أرض الموت.. مقابر فورية لمن يجهل الطريق واحتجاز لتربة خصبة ومنع العراق من زراعتها- عاجل
تاريخ النشر: 18th, September 2023 GMT
بغداد اليوم- بغداد
يطلق الكثيرون على مناطق مترامية الاطراف تقع على الحدود بين العراق وايران من جهة مدينتي مندلي وقزانية، تسمية "ارض الموت" نظرا لاحتوائها على عشرات الالاف من الالغام والذخائر غير المنفلقة التي تعود لحرب الثمانينات من القرن الماضي ولاتزال مصدر تهديد لكل من يضل الطريق ويخترق علامات التحذير.
مدير ناحية قزانية (94كم شرق بعقوبة) مازن الخزاعي اكد في حديث لـ"بغداد اليوم"، عدم وجود احصائية متكاملة عن عدد الالغام والذخائر غير المنفلقة في المناطق الحدودية مع ايران لكن كل التقديرات تشير الى انها عشرات الالاف تنتشر ضمن مناطق مترامية جدا".
واضاف، ان "اكثر من 20 شخصا اغلبهم من الرعاة كانوا ضحايا بعد 2003 لأرض الموت بسبب انفجار الالغام والذخائر"، مؤكدا بأن "2023 لم يشهد اي انفجار وفق ما مدون لدينا".
واشار الى ان "الدفاع المدني وضع لافتات تحذيرية في مناطق عدة من اجل منع اقتراب الرعاة والصبية من حقول الالغام وهي مفيدة جدا بالاضافة الى تحذيرات الاهالي لابنائهم"، لافتا الى انه "كانت هناك محاولات لرفع الالغام لكن احداث 2014 اجلت كل شي".
اما احسان اللامي مزارع من سكنة قرى الحدود قال بان "الالغام تنتشر على بعد 3 كم من قريته وهو يتذكر وجوه العديد من ضحاياها من اقاربه"، لافتا الى أن "حقول الالغام تنتشر في اراض خصبة جدا لكن الموت يمنعنا من استثمارها".
واضاف، انه "في بعض مواسم السيول تنجرف العديد من الالغام صوب القرية والاراضي الزراعية ويتم رفعها من قبل فرق الدفاع لمدني"، مؤكدا باننا "اعتدنا الحياة بجوار ارض الموت".
مصائد للسيول البشرية المقاتلة
اما عدنان الشمري ضابط سابق في الهندسة العسكرية قال إن "المعارك الطاحنة بداية الحرب العراقية – الايرانية باتجاه مندلي دفعت الى اقامة حقول ضخمة من الالغام من اجل التصدي لسيول بشرية من الجنود في هجمات طاحنة انذاك".
واضاف، ان "جميع خرائط انتشار الحقول موجودة في وزارة الدفاع وكان هناك جهد لرفع بعض المحاور لكن تداعيات احداث حزيران 2014 اجلت الامر برمته انذاك".
واشار الى ان "التقديرات الاولية قد تصل الى 100 الف لغم ومقذوف وربما اكثر لان مساحة انتشارها يصل الى 70كم على الاقل".
وتبلغ حجم مساحات التلوث المسجلة لدى دائرة شؤون الألغام في العراق اكثر من 6 الاف و400 كيلومتر مربع، تم تطهير 3767 كيلومترا مربعا، ويجري العمل حاليا على نحو 490 كيلومترا مربعا، أي أن المساحة الملوثة الباقية هي بحدود 2149 كیلومترا مربعا، بحسب دائرة شؤون الالغام.
وصنفت الأمم المتحدة العراق في وقت سابق، كأكثر دول العالم تلوثا بالألغام، حيث تبلغ المساحة الملوثة بالألغام بها ثلاثة مليارات متر مربع.
المصدر: وكالة بغداد اليوم
كلمات دلالية: الى ان
إقرأ أيضاً:
حين يسقط البرميل وترتجف الدولة... العراق بين لعنة الريع وشبح التعرفة- عاجل
بغداد اليوم - بغداد
في خضمّ موجات الأسواق التي لا ترحم، وبين تعقيدات الإقليم وتقلبات واشنطن، بدا العراق مرة أخرى مكشوفًا وعاريًا أمام ضربة جديدة في خاصرته الأضعف: النفط.
في تغريدة لافتة لرئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية الدكتور ماجد شنكالي، دوّى التحذير من خسائر جسيمة قد تُمنى بها البلاد إثر هبوط أسعار النفط الخام بنحو 13% خلال 48 ساعة فقط، أي بما يعادل عشرة دولارات للبرميل، في وقت لا تزال فيه موازنة العراق تعتمد على هذا الذهب الأسود بنسبة تتجاوز التسعين في المئة، دون أن تُبدي الدولة أي علامات تحوّل جادّ نحو بدائل اقتصادية حقيقية.
