المواطنة والانتخاب
تاريخ النشر: 19th, September 2023 GMT
د. خالد بن حمد الغيلاني
khalid.algailni@gmail.com
@khaledalgailani
بعد أيام قلائل يُطِلُ علينا شهر أكتوبر الحافل بالعديد من الفعاليات على المستوى المحلي، لكن أهم حدث فيه سيكون انتخاب أعضاء مجلس الشورى للفترة العاشرة، هذا المجلس الذي غدا اليوم مؤسسة واضحة المعالم، مكتملة الأركان، تمثل ذراعًا من أذرع السلطة التشريعية، يقوم بدوره ويؤدي واجبه، ويعمل مع مختلف مؤسسات البلاد على القيام بالمهام المنوطة به، والتي حددها النظام الأساسي، وفصّلها قانون مجلس عمان.
منذ بواكير نهضة عُمان والشورى نهج سلطاني، ومبدأ من مبادئ الحكم، ومرتكز من مرتكزات التنمية، ومع مرور السنوات ومجلس الشورى في تطور خاصة فيما يتعلق بالمساحة الممنوحة له من الصلاحيات والإمكانيات،
وحقيقة أن ما دفعني للكتابة في هذا الجانب أمران مهمان؛ الأول: أنني قريب من هذه المؤسسة الرائدة وأعلم ما تقوم به من أدوار وطنية من خلال أعضاء المجلس الكرام والأمانة العامة، وإن غابت عن البعض معرفتها؛ فهذا لا يقدح أبدًا، ولا ينتقص من الجهود التي يبذلها مجلس الشورى وأمانته العامة. وكثيرًا ما أنزعج شخصيًا ممن يشير إلى عمل الشورى العماني على أنه تجربة؛ لا ليس تجربة؛ بل عمل مؤسسي، ومسيرة مُكلَّلة بالإنجازات، وأدوار يشار إليها بالبنان.
الأمر الثاني: أن هذه الدعوات التي تظهر من هنا وهناك بعدم الانتخاب، أو أن المجلس لا حاجة له، أو الانتقاص من أدواره، أو المطالبة بإلغاء مكافآت أعضائه، وغيرها من الدعوات التي ومن وجهة نظر خاصة، غلبت العاطفة فيها على العقل والمنطلق.
ولعلي أفنِّد في هذا قليلًا؛ فمسألة الصلاحيات المحددة للمجلس، واضحة تمامًا في قانون مجلس عمان، وهي صلاحيات تشريعية مشتركة مع مجلس الدولة؛ لها أسسها، ونظامها، وآليات عملها، وهناك صلاحيات رقابية من خلال عدد من أدوات المتابعة الواردة في القانون، مع مراجعة للاتفاقيات التي تحال للمجلس، وكذلك مراجعة الموازنة العامة ورفع التوصيات حولها.
ولو نظرنا إلى المادة (27) من قانون مجلس عمان؛ والتي نصت على: "تنحصر اختصاصات أعضاء مجلس عمان فيما نص عليه هذا القانون، وتكون ممارستها بما لا يتعارض مع اختصاصات الجهات الأخرى".
والواضح من هذه المادة أن اختصاصات المجلس محددة بما ورد في القانون فقط، وهذه الصلاحيات تتطلب التنسيق مع الجهات الأخرى منعًا للتداخل في الأدوار والواجبات.
وأحسن المشرع بذلك؛ لأن مآل كل السلطات إلى مقام السلطان المعظم، ولأن العمل بهذا الشكل هو أفضل الأساليب التي توفِّق بين أعمال السلطات الثلاث، وبلادنا الغالية في تحديد صلاحيات ومهام السلطات الثلاث، وتفعيل التكامل بينها، وتعزيز عمل كل منها، وحفظ الحقوق، وضمان الهيبة رائدة ولدينا من الخبرة ما يكفي للمضي قدمًا في قيام الجميع كل بدوره، ومن موقعه.
وإلغاء المجلس- كما يطلب البعض- أمر غير واقعي ولا يتفق تمامًا مع توجهات البلاد، ومسيرة التنمية فيها، وهو ليس مجلس وجاهة، وإنما مجلس ثابت، واقف على صلابة من رسوخ الشورى، ومتطلب التنمية، ولا يمكن إغفال دوره الوطني، وإن حاول البعض التقليل من هذا الدور؛ فإن لغة الأرقام، والمؤشرات تتحدث عن عمل كبير، وجهد مبذول، وتفعيل للأدوات في إطار ما حدده القانون، ونظمته اللائحة.
والمطالبة بإلغاء مكافأت الأعضاء؛ فهذا أمر مستغرب تمامًا، وليس له علاقة بالعمل الوطني، فالعضو مواطن يقوم بعمل رسمي من خلال مهام محددة، اقتضت عضويته ترك وظيفته العامة، وتمثل المكافأة تعويضًا لجبر الضرر، وتأكيدًا لمبدأ الموضوعية والشفافية والرقابة التي تمثل جزءًا من عمل عضو المجلس.
