لجريدة عمان:
2025-03-29@00:59:25 GMT

عن الشعر والروح واللغة العالمية

تاريخ النشر: 26th, September 2023 GMT

عن الشعر والروح واللغة العالمية

ترجمة: أحمد شافعي -

الشعر عندي ممارسة روحية، تضعني قراءته وكتابته في تماس مع شيء أكبر من نفسي، شيء غير ملموس، لكنه حقيقي للغاية. ولأن القصائد يمكن أن تقرأ في سياق قصائد أخرى، فإنها تضعني في تماس مع تراث، مع كتَّاب من الماضي وكتَّاب أيضا من الحاضر. وأعرف من الناس من يعافون كلمة «الروحي» لما لها من إيحاءات دينية، لكن عالم الروح أكثر شيوعا من المعتقدات والمؤسسات.

فحتى لو أن المرء مادي للغاية، فإن بوسعه التفكير في الروح بوصفها الغيب، أي عالم الممكن المجهول. ونحن في القصائد نحاور روح العصر أو طبيعته الغالبة، نحاورها أو أو نتواصل معها. وثمة كلمة أخرى قد نستبدلها بالروح هي «الصمت»، أعني الخصوبة الداخلية التي تنبت منها الأفكار والآراء. أو على حد قول الفيلسوف الفرنسي جون فال: «لعل الشعر هو طريقتنا الوحيدة لتلوين الصمت والتأثير فيما يعقبنا أو يعاصرنا». وبالمثل، بوسعنا أن نساوي الروح بقيمة الفضاء أو الخواء البوذية. وسوف أجتنب كلمة «العدم» التي يبدو أنها توحي باللاشيء، فظني في الشعر أنه نقيض ذلك. إن من تعريفات الشعر الأثيرة عندي مقولة لجو برينارد تقتنص ما فيه من بساطة وأناقة: «الشعر هو ذلك الـ«شيءٌ ما» الذي كثيرا ما نجده مفقودا». أكثر ما يروق لي في هذه العبارة هو جوهر الاكتشاف الذي تشير إليه. إذ المرء يقرأ قصيدة يحبها، فإذا به من جديد وقد اكتشف ما معنى الشعر عنده. ولزاما عليّ أن أعترف، بأنني أيضًا أحب ما في «الـ شيء ما» من إبهام. لأنك لن تعرف ما هذا الشيء إلا حين تجده، ولن تجده إلا إذا بحثت. ولقد قضيت على مدار السنة الماضية قدرًا لا بأس به من وقتي وأنا أبحث عن القصائد. وأنا بطبيعتي أقرأ الكثير من الشعر، لكنني منذ وقت طويل لم أقرأ بكل هذه الكثافة خارج منطقتي الآمنة أو اهتماماتي. كما أنني في العادة لا أحصر تركيزي في ما يجري الآن في الشعر الأمريكي. فكان ذلك مجزيًا لي جزاء عظيما وكانت تجربة مثيرة. ولأنني مارست التدريس على مدار سنين كثيرة، فإنني معتادة على النموذج الزراعي، نموذج نثر البذور وتعهد النمو البطيء بالرعاية. فكان تغيرًا مبهجًا أن أبدل دوري وأصبح أقرب إلى الصيد. والواقع أن المهمة تحولت إلى إدمان، فلم أستطع أن أوقف نفسي عن البحث عن القصائد. ويتبين لي أنني أحب «تسوق» القصائد (إن آثرت استعارة أقل روحية) أكثر مما أحب تسوق الوجبات الخفيفة اللذيذة، أو حقائب المصممين، أو أي شيء آخر، فالشعر هو الرفاهية الوحيدة التي لا غنى لي عنها. والشعر كما تقول أودري لورد «ليس ترفا. إنما هو ضرورة حيوية من ضرورات وجودنا». وبودلير أشد منها جزما إذ يصر على أن «المرء بوسعه أن يعيش ثلاثة أيام دونما خبز، أما دونما شعر فلا».من المغانم العظيمة في تولي مسؤولية تحرير كتاب «أفضل الشعر الأمريكي» أنها تأتي مشفوعة باشتراكات في مجلات كثيرة. بدأت أتطلع من جديد إلى البريد، فبدلا من الفواتير والدعايات، بات يضع في طريقي مددا ثابتا من الإصدارات المثيرة للاهتمام. ومع ذلك، كان ينتابني قلق من كثرة ما لا أراه. بدأت أنقب في متاجر الكتب، سواء سلاسل المتاجر أم المتاجر المستقلة. وبعض هذه أفضل من بعض في ما تعرضه من مجلات الشعر، ولكن ليس بالمفاجئ أن المجلات الشعرية لا تحظى بأولوية كبيرة، وخاصة منذ تراجع الإصدارات الورقية. وبالطبع كنت أبحث في الإنترنت أيضا. كنت أعرف بالفعل كثيرا من المجلات الرقمية اللطيفة وعثرت على الكثيرات غيرها بمداومتي على تحسين عملياتي البحثية. وكان من أكبر حلفائي أولئك الذين يضعون في صفحاتهم بفيسبوك وتويتر وانستجرام قصائدهم المنشورة حديثا مذيلة بروابط إلى المواقع. فمهما يكن رأيكم في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها تتيح لنا بسرعة رائعة تجربة مجموعة واسعة من المجلات التي قد لا نكون على دراية بها لولا هذه المواقع.