التحذير لم يكن تقنيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل حمل نفَسًا سياسيًا واضحًا حين أشار شنكالي إلى أن كثيرًا من قوانين التعرفة الكمركية التي فرضها ترامب، أو تلك التي يُعدّها بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي، تنطوي على مخاطر حقيقية على الدول التي لا تمتلك قدرة تفاوضية أو اقتصادية كافية، لكن بعض الأصوات في الداخل، كما وصفهم، يتعجلون في إطلاق الأحكام دون وعي بالسياقات الإقليمية والدولية التي تحكم حركة السياسة والنفط والتجارة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يُستدعى فيها شبح انهيار السوق ليذكّر العراقيين بأن اقتصادهم معلّق بخيط واحد، هشّ، قابل للاهتزاز عند أول عاصفة. فمنذ سنوات، وبالرغم من التصريحات المتكررة حول "تنويع مصادر الدخل"، لم يتمكن العراق من بناء قاعدة إنتاجية محلية، بل ظل عالقًا في دوامة الاستيراد والإنفاق الحكومي المرتفع، دون إصلاح بنيوي حقيقي. كل خطة إصلاح تنطلق بأمل، وتخبو سريعًا عند أول تحدٍّ سياسي أو مصالح فئوية. والنتيجة أن الدولة التي يُفترض أن تكون راعية للنمو والتنمية، تحوّلت إلى كيان ريعيّ يتغذى على الإيرادات النفطية، ويفشل كل مرة في استثمارها لبناء قاعدة اقتصادية صلبة.
في خلفية المشهد، يلوح شبح القوانين الأمريكية التي تحاول إعادة تشكيل قواعد التجارة الدولية عبر فرض رسوم جمركية جديدة على بضائع الدول ذات الاقتصادات الهشة، وهو ما يُعرف اختصارًا بـ"مشروع ترامب الكمركي". وإذا ما طُبّق هذا المشروع بالشكل الذي يُناقش حاليًا داخل الكونغرس، فإن كلف الاستيراد في العراق ستتصاعد بشكل كبير، خصوصًا وأن أكثر من 80% من الحاجات الغذائية والصناعية والطبية في البلاد تأتي من الخارج. ومن دون قدرة حقيقية على ضبط المنافذ الحدودية أو فرض التعرفة الموحدة، فإن السوق العراقية ستتحول إلى ساحة مفتوحة لا تعرف السيادة الجمركية ولا العدالة في التنافس.
الخطورة في هذا السياق لا تكمُن فقط في أثر تلك القوانين، بل في غياب الوعي السياسي العميق في الداخل، كما أشار شنكالي، حيث يخرج البعض من المراقبين والمعلقين لينتقدوا أو يُهاجموا دون امتلاك أدوات الفهم أو الاطلاع على الخريطة المعقدة للعلاقات الدولية. وهنا لا يصبح الجهل مشكلة فردية، بل يتحول إلى أزمة قرار تُصاغ في البرلمان أو الإعلام بناءً على شعارات لا على قراءات واقعية. وكلما زاد هذا النوع من الانفصال بين ما يُقال وما يجري، كلما تعمّق الجرح في جسد الاقتصاد العراقي المنهك أصلًا.
من وجهة أخرى، فإن هذا التحذير البرلماني يفتح الباب أمام تساؤل أكبر: كيف يمكن لدولة تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم أن تعيش تحت رحمة تقلبات البرميل؟ ولماذا لم تتمكن الطبقة السياسية، خلال أكثر من عقدين، من خلق بيئة اقتصادية قادرة على التحمّل والصمود؟ ربما لأن الدولة، منذ تأسيسها بعد 2003، تأسست بوصفها نظام محاصصة لا مشروع وطن، فتم تقاسم الإيرادات لا تطويرها، وأُنفقت الأموال على الوظائف الشكلية لا على الإنتاج، وتمت حماية الاستيراد بدلًا من تحفيز الصناعة المحلية.
اليوم، يعود النفط ليؤكد أن الريع لا يُبنى عليه وطن، وأن كل انخفاض في السوق العالمي هو صفعة على وجه الدولة التي لم تتعلّم من دروسها السابقة. وإذا ما ترافق هذا الهبوط مع قوانين كمركية أمريكية قاسية، فإن الموازنة العراقية لن تترنّح فقط، بل قد تسقط تمامًا في فراغ التمويل والعجز، لا سيما وأن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يلوّحان بشروط قاسية لأي دعم مستقبلي.
إن تحذير شنكالي، وإن بدا اقتصاديًا في ظاهره، يحمل في عمقه نداءً سياسيًا وأمنيًا، لأن هشاشة الاقتصاد لا تُهدد الرواتب والخدمات فحسب، بل تُضعف قدرة الدولة على الحفاظ على السلم الأهلي، وتُغذي شبكات الفساد التي تجد في كل أزمة منفذًا جديدًا للنهب. وفي ظل صمت حكومي لافت حيال الانهيار الأخير في أسعار النفط، يبقى السؤال معلقًا في فضاء الأزمة: من يصحو أولًا؟ الدولة أم الكارثة؟ وهل يكفي تحذير برلماني واحد لإيقاظ حكومة بأكملها من سبات الغفلة؟
المصدر: بغداد اليوم + وكالات