إن متطلبات المواطنة الحقة تفرض علينا جميعًا القيام بهذا الواجب الوطني، والمشاركة بكل فعالية في انتخابات مجلس الشورى الذي نفخر به، ونسعد بإنجازاته، فكيف تكون مواطنًا متمتعًا بكل حقوق المواطنة، ولا تشارك في حق أصيل لك كفله النظام، وشرّعه القانون؛ بل هو على وجه التحديد واجب على الجميع القيام به، والمشاركة فيه.
وعلى كل مسؤول من موقع المسؤولية حَث كل الذين يعملون في حدود مسؤولياته للمشاركة في العملية الانتخابية، واختيار من يمثلهم، تمثيلًا حقيقيًا، ويقوم بدوره الوطني بالشكل المطلوب، وعلى أساس الأمانة، والوفاء بالقسم.
لقد آن الآوان لتغليب الصالح العام عند الاختيار، بعيدًا عن المُحاصصة، والقبلية، والكوتة الانتخابية، وجعل معيار الكفاءة هو المحدد للجميع في اختيار من يمثلهم.
إنها أمانة وإنها مسؤولية وإنها واجب لا مجال لتركه أو التهاون فيه، وأعجب ممن يتفاخر بأن اسمه غير مسجل في السجل الانتخابي، وأنه لم ينتخب أبدا، فعلى مثل هؤلاء مراجعة حساباتهم.
بقي أمر واحد وهو الوعود التي يقطعها المُرشَّحون على أنفسهم، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون الوفاء بها، ولا يملكون ذلك، وكثير منها لا تقع ضمن أعمال عضو مجلس الشورى، على هؤلاء العودة لحقيقة عمل المجلس وبناء خطط عملهم من خلالها، فكيف لعضو أن يعد بتوظيف الباحثين، وترقية الموظفين، وإعادة المُسرَّحين، وتغيير نظام التعليم، وتوفير فرص الدراسة الجامعية للجميع، هذه وعود غير واقعية بالنسبة لمن يرغب في الترشح، وحديث حول إشكالات تتطلب قدرات على مستوى الدولة، ومؤسسات السلطة التنفيذية فيها.
وحتى لا يسيء البعض فهم مقصدي، فأنا هنا أعني من يعد هذه الوعود على الاطلاق، أما من يعد بإيجاد حلول لها وفقا لصلاحياته وبالتنسيق مع الجهات ذات الاختصاص فهذا مترشح عرف ما له وعليه.
نلتقي جميعا أيها الكرام يا بني وطني في يوم الانتخابات، بإذن الله تعالى، والقلوب والعقول تنتخب عمان. حفظ الله تعالى عُماننا عزيزة أبية، وسلطاننا مهيبًا مُطاعًا، وأبناء عُمان أعزّة كرامًا.
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
محاكمة نتنياهو ولجنة القضاة.. تعرّف على الأزمات التي تهدد بانهيار النظام القضائي الإسرائيلي
نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، مقالا، لرئيس معهد سياسة الشعب اليهودي (JPPI) وأستاذ القانون بجامعة بار إيلان، يديديا شتيرن، أكّد فيه: "في الوقت الذي يزعم فيه الاحتلال أنه يقاتل أعداءه على سبع جبهات حربية عسكرية، فإن هناك جبهة ثامنة لا تقل شراسة عن تلك الجبهات".
وأوضح المقال الذي ترجمته "عربي21"، أنّ الجبهة الثامنة تتمثّل بـ"الجبهة الداخلية، حيث تتمثل استراتيجية الحكومة في "قصفها" من خلال وضع العديد من القضايا الإشكالية على أجندة الجمهور".
"بالتالي إرهاقه، وتعزيز الأغراض التي لا يمكن الترويج لها في سياق الشؤون العادية، وبعضها قد تكون مجرد كلام فارغ" بحسب المقال نفسه، مؤكدا أنّ: "آخر عمليات القصف التي تقوم بها الحكومة على جبهتها الداخلية تمثّلت بقرارها حجب الثقة عن المستشارة القانونية".
وأضاف: "هذه خطوة دعائية لن تؤدي لنتائج عملية، إذ تقف في طريقها عقبات قانونية لا يمكن التغلب عليها، وفي حالات أخرى، يكون الهدف تغيير الواقع، مثل مشروع قانون تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة، الذي يوشك أن يدخل القانون الأساسي، دون أي احتجاج شعبي تقريباً، رغم خطورته الهائلة".
وأردف أنّ: "قرارات الحكومة تشعل بكل قوتها الجبهة الداخلية الثامنة: "إسرائيل ضد إسرائيل"، فالحكومة ووزراؤها يدفعون الإسرائيليين إلى حافة خلاف عميق حول القضايا الأكثر محورية في حياتهم، وكأنها: تقطع اللحم الحي أثناء الحرب".