ومهما يكن شكل المجلات فإنها لم تزل تساعد في الوصول إلى الشعر. فهي أكثر من محض أماكن للنشر، وإن يكن ذلك وحده سببًا وجيهًا للغاية لدعمها. وهي كثيرا ما تنشر تعليقات وعروضا نقدية ومقالات حول أحدث النقاشات الجمالية. والمجلات هي الأماكن التي يكتشف المرء فيها ما يتكلم عنه الناس من القصائد والأسباب التي تدعوهم إلى ذلك. وإصدار مجلة أمر يستوجب التزامًا جادًا واستثمارًا في الوقت والموارد. فالتحدي كبير، في ضوء تخفيض الميزانيات المستمر في الجامعات وبرامج الفنون الممولة على المستوى الوطني. ولذلك أود أن أشجع كل من يقرأ هذه السطور، وأي شخص يبالي بالشعر، على أن يبحث عن مجلة شعرية أو اثنتين يجد فيهما نفسه ويشترك فيهما. واغفروا لي هذا العرض الإعلاني، ولكن هذا أمر أجد نفسي مدفوعة إليه. فنحن بحاجة إلى الاهتمام ببيئتنا الأدبية، كما أننا بحاجة إلى الاهتمام ببيئتنا المادية. وقد تنظرون في أمر التبرع لموقع (بويتري ديلي) أو (قصيدة اليوم من أكاديمية الشعراء الأمريكيين) فهما خدمتان ممتازتان مجانيتان تبعث كل منهما قصيدة إلى بريدك الإلكتروني كل يوم. وأنا واثقة من أن كثيرين منكم يعرفونهما بالفعل. وقد كنت أعرفهما أيضا، لكنني في العام الماضي فقط حرصت على قراءتهما كل يوم، حتى صار ذلك طقسًا مبهجًا أتطلع إليه ويمثل نغمة مصاحبة لإحساس الغرق المرافق لاستعراض عناوين الأخبار، ونغمة مصاحبة مطلوبة. لكن هذه الأنطولوجيا لا تحمل اسم أفضل المجلات الأمريكية، فلأرجع الآن إذن إلى القصائد. لقد أحدثت فكرة بحثي عن «أفضل» القصائد بؤرة قوية. فهمت أن الأفضل يعني الأكثر إشراكا وأصالة وتحفيزا بين ما أصادفه من أعمال. لم أكن أغالي في التفكير.

والأفضل في حدود ما يعنيني كلمة قابلة للتبادل، لا تصنع تراتيبة. فلم أكن أبحث عن أفضل الشعر في كل الزمان. فما بدا الأفضل في ليلة ربما تغير في غضون شهر أو اثنين من تصفحي ملء سنة من الإصدارات الأدبية ( في ما بين خريف 2921 وخريف 2022 على وجه الدقة). وربما لا ينبغي أن أعترف بأني اندهشت من كم الكتابة المدهشة التي عثرت عليها، حتى لقد كان يسيرا عليّ أن أملأ مجلدا آخر. ولكن قالب هذا الكتاب لم يكن يتسع إلا لخمس وسبعين قصيدة فكان لا بد لي من حسم خيارات صعبة.

***

في كثير من التراثات الروحية فكرة الحكمة الجنونية - تلك الأقوال الصادمة غير المتوقعة الرامية إلى كسر أنماط تفكيرنا المعهودة. وإن من الأسباب التي تحملني على قراءة القصائد أن أتلقى تلك الإفاقة من تلك المقولة «الجنونية». ومثلما يكتب الشاعر الرومنتيكي الألماني نوفاليس: «بالشعر تبرأ الجراح التي يُعملها العقل».

أعرف من الناس من يكثرون من قراءة الكتب الرائجة، وروايات الألغاز والجريمة، وسير المشاهير، على سبيل الهروب. ومثلهم أفعل ذلك، لكنني أيضًا أقرأ الشعر للهروب، لا للهروب مما يجري في العالم، بل للهروب من الطرق المعهودة في النظر إليه. أحب في الشعر مواجهة أقوال لا يمكن للمرء مصادفتها في مكان سواه، وأشياء لا تخطر لعقل، بل هي أشياء مذهلة توسع فكرتنا عما يمكن التعبير عنه أو يعجز عنه التعبير.

