتأمل في الممارسة والملاحظة لتحديثات مستخدمي فيسبوك أن ثمة مستويات دنيا بل رديئة للكتابة والمحتوى لكنها قد تغري البعض بحثا عن اللايكات والتعليقات، فلا يمنعون أنفسهم من تجريبها، ومتى ما فعلوا ذلك بدا لهم الأمر ممتعا ومحفزا للمزيد!
لذلك من المهم جدا في فيسبوك ألا يعول كاتب على قياس أثر محتوى ما يكتب بمعايير ظاهرية خارجة عن هوية المحتوى وجودته، مثل اللايكات والتعليقات التي قد لا تكون خادعة في كل الأحيان، بالضرورة.
وكما قال أمبرتو إيكو في نهاية روايته الجميلة «باودلينو» عن إغراء الأكاذيب للبشر، على لسان شخصية بافنوزيو الحكيم، ناصحا أحد مدوني الأكاذيب في الرواية: «لا تحسبن أنك مـدون الأخبار الوحيد في الكون، فعاجلا أو آجلا سيأتي من هو أكذب من باودلينو ويرويها» وعليه فإن من الخدع المتبادلة في تغذية أوهام بعض مستخدمي فيسبوك؛ رهانهم على ألا يجد خصومهم أتباعا محازبين يصدقونهم باللايكات والتعليقات، متى ما لعبوا معهم تلك اللعبة كمقاييس قيمة وهمية، فحتما إذا كنت من صانعي أكاذيب الفيسبوك ستجد من يسخو عليك باللايكات والتعليقات، فدائما ثمة في البشر معجبون ومعلقون!
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی فیسبوک
إقرأ أيضاً:
ما الذي سيحدث؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟
عند بدء مشاهدة فيلم، أول ما يشغل بال معظم الناس هو كيفية نهاية الفيلم. الشخصيات في القصة، سير الأحداث، السرد الداخلي يشغل عقولنا، ويقودنا إلى تخيل نهايات بديلة ومحاكاة التطورات الممكنة. الأدوار التي تلعبها الشخصيات في القصة، والقرارات التي تتخذها، تساعدنا على فهم هذا الموقف.
المرحلة التي نمر بها الآن، مثل العديد من النقاط المفصلية في تاريخ تركيا، تشبه إلى حد كبير فيلمًا. سأحاول في هذا السياق أن أتناول شخصيات هذا الفيلم بشكل عام، وأن أقيّم الأحداث من منظور اقتصادي، وأكشف عن بعض الإشارات التي يمكن أن توصلنا إلى نتيجة طويلة الأمد. فالتطورات السياسية التي نشهدها لها تأثير عميق على المجتمع، لا سيما على الصعيد النفسي. في هذه الحالة النفسية، يعد دور الفرد في اتخاذ القرارات الاقتصادية عاملاً مهمًا، وكذلك فإن تصور المستثمرين الخارجيين تجاه المخاطر سيكون من العوامل الأساسية التي تحدد مسار العملية.
لنبدأ بتعريف الشخصيات أولًا. صورة شائعة استخدمتها كثيرًا في عروضي التدريبية عند تناول الاقتصاد الكلي ستكون مفيدة جدًا لتحليل هذا الموضوع.
الصورة الكبيرة للاقتصاد الكلي
عند النظر إلى الاقتصاد من الداخل، يبرز ثلاثة لاعبين أساسيين: الأسرة، عالم الأعمال، والدولة. بالطبع، تتداخل أدوار هؤلاء اللاعبين في العديد من الأحيان. ويحدث هذا التداخل من خلال سوقين أساسيين: سوق الموارد وسوق السلع والخدمات.
من المفترض أن تقوم الدولة بدور تنظيمي في النظام المثالي، لكن وفقًا لأسلوب الحكومة، قد تتبنى أيضًا دورًا اقتصاديًا نشطًا. المجالات مثل التعليم والصحة والبنية التحتية والدفاع، التي يتولى فيها الدولة مسؤوليات في إطار دولة الرفاه، تزيد من وزنها في الاقتصاد.
أساس هذا النظام هو توازن العرض والطلب. في سوق الموارد، تعرض الأسر القوة العاملة بينما يطلبها عالم الأعمال. تتحدد الأجور في النقطة التي يتقاطع فيها العرض مع الطلب. نفس التوازن ينطبق في سوق السلع والخدمات: المنتجات والخدمات التي تطلبها الأسر هي التي تحدد أسعارها في هذا السوق مقارنة بما يقدمه عالم الأعمال.
تعتبر الدولة لاعبًا حاسمًا في السوقين: فهي تشتري خدمات في سوق السلع والخدمات (مثل شراء الخدمات العامة)، كما هي أيضًا في سوق الموارد كمشغل (مثل الموظفين الحكوميين). تعتمد الدولة على الضرائب كمصدر رئيسي للإيرادات، مثل ضريبة الدخل وضريبة الشركات. بالإضافة إلى ذلك، تقوم الدولة بإنفاقات انتقالية لتحقيق التوازن الاجتماعي، وتقدم حوافز للقطاع الخاص، وتدعم الاستثمارات الاقتصادية. يتم تمويل جميع هذه الأنشطة بما يتماشى مع مبدأ الميزانية المتوازنة. لكن عندما يتم اختلال التوازن، يصبح الاقتراض هو الحل.
الأنشطة الاقتصادية الكبرى
إذا بسّطنا الأنشطة الاقتصادية، نرى ثلاث فئات رئيسية من النفقات:
الأسرة → الاستهلاك
عالم الأعمال → الاستثمار
الدولة → الإنفاق الحكومي
في الاقتصاد المغلق، يمكن تعريف الناتج المحلي الإجمالي بالمعادلة التالية: الناتج المحلي الإجمالي = الاستهلاك + الاستثمار + الإنفاق الحكومي
رشوة بملايين الليرات لتعديل تراخيص البناء: تفاصيل جديدة في…