مَن يقوم حارسا على تحقّق الأخلاق والفضيلة في المجتمع، هل الأخلاق تحت وصاية شُرطة الأخلاق أو تحت وصاية سيف المُجتمع الذي يُحاسِب ويقمع ويُعذّب ويُقصي دون حاجة إلى محاكم وإلى سُجون أو أنّ القائم على الأخلاق هو القانون الوضعيّ الزاجر؟ كثُرت في زماننا، بسبب توفّر أرضيّة تواصليّة مفتوحةٍ وشاسعة، أصواتٌ تقوم راعية للأخلاق والفضائل، تُحدّد ما يجوز وما لا يجوز، تضبط الحسن والسيّئ، الجميل والقبيح، الأخلاقيّ وغير الأخلاقيّ، وتصل -عموما في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة- الأخلاق بالدين، وهو -لعمري- أمرٌ صائبٌ، فالأخلاق هي جوهر الدين، وهي جوهر الأحكام الوضعيّة، وهي -والأهمّ من ذلك- جوهر الإنسان في عمقه الروحيّ والفكري، فما الذي تفعله شُرَطُ الأخلاق التي تمكّنت بذاتها ومن ذاتها من ضبط أخلاقٍ واجبة الاتّباع؟ يقول إيمانويل كانط: «شيئان يملآن قلبي بالإجلال والإعجاب المتجدّدين المتعاظمين على الدوام كلّما أمعن التأمل فيهما: السماء المرصّعة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في داخلي»، فالأخلاق معطى داخليّ لا تحتاج واعظا أو قيّما أو حارسا، هي بُعْد من تحقّق إنسانيّة الإنسان، ولقد جاءت الأديان على اختلاف منابتها ومنابعها لضبط حدود أخلاقيّة للفرد والجماعة، منها ما تختصّ به المجموعات البشريّة في صِلاتها ومعاملاتها وعلاقاتها، وهو أمرٌ يضبطه الحلال والحرام أو سلطة القانون الوضعيّ، ومنها ما هو نابعٌ من داخل الإنسان لا يُمكن أن يحاسب الإنسانَ عليه قانونٌ، ولا يدخل في دائرة الحلال والحرام، وهو البُعد الجوهري في تحديد الأخلاق.
نحن أمّة «يُفتي» قليلو العلم فيها بما لا يعلمون ويسهل على «أهل التحرير والتحريم» فيها الإدلاء بما يجوز وما لا يجوز بل الأدهى والأمرّ أنّ هؤلاء الحُرّاس لا يتورّعون في التفكير وهم لا يمتلكون شروط التفكير ولا مبادئه. فلم يقف هؤلاء يوما -كما وقف الغرب مليّا- للتفكير في ماهيّة الأخلاق وفي تعريف الفضائل، ويحسبون أنّ أمر الأخلاق بيّن وماثلٌ في اتّباع شرع اللّه والالتزام بما أمر والكفّ عمّا نفَّر، ولا شكّ أنّ ذلك صحيحٌ إلى أبعد حدّ، ولكنّ رجال الأخلاق يركنون إلى الدين علّة لتجويز ما لا يفهمون أو ما لا يعقلون أو مالا يتقبّلون.
فهنالك وجهان للأخلاق، الوجه العامّ الظاهرُ وهو ما يلزمه حُرّاسُ الأخلاق، والوجه الأخلاقي الباطن، والشخصيّ، وقد يتوفّر الوجه العامّ رياءً أو إرضاءً للآخر ولا يتوفّر الوجه الشخصيّ الذاتي، أمّا إذا توفّرت الأخلاق الذاتيّة فإنّها تعمّ على العامّ.
هل الأخلاقُ هي حُسن السلوك وطيّب المعاملة فحسب؟ لقد خاض الفلاسفة في علوم الأخلاق ومظاهرها وأشكالها، وتفرّقوا شيعا ومذاهب، واتّفقوا إجمالا على أنّ الأخلاق هي كلّ ما احتوى طلبا للخير ونفورا من الشرّ، أي سعيا وراء الجمال الوجودي، وتنظّمت هذه المباحث في مشغل فلسفيّ وسيع خاض فيه كبار الفلاسفة وهو الإيتيقا التي تعني المقوّمات الأخلاقيّة السائدة أو الفلسفة الأخلاقيّة السائدة وممكنات نقدها وشروط تحقّقها في مجتمع ما.
