اليمين الأمريكي الجديد يتجاوز الريجانية
تاريخ النشر: 27th, September 2023 GMT
قبل ما يقرب من 40 عاما لخَّص الرئيس الأمريكي رونالد ريجان عقلية الحزب الجمهوري بقوله إن أكثر تسع كلمات إثارة للذعر في اللغة الإنجليزية هي «أنا من طرف الحكومة وأنا هنا من أجل المساعدة». فالأسواق هي الأفضل معرفة وليس الساسة. وكلما ازداد نفوذ القطاع الخاص بالقياس إلى نفوذ الحكومة كان ذلك أفضل.
لكن الأمر لم يعد كذلك هذه الأيام.
يتحدث بعض الجمهوريين عن إخفاقات السوق بنفس القدر الذي يتحدثون به عن الحلول هذه الأيام. أحد الأمثلة على ذلك كاتب الرأي المحافظ سهراب أحمري المتقلِّب بين تأييد وعدم تأييد ترامب والذي امتدح التقدميون كتابه الصادر تحت عنوان «طغيان الشركات: كيف سحق القطاع الخاص الحريات الأمريكية وما الذي يجب عمله».
أحمري مثله مثل الرئيس السابق والمحافظين الآخرين ضد ذلك النوع من الرأسمالية «المسؤولة اجتماعيا» والتي تضع الشركات في مرمى نيران قضايا العدالة الاجتماعية. لكنه أيضا يبدو ماركسيا جدا في نقده للكيفية التي يضطهد بها أصحاب رأس المال العمل. والقضايا التي يطرحها حول ما يجب وما لا يجب أن يكون محظورا في الرأسمالية (فهو مثلا ضد تحويل الحمل إلى تجارة عبر تدخلات من شاكلة استئجار الأرحام) ليست مختلفة كثيرا عن القيود الأخلاقية للأسواق التي استكشفها مايكل ساندل أستاذ هارفارد والناقد البارز لأرثوذكسية حرية السوق في كتابه «ما الذي لا يمكن أن يشتريه المال».
هنالك الكثير من المكاسب السياسية التي يمكن أن يجنيها الجمهوريون من خلال ربط تآكل القيم الأخلاقية بانفجار النزعة الاستهلاكية في مرحلة متأخرة من مراحل المجتمع الرأسمالي.
روبرت لايتهايزر الممثل التجاري السابق للولايات المتحدة في إدارة الرئيس ترامب على سبيل المثال كثيرا ما انتقد السياسة التجارية لليبرالية الجديدة (والتي يَعنِي بها التدفق الحر لرؤوس الأموال والسلع إلى مواقع التصنيع الأرخص والأكثر ربحا). فهي في نظره «مقايضة لسيادة بلدنا في المستقبل وثروة أطفالنا وأحفادنا بالاستهلاك الحالي لأجهزة التلفزيون والأحذية الرياضية الرخيصة». ويصف ذلك بأنه «جنون».
مثل هذه المشاعر تبدو معقولة لمعظم الناس في الولايات المتحدة الذين يقطنون بعيدا عن مراكز النفوذ على السواحل. وكما ذكر مركز الأبحاث المحافظ «أميركان كومباس» يميل الجمهوريون والديمقراطيون على السواء في ولايات الوسط الأمريكي إلى الاهتمام بنمو الدخل والوظائف أكثر من انشغالهم بقيمة حساباتهم التقاعدية. وهم على استعداد للتضحية بقدر معين من تقدمهم الوظيفي مقابل قضاء المزيد من الوقت مع عائلاتهم. كما تتباين آراؤهم بشأن الإجهاض. ومن غير المرجح أن يعتبروا الالتحاق بكليات النخبة المكلفة السبيل الأفضل للتقدم الاقتصادي.
يمكن القول إنهم أكثر اهتماما بالمجتمع المحلي والعائلة والعمل من الثراء. وفي حين أن «العمل وليس الثروة» شعار سياسة بايدن إلا أنه أيضا يذكِّر بنوع أقل تطرفا من الرأسمالية كان شائعا قبل عقود قليلة.
وقتها كانت أوضاع المجتمعات المحلية الاقتصادية أكثر تنوعا. وكانت تركز على الإنتاج والاستهلاك مع تركز أقل للقوة في صناعات محددة. كما كان هنالك قدر أقل بكثير من انعدام المساواة في الثروة والذي تصاعد جنبا إلى جنب مع الأسواق المنفلتة وتعاظم قوة القطاع الخاص.
هذا مهم لأنه يعني أن تفكيك الاحتكار قد يصبح الآن قضية يتقاسمها الحزبان بقدر أكبر. وفكرة «طغيان» القطاع الخاص الذي يتخذ شكل هيمنة اقتصادية وسياسية مُضخَّمة تهدد الحريات الفردية في الولايات المتحدة تحولت إلى قضية استقطاب للتأييد سواء للمحافظين أو التقدميين.
