بعد نحو شهرين من مغادرة شريف عبد المنعم منزله في العاصمة السودانية الخرطوم، بسبب الاشتباكات العنيفة التي كانت تدور حوله، اضطر الشاب البالغ من العمر 36 عاماً وأسرته المكونة من 6 أفراد للعودة إلى المدينة التي لا يزال القتال محتدماً فيها، بسبب ارتفاع الإيجارات وأسعار الطعام.

ولم يعد معظم من غادروا الخرطوم بعد اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية في منتصف أبريل (نيسان) الماضي إلى ديارهم، ويواجهون مخاطر سوء التغذية والفيضانات ولدغات العقارب، ويعتمدون على الصدقات ومساعدات الإغاثة الهزيلة للبقاء على قيد الحياة، مع تقلص مساعدات المجتمعات التي تستضيفهم بشكل متزايد.

وتشير أرقام الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 5.25 مليون نسمة من سكان السودان البالغ عددهم 49 مليوناً منذ اندلاع القتال، وقد انتقل أكثر من مليون منهم إلى البلدان المجاورة، ولكن بقي أكثر من 4.1 مليون في السودان حيث يتعرضون لضغوط مالية متزايدة.

They face malnutrition, floods and scorpions as they depend for survival on handouts and meagre aid relief, the generosity of host communities stretched increasingly thin.https://t.co/pu7Fgysnt9

— The Star (@staronline) September 26, 2023

واستأجر عبد المنعم منزلاً في منطقة بمدينة أم درمان المجاورة للخرطوم، وعلى الرغم من أن المنطقة لم تعد تدور بها اشتباكات لكن أصوات المدفعية لا تزال تتردد في جنباتها، وقال عبر الهاتف: "الولايات (خارج الخرطوم) آمنة لكن الأسعار والإيجارات مرتفعة ولا يمكننا الاستمرار في ذلك".

وأدى الصراع إلى ركود اقتصادي كبير في السودان، إذ تسبب في تعطيل معظم خدمات التجارة والنقل وإعاقة الزراعة ووقف صرف مرتبات عدد كبير من الموظفين، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية.

وتعتمد البلاد الآن على ما تبقى من موارد ضئيلة لدعم السكان النازحين داخلياً الذين يصل عددهم إلى ما يقرب من 7.1 مليون شخص، إذا أضفنا إليهم المشردين بسبب الصراعات السابقة، وهو ما يتجاوز عدد النازحين في أي دولة أخرى حول العالم.

ويتوقع عمال الإغاثة أن ينتهي الأمر بمزيد من هؤلاء المستأجرين أو الذين يسكنون مجاناً بعد فرارهم من العاصمة، في ملاجئ جماعية مع نفاد أموالهم.

وقال عمر عثمان، المسؤول الحكومي في كسلا، "نحن شعب مضياف لكن الناس يتعاملون مع ما يفوق طاقتهم.. إذا استمرت الحرب، فإن هؤلاء الناس قدموا ومعهم مدخرات صغيرة، لذا سيحتاجون إلى مأوى"، وأضاف أن أسعار الإيجارات ارتفعت بشكل حاد في الولاية.

سوق العمل مشلولة

وتعاني المجتمعات المستضيفة من تداعيات الصراع على الرغم من وقوعها في مناطق لم تتأثر كثيراً بالقتال.. وفي مدينة ربك، على بعد نحو 275 كيلومتراً جنوبي الخرطوم، كان عدد كبير من الشباب يحاولون كسب لقمة العيش من خلال عملهم في المصانع أو كعمال مياومين في العاصمة قبل اندلاع الصراع.

وقال أحد السكان ويدعى فضيل عمر: "سوق العمل مشلولة بالنسبة للسكان المحليين.. الخرطوم هي المحرك بالنسبة لبقية البلاد"، وأضاف أن النازحين في المدينة ممن لا يمكنهم دفع الإيجارات يسكنون في ملاجئ ذات جدران متداعية وتكثر بها العقارب، وأن العديد من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يموتون يومياً في مستشفى المدينة.. وعادت مجموعات كبيرة إلى الخرطوم.

وقالت ازدهار جمعة، وهي محامية ومتطوعة محلية، إن "في مروي التي تبعد 340 كيلومتراً شمالي الخرطوم، شهد العمال والمزارعون نضوب مصادر دخلهم، بينما يكابد المتطوعون المحليون لتوفير وجبات أساسية للنازحين الذين ينام بعضهم على أرائك أو طاولات".

وقال إبراهيم البدوي، وهو وزير مالية سوداني سابق وباحث اقتصادي، إن الضرر في البنية التحتية في المناطق الثلاث الأكثر تضرراً من الحرب، وهي الخرطوم ودارفور وكردفان، قد تبلغ قيمته 60 مليار دولار أو 10% من قيمة البنية التحتية الإجمالية. ووفقاً لتقديراته فقد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي هذا العام 20%.

وذكر "إذا توقفت الحرب فسيكون السودان في حاجة لدعم اقتصادي عاجل بين 5 و10 مليارات دولار لإنعاش الاقتصاد"، وأضاف "استمرار الحرب سيؤدي إلى تدمير الاقتصاد والدولة السودانية".

نقص في جهود الإغاثة

وارتفعت أسعار الكثير من المنتجات منذ بدء الحرب.. وانخفضت العملة إلى 900 جنيه سوداني مقابل الدولار في السوق السوداء في مدينة بورتسودان المطلة على البحر الأحمر، وهي مقر لمسؤولي الحكومة وموظفي الإغاثة، مقارنة مع نحو 560 جنيهاً في أبريل (نيسان) الماضي.

وقال عمر خليل، الذي فر من أم درمان إلى بورتسودان في يونيو (حزيران) الماضي مع زوجته وأطفاله الثلاثة: "الداعم الأساسي للشعب السوداني هم العاملون في الخارج.. شايلين المسألة على كاهلهم وهي مسألة ما سهلة، لكن ده الحاصل حالياً، ودي مسألة إذا استمرت ما يمكن أن تستمر على طول".

وكان خليل وزوجته معلمين، لكنهما الآن يصنعان المثلجات في المنزل لبيعها إلى المتاجر، وهناك نقص شديد في تمويل جهود الإغاثة الدولية للسودان، إذ تقول الأمم المتحدة إنه لم يُقدم سوى أقل من 25% من 2.6 مليار دولار مطلوبة هذا العام حتى منتصف أغسطس (آب) الماضي، ويقول موظفو الإغاثة إن عمليات تقديم المساعدات واجهت عراقيل أيضاً بسبب الروتين الحكومي وانهيار الخدمات والأمور اللوجستية التي تتمركز في العاصمة.

وتشعر السلطات بالقلق بشأن عمليات الإغاثة التي يقوم بها متطوعون محليون وتريد إيواء النازحين في مخيمات، لكن ويل كارتر من المجلس النرويجي للاجئين قال إنه لا توجد أموال لإدارة تلك المخيمات على النطاق المطلوب، وأضاف أنه في أنحاء السودان تم إجلاء بعض النازحين المستأجرين، بينما لا يزال معظمهم يقيم مع العائلات أو غرباء.

وقال: "سوف نصل إلى طريق مسدود.. الناس الذين يستوطنون تلك المدن سيعيشون معوزين فيها".

المصدر: موقع 24

كلمات دلالية: زلزال المغرب التغير المناخي محاكمة ترامب أحداث السودان سلطان النيادي مانشستر سيتي الحرب الأوكرانية عام الاستدامة الملف النووي الإيراني أحداث السودان النازحین فی

إقرأ أيضاً:

بعد تحرير الخرطوم.. قوى سياسية سودانية تستعرض رؤيتها لمستقبل البلاد في لندن

عقد وفد من القوى السياسية والمجتمعية السودانية اجتماعًا في معهد تشاتام هاوس بالعاصمة البريطانية لندن، برئاسة الدكتور التجاني سيسي محمد، حيث استعرض خلاله الأوضاع الراهنة في السودان، في ظل التحديات السياسية والأمنية التي تواجه البلاد. وناقش الوفد مبادرة القوى الوطنية المطروحة في بورتسودان، والتي تهدف إلى إطلاق فترة تحضيرية تمهد لحوار شامل يحقق الاستقرار السياسي والدستوري.

مناقشة المبادرة السودانية للتحول الديمقراطي

ركز الاجتماع، الذي عُقد أمس الأربعاء، على المبادرة التي طرحتها القوى السياسية والمجتمعية السودانية في بورتسودان خلال شهر فبراير الماضي، والتي تقوم على إطلاق فترة تحضيرية مدتها عام، تهدف إلى معالجة القضايا العاجلة التي تواجه السودان وتهيئة الأوضاع لعقد حوار سوداني–سوداني شامل داخل البلاد، دون إقصاء لأي طرف، باستثناء من يواجهون تهما جنائية أو يسعون إلى تشكيل حكومة موازية تهدد وحدة السودان.