فممّا لا شكّ فيه أنّ الأخلاق في جزء منها هي مسألة خلافيّة لا تتّفق فيها الشعوب، بل قد لا يتّفق فيها الأفراد، فما يُعتَبَر عند البعض «قلّة أدب» هو جوهر «الأدب» عند البعض الآخر، فإن أخذنا مثالا من شعوبنا طرق التعامل مع المرأة، ابنةً كانت أو زوجةً أو أختًا لأدركنا أنّنا نُشكّل أخلاقا في التعامل خاصّة ينسبها البعض إلى الدين، وهو منها بَراءٌ، فهل قال الإسلام أن نجعل ولدا لم يبلغ الرشد وصيّا على أخته الكبرى؟ وهل قال الدين أنّ المرأة لا تُستَشارُ وأنّ أمرها بيد «رجل» يُصرّفه كيفما أراد؟ وإن قامت هذه المرأة تبحث عن حقّ في الوجود عُنّفت ونُكِّل بها؟ فهل أنّ «أخلاق العامّة» مثل «أخلاق الخاصّة»؟ وهل أنّ ما يجري على «أخلاق الرجال» يجري على «أخلاق النساء؟ إنّ أمّة ما زالت المرأة فيها مُعطَّلة الرأي والرؤية لا يُمكن أن يصلح حالها.
لماذا ننفرُ من تجارب الغرب في هذه المسائل ومن وفرة المقاربات الفلسفيّة والاجتماعيّة ونحن عيالٌ على الغرب في مأكلنا وملبسنا؟ إنّ هذا الدور التوعويّ الذي يُعيد النظر في ماهية الأخلاق وفي تحديدها بأنّها الجمال والخير المطلقين هو مبحثٌ واجبٌ على أقسام الآداب وعلم الاجتماع والفلسفة في جامعاتنا، ولكن مع الأسف نجد أنّ هذه الأقسام مشلولة، لا دور لها في المجتمع، فإن انفتحت عليه كان ذلك بدوغمائيّة وتسرّع وإسراع إلى تسييد الساكن، ولفظ كلّ مقاربة عسيرة الفهم على أدمغتهم الساكنة، فيكون التكفير والاتّهام في الدين هو سلاح العاجز، ويكون الذود المبالغ فيه عن الدين، وكأنّ كلّ النظريّات التي باشرت الإيتيقا من سبينوزا إلى كانط إلى هابرماز إلى نيتشة هي نظريّات كَفرة فجرة، فما علاقتهم بالأخلاق وهم المنحلّون المتبرّجون الفاسقون المُلحدون الضاربون في الغواية شوطا وفي الغيّ أشواطا؟ أمّا نحن فالطاهرون أصحاب الأخلاق الساميّة، من انتحر منّا فقد اتّبع سُبل الكَفرة، ولم يكن يتلظّى في حالات من الرُهاب والتأزّم النفسي الناتج عن علل ذاتيّة أو اجتماعيّة أو أسريّة وجب مداواتها ومعالجتها، ومن ضلّ فقد اتّبع نهج المروق والخروج عن السبيل القويم، وليس العيب في نظم تعليميّة وثقافيّة بئيسة.
دوما كنتُ أتساءل متى يستفيق رُعاة الأخلاق والفضيلة ويُدركون أنّ الإنسان قيمة، وأنّ النفس البشريّة تحتاج رعاية وتقديرا وتهذيبا وتشذيبا، وألاّ وجود لصيغة مطلقةٍ مِسْطَرَةٍ في ضبط أخلاقٍ تُحكَّم في الظاهر والبواطن مليئة بالحسد والشرّ، ولقد قال المعرّي في سابق الزمن مشيرا إلى التمايز في الفضائل والتوحّد في المساوئ: إِن مازَتِ الناسُ أَخلاقٌ يُعاشُ بِها/ فَإِنَّهُم عِندَ سوءِ الطَبعِ أَسواءُ.