***

من الأمور التي لاحظتها في كثير من المجلات التي نظرت فيها، سواء الكبيرة أو الصغيرة، المطبوعة أو الرقمية، أن هناك جهدا حقيقيا منها لأن تكون ذات منظور أكثر عالمية. سعدت بما رأيت من ترجمات كثيرة حاضرة في كل مكان، بل ومن أعداد كاملة مخصصة للقصائد المترجمة، أو المكرسة بالكامل لأعمال شعراء بلد واحد. وبرغم أن قواعد (أفضل الشعر الأمريكي) لا تسمح بتضمينه الترجمات، فإن الاتجاه إلى تمثيل المزيد من التنوع الثقافي والعرقي أتاح لي العثور على قصائد استثنائية عديدة لشعراء ولدوا في بلاد أخرى وهاجروا إلى الولايات المتحدة. في هذه الأنطولوجيا أعمال لشعراء هم أصلًا من الأرجنتين وغانا واليابان والعراق وأوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا، وكذلك قصائد لأبناء مهاجرين من شتى أرجاء العالم. وفي هذه الأصوات ثراء للمجموعة لا حدود له.

لقد جاء أبواي الاثنان إلى أمريكا من إيطاليا وهما طفلان في بواكير القرن العشرين. ونشأت وأنا أسمع الإيطالية منطوقة (من جديَّ في الغالب) بجانب الإنجليزية وكنت أنعم باللغتين إذ تغيمان وتتداخلان في حياتنا المنزلية. أحببت اكتشاف كل لغة وموسيقاها ومزاجها، وشتائمها الخاصة وتعبيراتها العامية. وفي سنوات مراهقتي، كان أول شاعر يؤثر عليّ تأثيرا هائلا هو لوركا من خلال طبعات نيوديركشنز الشعبية لمختارات من قصائده. وأنا واثقة أن فيالق كاملة من الشعراء نشأوا مستلهمين ذلك الكتاب. أعتقد أنني لم أنجذب إلى عمله وحده، وإنما إلى حقيقة أنه عمل مترجم، وكنت أعرف أن لغات مختلفة قد شاركت في إنتاجه. شجعني ذلك على التفكير في الشعر بوصفه لغة عالمية عابرة للحدود.

وفي زمن القومية السامة، من المنعش أن يبقى تراث الكوزموبوليتانية قويا في عالم الشعر. ولكي لا ننسى، أقول إن الولايات المتحدة تاريخيا مكان يمكن فيه للناس من شتى بقاع العالم لا أن يعثروا على وطن وحسب، بل وأن يثروا الثقافة الأمريكية بالإسهام بإبداعهم. يذكّرنا الشعر بما في هذا التعاون العابر للثقافات من قيمة وإثارة. وشأن العلماء الذين يتشاركون الأفكار من خلال لغة الرياضيات، لا يتوانى الشعراء عن توحيد قواهم في سعيهم وراء فنهم.

في كل عام منذ بداية سلسلة «أفضل الشعر الأمريكي» سنة 1988 حينما كان جون أشبري هو المحرر الضيف الأول للكتاب، وأنا أتطلع إلى هذا الكتاب. وأعرف كقارئة أنه مكان عظيم لاكتشاف شاعر جديد أو مجلة جديدة. وكمعلمة، استعملته في مرات كثيرة في فصلي لإثارة النقاشات، ونظرًا لتمثيله لنطاق عريض من شتى القوالب، فهو أيضا مصدر رائع للإمكانيات المختلفة. فضلا عن أنه من المثير دائما أن نعرف رأي المحرر في السنة المنصرمة.

ولقد ضم المحررون الضيوف السابقون شخصيات بارزة مميزة في رؤيتهم الشعرية مثل روبرت كريلي، وريتا دوف، ولين هيجينيان، وروبرت بينسكي، وتشارلز سيميك، وتيرانس هايز، على سبيل المثال لا الحصر. وبفضل ذائقة ديفيد ليمان [المحرر الدائم للسلسلة] الانتقائية والصادقة في ديمقراطيتها، يظل «أفضل الشعر الأمريكي» قادرا على إدهاشنا. ولذا فإنني ممتنة امتنانا عميقا لديفيد أن أولاني الثقة في تحرير هذه الطبعة.

لقد تعاونا فيه بحماس بالغ. ذلك أن حماسته معدية، ومعرفته بالشعر والموسيقى والسينما - مذهلة. والآن لقد رأيت رأي العين قدرا هائلا من العمل الذي يقوم به ليحافظ على صدور السلسلة عاما بعد عام.

من الأمور التي أجدها شديدة الروعة في «أفضل الشعر الأمريكي» أنه يضع الشعر في قلب الثقافة الجماهيرية دون أن يضحي بمعايير التميز الأدبية الرفيعة. إن سلاسل «الأفضل» في نهاية المطاف مألوفة للجميع ولها جاذبية -في ما أرجو- لدى نطاق عريض من الجمهور. وعلى هذا النحو، فإن هذه الأنطولوجيا تؤسس سياقا يمكن أن تحظى فيه الكتابة الجيدة بنطاق عريض من التذوق. ومن هنا يتسق هذا الكتاب جيدا مع ذائقتي الشخصية للمتعة الجادة، بخلطه الرفيع والدني، والمقدس والدنيوي.

إيلين إكوي ولدت في أوك بارك بولاية إيلينوي سنة 1953، لها عشرة أعمال شعرية واسعة الانتشار. تعمل بتدريس الكتابة الإبداعية. والنص المترجم لها هنا عبارة عن مقتطفات من مقدمتها لإصدار عام 2023 من سلسلة «أفضل الشعر الأمريكي».

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: فی الشعر

إقرأ أيضاً:

نبوءة الشعر بين الأدب والسلطة متن القصيدة في شعر أحمد مطر

يحتل مصطلح «الأدب والسلطة» الحيز الأكبر في المشهد المؤثر في العلاقة المتأزمة في جناحي الدولة المفترضين (الشعب والسلطة)، ولا يمكن إنكار دور الأدب في العقل الجمعي ومدى امتلاكه لزمام التحرُّش بالعقل ونفض الكُمون عنه، وهو ما يمثِّل التلويح باستخدام الصاعق بشكل يقشع الهدوء أو المساكنة بين الطرفين، وهذا متعلق في مسار يصل للغاية أو المحرك وهو «الكلمة».

ولعل توصيف الكلمة الشهيرة؛ جاء في مسرحية «الحسين ثائرا» للكاتب المسرحي عبد الرحمن الشرقاوي، هو توصيف عميق للكلمة:

أتعرف ما معنى الكلمة...؟

مفتاح الجنة في كلمة

دخول النار على كلمة

وقضاء الله هو الكلمة

الكلمة لو تعرف حرمة

زاد مذخور

الكلمة نور

وبعض الكلمات قبور

بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان بين نبي وبغي

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور

ودليل تتبعه الأمة

عيسى ما كان سوى كلمة

أَضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

إن الكلمة مسؤولية

إن الرجل هو الكلمة

شرف الرجل هو الكلمة

شرف الله هو الكلمة

ولأننا نتحدث عن الكتابة باختلاف مشارب مزاوليها، فالتَّعريج على مفهوميِّ الثقافة والأدب لازم في ظل التشابك والتداخل بينهما، نظرا لقلة التنظير الثقافي في توجيه البوصلة للتفريق بين الأدب والثقافة، على أن الرأي المتوافق أن الأدب هو أحد تجليات الثقافة التي تعزز الإيمان بالهوية وصقل الشخصية الإنسانية.

وإذا أردنا الاقتراب من التاريخ الأدبي المعاصر بمنطق الكلمة المؤثرة؛ فإننا سنشير إلى أحد الشعراء الذين كان لهم باع طويل في تعزيز الإدراك الجمعي المؤثر للقارئ العربي وهو الشَّاعر الكبير أحمد مطر، والذي كان يخاطب الإنسان بجوانبه المختلفة، المؤطر وغير المؤطر والبسيط، ولذا اتسم شعره بالنخبوي، والشعبي على كلا الحالين.

وأذكر أن أول كتاب قرأته في حياتي «غير منهجي» وفي مرحلة مبكرة خلال نشأتي في الكويت؛ ديوان «لافتات1»، وقد قرأت تلك الإشعالات الفكرية بثوبها الشعري، لم أكن حينها أفقه المعنى الفكري لما يكتب أحمد مطر، لكني كنت واعيا بالقدر الذي يسمح لي بالقول: إن شعره كان يختلف عن الشعر المتداول حتى ما يسمى الشعر الثوري، ولعل أول توصيف حقيقي قدمه أحمد مطر لمسيرته الشعرية كان أول سطر حين قال:

سبعون طعنة هنا موصولة النزف

تبدي ... ولا تُخفي

هذا المفتتح؛ أقر هوية الشاعر أحمد التي خطّها لنفسه منذ البداية، وكأنه عالم متنبئ بالقادم من حياته التي تقيدت بحريته!

وربما جاز التساؤل: لماذا اختط أحمد مطر هذا المسار المرهق أو حتى الجنوني منذ البدء؟

لقد أراد أحمد مطر تقديم صوت مختلف في الصراع مع السلطة، والسلطة لدى أحمد مطر ليست نظاما بعينه بل هي ممارسات القمع «انتقاص الكرامة» في أي مكان فيه تكبيل للحرية، ليس لأن النظام يريد ضبط قانونه بل لأنه عرف الحق الأوحد في الحياة وهو الحرية.

صوت مرتبط بغاية الشعر في مثلثه المتناغم؛ الشَّاعر والمتلقي والفلسفة الوجودية، في التعبير عن الفعل الحقيقي في التأثير في المتلقي، وإضافة نوعية في التاريخ الشعري المعاصر من خلال رسالة واضحة المعالم، تلبس أثوابا نسجها الشَّاعر بطريقته لإيصال التأثير المطلوب.

لقد استخدم أحمد مطر التصريح الظاهر مع مُشكِّلات من التعريض الهامز لإيصال رسالة تصل إلى المتلقي في المقام الأول، آخذا في الاعتبار أن من بين فئة التلقي من يغبش صورة من يحاولون تجميلها عبر الإعلام الرسمي، كاشفا عوراتهم بوضوح.

تتجلّى القيمة الفنية لشعر أحمد مطر؛ أنه يقوم على مرتكز شعر التفعيلة وتفاعلها مع الصورة الشعرية، باعتبار ذلك تأطيرا فكريا لرسالته وليس بوصفه محسنا بديعيا أو زائدا على المعنى، أو اشتغالا على وزن وقافية فقط.

على أن الشاعر اختار في انتقاء تراتبية قصائده بشكل مقصود؛ آخذا في الاعتبار المنتج الخارج من تكالب السلطة على المعنى الإنساني حتى أفرز ما كتبه مطر في قصيدة «طبيعة صامتة».

في مقلب القمامة

رأيتُ جثة لها ملامحُ الأعراب

تجمعت من حولها «النسور» و«الذباب»

وفوقها علامة

تقولُ: هذي جيفةٌ

كانت تسمى سابقاً.. كرامة!

إذًا؛ فالمسوّغ الفكري الحاصل للنتيجة التي انبثق منها مسار أحمد مطر؛ التردي الحادث الذي أفضى إلى انتفاء الاستقلال الوطني الحقيقي، وأشار إلى ذلك بقفلة القصيدة:

تقولُ: هذي جيفةٌ

كانت تسمى سابقاً.. كرامة!

لقد اعتاد أحمد مطر في شعره اللَّاذع شد القارئ بفاعلية من خلال تجديد اللغة الإبداعية، ما بين الإطار التصويري والنقلات المجازية في متن القصيدة، مما أسهم في تحوّل السياق إلى تنوّع الدلالات من عدة زوايا، ومن هذا:

يقظة

صباح هذا اليوم

أيقظني منبه الساعة

وقال لي: يا ابن العرب

قد حان وقت النوم!

لم يَسقط الشاعر أحمد مطر في فخ التّشاكل الُّلغوي، بل عمل على استثمار الفكرة في المواءمة بين اللَّسعة الفكرية وبين الَّلذة اللُّغوية المباغتة، من خلال تفويض القصيدة بإمتاع القارئ بمتعة مختلفة؛ المتعة المعرفية، بمعنى أن القارئ يلمح الإدراك الجمالي في القصيدة، ولكنه في الوقت نفسه يعمل على استقاء المعرفة لسبب ومعنى القصيدة، وهذا يحيله إلى التفكر في مآلات المتن وفكره، وهذا ما كان كمثال في قصيدة الثور والحظيرة؛ التي كانت واصفة لاتفاق «كامب ديفيد» بين الكيان الصهيوني والنظام المصري، حيث يقول:

الثور فر من حظيرة البقر

الثور فر

فثارت العجول في الحظيرة

تبكي فرار قائد المسيرة

وشكلت على الأثر

محكمة.. ومؤتمر

فقائل قال: قضاء وقدر

وقائل: لقد كفر

وقائل: إلى سقـر

وبعضهم قال امنحوه فرصة أخيرة

لعله يعود للحظيرة

وفي ختام المؤتمر

تقاسموا مربطه.. وجمدوا شعيره

وبعد عام، وقعت حادثة مثيرة

لم يرجع الثور

ولكن

ذهبت وراءه الحظيرة!

وقد تنبأ أحمد مطر منذ عقود باتفاقات التطبيع المُعلنة التي حدثت في القرن الـ21.

الفارق في شعر أحمد مطر؛ الجمع بين المتناقضات، بين اللَّذة اللُّغوية، والمعنى المعرفي، والألم الشعوري، وفي ذلك أحدث مطر شكلا أنيقا بل وشهيا أليما في المستوى الحسي للقصيدة.

وعلى الرغم مما يحيط بقصيدة مطر من إشكالات فكرية، لا تتوافق مطلقا مع السلطة – أية سلطة – يُعمل في استنطاق اللغة بتشاكل قد يراه القارئ العادي مثلبة، إلا أن وحدة القصيدة تفرض نفسها وتحقق الغاية منها، بعيدا عن التشكيلات التي تمنحها لغة الشَّاعر لها، من تدفق في الرؤية ومواءمة التَّضاد، وهذا ما يمكن ملاحظته في قصيدة «إنجيل بوليس»!

في البدء كان الكلمة

ويوم كانت أصبحت

مُتهمة

فطورِدت

وحوصِرت

واعتقلت

..وأعدمتها الأنظمة

**

في البدِء كانت الخاتمة!

بدأ أحمد مطر القصيدة بما يعرف «التعالق النصي» أو «التّناص» في عتبة القصيدة «إنجيل بوليس»، وكذلك مستعينا بالتناغم الموسيقي مع الوزن، وإظهارا لمعنى فكري، وتأصيلا لبيان الكينونة في المفتتح، بديمومة البدء لا بكينونة المفردة، كما ورد من قريب التماثل قوله تعالى «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...»، ولهذا فإن انتقال الكينونة من «كان» و«كانت»؛ أعطى إشارة إلى انتفاء القوامة أو السطوة! ولهذا ذكر مطر: «ويوم كانت أصبحت متهمة» بعد المفتتح، وأنهاها بقوله: «في البدء كان الخاتمة» بتأكيد على انتفائها عن «كانت»!