وأكد أعضاء الوفد أن هذه المبادرة تعكس حرص القوى السياسية على دعم التحول المدني والديمقراطي، والانتقال إلى مرحلة جديدة تُبنى فيها مؤسسات الدولة على أسس قانونية ودستورية متينة. كما شددوا على أهمية أن تكون العملية السياسية سودانية خالصة، تحظى بتأييد شعبي ودعم دولي متوازن.

دعم القوات المسلحة وبحث الضمانات الدستورية

خلال الاجتماع، أكد الوفد دعمه للقوات المسلحة السودانية، ووقوف القوى الوطنية معها في أداء دورها لحماية وحدة البلاد وأمنها واستقرارها. كما تطرق النقاش إلى التعديلات المقترحة على الوثيقة الدستورية، وضمانات الحوار السياسي، والترتيبات اللازمة للعدالة الانتقالية، وبناء الثقة بين مختلف القوى السياسية السودانية لضمان نجاح المبادرة.

وشهد الاجتماع نقاشًا بناءً اتسم بالشفافية والانفتاح، حيث تبادل الطرفان وجهات النظر حول سبل دعم الاستقرار السياسي في السودان وتعزيز فرص الحل الشامل والتحول الديمقراطي.




التجاني سيسي.. خلفية عن الشخصية القيادية

يعد الدكتور التجاني سيسي محمد من الشخصيات السياسية السودانية البارزة، حيث شغل عدة مناصب قيادية، من بينها رئاسة السلطة الإقليمية لدارفور. لعب دورًا محوريًا في المفاوضات المتعلقة بالسلام والاستقرار في السودان، وساهم في العديد من المبادرات السياسية الهادفة إلى تحقيق المصالحة الوطنية. يتمتع بخبرة طويلة في العمل السياسي والدبلوماسي، ما جعله شخصية مؤثرة في المشهد السوداني، خاصة في ما يتعلق بالتحولات الديمقراطية وجهود بناء الدولة.

أهمية تشاتام هاوس في دعم الحوارات السياسية الدولية

يُعتبر معهد تشاتام هاوس من أبرز المراكز البحثية في بريطانيا والعالم، حيث يوفر منصة للنقاشات السياسية والدبلوماسية، ويستضيف لقاءات بين قادة دوليين وممثلين عن المجتمع المدني. ويأتي هذا الاجتماع في سياق الجهود الدولية لدعم التحول الديمقراطي في السودان، بعد سنوات من الاضطرابات السياسية، حيث تسعى القوى السودانية إلى الحصول على دعم دولي لتعزيز فرص نجاح المرحلة الانتقالية.

ويأتي هذا اللقاء بعد تمكن الجيش السوداني من السيطرة على العاصمة الخرطوم، وتراجع مناطق نفوذ قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.

وضم وفد القوى السياسية والمجتمعية السودانية كلًا من نبيل أديب، نور الدائم طه، علي عسكوري، والدكتور محمد زكريا، فيما شارك من جانب معهد تشاتام هاوس السفيرة روزاليند مارسدن، والأستاذ أحمد سليمان، كبير الباحثين في برنامج أفريقيا.

في ظل استمرار التحديات التي تواجه السودان، يبقى الرهان على نجاح المبادرة السياسية الجديدة في خلق بيئة توافقية تضمن استقرار البلاد وتمهد لمرحلة ديمقراطية جديدة.


مقالات مشابهة

  • «الهجرة الدولية» تصف الأوضاع في الخرطوم بـ «المأساوية»
  • تأجيل حظر تيك توك في الولايات المتحدة مرة أخرى بعد تعثر في التوصل إلى اتفاق بيعه وسط الحرب التجارية
  • “نيويورك تايمز” تنشر فيديو لاستشهاد عمال الإغاثة في غزة مارس الماضي وتدحض الرواية الإسرائيلية
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • إنكسار المليشيا في وسط السودان والعاصمة هو إنتصار كبير ما زلنا بحوجة إلى (..)
  • تقارير عن استخدام أسلحة محظورة في السودان
  • منى عمر: تحرير الخرطوم انتصار معنوي وخطوة نحو الاستقرار بالسودان
  • السودان: الشرطة الأمنية تتولى تأمين دار الوثائق القومية بوسط الخرطوم
  • شاهد بالفيديو.. قائد الهلال “الغربال” يحكي قصة اللحظات الصعبة التي عاشوها في الساعات الأولى من الحرب بالخرطوم
  • بعد تحرير الخرطوم.. قوى سياسية سودانية تستعرض رؤيتها لمستقبل البلاد في لندن