فلابدّ أن يعي حُرّاسُ الأخلاق أنّ الجمود والثبات سبيل الموت، وأنّ المجتمعات سائرة كرها أو حبّا إلى التغيّر، فإن لم نختر سبل تغيّرنا اختاره لنا الآخرون. حُرّاس الفضيلة مثل شُرَط الأمر بالمعروف يرعون ظاهرا ولا يهتمّون بباطنٍ والحال أنّ الفضيلة جمالٌ وأنسُ نَفْسٍ، والأخلاقَ قيمةٌ ذاتيّة منزوعة في الإنسان، وأنّ «الأخلاق لا تُعلّمنا كيف نكون سعداء بل تُعلّمنا كيف نكون جديرين بالسعادة» -على حدّ قول كانط-، والحمد للّه نحن مجتمعات لا تنقصنا السعادة ولن يُعلّمنا أحد كيف نكون سعداء وبين جنباتنا علماء اجتماع يحرسون طهارة أخلاقنا، ويحموننا من الزيغ، فظاهرنا سعيد وباطننا أسود من السعادة، ولا حاجة تحملنا أن نفهم لمَ يكسرون رؤوسهم في فهم معنى الفضيلة وفي تحديد مجالات الأخلاق حتّى يصل الإنسان -والعياذ بالله- إلى الكشف عن جوهره، وألاّ يبتسم في وجه من يكره، وألاّ يُلحّ في الترحاب في وجه من يُناصبه العداء، وأن يقول للمجيد أحسنت وللمسيء أسأت! فقد بلغنا شوطا من تجلّي حَميدِ الأخلاق أن نبتسم في وجه العدوّ وأن نكيد له في الخفاء، أمّا السطح فاستقامةٌ ووئام ومحبّة لا مثيل لها، فلننعم ما عشنا بذلك. أمّا حُرّاسُ الأخلاق فحسبهم أنّا لهم طائعون وأنّ الجمع لهم منصتون وأنّهم في محبّة سطح الأخلاق سائرون، وفي محبّة الغيّ والغمّ ساترون.
لقد صدق صاحبي إذ قال يوما: ولمّا رأيتُ الجهلَ في الناس فاشيا/ تجـاهلتُ حتى قيـل أني جـاهـلُ.
فوا عجباً! كم يدعي الفضل ناقـصٌ / ووا أسفًا ! كم يُظهـر النقـصَ فاضـلُ.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: ة الأخلاق
إقرأ أيضاً:
ما سر مشاركة رجال أعمال مصريين بأدوات الدين المصرية؟.. توسع مخيف
تتزايد علامات الاستفهام حول مشاركة بعض رجال الأعمال المصريين في شراء أدوات الدين المصرية التي تطرحها الحكومة المصرية، وذلك بعد سحب استثماراتهم أو جزء منها من السوق المحلية وإنشاء شركات بالخارج عبر ملاذات ضريبة آمنة "أوفشور"، وما يتبع تلك الأموال الساخنة من آثار سلبية على اقتصاد مصر المتداعي.
وأكدت بيانات رسمية زيادة حيازة المستثمرين الأجانب من أدوات الدين الحكومية مجددا بعد أن كانت الاستثمارات الأجنبية قد شهدت انخفاضا طفيفا في بداية آذار/ مارس الماضي على خلفية استحقاق أذون الخزانة لأجل عام.
وبحسب ما نقلته نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية، فقد عادت حيازة الأجانب من أدوات الدين العام إلى مستويات ما قبل كانون الأول/ ديسمبر الماضي لتصل نحو 38 مليار دولار، كما شهد الأسبوع الماضي زخما بسوق الدين الحكومي، إذ اشترى المستثمرون الأجانب أدوات دين حكومية تخطت قيمتها ملياري دولار.