وأبرز: "عشية التعبئة الواسعة النطاق لجيش الاحتياط، وتثير عواقبها قلقاً هائلاً وإحساساً واضحاً بالطوارئ بين غالبية الجمهور، بما في ذلك أنصارها"، مشيرا إلى أنّ: "كل واحدة من هذه القضايا هي قضية رئيسية بحد ذاتها".
واستطرد: "في حين أن قضايا أخرى أكثر خطورة لا تستحوذ على اهتمام الحكومة، لاسيما معضلة إعادة الأسرى في مواجهة الحرب المتجددة في غزة، ما يثير أسئلة مهمة ذات طبيعة وجودية، وأخلاقية، وأمنية".
"صحيح أن اختيار القتال هو قرار الحكومة، لكن الاحتجاج ضده خشية ان يؤثر على عودة الأسرى، لا يجب أن يكون مرتبطا بالاحتجاجات الأخرى ضد تحركات الحكومة الأخرى ذات الطابع الإشكالي" وفقا للمقال نفسه الذي ترجمته "عربي21".
وأوضح أنه: "كان ينبغي أن تنتهي محاكمة رئيس الوزراء منذ زمن طويل، وقد تم اقتراح أفكار بشأن صفقة إقراره بالذنب، والوساطة الجنائية، وأكثر من ذلك، وعرضت الدوائر القانونية كثيرا من المقترحات لحلّ هذه الإشكالية، لاسيما من قبل أهارون باراك، الرئيس الأسبق للمحكمة العليا، المسمى "قائد الدولة العميقة"، وأفيخاي ماندلبليت، المستشار القانوني الأسبق للحكومة، الذي قدم لائحة الاتهام ضد نتنياهو".
وأضاف أنّ: "الجهات القانونية الحالية في الدولة تتجاهل هذه الصيغ الوسط لحل معضلة محاكمة نتنياهو، وهي في ذلك لا تتخذ القرارات الشجاعة التي ترى الصورة الكبيرة، وبالتالي تتحمل المسؤولية عن مستقبل الدولة، ومقدمة لـ"هدم المعبد على رؤوس الإسرائيليين جميعاً" وفق صيغة علي وعلى أعدائي، وهذا منهج لا ينبغي لنا أن نسير على خطاه، مما يجعل من خطوة إنشاء لجنة تحقيق حكومية في كل أخطاء الحكومة وإخفاقاتها أمرٌ بالغ الأهمية لتعزيز بقاء الدولة".
ولفت أنّه: "سيتم الاتفاق مسبقًا على أن يقتصر تفويض اللجنة على التحقيق في العمليات والمؤسسات، وليس بالضرورة العثور على الجناة، الأمر الذي يتمثل بعدم توجيه إصبع الاتهام إلى فرد بعينه، بل التحقيق في إخفاقات البنية التحتية في عمليات التفكير والتشغيل للنظام المسؤول عن أمن الدولة".
"وأن يكون هدف اللجنة هو تصحيح مسارها، وهنا يُمكن إجراؤه بكفاءة أكبر، دون تحذيرات أو محامين، وبصورة علنية، ودون أن تُصبح نتائجه موضع جدل، وبالتالي يتم تقويضها من قبل صناع القرار في الدولة" استرسل المقال ذاته.
وأكد أنّ: "العديد من إخفاقات حكومة الاحتلال بحاجة لتوضيح كامل، لأن تقويض النظام السياسي للدولة هو الخطر الأكبر على مستقبلها، وهذا ممكن بعد أن نجحت التحركات الحكومية في خلق حالة من عدم الثقة لدى الكثيرين تجاه الأفراد والمؤسسات المسؤولة عن سيادة القانون".
ومضى بالقول: "يجب أن نعترف بصراحة أن قرارات وسلوك أجزاء من النظام القضائي ساهمت أيضًا في هذه النتيجة الكارثية، مع أن جزءً أساسياً منها قد يكون استوحاه بنيامين نتنياهو من أفكار الرئيس دونالد ترامب".
وفي السياق نفسه، حذّر من أنّ: "القلق الكبير والفوري أن تحكم المحكمة العليا بأن إقالة رئيس جهاز الشاباك رونين بار غير قانونية، لكونها إجراءً غير سليم، ولأن المعايير القانونية المنصوص عليها في القانون الإداري، وتشكل شرطاً لشرعية الإقالة، لم يتم استيفاؤها".
وختم بالقول إنه: "في هذه الحالة سيجادل رئيس الوزراء بأن المحكمة تجاوزت سلطتها، ولا ينبغي الامتثال لحكمها، وفي هذه الحالة قد يُرسّخ رئيس الشاباك نفسه في منصبه، وهنا سيسأل الجميع: من سيقرر، أم ستصبح دولة الاحتلال "جمهورية موز"، وتدخل في مواجهة مباشرة ومصيرية بين مراكز قواتها".