بالطبع يظل المحافظون محافظين فيما يتعلق بأشياء مثل تزايد الهجرة وقضايا اجتماعية عديدة بما في ذلك الإجهاض. لكن حتى في هذه الجوانب نحن نشهد بعض التحركات نحو المزيد من البراجماتية (نيكي هيلي التي أعلنت خوضها الانتخابات الأولية الرئاسية للحزب الجمهوري تدعو لاتخاذ لموقف معتدل حول الإجهاض).
الفكرة هنا هي أن الجمهوريين مثلهم مثل الديمقراطيين بدأوا في الاعتقاد بأن الجولة الانتخابية القادمة وفي الواقع الانتخابات القليلة القادمة ستدور على الأرجح حول الاقتصاد والطبقات بأكثر من تعلقها بالقضايا الاجتماعية المثيرة للانقسام.
ذلك لا يعني أننا سينتهي بنا المطاف إلى مرشح رئاسي جمهوري يهتم حقا بالعاملين. تذكروا استراتيجية (حيلة) دونالد ترامب الانتخابية الناجحة التي يمكن أن يكررها وهي إخباره الناخبين بما كانوا يعلمون جيدا أنه صحيح. أي وجود غرفة خلفية يملأ أجواءها الدخان في واشنطن يعقد داخلها الأقوياء صفقات تخدم مصالحهم. الحل الذي اقترحه لم يكن بالطبع تهوية الحجرة ولكن دعوة الناخبين إلى دخولها وتدخين لفافة تبغ ضخمة معه. (يشير الكاتب بذلك إلى فكرة رائجة في الدوائر السياسية والبيروقراطية بواشنطن عن عقد اجتماعات سرية خلف الكواليس يبرم فيها الساسة وقادة جماعات الضغط صفقات تخدم مصالحهم الذاتية. وترامب بدلا من القضاء على هذا الوضع طرح نفسه كقادم من خارج هذه النخبة ودعا الناخبين إلى المشاركة في هذه العملية السياسية التي تحتكرها النخبة - المترجم).
بالتأكيد فيفيك راماسوامي أقل ضررا من ترامب. لكن ربما يماثله في خدمة مصالحه الذاتية. لقد شجب سياسة ريجان الاقتصادية. لكنه لم يقدم حتى الآن بديلا متماسكا. في الواقع العديد من مقترحاته مثل إغلاق وكالة التحقيقات الفدرالية ودائرة الإيرادات الداخلية ووزارة التعليم تبدو ممعنة في الليبرتارية إلى حد استحالة تطبيقها سياسيا بسبب تطرفها (الليبرتارية نظرية سياسية تؤكد على الحد من تدخل الحكومة في حياة الأفراد والاقتصاد - المترجم).
حتى الآن ليس لدى «يمين ما بعد ريجان» الناشئ شخصية سياسية صلبة يلتف حولها. مع ذلك أعتقد أننا في المستقبل سنعتبر الموسم الحالي للانتخابات الرئاسية الأولية نقطة تحول.
لقد رسمت سياسة ريجان الاقتصادية إطار السياسة الاقتصادية لليمين واليسار معا على مدى عقود. وعلى الشركات الانتباه جيدا إلى حقيقة أن الجمهوريين يتخلون الآن عن اقتصاديات «تساقط الثروة من أعلى إلى أسفل».
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: القطاع الخاص
إقرأ أيضاً:
نائب الرئيس الأمريكي: رسوم ترامب انتقام مخفف من منافسينا
قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، يوم الجمعة، إن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا تُعتبر إلى حد كبير "تعريفات انتقامية مخفضة".
وأوضح فانس، أن الولايات المتحدة كان بإمكانها فرض رسوماً أعلى بكثير على الواردات، إلا أن القرار الحالي يعكس رغبة في الحفاظ على بعض المرونة.
وأضاف أن "التعريفات التي يفرضها منافسونا الأجانب علينا أعلى بكثير من تلك التي نفرضها عليهم".
وأكد فانس أن الولايات المتحدة تسعى إلى أن تكون "لطيفة بعض الشيء" في التعامل مع هذه الرسوم الجمركية، لكن في الوقت ذاته ستواصل الدفاع عن مصالحها الاقتصادية.
وأعلن ترامب، الأربعاء، عن رسوم جمركية على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وذلك في كلمة ألقاها في البيت الأبيض فيما وصفه بـ"يوم التحرير".
وفي رد على سؤال حول تأثير هذه الرسوم في الأسواق، قال ترامب: "العملية انتهت"، مشيرًا إلى أن الهدف من هذه السياسات هو تحسين الوضع الاقتصادي على المدى الطويل.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه الأسواق تقلبات ملحوظة بسبب التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الكبرى.