"لعبة الهروب وخطط العودة"
ويرى مراقبون أن "هناك لعبة بموضوع الاستثمار الأجنبي وضخ الأموال الساخنة في أدوات الدين المصرية ومنها أذون الخزانة، يقوم بها رجال أعمال مصريون تمثل أخطر وسائل غسيل الأموال".
وأكدوا لـ"عربي21"، أن "معظم إن لم يكن كل صناديق الاستثمار الأجنبية التي تستثمر في أدوات الدين المصرية بكل أنواعها هي أموال مصرية لكبار الفاسدين يتم غسلها من خلال صناديق الأوفشور".
ولفتوا إلى أن "الأموال تخرج من مصر إلى ملاذات ضريبية آمنة بدول معروفة ويتم إنشاء صناديق أوفشور هناك، ثم تقوم تلك الصناديق بالشراء في أدوات الدين المصرية بأعلى عائد في العالم، ولأنها صناديق أجنبية يمكنها الخروج بأموالها في أي وقت وفوق أموالها أرباحها بالعملات الصعبة التي تعاني مصر شحا منها".
وأوضحوا أن "تلك الصناديق لا تستثمر في أدوات الدين المصرية فقط ولكنها تستثمر في البورصة المحلية أيضا"، ملمحين إلى أنها "تمثل أدوات ضغط سياسي واقتصادي على الدولة المصرية، وأن بإمكانهم التسبب في سقوط البورصة كإحدى أدوات الضغط على القاهرة".
وقالوا إن "أغلب رجال الأعمال المصريين الكبار يقومون بهذا الفعل، وعلى رأسهم عائلات (ساويرس) وصلاح دياب وأبناء حسنين هيكل، وغيرهم"، ملمحين إلى أن "الدولة تعرف هذه الحقائق، ولكن الأمر يتم بعيدا عنها، لأنها قانونا لا تستطيع مصادرة تلك الأموال الساخنة، كما أنه يمكن لأجهزة المخابرات مع بعض البحث معرفة كل تلك الأسماء وما تقوم به".
وبينوا أن "بعض الشخصيات معلنة ومعروف مشاركتها بالأموال الساخنة في أدوات الدين المصري مثل أبناء الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، حسن وأحمد، فالعائلة تمتلك صندوق أوفشور مع بعض كبار رجال الأعمال وهذا الصندوق يدير محفظة أوراق مالية قيمتها تتعدى 5 مليارات دولار".
يرى المتحدثون أن "تلك الشخصيات كانت جزءا من تفجر أزمة نقص الدولار في مصر، وهروب نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة من السوق المحلية عام 2022".
وألمحوا إلى وجود "شخصيات نافذة وقيادات مشاركون مع رجال أعمال مصريين يقومون بغسل أموالهم في تلك الصناديق، عبر طرق مبتكرة لا يمكن تتبع تلك الأموال، وذلك بإخراج أموال بعض الفاسدين للخارج مقابل خسارتها نسبة 20 بالمئة".
وكشفوا أن "عودة تلك الأموال إلى السوق المصرية لها طرقها وذلك عبر إنشاء شركات ناشئة داخل البلاد تحت أي مسمى وتشهر نفسها وتعلن عن أعمالها وسط حملات دعاية عبر مكاتب متخصصة، ثم يأتي صندوق أوفشور يستثمر في تلك الشركة، وبهذا تعود الأموال لمصر بشكل رسمي وباسم صاحبها ودون ملاحقتها قانونا، في عمليات تديرها مكاتب محاماة دولية مثل (ماكينزي) التي تأسست عام 1926 بأمريكا".
وأكدوا أن هناك "أكتر من 5 آلاف صندوق أوفشور ملك مصريين في الملاذات الضريبية الآمنة قيمتها أكثر من تريليون دولار، وأنها بدأت مع أبناء الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وأولاد قيادات ثورة 23 يوليو 1952، ونحو 74 عاما تتراكم الأموال بالصناديق، التي يشترك بكل منها عدد كبير يصل 100 رجل أعمال".
