لجريدة عمان:
2025-04-06@16:48:04 GMT

المرآة الأيديولوجية

تاريخ النشر: 23rd, September 2023 GMT

تخوض الكاتبة والناشطة اليسارية، نعومي كلاين، في كتاب صُدر لها حديثا بعنوان «Doppelganger» «الشبيه»، في التشابك الغريب بين الاستقطاب السياسي، والحقائق المعترض عليها، ووسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة في كل مكان والمميِّزة لعصرنا الحالي. وتبحث نعومي في «العالم المرآة» لنظريات المؤامرة والدعاية اليمينية المتطرفة عبر الإنترنت، لتقدم رؤى فريدة من نوعها عن الواقع الرقمي المرير الذي نعيش فيه.

ويُلمح عنوان Doppelganger إلى نعومي وولف، الكاتبة النسوية التي تحولت إلى مُنظِّرة المؤامَرات، والتي كثيرًا ما يقع الخلط بينها وبين كلاين. فخلال جائحة كوفيد-19، كانت وولف مدافعة قوية عن الأفكار المناهضة للقاح، وكثيرا ما كانت تظهر على منصات اليمين المتطرف بادعاءات مفادها أن تدابير الصحة العامة جزء من مؤامرة عالمية ماكرة. وعندما تقارن كلاين مسارها مع مسار وولف، فإنها تُظهر مستوى من الوعي الذاتي لم يكن واضحًا في أعمالها السابقة كما هو الآن، لتقدم بذلك نقدًا صريحًا للعلامة التجارية الشخصية التي طورتها على مر السنين.

وتتمتع كلاين، وهي أستاذة لشعبة العدالة المناخية في جامعة بريتيش كولومبيا، بسجل زاخر بالأعمال الناجحة تُغبط عليه. إذ تلقى أكثر كتبها مبيعا، التي تتناول قضايا مثل التهديد المتمثل في تغير المناخ، والدور المفرط للمال في السياسة الأمريكية، والقرار الكارثي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بغزو العراق، صدى لدى قرائها الذين تتشكل غالبيتهم من الليبراليين.

ولكن كلاين تتطرق في كل كتاب من كتبها إلى أطروحة معيبة، مع أن صياغتها أصلية، وعنوانها لافت للانتباه، وتطبيقها جاذب للاهتمام. وخير مثال على ذلك، كتابها الأول «No Logo»، الذي نُشر في عام 1999، بعد وقت قصير من الاحتجاجات المناهضة للعولمة التي اندلعت أثناء اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل. واستهدف الكتاب الشركات المتعددة الجنسيات التي استثمرت بكثافة في العلامات التجارية، بينما كانت تنقل عمليات الإنتاج إلى العمال ذوي الأجور المنخفضة في البلدان النامية.

ومن المؤكد أن بعض الشركات الأمريكية أصبحت ضخمة جدا ومخلة بقواعد المنافسة، الأمر الذي يستلزم وضع قواعد تنظيمية أكثر صرامة من تلك التي واجهتها في العقود الأخيرة. كذلك، لا تخلو حجة كلاين التي مفادها بأن الشركات الأمريكية تزدهر في ظل ثقافة استهلاكية مفرطة من الصحة. وفضلا على ذلك، تشكل الشركات المتعددة الجنسيات البارزة أهدافاً أكثر قابلية للتأثر سياسيا مقارنة مع الشركات الصغرى والأقل صيتا.

ومع ذلك، قد يجادل العديد من الاقتصاديين بأن الشركات المتعددة الجنسيات التي تنشط في الاقتصادات المنخفضة الأجور توفر للعمال الفقراء مستويات معيشية أفضل مما كانوا سيحصلون عليه في شركات أخرى. ولنأخذ على سبيل المثال النمو الاقتصادي في دول مثل بنغلاديش وفيتنام. ففي حين يحصل العمال في البلدان النامية على دخول منخفضة، فإن العمل في «مصنع استغلالي» لشركة متعددة الجنسيات يوفر لهم فرصاً أفضل من البدائل المحلية.

ومع أن هذا النقاش مألوف، إلا أن «No Logo» وضع تعريفا أصليا للعلامة التجارية باعتبارها جوهر المشكلة. ولكن هذا أمر بعيد كل البعد عن تحقيق الهدف، حيث أن الشركات الصغرى المجهولة التي لا تملك علامات تجارية راسخة، يمكن أن تكون عائقا أمام الاستدامة البيئية أو غيرها من الأهداف الاجتماعية، شأنها في ذلك شأن الشركات الكبرى التي تحمل الأسماء التجارية المعترف بها. وفي الواقع، غالبا ما تكون الشركات الكبرى مهووسة بسمعتها، مما يجعلها أكثر استجابة للضغوط التي يمارسها الناشطون. وغالبا ما تكون الشركات المتعددة الجنسيات البارزة هي التي تعمل على تعزيز المعايير البيئية ومعايير العمالة، وليس الشركات الصغرى.