لم يختر مطر في نقده للسلطة طريق المواربة أو طريقا يسمح ببعض التفاهم غير المعلن، بل لم يترك فرصة لمثل هكذا احتمالات، لم يلجأ إلى الرمز في غالب أعماله بل لعل هناك انتفاء له، وما يجعلنا نقرُّ بذلك كثير الأمثلة، ومنها بشكل فاضح قصيدة حالات:

بالتمادي

يصبح اللص بأوربا

مديرا للنوادي

وبأمريكا

زعيما للعصابات وأوكار الفساد

وبأوطاني التي

من شرعها قطع الأيادي،

يصبح اللص

..رئيسًا للبلاد !

وكأن هذه القصيدة وغيرها، هي من بنات العمل السياسي الواضح، بل والثوري على السلطة، بوصف امتطاء سدة الحكم عملا لا أخلاقيا! مما يشكل انحيازا أيديولوجيا لفكرة الوصول للسلطة، إن أحمد مطر في هذه القصيدة يحاول تجنيس مفهوم الوصول للحكم باللُّصوصية، أي أنه لم يمارس المعارضة النقدية الإصلاحية، لإيمانه بأن الاجتثاث أفضل الطرق للتغيير، إذًا؛ هو لم يحاول في شعره النقد بطريقة المهادنة أو التراتبية في النقد، ولم يكن ضمن المثل الدَّارج «الكي آخر العلاج» بل جعله أولوية، لأن -في اعتقاده- الأمر لا يحتمل الرُّكون إلى المحاولات غير المعروفة نتائجها في الإصلاح، ولإيمانه بأن من يطمح للوصول؛ هو طامع في المكاسب وغير مستعد للتنازل.

ذهب أحمد مطر في التلويح بالثورة إلى أبعد من ذلك؛ فخاطب الفئة المستضعفة التي لا تملك حولا ولا قوة، فجعل ممارستها للثورة الداخلية ملجأ له من الضعف والتشرذم الداخلي، حيث قال في قصيدة «سلاح بارد»:

يا أيها الإنسان

يا أيها الموجوع،

المخوف،

المهان يا أيها المدفون في ثيابه

يا أيها المشنوق من أهدابه

يا أيها الراقص مذبوحا

على أعصابه

يا أيها المنفي من ذاكرة الزمان

شبعت موتا فانتفض

آن النشور الآن

بأغلظ الإيمان واجه المآسي

بقبضتك حطم الكراسي

إن لم تستطع فجرد اللسان

قل: يسقط السلطان

أما إذا لم تستطع

فلا تدع قلبك في مكانه

لأنه مدان

يسبق أحمد مطر غيره من الشعراء؛ نضوج الفكر الثوري الكاشف للمشهد السياسي، الآخذ أعلى نقطة في سلَّم المعارضة السياسية للسلطة بالأدب، وبالشعر خاصة؛ ذلك لأن الشعر في بدايات أحمد مطر كانت له السطوة الجارحة والناقمة على السلطة، فأضحى ملاذا للمعارضين.

يقول الشَّاعر والناقد «خورخي لويس بورخيس» في كتاب (لغز الشعر): «الأدب يبدأ بالشعر»، وفي قول آخر في الكتاب نفسه: «إن المهم، دون شك، هو ما وراء بيت الشعر».

ولعل هذا المفهوم؛ يقودنا إلى القيمة الإبداعية للأدب، وخاصة «الشعر»، وإلى القيمة الذَّاتية للشاعر، والذي هو في الأصل فرد من المجتمع، يتأثر بمحيطه ويؤثر، على أن أحمد مطر شقَّ لشعره مسارا خاصا؛ كان الثقل أو المرتكز المحرك «العاطفة»، ولا نعني بالعاطفة بمفهومها المرهف، بل بمفهومها الانتمائي للقضية وللمبدأ.

وبعيدا عن الأصناف الأدبية الأخرى؛ فإن الشعر يمثل الحلقة الأقوى في توسيع دائرة الصَّدى، وإنفاذ المعادلة القائمة بين الأدب والسلطة، وعلى هذا فإن أحمد مطر استخدم مفهوم الصدق المكشوف في عمليته الشعرية النقدية للسلطة، وهذا بالطبع يضع مسار الكتابة دوما في اصطدام دائم في ظل كشف الأفكار النقدية بشكلها الشعري الحر. ولا يخفى أن الأسلوب الذي اتبعه أحمد مطر في انتقاده اللَّاذع للسلطة إثارة فردية شكلا، لكنها في الوقت نفسه ممارسة جماعية من خلال التفاعل بين الشَّاعر وقرائه ومتابعيه.

ولا يخفى على مطَّلع أن شعر أحمد مطر خطابي بالدرجة الأولى؛ حيث الصوت الحكائي، وميزان التعبير المختل في الوطن العربي؛ دعا مطر إلى التنبيه والتوبيخ في تعبيره بشكل صارخ، معلنا بطريقته الساخرة والتهكمية؛ إنفاذ حرفه بكشف عورات الحكّام، يقول مطر في قصيدة «المبتدأ»:

قَلَمي رايةُ حُكْمي

وبِلادي وَرَقَهْ

وجماهيري ملايينُ الحُروف المارقةْ

وحُدودي مُطْلَقَهْ.

ها أنا أسْتَنشِقُ الكَوْنَ،

لبِستُ الأرضَ نعْلاً

والسّماواتِ قَميصا

ووضعْتُ الشّمسَ في عُروةِ ثوبي

زَنْبَقَهْ

أضاف الشاعر أحمد مطر نوعا جديدا في الكتابة الشعرية؛ وأظنه أقرب إلى الرسم الكروكي الهندسي في شكل شعري.

عبَّر عن سلطته وأفرد مقوماتها، ثم أبان مميزاتها التي تفتح له آفاقا رحبة، فوجَّه إلى من يمتلكون رقعة جغرافية ما؛ بأنه أكبر منهم جميعا.

مما يلفت الانتباه؛ أن الشاعر أحمد مطر حرص في صياغته للقصيدة، على عدم الإخلال بالنموذج المنهجي لشعره الوطني بالمفهوم السياسي للوطن، بين ثلاثة عناصر: (أداة الحكم - الشعب - الأرض)، وجعل الترتيب ضروريا في تصنيف المهم فالأهم؛ فنراه يختار أداة حكمه (قلمي راية حكمي)، واختار الكناية في قوله: (وجماهيري ملايين الحروف المارقة) تعبيرا عن الشعب، وجعل حدود حكمه مطلقة، وكأنه يتحدى فئة الحكَّام أن يطاولوا ملكه عظمة، على الرغم أننا نرى النفس السلطوي للقصيدة، يمكن القول: إن مطر قد زاد من وتيرة التوصيف الشعري، تماهيا مع ما يعتقده من استقواء الحكَّام في بسط نفوذهم، فكان ما سبق استعلاء مقصودا منه على الحالة.

يمكن من خلال هذه القصيدة النظر إلى التناسب المنطقي في عرض مطر لحكمه في مملكة الشعر الذي نراه في عالم القصيدة السياسية أو بالأحرى الشعر السياسي ضمن سياسة الأدب، في إدراك للعملية الإبداعية المتناسبة مع المنطق والصياغة الشعرية.

يقول الناقد الأمريكي (رينيه ويليك) في كتابه مفاهيم نقدية عن كتابه المعنون بـ(نظرية الأدب):

حاولت في كتابي «نظرية الأدب» أن أقدم الأدلة على اختلاف بعض فروع الدراسة الأدبية عن بعضها الآخر.

ومما قلته: «إن هناك، أولا، فرقا بين النظرة التي تعتبر الأدب كيانا متزامنا وبين النظرة التي تعتبر الأدب سلسلة من الأعمال المرتبة حسب تسلسلها الزمني وأجزاء لا تنفصل عن مسار التاريخ. وإن هناك ثانيا، فرقا بين دراسة المبادئ والمعايير الأدبية، وبين دراسة الأعمال الأدبية ذاتها، سواء أدرسناها بمعزل عن غيرها أو كجزء من أعمال مرتبة حسب تسلسلها الزمني».

في المقتطف الأول؛ نرى أن الشَّاعر أحمد مطر قد حقّق النظرتين القائلتين بالمزامنة والتسلسل الزمني التاريخي، حيث كان مداوما على التفاعل مع القضايا العربية باختلاف مشاربها وأماكنها، غير عابئ بما قد يُؤخذ عليه، ومرد ذلك هو حريته التي جعل منها مملكة، هو الآمر والناهي فيها.

وهو أيضا من خلال المداومة على التفاعل يحقّق الكتابة الأرشيفية بشكلها التاريخي، فهو حين يكتب عن حدث ما أو قضية ما؛ يكوِّن من كتابته تأريخا يمكن الرجوع إليه، لمعرفة ما كتب في تلك الفترة، بمعنى كتابة القصيدة في ذكرى الحادثة أو الموقف الفلاني.

ولأن أحمد مطر شاعر مقتدر وقدير في لغته وجذور عمليته الإبداعية؛ يمتلك ملكة المباغتة في السياق الشعري والفكري معا، وللدلالة على ذلك يمكن أخذ مثال واضح، قصيدة «غربة كاسرة»:

ربّ طالت غربتي

واستنزف اليأس عنادي

وفؤادي

طمّ فيه الشوق حتى

بقيّ الشوق ولم تبق فؤادي !

أنا حيّ ميتٌّ

دون حياة أو معاد

وأنا خيط من المطاط مشدودٌ

إلى فرع ثنائيّ أحادي.

كلما ازددت اقترابا

زاد في القرب ابتعادي!

استخدم أحمد مطر قوة التخييل كمادة كلِّية في القصيدة، حتى أن القارئ بات ينتظر النسق المعتاد للشاعر، فالسمت المعمول به في القصيدة هو التركيبة الواحدة في تصويب التوجيه نحو الوطن! فعمل على إيهام القارئ بالحنين وصعوبة العيش في الغربة المكانية والنفسية، عبر إشارات توحي بالتخييل، مما يعرض القارئ إلى الاستجابة الضمنية لشيء مركب في النفس البشرية «حب الوطن»، فقد مارس مطر تقبيح الغربة، وتحسين ميزات الوجود في الوطن، وعلى مسلكية ثابتة يقوم أحمد مطر بتأثيث تخييله، بدءا من الدعاء، إلى إحساسه بالشوق، وأبان عدم مقدرته على الاستمرار بوصف الغربة كاسرة، حين يُخيل للقارئ أن نهاية القصيدة متوقعة؛ وهي طلب العودة والصفح!

لقد خذل مطر مناوئيه ومن كان يشمت طيلة مسير القصيدة إلى النهاية؛ زاد في جرعة التخييل حتى الرمق الأخير منها، فكانت النهاية قنبلة مدوية، لقد عرض مطر فاعلية التحسين والتقبيح من منظور فلسفي بحت، بشكل رتيب ومنظم، حتى أننا ظننا أن القصيدة قصيدة أخلاقية بالدرجة الأولى بعيدا عن تحرشات مطر المعتادة، فإذا به ينقضُّ علينا بقنبلته.

لقد شكل مطر التصور الأخلاقي بطريقة مغايرة، وذهب إلى استقدام «الدُّلسة» و«الدَّلَس» معا؛ حيث أعمى تفكيرنا عن وجود خديعة، ثم واجهنا بها في آخر القصيدة، ونجح في ذلك بشكل متقن، على أن القارئ النابه لن تنطوي عليه مثل هذه المحاولات المطرية، لإيمانه بأن هذا المقروء ما هو إلا مغالطة منطقية لطريقة الشَّاعر ومسار علاقته مع السلطة.

أعتقد جازما؛ أن أحمد مطر كان شاعرا سلطويا بالدرجة الأولى، وقد يتفاجأ الكثير من هذا الوصف، لكني هنا لا أقصد انتماءه للسلطة الحاكمة، بل لقد أحكم أحمد مطر دور السلطة الحاكمة في شعره، لقد كان سلطة بذاته، تأمر وتنهى، وتكشف وتُخفي، تبين الواقع وتُعري المواقف، وهذا ما كان في تشكيله في الوجدان العربي، شعلة من الغضب، وساعده على ذلك الجو المناهض لممارسات السلطات العربية، والجو الأدبي الحاضر آنذاك؛ بقوة المشهدين الثقافي والسياسي من خلال الحالة النخبوية المتواجدة القريبة من المشهد السلطوي أو الحالة التي كانت تحظى بالتفاف جماهيري واسع، هذان العاملان ساهما في وجود بحبوحة لدى الأديب من جهة والجماهير في إتقان العلاقة بينهما من جهة أخرى؛ وكأن هناك اتفاقا أو تفاهما غير مكتوب من السلطة وكتّاب الأدب بنوع من المهادنة غير المعلنة، أولا؛ لإفساح المجال لبعض الحرية، وثانيا؛ محاولة تجميل الصورة السوداء للسلطة ولو ببعض الرتوش.

ناهيك على محاولة السلطة استقطاب عدد كبير من الأدباء لجانبهم؛ سواء بالترغيب أو الترهيب، ترغيبا في إعطاء المجال للكتابة الحرة المقنَّنة، وإرهابا في إغلاق أنبوب التَّنفس وبالتالي التضييق لحد التوقف عن الكتابة والملاحقة الأمنية أو الهجرة.

إن أسمى القيم التي يمنحها الأدب للإنسان هي التفكير؛ التفكير القائم على احترام الكينونة الإنسانية، وعدم التعدي عليها بأي شكل من الأشكال، وهو ما يعني المفهوم المعروف «الحرية».

طلعت قديح كاتب فلسطيني

مقالات مشابهة

  • الاتزان والتوازن النفسي.. ما الفرق بينهما؟
  • جامعة كفر الشيخ تعقد ندوة بعنوان "التحديات العالمية التي تواجه الأسرة المصرية"
  • التحديات العالمية التي تواجه الأسرة المصرية.. ندوة بجامعة كفر الشيخ
  • اختيار كيا EV3 ضمن المركبات الثلاثة المتأهلة للتصفيات النهائية في فئات متعددة لجوائز السيارات العالمية لعام 2025
  • أفضل المطاعم التي تقدم المشاوي في الأردن
  • عاجل: المواقع التي استهدفها الطيران الأمريكي مساء اليوم في صنعاء
  • مصدران لـCNN: خطط الضربات على الحوثي التي أفصح عنها وزير الدفاع الأمريكي عبر سيغنال سرية للغاية
  • تعليم قنا تكرم الحاصلين على مراكز دولية في العلوم واللغة الإنجليزية
  • 7 نصائح للوقاية من تساقط الشعر
  • نبوءة الشعر بين الأدب والسلطة متن القصيدة في شعر أحمد مطر