وكشفوا أن "بنك القاهرة المعروض للبيع تم نهب منه وحده أكثر من 25 مليار دولار قروض معدومة، كان يجري سحبها على موائد القمار بالتليفون من القصر الرئاسي، في عهد حسني مبارك".
"لعبة مكررة"
وتواصل شركات مصرية كبرى عمليات التسجيل والبيع لبعض أصولها بالخارج هربا من أوضاع وقوانين السوق المحلية، والاحتماء بقوانين وأسواق دولية أخرى تعتمد طريقة ما يعرف بنظام "الملاذات الضريبة"، أو "الأوفشور"، الذي يمنحها حماية قانونية ويسمح لها بتحويل أرباحها بالعملات الأجنبية مع تقديم إعفاءات ضريبة كبيرة.
وفي أيلول/ سبتمبر 2023، نقلت شركة الصناعات الغذائية العربية "دومتي" حصة مملوكة لعائلة "الدماطي" تمثل 24.61 بالمئة، لصالح شركة "International dairy investment"، المملوكة أيضا وبالكامل لعائلة الدماطي، والمسجلة بجزر الكايمن، الواقعة غرب "البحر الكاريبي"، والتي تعتبر مركزا استثماريا قليل الضرائب، وجاذبة لشركات "الأوفشور".
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2022، أعلنت شركة النساجون الشرقيون عن عمليات بيع صوري ونقل لملكية "24.61 بالمئة" من أسهمها ببورصة مصر، لشركة إنجليزية، تحمل اسم " FYK LIMITED"، والمملوكة لياسمين وفريدة خميس، بقيمة 1.37 مليار جنيه.
و"الأوفشور"، مفردة تُطلق على حسابات تفتحها شركات محلية خارج حدود مقرها الأصلي بطريقة قانونية لتجنب دفع نسب ضرائب عالية في بلدها الأم، وهو النظام الرائج في "سويسرا"، و"كندا"، وجزر "كايمان"، والجزر "العذراء البريطانية" و"أيرلندا"، و"بنما"، و"جزر كوك"، و"اسكتلندا"، و"المملكة المتحدة"، و"جزر مارشال"، و"اليابان"، و"مكاو"، و"تاهيتي"، و"تايلاند"، و"الفيليبين".
تلك الدول تتسابق فيما بينها على تقديم قوانين وتسهيلات وسرية تامة للحسابات، ما يدفع شركات الدول الأخرى للجوء إليها هربا من قوانين تراها مجحفة بها في موطنها، كما أنه في نفس الوقت يمنح تلك الشركات فرصة التهرب الضريبي ببلادها ونقل الأموال من موطنها الأصلي، بحسب مراقبين.
وكشفت تسريبات ما يُعرف بـ"أوراق بنما"، و"أوراق الجنة"، و"أوراق باندورا"، والتي ركزت على أسرار مؤسسات مالية عالمية؛ بيانات مصرفية سويسرية عن نحو 30 ألف حساب سري لرجال أعمال وسياسيين، بينهم 5 لرؤساء دول وحكومات عرب، سابقين وحاليين.
التسريبات التي أعلنت عنها صحيفة "زود دويتشه" تسايتونغ الألمانية، شباط/ فبراير 2022، أكدت أن حكاما وملوكا وعائلاتهم وسياسيين وأمنيين ورجال أعمال مقربين من أنظمة في مصر وليبيا والجزائر والمغرب وسوريا والأردن واليمن، خبأوا المليارات قبل وبعد ثورات الربيع العربي في "كريدي سويس"، ثاني أكبر بنك سويسري.
وكان رجل الأعمال المصري الأمريكي محمود وهبة، قد نشر في 4 كانون الثاني/ يناير 2023، أسماء وعناوين 356 شركة مصرية لها حسابات سرية بالخارج عبر شركات "الأوفشور" الوهمية أو "الملاذات الضريبية"، فيما تقدم ببلاغ للنائب العام المصري للتحقيق مع تلك الشركات، ووقف عمليات تهريب للأموال من مصر.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن السياسات الاقتصادية الخاطئة لرئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، على مدار أكثر من 11 سنة، إلى جانب سيطرة شركات الجيش والمؤسسات السيادية على أغلب القطاعات، والإجراءات الاستبدادية والتعامل الأمني الخشن مع بعض أصحاب رؤوس الأموال المصريين، أدت إلى هروب بعض رجال الأعمال باستثماراتهم إلى تلك الملاذات الآمنة.
وتحدث خبراء لـ"عربي21"، حول حقيقة الأمر، وما إذا كان يجري بعلم الدولة واشرافها ومشاركة وجوه فيها ودور الجهات الرقابية، وأسماء بعض رجال الأعمال المتورطون في الأمر وفي صناعة أزمة الدولار، ملمحين إلى دور تغول اقتصاد الجيش على القطاع الخاص في لجوء رجال الأعمال لتلك الحيل.
"خوف وطمع"
وقال الخبير الاقتصادي المصري الدكتور مصطفى يوسف: "أتذكر في نهاية 2022، تخارج سيدتي الأعمال ياسمين وفريدة ابنتي محمد خميس، وتوجه رجال أعمال للتخارج محليا وإعادة هيكلة شركاتهم وتمليكها ومحافظهم الخاصة لشركات أوفشور بدول تقدم الملاذات الضريبية الآمنة مثل جزر كايمان، وجزر فيرجن، ولكسمبروغ، ليختنشتاين، وغيرها".
الباحث في الاقتصاد السياسي والتنمية والعلاقات الدولية، أكد أن "رجال الأعمال في مصر يلجأون لتلك الإجراءات خوفا من استيلاء جهات سيادية مصرية على شركاتهم، كما حدث لصاحب شركة (جهينة)، صفوان ثابت".
ولفت إلى أنهم "في نفس الوقت لا يريدون دفع ضرائب، لأنه يتم إجبارهم لدفع إتاوات إلى (صندوق تحيا مصر)، فيحاولون ما بين التهرب من الضرائب وحماية لاستثماراتهم من التغول عليها أو فرض شراكات عليهم من شخصيات مقربة من السلطة مثل رجل الأعمال الصاعد بقوة إبراهيم العرجاني، وإجبارهم على تبرعات أكثر".
ويرى أن "محاولاتهم حماية شركاتهم وعدم رغبتهم دفع الضرائب والخوف الشديد من سيطرة المؤسسات السيادية، يأتي في ظل تغييب الجهات الرقابية بالمعنى المفهوم عن أدوارها، مع نظام سلطوي، رأس النظام ودائرة محيطة تشرع وتقرر، فلا برلمان ولا إعلام حر".
وأوضح أنه "بمنطق رجال الأعمال؛ مفهوم أنهم خائفون، ومفهوم رغبتهم في إخراج أموالهم للخارج، ومفهوم أن توسع الجيش في الاستثمار والاقتصاد يخوفهم"، مؤكدا أن "هذا ليس سببا لما يحدث ولكنه نتيجة لما يجري من سياسات".
وأشار إلى أن "تغول الجيش على القطاع الخاص وصل حد تملكه فوق 77 أو 78 بالمئة من الاقتصاد ويمكن 80 بالمئة منه، ما يقابله على الجانب الآخر بيع الشركات العامة والأراضي الاستراتيجية والبنوك الحكومية وآخرها (بنك القاهرة)".
"وفي صفقات تباع أغلبها لجهة واحدة هي الإمارات، وبالأمر المباشر، مثل أرض (رأس الحكمة) و(بنك القاهرة)، والقطاع الطبي والمستشفيات والمختبرات ومعامل التحليل، والشركات الرابحة والفنادق والموانئ وغيرها"، وفق تأكيده.
"إغراء أعلى عائد"
ويرى يوسف، أن "ما فعلته بنات فريد خميس وبعدهما شركة الدماطي، وغيرهم، كان نوعا من أنواع الذكاء للحفاظ على أموالهم"، ملمحا إلى أنه "في مصر تعطي الدولة المستثمرين في أذون الخزانة وأصحاب الأموال الساخنة أعلى عوائد في العالم، فلماذا لا يقوم بعض رجال الأعمال المصريين بالتفاف على هذا الأمر".