وفي عام 2007، أصدرت كلاين The Shock Doctrine، وهو نقد للاقتصاد النيوليبرالي. وفي حين أن المناقشات التي تتناول دور الحكومة في الاقتصاد ليست وليدة اليوم، فإن مصطلح «الليبرالية الجديدة» مازال مبهما. وإذا كان يدل على الإيمان برأسمالية عدم التدخل البحتة ومعارضة أي تنظيم، فإن قلة قليلة من الاقتصاديين والسياسيين يرتقون إلى هذا المعنى. وقد تعني النيوليبرالية أن الهيئات التنظيمية لا ينبغي لها أن تتدخل إلا لمعالجة حالات إخفاق محددة في السوق مثل التلوث، والاحتكارات، وعدم تناسق المعلومات- وهي وجهة النظر التي تتفق بصورة أوثق مع النظرية الاقتصادية السائدة.

ويتجلى الحس الإبداعي للكتاب في كونه يركز على ادعاء كلاين بأن المحافظين الأمريكيين يستفيدون من الأزمات الوطنية لحشد الدعم الشعبي للسياسات التي لا يمكنهم سنها بطريقة أخرى. وأبرز مثال على ذلك، هو استغلال بوش و نائبه في فترة توليه للرئاسة، ريتشارد تشيني، للصدمة النفسية العميقة الناجمة عن الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، في الولايات المتحدة لحشد الدعم للحرب في أفغانستان والعراق. ومن المثير للاهتمام أن بوش وتشيني رأيَا أيضًا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر فرصة مناسبة لممارسة ضغوط من أجل تخفيض الضرائب.

ومع ذلك، هناك العديد من الأمثلة التاريخية لليبراليين الذين يستخدمون الأزمات لحشد الدعم الشعبي لأجنداتهم. فعلى سبيل المثال، استغل الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي خلفتها أزمة الكساد الأعظم لتفعيل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي أقرتها الصفقة الجديدة. وعلى نحو مماثل، استفادت إدارة باراك أوباما، بموجب منطق مفاده أن «عدم استغلال الأزمات أمر فظيع»، من أزمة الركود في الفترة 2007-2009 للتغلب على المعارضة الجمهورية الشرسة، وسن قوانين إصلاحات دود-فرانك المالية، وقانون الرعاية الميسرة.

وتجادل كلاين في كتابها الذي صدر عام 2014 بعنوان «This Changes Everything»، بأن الرأسمالية مسؤولة بالدرجة الأولى عن تغير المناخ، وتؤكد أن معالجة أزمة المناخ تتطلب إصلاحًا شاملاً للنظام الاقتصادي العالمي. ولكن في حين يمكن القول بأن التصنيع والنمو الاقتصادي يؤديان إلى انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي، فإن الحقيقة هي أن الاقتصادات الاشتراكية الموجهة، مثل اقتصادات الكتلة السوفييتية السابقة، شهدت مستويات تلوث أعلى بكثير مقارنة مع نظيراتها الرأسمالية الغربية.

والأهم من ذلك أننا لا نحتاج إلى التخلي عن الرأسمالية لمكافحة تغير المناخ. بل على العكس من ذلك، يمكن أن تؤدي الاستفادة من الآليات القائمة على السوق، مثل ضرائب الكربون، وتصاريح الانبعاثات القابلة للتداول إلى تراجع تكاليف الانتقال إلى اقتصاد محايد للكربون، ومن ثم جعل التحول أكثر قابلية للتطبيق على المستوى السياسي. ويمكن أيضاً تسخير التجارة الدولية لصالح البيئة.

ولطالما ادعى منكرو تغير المناخ أن الحملة الرامية إلى تخفيف الانحباس الحراري العالمي هي مجرد حيلة يسارية لتوسيع حجم الحكومة ونطاقها. وفي حين أن حركة المناخ متجذرة بقوة في البحث العلمي وليس في أي أيديولوجية مؤيدة للحكومة، فإن حجة كلاين المناهضة للرأسمالية أعطت مصداقية عن غير قصد لمثل هذه الادعاءات. وتَعزز هذا التصور بدرجة أكبر عندما أدرج الديمقراطيون تدابير غريبة مثل ضمان الوظائف الفيدرالية في تشريع «الصفقة الخضراء الجديدة».