وقال إن "العيب هنا ليس فيهم، ولكن العيب أنه لم يعد هناك مجال للاستثمار، وأن حكومة كاملة ودولة كاملة تقوم على اقتصاد في غرفة الإنعاش، حيث لا اقتصاد ولا استثمار، ليس لديك رؤية استثمارية ولا رغبة أو رؤية سياسية لخروج الجيش من الاستثمار والاقتصاد، ولا إرادة سياسية لتداول السلطة".
"وتريد أن تكمل بهذا النظام القائم رغم أنه ينهار اقتصاديا وقدرته تقوم حتى الآن عبر بيع أصول الدولة للإمارات والسعودية، وعن طريق دعم إسرائيل وتنفيذ الأجندة الأمريكية بالمنطقة"، وفق قول يوسف.
وأكد أنه "في المقابل، لا يوجد مستثمر يريد الاستثمار على المدى الطويل يمكنه الاستثمار ولا يوجد غير حكاية الأموال الساخنة؛ ورجال الأعمال المحليين يشعرون أن الاقتصاد لن يكمل بهذه الطريقة".
وأضاف: "وعلموا أن العمل فقط تحت إدارة الجيش، وعندها تأخذ أموالك، ويمكنك أن تخرج بها للخارج، وعلى المدى القصير يمكنك الاستثمار في أذون الخزانة قصيرة الأجل من 3 أو 6 أو 9 شهور أو سنة، فيخرجونها ثم يعودوا بها مجددا عبر أذون الخزانة ثم يسحبونها بأي وقت، وتكون معفاة من الضرائب ولا يمكن لأحد وضع يده عليها أو مصادرتها أو الاقتطاع منها".
"إغراء الفائدة الحقيقية"
وفي رؤيته، أوضح الباحث والكاتب الاقتصادي محمد نصر الحويطي، أن "الأفشور صناديق استثمار لمتعاملين أو مستثمرين محليين تعمل في الخارج في جزر العذراء والكاريبي وبريطانيا وقبرص، وبالتالي فإن أموال تلك الصناديق خارج مصر وليس من المنطق أن تحتاج هذه الأموال لغسلها، ولأنها بالخارج فلا رقابة عليها فما الداعي لغسلها؟".
وقال لـ"عربي21"، إن "قصة غسيل الأموال تتعلق بالأموال المحلية داخل البلاد من تجارة السلاح والمخدرات والآثار وما إلى ذلك، وتحتاج إلى غسلها، وهنا في مصر نقول عندها أنها دخلت سوق أدوات الدين المحلية لكي تخرج إلى الناحية الأخرى أو للبورصة أو للتجارة أو أي نوع من أنواع الأنشطة، ولكنها بالفعل طالما هي أوفشور فهي في الخارج".
وأكد أن "زيادة حيازة الأجانب لأدوات الدين المصرية هذا أمر مهم جدا، وسببه واحد وهو ارتفاع الفائدة أو العائد على أدوات الدين المحلية الحكومية المصرية، والتي لا يوجد أحد في العالم يمنح المستثمرين هذه النسبة من الفائدة".
ولفت إلى جانب آخر اعتبره هاما مبينا أنه "مع تراجع التضخم في مصر فإن الفائدة بالموجب"، ملمحا إلى أن "الفائدة الحقيقية: تساوي فرق سعر العائد على رأس المال المقرر من البنوك المركزية مخصوما منه نسبة التضخم ".
وأوضح أنه "لما تراجعت معدلات التضخم في مصر، أصبحت الفائدة الحقيقة أكبر من ذي قبل، لأنه حتى مع تراجع الدولار لم يخفض البنك المركزي سعر الفائدة، وبالتالي أصبحت الفائدة الحقيقية أكثر إغراءا للصناديق والمتعاملين الأجانب".
وقال إن "هذا هو السبب الحقيقي وراء ارتفاع حيازة المتعاملين الأجانب في أدوات الدين المصرية".