وعلى عكس كتب كلاين السابقة، يتضمن كتاب Doppelganger الكثير من التأمل الذاتي. إذ بفحصها لأساليب اليمين المتطرف العدوانية التي تتحدى الحقائق، فهي تدخل في صراع مع قيودها الخاصة. إذ كتبت قائلة: على مدى سنوات كنت أقول لنفسي (وللآخرين) أنني أعارض العلامة التجارية، ولكن ها أنا ذا، أحاول إثبات ذاتي السيادية أمام نسخة أخرى مني «خارج العلامة التجارية»، في إشارة منها إلى «نعومي الأخرى».

وقد تكون هذه معلومة مهمة من Doppelganger.إذ عِوض الاكتفاء بالإشارة إلى المفاهيم الخاطئة الجامحة لدى خصومنا السياسيين، بوسعنا أيضاً أن ندرك بعض القيود التي نشترك فيها ونواجهها معاً. سواء كنا من اليمين أو من اليسار، مؤلفين أو قارئين، فإننا غالبا ما نعتمد كثيرا على العلامات التجارية، والشعارات، والعناوين الرئيسية، والتعميمات، والشخصيات، والفرق، والميمات، والمخططات. وإذا اعترفنا بميلنا الجماعي نحو التفكير القبلي وحتى التآمري، يمكننا أن نفهم لحظتنا الثقافية الحالية فهما أفضل.

جيفري فرانكل كان أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد وباحث مشارك في المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: تغیر المناخ أن الشرکات فی حین

إقرأ أيضاً:

غدا.. كمبالا تستضيف محادثات لصياغة أجندة المناخ الإفريقية قبل COP30

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تعقد مفوضية الاتحاد الأفريقي، واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، وبنك التنمية الأفريقي غدا /الإثنين/ وبعد غد /الثلاثاء/ محادثات المناخ الأفريقية السادسة في كامبالا بأوغندا، بالشراكة مع المنتدى البرلماني الأوغندي، والتحالف الأفريقي للعدالة المناخية، والمركز العالمي للتكيف، واليونيسف. 
وسيجمع هذا الحدث ممثلين حكوميين، وخبراء فنيين، ومنظمات حكومية دولية، وقادة من القطاع الخاص، وجهات فاعلة غير حكومية، بما في ذلك منظمات غير حكومية، وشباب، ومجموعات نسائية، ومجتمعات السكان الأصليين، لبناء توافق في الآراء وتنسيق استراتيجية مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثين للمناخ (COP30)، المقرر عقده في بيليم، البرازيل، في نوفمبر 2025. 
ويهدف موضوع الاجتماع "إعادة النظر في التمويل والطموح للعمل المناخي، والنمو الأخضر والتنمية في أفريقيا: قضية عدالة" إلى تعزيز الجهود الجماعية لأفريقيا لصياغة أجندة المناخ العالمية.
كما ستُقيّم المناقشات نتائج مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين، لا سيما فيما يتعلق بتمويل المناخ، والتكيف، والانتقال العادل، والتعويض عن الخسائر والأضرار، كما سيستكشف الاجتماع التقدم الذي أحرزته القارة في مواجهة التحديات الناجمة عن تغير المناخ في مجالات الصحة، والمساواة بين الجنسين، والنمو الاقتصادي، والإدارة المستدامة للموارد.
وسيقود وفدَ البنك جيمس كينيانجي، منسق الصندوق الخاص للمناخ والتنمية التابع لمجموعة البنك الأفريقي للتنمية. 
وتعكس مشاركة مجموعة البنك في محادثات المناخ في أفريقيا التزامها بدفع عجلة التنمية القادرة على التكيف مع تغير المناخ وتعبئة الموارد اللازمة لانتقال أفريقيا إلى اقتصاد منخفض الكربون. 
كما سيساهم وفد البنك في المناقشات الفنية حول دور بنوك التنمية متعددة الأطراف في سد فجوات تمويل المناخ في أفريقيا، وتعزيز تدابير التكيف، وضمان انتقال عادل وشامل.

مقالات مشابهة

  • دراسة: قدرة الأرض على تخزين المياه تتراجع بفعل تغير المناخ
  • اللهم نصرك الذي وعدت ورحمتك التي بها اتصفت
  • غدا.. كمبالا تستضيف محادثات لصياغة أجندة المناخ الإفريقية قبل COP30
  • الذهب والفضة ينخفضان مع تصاعد الحرب التجارية التي أعلنها ترامب
  • ذكاء اصطناعي يشكك في أزمة المناخ والعلماء يحذرون
  • فيبي فوزي: الشركات التجارية تلعب دورا في دفع عجلة التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل
  • تغير المناخ يهدد زراعة الموز في أميركا اللاتينية
  • سري الدين: الاقتصاد يعتمد على الشركات التجارية لدعم مسيرة التنمية
  • ستارمر: سأحمي الشركات البريطانية من عاصفة ترامب التجارية
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن